التشريع للحق في السكن بين المنظور الدولي وواقع الالتزام المحلي
pdf

 

 

 

 

د. شوقي قاسمي

جامعة بسكرة (الجزائر)

الملخص:

يتناول هذا العمل، إشكالية التطور المسجل في مفهوم الحق في السكن، ضمن حزمة الصكوك الدولية والإقليمية من جهة، ومن جهة أخرى واقع الالتزام الفعلي الذي أبانت عنه الكثير من الدول بما فيها الجزائر، والتي سعت جاهدة لتكريسه من خلال التكييف المدرج على منظوماتها التشريعية، بوصفه أحد أوجه استكمال حقوق الإنسان التي نادى بها المجتمع الدولي بعد الحرب الكونية الثانية.

الحق في السكن، الصكوك الدولية والإقليمية، العهد الدولي لحقوق الإنسان.

Résumé:

L’objet de cet article concerne la problématique de l’évolution enregistrée dans l'usage du concept du « droit au logement», dans le cadre des dispositifs régionaux et internationaux d’un coté et de l’autre, les engagements réels observés dans divers pays dont l’Algérie, à travers le travail d’adaptations de leurs textes législatifs, entant que l’un des aspects visant la recherche de conformité avec les droits de l’homme réclamé par la communauté internationale après la seconde guère mondiale.

مقدمة:

استأثر موضوع الحق في السكن باهتمام واسع، من قبل المجتمع الدولي منذ منتصف القرن الماضي تقريبا، والذي سعى جاهدا لإعمال هذا المفهوم على أرض الواقع في كل أرجاء المعمورة، وذلك من خلال مساعي التحسيس بأهمية هذا المسعى من جهة، ومن جهة أخرى عبر التأسيس لمنظومة تشريعية دولية، تكرس هذا الحق بشكل مباشر وغير مباشر، وهو ما كانت له تداعياته السريعة لاحقا على استجابة الكثير من الحكومات، والتي سعت جاهدة إلى تكييف نصوصها القانونية بما يخدم هذه الغاية.

غير أن هذه المساعي، ظلت تتفاوت في نسب الاستجابة لها، وكيفية التعاطي العملي معها من إقليم جغرافي لأخر، وذلك سواء بفعل بعض العراقيل التي لا زالت تحول دون تكريس كلي وجاد لهذا الحق، أو بفعل مستوى نضج الوعي السياسي والاجتماعي إزاء التعاطي معه، وهو ما سنسعى إلى استجلائه في هذا المقال، وذلك من خلال استعراض متدرج، يستهدف إيضاح الدلالات المختلفة لمفهوم الحق في السكن، والدواعي والظروف التي أحاطت بتطوره، وذلك إلى جانب الآليات المتبعة في إعماله؟ وواقعه اليوم في الكثير من الأقطار التي أخذت به والتي تعد الجزائر إحداها، كما سيأتي بيانه في التفصيل اللاحق.

1.   مفهوم وأهمية الحق في السكن: يعد الحق في السكن، أحد المفاهيم التي شقت طريقها إلى واجهة الخطاب السياسي والقانوني الدولي، منذ تاريخ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في سنة 1948، والمعنى المراد الوصول إليه من وراء استخدام هذا المفهوم، لا يأتي مرادفا للحق في الملكية ولا مساويا له في المعنى، باعتبار أن الحق في الملكية مصان بشكل مستقل، سواء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو غيره من المعاهدات الأخرى[1]، كما أن الحق في السكن يعد أوسع من خلال تطرقه لعدد من الجوانب التي ليست لها صلة بالملكية، هذه الأخيرة يمكن لها في بعض الحالات، أن تكون آلية لإعمال هذا الحق[2]، كما أنه يتعدى أيضا نطاق المعنى الظاهر، والمنبثق من جراء استخدام لفظة السكن، والتي تعني غالبا المبنى المادي الشاخص في شكل غرفة ذات أربعة جدران والسقف الذي يغطيها، إلى معنى أوسع وأشمل ومرتبط بشكل مباشر بالكائن البشري، والكرامة الإنسانية التي تطمح إليها المجتمع الدولي برمته، وذلك انطلاقا مما ورد في التعليق العام رقم 04 بشأن الحق في السكن، والذي اعتمدته لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في دورتها المنعقدة بتاريخ 01 ديسمبر 1991، والتي جاء فيها: "لا ينبغي تفسير الحق في السكن تفسيرا ضيقا أو تقليديا، يجعله مساويا على سبيل المثال للمأوى الموفر للمرء بمجرد وجود سقف فوق رأسه، أو يعتبر على وجه الحصر سلعة"[3]. وهو ما يعني ضرورة استيفاء حد أدنى من المعايير، قبل أن يكون بالإمكان اعتبار أشكال معينة من المأوى سكنا لائقا، وهي المعايير التي تتعلق غالبا حسب الاجتهادات القانونية التي جرى الأخذ بها، بأمن الحيازة، القدرة على تحمل تكاليفه، أهلية الموقع، الصلاحية للسكن، توفر الخدمات والتجهيزات ومرافق البنية التحتية، تيسير تلبية الاحتياجات، والملائمة من الناحية الثقافية[4]، ليصبح المعنى المتوخى من وراء ذلك، يتمثل في حق كل إنسان في مستقر يضمن له العيش بكرامة وأمان، ويحفظ له خصوصيته وقدرته على بناء علاقات عائلية واجتماعية، والتأثير على ما حوله اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، وهو أيضا المكان الذي يعطي الفرصة لقاطنيه، للمساهمة النشطة والواعية في مختلف جوانب الحياة التي يعيشونها، وذلك من منطلق أن السكن هو الحيز الذي يقضي فيه الإنسان أكثر وقته، ومنه ينطلق إلى العالم والبيئة المحيطة ليؤثر فيهما ويتأثر بهما، وبقدر ما يكون تفاعله هذا ملائما بقدر ما يكون فاعلا مبدعا وخلاقا.

وينجم عن هذا التصويب للمعاني السابقة، بروز مجموعة من الدلالات والأبعاد الأخرى والتي تشكل المضمون الحقيقي لهذا المفهوم، والمتمثلة في:

أ‌.     الحماية القانونية من عمليات الإخلاء بالإكراه أو التهديد به أو هدم المنازل.

ب‌.  الحق في الخصوصية، بما فيها الحماية من التفتيش التعسفي لمحلات السكن.

ت‌.  حق الفرد في اختيار محل إقامته وفي تحديد مكان عيشه وفي حرية التنقل.

ث‌.حق المشاركة في صنع القرارات والسياسات المتصلة بالسكن[5].وهي المعاني التي لا نرمي إلى طرقها في هذا المقام، قاصرين بذلك جل اهتمامنا على البعد الأخير ضمن مكونات هذا المفهوم، والمتمثل في توفر عروض كافية من السكن اللائق، أو ما شابهه من أشكال الاستفادة الأخرى، مع ضمان تكافؤ الفرص لجميع الأفراد، وتمتعهم بنفس الحظوظ في الحصول على هذه العروض والاستفادة منها.

وينبع حرصنا في تناول هذا المكون دون غيره، انطلاقا من الأهمية الكبيرة التي يحظى بها،والمتجلية في السعي الحثيث الذي أبان عنه المجتمع الدولي من أجل إعماله كواقع فعلي، باعتباره أصعب الأبعاد من حيث قدرة الدول على الالتزام به بشكل جدي، في ضوء ما تشير إليه البيانات الدولية اليوم حول وجود أزيد من 100 مليون شخص يفتقرون للمأوى، وأكثر من مليار شخصيعيشون في مساكن تفتقد إلى أبسط شروط المأوى المناسب والكرامة الآدمية. كما أن الحق في السكن لم يعد اليوم مجرد أحد حقوق الإنسان فقط، بلأيضاآلية هامة لإعمال حقوق الإنسان الأخرى، لذا فإن عدم احترام هذا الحق والوفاء به، ينجر عنه أليا انتهاك لطائفة واسعة من الحقوق الأخرى، على رأسها التعليم، الصحة، احترام الذات والأمان الشخصي[6]... إلى جانب نشوء حلقة مفرغة، يضطر فيها الناس لأسباب تتعلق بطبيعة ظروفهم المعيشية غير المستقرة، إلى مكابدة ألام التشرد الداخلي والعيش في الأحياء العشوائية، وهو ما يمس بالشرعية المحلية والخارجية للسلطات الحكومية في أي بلد على المديين القصير والطويل على حد سواء.

2.  السياق التاريخي لنشأة وتطور مفهوم الحق في السكن: سجلت العديد من مبادئ حقوق الإنسان بمفهومها المعاصر، أولى ملامح وجودها في ظل النظم القانونية الداخلية للدول، كما هو الأمر بالنسبة للحق في السكن، باعتباره أحد ابرز تمثلاتها. حيث تبلورت بداياته الحقيقية في النصف الثاني من القرن 19 بالعديد من البلاد الأوروبية، والتي كانت تعاني بؤس وفداحة الأوضاع المعيشية التي تكابدها طبقة العمال، حيث تشير العديد من الشواهد المتاحة في هذا السياق، إلى أن التقلبات الاقتصادية التي نشبت إبان هذه الفترة، أدت إلى نشؤ اضطرابات شديدة، عكسها تفشي حالات الفوضى وشغب العمال، مما دفع بالعلماء الانجليز إلى المناداة بإصلاح حالة العمال اجتماعيا واقتصاديا، وذلك عبر توفير المنازل الجيدة للعمال، كما انتقدوا الأحياء الفقيرة، وما تعانيه من ظروف بيئية بالغة السوء والانحطاط المادي والإنساني، وإحياء كرامة الفرد والأسرة وتهيئة المناخ الصحي بالمدن... وهي المطالب التي سرعان ما ترجمت في عدد هائل من التجارب التي جرى إطلاقها في تلك الأثناء، والتي استهدفت انجاز ما سمي لاحقا بمدن العمال، والتي بادر بها طائفة من رواد تلك المرحلة، مثل: روبرت أوين، تشارلز بوث وآخرون غيرهم[7]، والتي كانت دافعا قويا لإصدار قانون الإسكان لسنة 1851، والذي استهدفت به انجلترا إعداد أعلى مستوى للإسكان لطبقتها العاملة، وبذلت في سبيل تحقيق ذلك أكثر مما فعلته أي دولة أخرى في العالم، وهو نفس المشهد الذي تكرر أيضا في هولندا خلال نفس الفترة تقريبا، ذلك أن تدخل الحكومة الهولندية في مجال السكن الاجتماعي الذي تم في تلك الأثناء، لم يكن إلا في أعقاب تفشي أوبئة متعددة، عندئذ تنامت حركة المطالب المنادية بتحسين بيئة العمل، والظروف المعيشة للطبقات الشغيلة، من خلال اتخاذ تدابير جماعية في هذا الشأن، كما سعى أرباب العمل لتحسين ظروف المعيشة، بتوفير قروض رخيصة بفائدة من 3-4% لبناء وحدات سكن بسيطة ولائقة، كما تعالت الأصوات داخل الحكومات تطالب بدعم حركة البناء عن طريق الجمعيات السكنية، والتي أنشأت في منتصف القرن 19، وتمكينها من الحصول على الدعم المناسب لذلك، وهي الجهود التي كللت في النهاية باعتماد قانون الإسكان 1901، والذي بموجبه بات السكن الاجتماعي عنصرا معترفا به في السياسة الحكومية، مشكلا بذلك أساسا لمسئولية متواصلة تقع على عاتق الحكومة والبلديات، لتوفير مساكن كافية ومعقولة التكلفة[8]، وهي التشريعات التي توالت بعد ذلك، وتوسع نطاقها إلى كل الدول التي طالتها أثار الثورة الصناعية، في صورة فرنسا سنة 1894، وألمانيا في سنة 1895[9]... ولكن مع بداية القرن 20، بدأت الفكرة تنتقل تدريجيا نحو أفق أوسع ألا وهو النظام القانوني الدولي، وهو الأمر الذي لم يكن هينا في بداياته، نظرا لرسوخ مبدأ السيادة في العلاقات الدولية، ولكن ويلات الحرب العالمية الثانية، وحجم الدمار والخراب الذي أصاب كل جوانب الحياة الإنسانية، كان حافزا قويا لتدويل حقوق الإنسان من طرف المجتمع الدولي، لا سيما بعد ميلاد منظمة الأمم المتحدة، حيث يعتبر "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، والذي تم استصداره في سنة 1948، الوثيقة الأولى على مستوى العالم التي تناولت بشكل واضح وصريح الحق في السكن، وذلك باعتباره حقا أساسيا من حقوق الإنسان كما هو وارد في المادة 25 (01) منه، والتي نصت على أن: "لكل فرد الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية"[10]، وعلى الرغم من كونه مجرد إعلان وليس اتفاقية دولية، فقد شكل هذا الإعلان وثيقة مرجعية حظيت بالقبول العالمي، لمجموعة الحقوق والحريات الأساسية التي نص عليها، كما استلهمت منه كافة الإعلانات والاتفاقيات الدولية اللاحقة، والواردة في هذا الشأن الأطر والمبادئ العامة التي دعت إليها، وهو ما جعل قطاع عريض من فقهاء القانون الدولي، يعتبرون نصوصه جزء من القانون الدولي العرفي، وبتالي فإن أحكامه ملزمة لجميع دول العالم[11].

هذا الاعتراف لم يكن الأخير، حيث تلته سلسلة من المواثيق والمعاهدات الدولية التي مكنت من تعميق الاعتراف به لكن على نحو غير متواصل، والتي كانت بدايتها مع مصادقة الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، على اتفاقيتين سنة 1966 أصطلح على تسميتهما "بالعهد الدولي"، أولهما خاصة بالحقوق المدنية والسياسية، والثانية خاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واللذان جاءا لتدعيم حركة اعتراف ايجابي بحقوق الإنسان من جهة، ومن جهة أخرى تكريس الانقسام الاديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، أين تم إلحاق الحق في السكن بالحزمة الثانية من الحقوق التي تم إقرارها، حيث تنص الفقرة 01 من هذا العهد والتي تعتبر أحد أهم نصوصه، على أن: "تقر الدول الأطراف في هذا العهد، بحق كل شخص في مستوى معيشي كافي له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية"[12]. ليتعزز المشهد العالمي بعد ذلك بأكثر من 80 وثيقة دولية متعلقة بحقوق الإنسان، تراوحت ما بين الاتفاقيات والإعلانات، والتي ترتب عن إقرارها ومصادقة الدول عليها حتمية خلق مؤسسات دولية متخصصة للإشراف ومراقبة مدى احترام الدول التي صادقت عليها لبنودها والتقيد بها، والتي نذكر منها "إعلان فانكوفر للمستوطنات البشرية" في سنة 1976 والذي رعته هيئة الأمم المتحدة وحضره ممثلي 132 دولة، والذي يعتبر من أكثر الوثائق تفصيلا فيما يخص الإشكاليات القانونية الخاصة بالسكن، وهو الذي أكدت الفقرة 08 من الجزء الثالث منه على أن: "السكن والخدمات المناسبة هي حق أساسي للإنسان يفرض على الحكومات واجب ضمان بلوغ جميع الناس له، بادئة بتقديم مساعدة مناسبة إلى أقلهم حظا عن طريق برامج موجهة تعتمد على الجهد الذاتي والمجتمعي، وينبغي على الحكومات السعي إلى تذليل جميع العقبات التي تحول دون بلوغ هذه الأهداف"[13]. ثم تلاه كل من المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فينا في سنة 1993، والذي أعاد تعزيز مسألة وحدة وترابط حقوق الإنسان المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى، حيث دعا الجزء 02 من الفقرة 190 منه على أن: "يطلب المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، الدول بالامتناع عن اتخاذ أي تدابير من جانب واحد، لا يتفق مع القانون الدولي ولا مع ميثاق الأمم المتحدة، ما من شأنه أن يخلق عقبات أمام العلاقات التجارية فيما بين الدول، ويعرقل الإعمال التام لحقوق الإنسان المنصوص عليها، في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وصكوك حقوق الإنسان الدولية، ولا سيما حق كل شخص في مستوى معيشي ملائم لصحته ورفاهيته، بما في ذلك الغذاء والرعاية الطبية والسكن وما يلزم من الخدمات الاجتماعية"[14]، وبعدهما المؤتمر الثاني المستوطنات البشرية باسطنبول في سنة 1996، والذي كرس بعد أوسع لمضمون الحق في السكن، كما تذهب إلى ذلك الفقرة 08 منه، والتي أكدت الالتزام: "بإعمال الحق في السكن الملائم على النحو المنصوص عليه في الصكوك الدولية إعمالا تاما ومتدرجا، ووصولا إلى تلك الغاية سنسعى إلى تحقيق المشاركة النشطة من جانب شركائنا العامين والخاصين وغير الحكوميين على كافة المستويات من اجل كفالة الضمان القانوني للحيازة والحماية من التمييز والمساواة في فرص الحصول على مسكن ملائم معقول التكلفة لجميع الأشخاص وأسرهم"[15].

كما شكل مفهوم "الحق في السكن" موضوع إقرار دولي أيضا، من خلال العديد من الاتفاقيات الأخرى التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تم فيها الإقرار هذا الحق ضمن حقوق أخرى تم إدراجها، والتي من جملتها نذكر النصوص المتعلقة ب:

Ø   اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة في سنة 1959.

Ø   التوجيهة رقم 115 للمنظمة العالمية للعملO.T.Aبشأن إسكان العمال والصادرة في سنة 1961، وكذا التوجيهة رقم 62 بشأن العمال المسنين.

Ø   اتفاقية إزالة كل أشكال التمييز العنصري والمعاقبة عليها، لسنة 1965.

Ø   الإعلان حول التقدم والإنماء في الميدان الاجتماعي الصادر سنة 1969.

Ø   الإعلان الخاص بحقوق المعاقين لسنة 1975.

Ø   اتفاقية الأمم المتحدة بشأن وضع اللاجئين في العالم لسنة 1979.

Ø   إعلان الحق في التنمية لسنة 1986.

Ø   قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 42/146 والمتعلق بإعمال الحق في السكن الملائم والصادر في 07 ديسمبر 1987[16].

3.   التدابير الواجب استيفائها لتكريس الحق في السكن: الإقرار بمفهوم الحق في السكن، والسعي لإعماله كممارسة ميدانية، يستوجب من كافة الدول التي صادقت على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ضرورة الإسراع في اعتماد مجموعة من التدابير والآليات المناسبة، التي من شأنها أن تمكن هذه الحقوق لمواطنيها أو الأشخاص الذين يقعون تحت ولايتها الإقليمية، وذلك من دون أن تشكل هذه الالتزامات الناشئة، إلزاما يقتضي اعتماد استجابة موحدة، أو إستراتيجية محددة بعينها من قبل الجميع، كوجوب بنائها مساكن لكافة مواطنيها، أو أن تعمل على توفير مساكن لكل الأفراد بشكل مجاني، وفي كل مكان وفي كافة الأوقات وبنفس الأسلوب دائما، باعتبار أن ذلك سوف يتنافى مع الفلسفة السياسية للكثير من نظم الحكم، ويجعل من المسألة تفوق إمكانيات أعتى الاقتصاديات العالمية، بقدر ما تتعلق بضرورة الحرص على تأمين العروض السكنية بالحجم الكافي، والمستوى اللائق والمتناسب مع احتياجات كل أصناف الفئات السكانية، على تباين مستوياتها المادية والاجتماعية والإقليمية (ريفية/حضرية)، فقد تتضمن هذه المبادرات العمل على تقديم تسهيلات في مجال القروض البنكية، أو تحديد وضبط سعر الإيجار، أو الإعفاء الضريبي على المساكن، أو دعم إيجار المساكن بالنسبة للطبقات المعوزة... وغير ذلك من أشكال التدخل غير المباشرة.

لذا فإن التدابير الرامية إلى وفاء الدول الأطراف بتعهداتها في مجال إقرار الحق في السكن، يمكن أن تضم خليطا من الإجراءات، والتي تستهدف إلى جانب تخصيص الموارد المالية الكافية لخدمة هذه الغاية، وتنويع المبادرات في مجال سياسات الإسكان، عبر تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار فيه، فإنه ينبغي عدم إغفال أثر التدابير التشريعية والإدارية الرسمية في هذا السياق، والتي تؤدي في النهاية إلى إحقاق هذا المفهوم كواقع حسي لصالح جميع السكان، كما تذهب إليه الفقرتان (66-76) من الإستراتيجية العالمية للمأوى، واللتان تلفتان الانتباه إلى أنواع وأهمية التدابير التي يمكن اتخاذها في هذا الخصوص.

وفي حالة تعذر ذلك، فيجب عليها أن تكون قادرة على إثبات أن كافة الجهود قد بذلت لاستخدام المصادر المتوفرة لديها في مسعاها للوفاء بالتزاماتها كأمر له الأولوية في إطار تلك الالتزامات بما فيها التعاون الدولي، والذي يشكل أحد الروافد الهامة التي يمكن أن تلجأ إليها الكثير من دول العالم من أجل إعمال هذا الحق على الوجه اللائق، في حالة ما إذا تم اعتبار خطوات كهذه متجاوزة للموارد القصوى المتاحة لأحد أو بعض دول الأطراف، حيث يكون حينها مناسبا تقديم طلب في أقرب وقت ممكن للحصول على التعاون الدولي وفقا للمواد 11(1) و22 و23 من العهد الدولي وإبلاغ اللجنة بذلك[17].

4.  الحق في السكن... تشريع في انتظار الواقع: تعزز الاعتراف بالحق في السكن على الصعيدين الإقليمي والوطني، بفعل الجهود المضنية التي ما فتئت تقوم بها العديد من المؤسسات الدولية المختصة في هذا الإطار، إلى جانب الكثير من فعاليات المجتمع المدني على تباين تخصصاتها، وهي الجهود التي وجدت صدى ايجابي لها على المستويين المحلي والإقليمي، حيث ترجمة هذه الجهود في العديد من الصكوك الإقليمية والدساتير الوطنية التي تم إصدارها تبعا لذلك، على نحو ما سير ذكره في التفصيل التالي:

4.1.الصكوك الإقليمية: تلعب الصكوك الإقليمية دورا تكميليا للمعاهدات الدولية الأخرى، في مجال ترقية وتعزيز الحق في السكن، لتعكس بذلك مدى نضج الوعي في بعده الإقليمي إزاء هذه الحقوق، وكذا قدرة الدول المنتسبة إلى هذه الكيانات السياسية على تحمل أعباء الأخذ به، حيث تسعى اليوم العديد منها على تكريس هذا الحق كممارسة حقيقية، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لميثاق منظمة الدول الأمريكية والذي ينص في المادة 31 (ك) منع على "توافق الدول الأعضاء على بذل جميع الجهود اللازمة لتوفير السكن الملائم لجميع قطاعات السكان"، في حين تنص المادة 23 من الإعلان الأمريكي الخاص بحقوق وواجبات الإنسان على أنه: "لكل شخص الحق في امتلاك أية ممتلكات خاصة تفي باحتياجاته الأساسية في العيش الكريم، وتساعد على الحفاظ على كرامة الفرد ومسكنه"، والأمر ذاته ينسحب كذلك على القارة الأوربية، والتي تعرف وجود عشرات النصوص والإشارات المتعلقة بضمان الحق في السكن، كما هو الحال بالنسبة لدستور الحقوق الأساسية للاتحاد الأوربي، والذي نص البند 03 من الفقرة 34 منه على أنه "بهدف محاربة التهميش والإقصاء الاجتماعي والفقر، فالاتحاد يعترف ويحترم الحق في الإعانة الاجتماعية والإعانة في السكن، والهادفة إلى توفير وجود كريم لكل من ليس لهم دخل كافي"، وإلى جانبه نجد كل من الميثاق الاجتماعي الأوربي، والقرار الخاص بتوفير المأوى للمتشردين، والاتفاقية الأوربية الخاصة بالأوضاع القانونية للعمال المهاجرين، واتفاقية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وكذا الوثيقة الختامية لمؤتمر هلنسكي، في حين لا يتضمن الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، رغم مأساوية الوضع الذي يرزح تحته قطاع عريض من سكان هذه القارة، إشارات صريحة بخصوص الحق في السكن، وأن ما هو متاح لا يتعدى حدود الاجتهاد القانوني، الذي توفره اللجنة المختصة بهذا الشأن، والتي تحرص على الاستثمار في بعض الحقوق المشمولة في الميثاق، كالحق في الحياة والمكرس في المادة 04، أو الحق في الصحة البدنية والنفسية والذي تتناوله المادة 16، وغيرها من الحقوق الأخرى لتضع الأسس اللازمة لإعمال هذا الحق[18].

4.2.الحق في السكن في التشريعات الوطنية: سجلت العقود الأخيرة تزايد مضطرد في الفقه القانوني الوطني، الداعم لمفهوم الحق في السكن الملائم، وذلك بفعل الالتزام الناشئ عن التوقيع على العهد الدولي، والذي ناهز عدد المصادقين عليه اليوم 117 دولة، يفرق بينها تباين أساليب تعاطيها معه، فمنها من تنص صراحة على إعمال هذا الحق، وذلك شأن دساتير: غانا، المكسيك، الاورجواي، بلجيكا، إيران، روسيا، اسبانيا، الإكوادور، البيرو، جنوب أفريقيا... ومنها التي تشير إلى مسؤولية عامة للدولة في ضمان سكن لائق، وظروف معيشية ملائمة للجميع، ك: الأرجنتين، باكستان، البرازيل، بولندا، فنزويلا، سويسرا، تركيا، كوريا الجنوبية، نيجريا، هولندا، الفيليبين[19]... وهو الأمر الذي من شأنه أن يدعم نظريا على الأقل، جهود وأسس المطالبة بإعماله على المستوى المحلي. غير أن التطور المسجل على المستوى التشريعي، بحسب التقارير التي توفرها هيئات الرصد المختصة، لا تعكس -رغم صعوبة طرح تعميمات- حقيقة واقع هذا الحق على أرض الواقع، والشواهد الدالة على ذلك كثيرة، وتمس دول العالم المتقدم منها قبل النامي، ومن بينها نذكر مثلا أن مبدأ الإعانة الذي فرض نفسه على مستوى الدول الأوربية مجتمعة، دفع هذه الدول بصفتها صاحبة الصلاحية الوحيدة في هذا الشأن، إلى اعتماد مفاهيم خاصة لما تعتبره الحق في السكن، فنجد في بعضها أن الاعتراف كان بالدرجة الأولى قانونيا، وليس نصا مؤسساتيا مكرسا كما هو الأمر بالنسبة لكل من فلندا، السويد، ودول الأراضي المنخفضة، أو موقوفا على التقاضي الدستوري كحال فرنسا وايطاليا، أما الدول المتحررة من سطوة الأنظمة الدكتاتورية، فبعضها أدرجته في دساتيرها ك: اسبانيا، البرتغال، المجر... غير أنه لم يتم ترجمته بعد ذلك إلى تشريعات، وفي دول أخرى لم يتم الاعتراف به قانونا، ولكن تمت ترتيبات دقيقة تم اتخاذها في هذا الصدد، كتمكين المشردين من الحق في السكن كما حصل في كل من انجلترا وايرلندا، ومحاربة الترحال في ألمانيا، أو القضاء على ظاهرة الفقر في الدانمارك[20]...

هذه النماذج وأخرى غيرها أكثر سوءا منها، تقف وراءها مجموعة متنوعة من العوامل، والتي أسهمت في جعل هذا الاعتراف محدود المفعول، والتي من بينها نورد ما يلي:

أ‌.  بعض النصوص ليست لها قوة إلزامية كافية، من ذلك مثلا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، أو توجيهات المنظمة العالمية للعمل O.T.A.

ب‌.عجز آليات المراقبة الدولية على إدراك الواقع الفعلي، حيث تكتفي بجمع التقارير المعدة من طرف الدول، والتي تشير إلى نوع وحجم التدابير المتخذة من أجل تحقيق ذلك.

ت‌.  غياب الأثر المباشر للترتيبات المتخذة في ظل غياب الإجراءات المحلية لتحويل الحق في السكن المسجل على مستوى المؤسسات العالمية والتي لا يمكن الاعتداد بها أمام القضاء من قبل الأفراد.

ث‌.  الكثير من الدول لا تميل إلى المشاركة في نصوص لا ترغب الالتزام بها.

ج‌.تميل الكثير من الدول إلى إدراج الحق في السكن الوارد في دساتيرها ضمن المبادئ التوجيهية لسياسات الدولة، لا في الجزء الخاص بالحقوق المعترف بها، ما يجعله موجها للسياسات العامة وغير قابل للاحتجاج به أمام المحاكم، وينجم عن ذلك تنازع الكثير من الدول الأطراف في العهد الدولي، بين التزامات الدولة فيما يخص الحق في السكن الملائم، وبين النصوص الدستورية التي تحول دون الوفاء بتلك الالتزامات[21].

5.  الحق في السكن في الجزائر: مشروعية السياسية أم دستورية: تصدر مفهوم الحق في السكن واجهة الخطاب السياسي، منذ الوهلة الأولى لاسترداد السيادة الوطنية، وذلك برغم طبيعة الظرف العام والمتسم بالتخبط السياسي حينها، وكذا مأسوية الوضع الاقتصادي والاجتماعي جراء التراكمات التاريخية، وحالة الدمار والعجز الشبه كلي الذي كانت تعانيه كل القطاعات، وقد تجلى هذا الاهتمام بشكل خاص في بيان مختلف المواثيق الوطنية التي انعقدت على مدار هذه المرحلة (ميثاق طرابلس 1962، ميثاق الجزائر 1964، الميثاق الوطني لسنتي 1976، 1986)، وهي التي عدت بمثابة برنامج سياسي لحزب جبهة التحرير الوطني (الحكومة - الحزب)، لكونها تمثل محصلة انشغال وتوافق لكل الأطياف الاجتماعية: منظمات جماهيرية، النقابات العمالية والنخب السياسية والثقافية والعسكرية... المنضوية تحت لواء حزب جبهة التحرير الوطني، الأمر الذي جعله يحظى بنفوذ وتأثير كبير في المشهد السياسي الوطني، ومرجعية يعتد بها في مجال إعداد وتجهيز مختلف الاستراتيجيات والبرامج القطاعية، دون أن يرقى ذلك لأي أثر أو سلطة قانونية في الواقع الفعلي، مع التباين في كيفية التعاطي مع هذا الحق من حقبة إلى أخرى، وهو الواقع الذي يمكن تلمسه على مستوى ميثاق طرابلس 1962، والذي كرس مفهوم الحق في السكن مبكرا، من خلال ما تضمنه المحور الخاص بهذا القطاع، من تشخيص واقتراح للآليات الواجب إقرارها، من أجل تفعيل هذا المفهوم على أرض الواقع، حيث ورد في أحد فقراته أنه: "يتعين على الحزب، أن يتخذ التدابير عاجلة لإيواء السكان المتضررين من الحرب في ظروف لائقة، مع الاحتياط للضروريات الفورية، وإعادة البناء في إطار مخطط يحضر حسب إدماجهم في المحيط الاقتصادي وفي المدن، ومن الضروري أن يتم بسرعة تنظيم أسعار الإيجار، وأن تشغل المساكن الغير مشغولة أو التي تشغل بصفة غير كافية"[22]، ليتم تجديد التأكيد والعزم على وجوب إقرار هذا الحق مرة أخرى في ميثاق 1976، والذي نصت أحد فقراته على أن: "توفير سكن محترم ومريح وفقا لشروط السكن العصري يعتبر عاملا أساسيا لتحسين المستوى المعيشي للجماهير"[23]، ومن بعده ميثاق سنة 1986 والذي جدد التأكيد على نفس مبادئ سابقه فيما يتعلق بالحق في السكن، حيث دعا إلى ضرورة أن: "تتخذ الدولة الإجراءات اللازمة لمواصلة الدعم، للعمل لتمكين العمال وفئات المواطنين الأكثر حرمانا في المدن والقرى من الحصول على سكن في إطار برامج تعد لهذا الغرض"[24].

هذا السعي لتكريس الحق في السكن الذي أبانت عنه مختلف المواثيق الوطنية، يأتي استجابة لمعطيين هامين، وهما الحماس الثوري الذي أعترى السلطات العمومية، ويعكس رغبتها في توفير حياة كريمة لكل الفئات الاجتماعية، على تباين انتماءاتها الاجتماعية وتوزعهم الجغرافي... تعوضهم بها نير الاستبداد الذي رزحوا تحته عقود طويلة، فضلا عن اعتبار قطاع البناء في وظيفته المنجزة للسكن، أحسن قطاع لتلقين الايدولوجيا المعلنة للجماهير، باعتبار أنه يحيك مع عدد من القطاعات الأخرى (الصحة، التعليم...) مجموعة من العلاقات المتعددة، والتي تقضي بترقية الفرد وتلبية حاجياته المتزايدة كما وكيفا، وتحسين نوعية المعيشة بصفة تدريجية ومستمرة[25]. غير أن التكريس السياسي لمفهوم الحق في السكن، لم يرقى في مقابل ذلك ليكن مفهوم دستوري بالمعنى الصريح للعبارة، وذلك على الرغم من تعدد الدساتير التي عرفتها الجزائر على مدار 50 سنة من استرجاع السيادة الوطنية، حيث نجد في هذا الصدد مثلا أن دستور 1963، تضمن إشارة بسيطة لمسألة السكن وردت في ديباجة الدستور، في صياغة تهدف لتأكيد الحرص على وجوب إعداد "سياسة اجتماعية لفائدة الجماهير من أجل رفع مستوى معيشة العمال والإسراع في تحرير المرأة كي تشارك في تسيير الشؤون العامة وتنمية البلاد، والتخلص من... ونشر الثقافة الوطنية وتحقيق السكن والحالة الصحية"[26]، وذلك قبل أن تبزغ بعض أبعاد هذا الحق في دستور سنة 1976، ولا سيما في المادتين 16 و17 منه، واللتان عنتا بالتأكيد على الحق في الملكية الفردية للأملاك المعدة للاستعمال الشخصي أو العائلي، إلى جانب التشديد على عدم إمكانية نزع الملكية إلا في نطاق القانون، وأن يكون ذلك موضوع تعويض عادل ومنصف، وكذا عدم جواز انتهاك حرمة المساكن لأجل التفتيش إلا بمقتضى القانون وفي إطار احترامه وبأمر مكتوب صادر عن السلطة القضائية المختصة[27]. وهي البنود للتي تجدد التأكيد عليهما في دستور 1996 وكذا دستور2008، من دون أن يتسع هذا المفهوم إلى خارج نطاق هذه الدائرة، خاصة في الشق المتعلق بتأكيد جانب مسؤولية السلطات العمومية في تمكين الأفراد والجماعات الأسرية على تباين مستوياتها من تحصيل هذا الحق بأحد الصيغ القانونية المتاحة (تأجير، منح... )، مقارنة بحقوق أخرى تم التنصيص عليها في كل الدساتير التي سبق الإشارة إليها، كالتعليم والصحة واللذان يعتبران حقان مضمونان، بموجب أحكام المادتان 53 و54 من دستور سنة 1996 ودستور سنة 2008، الأمر الذي يدفع للتساؤل حول القصد من التكريس الدستوري لبعض هذه الحقوق دون البعض الأخرى، وذلك في الوقت الذي نصت فيه المادة 123 من دستور سنة 1989، والمادة 132 من دستور 2008 والذي قبله، على أن الالتزامات الدولية التي تصادق عليها الجزائر تسمو على القانون الوطني، وهو ما يسري على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمادة 11 منه تحديدا، والذي صادقت عليه الجزائر بناء على ما تضمه المرسوم رقم 89-67، ما يعني أن هذا الحق قد بات مكرسا قانونا بموجب أحكام هذه الاتفاقية[28]، وذلك بعد أن كان غائبا عنها من قبل، وهو ما من شأنه أن يجعل من حق كل مواطن جزائري، الاحتجاج بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية أمام المحاكم الجزائرية، إلا أن ذلك يبقى لحد الآن مجرد نص فقط ولم يتعدى حدود هذا الإطار، حيث لم يسبق لحد الآن في تاريخ المحاكم الجزائرية، أن سجلت أي حالة احتاج بالمادة 11 من العهد الدولي[29]، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول ما إذا كان ذلك يعني أن هذا الحق مكرسا إجرائيا من خلال الإستراتيجيات القطاعية المنتهجة فعليا؟، ليصبح معه عدم جدوى التأسيس له قضائيا، أم هو المفقود المسكوت عنه في واقعنا السياسي والتشريعي الحالي؟.

الخاتمة: ما يمكن قوله في ختام هذا التناول، هو أن التطور المسجل في مكانة الحق في السكن على مستوى التشريع الدولي منه والوطني، يبقى محطة جد هامة، تنبئ عن إرادة حسنة في التوصل إلى تكريس فعلي له، لكهنا غير كافية في ظل امتناع بعض الدول أو تأخرها عن الالتحاق بهذا الركب من جهة، ومن جهة ثانية الواقع التنموي الصعب، الذي تكابده الكثير من الدول التي ألتزمت بإعماله لا سيما النامية منها، مما يدفع إلى طرح التساؤل حول مدى قدرتها على التحول بهذا المفهوم من نطاق التشريع، وبلورته إجرائيا في شكل إستراتيجية قطاعية


[1]. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الحق في السكن الملائم في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ص 04، www.pchrgaza.org/arabic/studies/houses.htm.

[2]. مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، الحق في السكن اللائق، جنيف، جوان 2010، ص 8.

[3]. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 04.

[4]. المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، تقرير المقرر الخاص المعني بالسكن اللائق كعنصر من عناصر الحق في مستوى معيشي مناسب، الدورة 60، 2004، ص 07.

[5]. مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة،مرجع سابق، ص 03.

[6]. منظمة العفو الدولية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الواقع الفعلي: الحق في السكن الملائم، هولندا، 2010، ص 11-13.

[7]. د. أحمد النكلاوي، "النظرية في تخطيط المدن" في: دراسات في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، تص. أحمد الخشاب، (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية 1974)، ص. 137-140.

[8]. جيرار ميلور، "السياسة الهولندية للإسكان الاجتماعي من منظورها التاريخي" في: إعادة أعمار فلسطين، تص. زحلان أنطوان،( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص. 486.

[9]. السيد عبد العاطي السيد، علم اجتماع الحضري، (الإسكندرية: دار المعرفة، 2000)، ص.231.

[10]. منظمة العفو الدولية، مرجع سابق، ص 86.

[11]. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 12.

[12]. لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم 04، الدورة السادسة، 1991،ص 17.

[13]. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 08.

[14]. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 09.

[15]. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 09.

[16].Philippe Chateaureynaud, Dictionnaire de l’urbanisme: 800 mots, actes et procédures,( paris,Ed Moniteur, 2002), p 387

[17]. لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مرجع سابق، ص 21.

[18]. مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، مرجع سابق، ص 13

[19]. مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة،مرجع سابق، ص 15.

[20].Philippe Chateaureynaud, Op.cit, p387

[21]. Philippe Chateaureynaud, Op.cit, p388.

[22]. جيلالي بنعمران، أزمة السكن وآفاق التنمية الاشتراكية في الجزائر. ترجم من طرف عبد الغني بن منصور (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب)، ص 280-281

[23]. حزب جبهة التحرير الوطني، الميثاق الوطني، 1976، الجزائر، ص 86.

[24]. حزب جبهة التحرير الوطني، الميثاق الوطني، 1986، الجزائر، ص 93.

[25]. جيلالي بنعمران، مرجع سابق، ص 63-64.

[26]. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور 1963، الجزائر، ص02.

[27].الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور 1976، الجزائر، ص 05.

[28]. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية، العدد 20، 17 مايو 1989، ص 531.

[29]. مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، تقرير المقررة الخاصة المعنية بالحق في السكن اللائق كعنصر من عناصر الحق في مستوى معيشي مناسب حول الجزائر، جنيف، 26 ديسمبر 2011، ص 07.