العيش مع داء السيدا وصم و موت حتمي
pdf
-مقاربة أنثروبولوجية -

Vivre avec le sida stigmatisation et mort absolue- Approche anthropologique

Living with aids stigma and absolute death - Anthropologyapproach

 

أ.سميرة بن صافي

كلية العلوم الانسانية و الاجتماعية

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

أ.د / فقيه العيد

كلية العلوم الانسانية و الاجتماعية

جامعة ابي بكر بلقايد تلمسان

الملخص

يمثل المرض أحد مظاهر قلق الإنسان و خوفه، فمنذ أن أضحى هذا الأخير يعيش داخل تجمعات و هو يحاول التصدي لمختلف الأوبئة التي كانت تظهر بين الفينة و الأخرى إلى أن ظهر في عصرنا الحاضر مرض السيدا، داء ذو طابع خاص فهو ليس مرض بيولوجي فحسب بل له وصم اجتماعي و أخلاقي مما يزيد تعقيد السيطرة عليه و الحدّ من انتشاره، فبينما يحضى جلّ المرضى بالعطف يحدث العكس مع المصابين بمرض السيدا، فالوصم اللصيق بهذا الدّاء مرتبط برموز اجتماعية قوية وهي مصدر أحكام مسبقة ورفض.

الكلمات المفتاحية: مرض-فيروس-ايجابي المصل-السيدا-الوصم-أنثروبولوجيا.

Abstract

The diseases is one of the aspects of concern and of fear for the human being, this latter tried to face the various epidemics which he knew since he has existed and lived within the communities. Untill the AIDS desease appears now a days in its special image, it 's not just a biological illnes but, ithas another case such as sociological, and ethical which makes a great problem in controling it and stoping it from spreading by the way there is a differance between the patiences geet much care than the AIDS patiences. Imidiatly, the AIDS has a great relation a sociological symbols, those are a source of a previance prejudge.

keywords:disease-various- seropositive-aids-stigma-anthropology

Résumé

La maladie est l’un des aspects d’inquiétude et de peur de l’homme, ce dernier a tenter de faire face aux différentes épidémies qu’il a connu depuis qu’il a existé et vécu au sein des collectivités jusqu’à l’apparition dans l’ère actuelle du Sida une maladie à caractère spécifique elle n’est pas qu’une maladie biologique mais porte une stigmatisation sociologique ce qui empêche la maitrise de propagation de la maladie. Alors que la plupart des malades suscitent la compassion, le sida entraîne un phénomène inverse. Le stigmate du VIH est lié à de puissants symboles sociaux source de préjugés.      

Mots clés: maladie-virus- séropositif-sida-stigmatisation-anthropologie.

مقدمة

عرفت البشرية منذ بداية العصور و منذ أن أضحى الإنسان يعيش داخل تجمعات يجمع بينها العرق أو الدين أو اللون، فترات تظهر فيها أوبئة تعجز فيها قدرته الذهنية و الإبتكارية على إيجاد العلاج لهان فبعد أن اكتشف الإنسان منذ آلاف السنين طرق علاج الحمى و الجروح و غير ذلك ظهرت أوبئة فتاكة لم يستطع العقل البشري اكتشاف أدوية مضادة لها حتى كانت قد قضت على العديد من أفراد المجتمع كالطاعون و السلّ، أما في العصر الحالي يعرف العالم مشاكل عديدة على مستوى الصحة العامة خاصة تلك تطرحها الأمراض المنقولة جنسيا و التي يتصدرها داء السيدا.

مرض السيدا أو ما يعرف بمرض فقدان المناعة المكتسبة و من بداية ظهوره حصد العديد من الأرواح و هو مرض ذو نوعية خاصة فهو في آن و احد مرض جنسي، و مرض متنقل، و مرض مزمن، و مرض مميت، كما أنه مرض ذو وصمة أخلاقية و اجتماعية حيث أنه مقرون بالممارسات اللاّأخلاقية سواء كانت ممارسات جنسية خارجة عن نطاق الزواج أو شاذة، أو كانت ذات علاقة بالمخدرات أي الحقن الوريدي، هذه الوصمة الأخلاقية و الاجتماعية زادت من تعقيد و تفاقم هذا الدّاء المميت، فخوفا من وصمة العار يكتم الكثير من المصابين انتقال الفيروس إليهم و هذا ما يجعلهم خطرا على أفراد المجتمع ككلّ، إلاّ أنّ كتمان الإصابة لا يستطيع أن يبقى أبدي حيث مهما طالت فترة ما قبل ظهور المرض وهي فترة حضانة أو ما يعرف بالايجابي المصل فحتما ستصل إلى مرحلة المرض أو ظهور الأعراض المصاحبة له، و سوف يعرف ايجابي المصل و المريض تغيرات و اضطرابات نفسية و اجتماعية تستدعي الاهتمام و الدراسة، فيترى كيف تتغير حياة الفرد نفسيا و اجتماعيا اثر التشخيص الايجابي لمرض السيدا؟ و ما سرّ تلك الوصمة المصاحبة لهذا الدّاء؟

أولا- لمحة تاريخية عن مرض السيدا

يدور جدل حول المكان الذي ظهر فيه فيروس السيدا لأوّل مرة، و أسباب انتقاله إلى البشر، هناك ثمة اعتقاد بأنّ هذا الفيروس أفريقي المنشأ و منها تمّ تصديره إلى جميع أنحاء العالم، و قد وجّه الاتهام إلى أفريقيا بالرغم من ظهور أول حالة مصابة بفيروس السيدا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981م بين الشاذين جنسيا، و يرى بعض الباحثين أنّ الهايتيين بالذات هم المسؤولون عن نقل هذا المرض من موطنه الأصلي في أفريقيا إلى العالم الجديد حيث أنهم كانوا موجودين بأعداد كبيرة في زائير في ما بين أوائل الستينات و أواسط السبعينات من القرن العشرين، و أنهم انتشروا منها بعد ذلك إلى أمريكا و أوروبا.(1)

رغم أن أول وصف موثق لهذا المرض قد ظهر في عام 1981م، إلاّ أن العلماء يعتقدون أن الإصابة به قد حصلت قبل هذا بكثير نظرا لطول مدّة الحضانة التي ربما تمتدّ إلى عدّة سنوات قبل ظهور أوّل علامة للمرض، في هذا الصدد ذكر "جيل ألفونسي" أنّ أوّل آثار فيروس السيدا ترجع إلى نهاية الخمسينات، فأقدم بلازما للفيروس يعود إلى عام 1959م، كانت العينة من عاصمة جمهورية الكنغو الديمقراطية.(2)

أما عن كيفية ظهور مرض السيدا فهناك حوالي عشر نظريات كل واحدة تحاول أن تفسر مصدر هذا الفيروس الفتاك إلاّ أنّ أكثرها تداولا هي كالتالي:

1-نظرية ترى أنّ الفيروس نتاج أبحاث علمية في المختبرات التي تهتم بدراسة الجراثيم التي يستعملها العلماءفي الحروب الجرثومية أي أنها صنع بشري إلا أنّه تبيّن عدم صحتها حيث أنّ الجراثيم التي تستعمل في مثل هذه الحروب يجب أن تنتقل عن طريق الهواء أو الماء أو الطعام حتى تقتل أكبر عدد من الناس.(3)

2-  نظرية طرحها بريطاني قائلا: "لبدّ أنّه هناك شهاب وقع من السماء ملوث بفيروس لم يكن موجودا على الأرض سابقا فنشر مرض السيدا." (4)

3-نظرية انتقال المرض من القرد إلى الإنسان، تحديدا من القرد الأخضر الذي يعيش أواسط أفريقيا في الزائير، حيث اكتشف العلماء فيه فيروس شبيه بفيروس السيدا و ليس نفسه، فقال العلماء أنّ هذا الفيروس انتقل بطريقة ما إلى أحد الشاذين الجنسيين فتغيّر المضيف من القرد إلى الإنسان عندها تغيرت خصائص هذا الفيروس و ظهر هذا المرض،(5) وهذه النظرية تعدّ من أهم النظريات و التي مازال يركزّ عليها العلماء.

السيدا مرض جنسي فيروسي متنقل قاتل، فهو يصيب الجهاز المناعي للإنسان مما يؤدي إلى عدم قدرته على العمل بنفس الكفاءة السابقة فيجعل الشخص المصاب معرضا للإصابة بكثير من العدوى التي لا تصيب الشخص السليم،(6) و تعرفه منظمة الصحّة العالمية (1985) أنّه مرض يسببه فيروس نقص المناعة البشري، حيث يعمل هذا الفيروس على تدمير جهاز المناعة في جسم الإنسان، فيجعله عرضة للأمراض القاتلة و الأورام السرطانية التي تودي بحياته.(7)

ينتمي الفيروس (VIH) المسبب لمرض السيدا إلى عائلة الفيروسات الارتدادية دائري الشكل صغير الحجم معقّد التركيب يتكون من زوج حلزوني منفرد على شكل ARN و يتميّز باحتوائه على نوع خاصّ من الأنزيمات التي تحوله من صورته الطبيعية إلى زوج حلزوني من ADN داخل الخلية التي يهاجمها.(8)

ثانيا- البيئات الاجتماعية الأكثر عرضة لانتشار السيدا

من الضروري التعرف على البيئات التي ينتشر فيها مرض السيدا حتى يمكن تقديم خطط اجتماعية لوقاية البشر الآخرين الموجودين في هذه البيئات من خطر انتقال فيروس المرض إليهم. و تتحدد هذه البيئات استنادا إلى متغيرات عديدة هي كالآتي:

1-المتغير الايكولوجي: نجد أنّ مرض السيدا أكثر انتشارا في البيئات الاجتماعية الهامشية، إذ يتبع مرض السيدا مواطن الضعف القائمة في المجتمع حيث يستفيد في وجوده و انتشاره من أشدّ مشاكل الإنسان قسوة و استعصاء كالفقر و التمييز، فهو فيروس "انتهازي" يستغل الجهل و الإجحاف و الخوف(9) و تعتبر الأمية في هذا الإطار من المتغيرات التي تخلق ميدانا ملائما لانتشار هذا المرض، فهناك اعتقاد عند الرجال في بعض أجزاء أفريقيا أنّ مضاجعة امرأة بدينة شيء مأمون و يعتقد آخرون أنّه يمكن لرجل يحمل الفيروس التخلص منه بمضاجعة امرأة عذراء(10). و هذا ما يعني أنّ الجهل و الأمية و التخلف عوامل تلعب دورا رئيسيا في عدم الاهتمام بالمعلومات أو المعرفة الصحية عن داء السيدا.

يعتبر الفقر من العوامل المسئولة إلى حد كبير عن انتشار مرض السيدا و ذلك إما لارتباطه ببعض الظروف الأخرى كالأمية و الجهل أو لأنّ الفقر بذاته يدفع إلى ممارسة بعض السلوكيات ذات الصلة بانتشار هذا الدّاء، فخريطة العالم لانتشار مرض السيدا تبين تواجده في أشدّ المجتمعات فقرا و أنّه إذا تواجد في بعض المجتمعات الغنية فانّ كثافة الإصابة تتزايد في نطاق جيوب الفقر و الحرمان و معظمها في الأحياء الحضرية الفقيرة، وبذلك يعتبر الفقر أضعف خطّ لمقاومة انتشار مرض السيدا و واحد من أعتى القوى الدافعة لانتشاره.(11)

2-متغير النوع: في عام 1992م كانت معدلات الإصابة بالسيدا بين النساء السود أكثر من ثلاثين إصابة لكل مائة ألف امرأة مقابل معدل يقلّ عن حالتين لكلّ مائة ألف بين النساء البيض و هو ما يعني أنّ الفقر يعتبر من العوامل المساعدة على انتشار الدّاء بسبب دفعه المباشر لممارسة الجنس للكسب، و هناك رأي متحيز ضدّ المرأة يؤكد أنّ النساء فئة أو ميدان ملائم لانتشار الدّاء، و هو متحيّز لأنّ الجنس خارج الشرعية الزواجية سلوك لا تمارسه المرأة وحدها، ولكن يمارسه في الغالب رجل و امرأة وفي دراسة أجريت على أربعين تلميذا في أوغندا من الجنسين أين سئلوا عن رأيهم في اعتبار المرأة هي المسئولة الأولى عن انتشار فيروس السيدا، أجاب أغلبيتهم بأن المرأة هي المسئولة بينما رأى ثلاثة فقط أنّ الرجل هو المسئول.

و تعتبر السياحة و طلب الجنس خلالها وجها آخر من وجوه استغلال النساء الفقيرات، ويسعى المروجون لهذه التجارة الضخمة الأرباح إلى تغطية حقيقة حياة البغايا و يظهرن قبول البغاء في المجتمعات التي يقصدها السيّاح، كما أنّ لهذه السياحة مظهرا من مظاهر ازدواجية المعايير لأنّ الرجال القادمين من العالم الغني أو من البلدان التي تفرض عقوبات قاسية على ممارسة الجنس خارج إطار الزواج يقطعون المسافات الطويلة بحثا عن شريكات الجنس و الكثيرون يحرصون على التقابل مع نساء لا يطلبن العواطف و المحبة التي تطلبها زوجاتهم أو عشيقاتهم في مجتمعاتهم(12) و لا مانع من أن تغضّ الدولة المستضيفة للأفواج السياحية الطرف عن هذه الممارسات اللاّأخلاقية لاعتبارات اقتصادية بالأساس.

3-متغير العمر: يعرف الشباب استغلالا جنسيا و هذا خاصة بمرحلة ا لشباب المبكر و استنادا إلى معلومات قدمها بعض الشبان لبعض علماء الاجتماع الذين درسوا مشكلات الجنس في إفريقيا أشاروا إلى أنّ عددا من الطلبة المحتاجين للمال من أجل متابعة دراستهم يبيعون الجنس بأعداد متزايدة باطراد في شوارع أديسا بابا كما أنّها طريقة تعين ممارسي الجنس مع نفس النوع أن يخفوا هويتهم الجنسية لعقود طويلة خشية القمع الاجتماعي و السياسي، إلاّ أنّ السنوات الأخيرة شهدت نشاط حركة تحرير هذه الفئة حيث بدأ الناس يدافعون عنهم و بدؤوا هم بجرأة يدافعون عن أنفسهم، الأمر الذي يشير إلى ضعف معايير الثقافة الشعبية التي كانت تشكل ضوابط اجتماعية و ثقافية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى مزيد من انتشار هذا المرض.

أمّا بالنسبة للأطفال فالأخطار فظيعة حيث أنّ دعارة الأطفال قد ازدهرت نتيجة خوف زبائن الجنس من المرض و الأمر الذي دفع الوسطاء إلى استغلال مخاوفهم بتأكيدهم على "براءة" البغايا الصغيرات التي تدلّ على أنهن من الأرجح بريئات من العدوى.(13)

ثالثا- الانعكاسات النفسية على المشخص حديثا بفيروس السيدا(14)

كون الفرد المشخص حديثا بأنه حامل لفيروس السيدا يجعله في حالة نفسية حرجة و يجعله أكثر عرضة للإصابة بأمراض نفسية نتيجة للضغط النفسي الهائل الذي يتعرض له في ذلك الوقت، يمر العديد من المرضى بالمراحل التالية:

1-الإنكار: حيث أنّهم لا يعترفون بإصابتهم بالمرض و ربما يرفضون التحاليل و الفحوصات التابعة، و هذه نقطة في غاية الأهميّة و يجب أن تأخذ في الحسبان، حيث أنّ مقاومة الدّاء بنجاح تحتاج إلى وجود مستوى معين من التقبل للمرض لدى المصاب ليتمكن من طلب الاستشارة النفسية و الدعم الطبي و الاجتماعي.

2-الغضب: يمكن لمريض السيدا الإحساس بالغضب و المرور بحالة من الإحساس بالذنب عندما يشعر بأنّ تصرفاته سببت له الإصابة بمرضه، وفي نفس الوقت يكون في حيرة و تردد في إخبار الآخرين عن حالته لأنه لا يعرف ماذا ستكون ردّة فعلهم بسبب وصمة العار المرافقة للمصابين بهذا المرض في المجتمع.

3-  المساومة: يبدأ المريض بادراك وجود المرض و يحاول التفكير في انتقاء الشخص المناسب لأخباره بهذا السرّ الذي يحمله و الذي أثقل كاهله.

4-الاكتئاب: بعد إدراك وجود المرض و أنّه اكتسبه لا محالة، يمر المريض بفترة من الاكتئاب و الإحباط لأنه يعلم أنّه لا يوجد علاج لهذا المرض و إنما مضادات الفيروس القهرية تقلل من تناسخ الفيروس فقط، و يبدأ الشعور بالخوف من مضاعفات المرض و لا سيما الخوف من الموت وفي نفس الوقت قد تتراوح في ذهنه أفكار انتحارية، لذلك يكون في أمسّ الحاجة للدعم الاجتماعي في هذه المرحلة.

5-التقبل: و في نهاية المطاف يبدأ المريض بتقبل مصيره و يعلم أنّ المرض ابتلاء من الله، و يحاول الاستفادة من الوقت الذي يتبقى لديه بالتوبة وفعل الخيرات، و بالتالي فانّ الدعم الاجتماعي من الضروريات عند هؤلاء المرضى و هم بحاجة للتوجه إلى المستشارين الاجتماعيين و كذلك إلى التثقيف الصحي و التأكيد عليهم باتخاذ الاحتياطات و الحرص.

رابعا- الآثار النفسية و الاجتماعية لمرض السيدا على المصاب.(15)

1-نفسيا: يتعرض المصابون بداء السيدا إلى ضغوط نفسية تختلف من مريض إلى آخر وهي كالأتي:

1-1  الشك و الخوف: قد يكون هذا الخوف من الموت أو المجهول، الخوف من فقدان العمل أو من الطلاق أو حتى من المشاكل الاجتماعية.

1-2  القلق: قلق المرضى الذي يبدو واضحا عليهم فهو يتمثل في قلقهم عن وضعهم الصحي و تطور الحالة و مدى فاعلية العلاج.

1-3  الاكتئاب و الانطواء و الحزن و الخجل من مواجهة الآخرين و نظراتهم مما يؤدي إلى عزلتهم الاجتماعية.

1-4  فقدان البعض لاحترام ذاتهم و الشعور بالذنب و ذلك لارتباط المرض لدى البعض بنواح أخلاقية.

1-5  شعور البعض بالخسارة و عدم القدرة على فرص عمل أو زواج و تكوين أسرة و إنجاب أطفال نتيجة الإصابة بالمرض.

2- اجتماعيا: تكون آثار سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع ككلّ.

2-1  الأسرة: تحول الأدوار في الأسرة، حدوث مشاكل بين الزوجين، طلاق أو انفصال، إهمال للأطفال بسبب الوضع الصحي النفسي الذي يمر به المريض، فقدان المكانة الاجتماعية و الاعتماد على الآخرين في الشؤون الشخصية و الأسرية اليومية.

2-2  المجتمع: العزلة الاجتماعية و الانسحاب الاجتماعي و عدم التكييف مع الآخرين، فنظرة البعض الخاطئة للمرضى و رفضهم الاجتماعي للمرض يؤدي إلى شعور بعض المرضى بالنقمة على المجتمع و الرغبة في الانتقام، إن الإصابة بالمرض تجعل بعض المرضى يحسون بالوصمة الاجتماعية و أنّهم فئة غير مرغوب فيها و ينظر اليها بنظرة الشفقة و الرحمة الممزوجة بالخوف و الاشمئزاز، و أنهم فئة افتقدت دعم و تعاطف بعض أفراد المجتمع في الوقت الذي يحظى المرضى الآخرون بهذا التعاطف.

خامسا- العوامل النفسية الاجتماعية المؤثرة في تحديد مسار مرض السيدا(16)

استطاعت الدراسات في السنوات الأخيرة تزويدنا بأدلة قاطعة، تثبت أنّ للعوامل النفسية الاجتماعية تأثيرها في نسبة التراجع المناعي الناجم عن مرض السيدا، ففي إحدى الدراسات على مجموعة من الرجال المثليين المصابين بالفيروس، وجد أن مسار تطور المرض عند الذين عانوا من ضغوط شديدة، كان أكثر تسارعا منه عند الذين تلقوا مساندة اجتماعية أكثر.

كما وجدت دراسات عديدة أحرى أن المعتقدات السلبية حول الذات و المستقبل، ارتبطت بتراجع في الخلايا "T" المساعدة، و ببدء السيدا عند الأفراد المصابين بالفيروس، كذلك وجد أن التوقعات السلبية حول مسار المرض يمكن أن تؤدي إلى تسارع تطور المرض و في الجانب الايجابي، و جد أن قدرة الإنسان على إيجاد معنى لخبراته تبطئ من تراجع الخلايا المناعية و تقلل من الوفيات المرتبطة بمرض السيدا، كما أظهر المتفائلون سلوكيات صحية أكثر من المتشائمين مثل الالتزام بالدواء، كذلك وجد أن التفاؤل يساعد المصابين بالفيروس على تحمل الضغوط الإضافية بصورة أفضل.

إنّ الأبحاث التي تربط عوامل نفسية اجتماعية بمسار تطور المرض، كالمعتقدات حول المرض و استراتيجيات التعامل و مصادر المساندة الاجتماعية، هي أبحاث مثيرة للاهتمام بشكل خاص، ليس لأنها توضح العوامل التي قد تساعد على بقاء المصابين بفيروس السيدا على قيد الحياة فقط، و إنما لأنها تزودنا أيضا بفرضيات حول كيفية تأثير العوامل النفسية و الاجتماعية على مسار المرض.

سادسا- الرفض الاجتماعي و الثقافي لمرضى السيدا.

يوجد رفض اجتماعي و ثقافي بنسب متفاوتة مرتبط بمرض السيدا في كل أنحاء العالم، و يتم التعبير عن هذا الرفض بمختلف الطرق حيث يتعرض المصابون بهذا المرض لشتى أشكال النبذ و الرفض و التمييز و التجنب من قبل المجتمع المحيط بهم؛ و يتمثل ذلك في الفحص الإجباري لاكتشاف تطور فيروس السيدا دون الحصول على موافقة مسبقة من الشخص الذي يتم عليه الفحص، و دون فرض نوع من الحماية على النتائج لمراعاة السرية و احترام الخصوصية، بالإضافة إلى العنف الذي تتم ممارسته ضدّ الأشخاص المصابين بالفيروس أو حتى الأشخاص المشكوك في إصابتهم بالمرض، و آخر هذه الأشكال هو الحجر الصحي الذي يتمّ تطبيقه على هؤلاء المصابين دون أدنى مراعاة لحقوقهم الشخصية وظروفهم المرضية و حالتهم الصحية الحرجة.(17)

وقد أدى العنف المرتبط بالرفض التام لهؤلاء المرضى على المستويين الاجتماعي و الثقافي وكذلك الخوف من التعرض لممارسات عنيفة في حالة اكتشاف المجتمع إصابة أحد الأشخاص بالمرض إلى إحجام الكثيرين عن إجراء اختبار فيروس السيدا أو التقصي عن نتائج هذا الاختبار أو البحث عن العلاج إذا ثبتت الإصابة بالمرض، الأمر الذي من شأنه أن يتحول بهذا المرض من مرض مزمن قابل للسيطرة إلى حكم بالإعدام على المريض بسبب خوفه من مواجهة مصير مجهول قد يكون أكثر قسوة من المرض ذاته، و الطامة الكبرى هي النتيجة الأخرى لذلك، ألا و هي تزايد انتشار المرض بصورة هائلة نظرا لحرص المريض على تجنب الكشف الطبي حتى لا تلحقه وصمة المجتمع،(18) ويمكن تقسيم أشكال الرفض المرتبطة بمريض السيدا إلى الأنواع الثلاثة التالية:(19)

1-الرفض المرتبط بما يمكن أن تؤدي إليه الإصابة بالمرض، و يعدّ هذا الجانب انعكاسا له علاقة بالمريض أي الإحساس بالخوف و ترقب الشرّ الذي يصحب أي نوع من أنواع الأمراض الفتاكة التي يمكن أن تنتقل عدواها.

2-الرفض المرتبط بما يرمز إليه هذا المرض من معان يرفضها المجتمع، و يرتبط هذا الجانب باستخدام فيروس و مرض السيدا للتعبير عن الموقف تجاه المجتمعات و أساليب الحياة المرتبطة في الأذهان بها.

3-الرفض المرتبط بعدم التعامل بأي نوع من أنواع اللياقة و الكياسة مع مرضى السيدا، و يرتبط هذا الجانب بوصمة العار المرتبطة في الأذهان بالمصابين أو بمن يحملون الفيروس في دمائهم.

يرتبط مرض السيدا غالبا بعدة مظاهر سلوكية مرفوضة، خاصة تلك الممارسات الجنسية و ازدواجية الميول الجنسية (الشذوذ) و الانحلال و ممارسة البغاء و الحقن الوريدي بالمواد المخدرة و هذا ما أدّى إلى تصاعد حدّة الأصوات المنادية بالتحامل على الممارسات الجنسية غير المشروعة و رفضها (20) و من ثمّ انعكس هذا الرفض على الخصائص الاجتماعية و الصحية لمريض السيدا، و ما ترتب على ذلك من انعكاسات سلبية أثرت على وضعه الاجتماعي و الصحي.

سابعا- الوصم الاجتماعي لمرضى السيدا. كلمة الوصم في اللغة الانجليزية هي كلمة يونانية الأصل تشير إلى وجود علامة جسدية في صورة وشم تمّ وضعه بالحرق أو الحفر في أجساد المجرمين أو العبيد أو الخونة من أجل تمييزهم ظاهريا غلى أنهم أشخاص منحرفون و سيؤوا الخلق و من ثمّ يجب على المجتمع تجنبهم و الابتعاد عنهم خاصة في الأماكن العامة، ثم استخدم هذا اللفظ فيما بعد للصفات الشخصية الأخرى التي تعدّ مخجلة أو مخزية.

الوصم تلك العملية التي عرفها جابر و آخرون( 21) التي تنسب الأخطاء أو الآثام التي تدلّ على الانحطاط الخلقي لأشخاص في مجتمع فوصمهم بصفات بغيضة وسمات تجلب العار وتثير حوله الشائعات وتتمثل هذه الصفات بخصائص جسمية أو عقلية أو نفسية أو اجتماعية من خلال ما سبق من تعاريف الوصم يكمن في وجود علامة تتضمن الإساءة إلى من يحملها ، ويظهر في اغلب الأحيان لما نميز المصاب بمرض السيدا من قبل الناس بسبب الوصم .

والوصم دلالة على ارتباط مريض السيدا بشيء يدعوا للخجل المعيب فحين نصف شخا ما بشيء معيب مخجل فإننا في هذه الحالة نلصق به الوصمة ، ويكاد يكون انتشار ظاهرة وصمة مرض السيدا عاما في مختلف الأماكن وعند معظم الناس اللذين يتعامل معهم هذا المريض و الانطباع بحجم و تأثير الوصمة في المجتمع المحيط بمرضى السيدا كبير من خلال الملاحظة والممارسة وتجارب المتعايشين مع هذا المرض،وعليه يتجه العامة في الثقافة المحلية إلى تصورات مختلفة عند وصفهم لمرضى السيدا فمنهم من يرى انه خارج عن عادات وتقاليد المجتمع حيث يرتكب ما حرم الله ومنهم من يصفه بأنه شخص جاهل أقدم على عمل سبب به أذى لنفسه وضررا بصحته ، ومنه من يصفه بأنه مريض مثل أيّ مريض آخر ، إذا يجب أنم نأخذ في الاعتبار الخلفية الثقافية والاجتماعية التي تؤثر في المفاهيم والأفكار التي يتبناها الأفراد في المجتمع نحو مرض السيدا بصفة عامة ومعتقداتهم عن أسباب المرض والطرق التي تؤدي إليه، فالخلفية الثقافية تتمثل في وجود صور نمطية وأنماط سلوكية وقيم وعادات   وأفكار لها عمق تاريخي وخصائص تشترك فيها مجموعات من الناس وتنتقل عبر الأجيال ويتم تعلمها مع الوقت .

حيث تنتقل رموزها لتتكون المعالم المتكاملة لها وتصبح ثقافة مجتمع حول مرض السيدا ، وهناك عوامل مختلفة مثل اللغة الدين والتراث والخبرات المتراكمة على مدى طويل ، كما يوجد علاقة بين الثقافة وبين الظواهر المرتبطة بها مثل ظاهرة وصم المدمنين على المخدرات ، وشرابي المسكرات  ومرضى السيدا .(22)

ان وصمة مريض السيدا لا تتصل به وحسب بل توصم بها أسرته والعاملون في مجالات الخدمة الصحية لمرضى السيدا والعاملون بمراكز الفحص الطوعي لهؤلاء المرضى ، أي وصمة تلحق بكل من يتعامل مع المرضى ، كما أنّ أنواع العلاج أو التحاليل الطبية تمثل وصمة أيضا لمن يتعاطاها ، وكل هذا ينعكس على المتعايشين مع الفيروس سلبا ويزيد من صعوبة تعايشهم مع المجتمع المحيط أو حتى الفريق المعالج نظرا لما تحمله الوصمة من معالم خفية قاسية على الموصوم .

خاتمة : كخلاصة إن المصاب بمرض السيدا لا يختلف عن غيره من المصابين بأمراض أخرى، فمن حقه أن يحصل على عيشة كريمة و على العلاج الضروري الذي تتطلبه حالته الصحية و يجب توعيته بكيفية الحفاظ على حالته ثابتة و لا تتدهور، و لا يجوز تعريض المرضى للوصم و التمييز أو الإهمال مهما كانت طريقة إصابته بالعدوى كما أنّ المساندة الاجتماعية تأخر من الوصول إلى أخر نقطة ألا و هي الموت الحتمي.

الهوامش:

1-عبد العزيز طريح شرف- "البيئة وصحة الإنسان في الجغرافيا الطبية"-مؤسسة شباب الجامعة-الإسكندرية-ط2-1993-ص409

2-Bombereau Gaelle- Représentations sociales du VIH/Sida en Guadeloupe et recommandations à l’usage de la santé publique- thèse de doctorat-université Laval Quebec-2005-p196.

3-علي محمد علي أحمد-"إفشاء السرّ الطبي"- دار الفكر الجامعي-الاسكندرية-ط1-2007-ص295

4-عبد الحميد القضاة-"الأمراض الجنسية عقوبة إلهية"-مديرية المكتبات الوطنية-الأردن-ط2-2006-ص62

5-حرحار بوعلام-"السيدا مرض العصر"-دار البدر- الجزائر-دس-ص4

6-رئيف بستاني-"الموسوعة الطبية"-المجلد الثاني-الشركة الشرقية للمطبوعات-بيروت-ط1-1991-ص56

7-منظمة الصحة العالمية-"دور الدين و الأخلاقيات في الوقاية من الايدز و مكافحته- الاسكندرية- المكتب الاقليمي لشرق البحر المتوسط- 1985-ص1

8-Bourin Michel-Les médicaments du Sida-Ed Ellipses-Paris-1995-p9

9-عبد الخالق حسن يونس-"خطر الايدز"-الدار العربية للعلوم-بيروت-ط1-2004-ص70

10-منظمة الصحة العالمية-"الايدز،صور من الوباء"-جنيف-1994-ص45

11-المرجع نفسه-ص49

12-عبد الخالق حسن يونس-مرجع سابق-ص79

13-منظمة الصحة العالمية-1994-مرجع سابق-ص24

14- منيرة عبد الرحمن الدحام-"النظرة الاجتماعية لمريض الايدز"- 01/12/ 2005www.sauress.com

15- رفيدة بنت محمد الدباغ-"اكتشافه في أحد أفراد العائلة"-26/12/2008 -نفس الموقع

16-شيلي تايلور-"علم النفس الصحي"-دار الحامد-عمان-2007-ص809-810

17-الجزائري حسن عبد الرزاق-"دور الدين و الأخلاقيات في الوقاية من الايدز و مكافحته"-www.Islamset.com

18-سعد بن عبد الله سعد آل تومان الأحمري-"الخصائص الاجتماعية و الصحية لمرضى الايدز و دورها في طبيعة تدخل الفريق المعالج"- أطروحة دكتوراه الفلسفة في العلوم الأمنية-كلية الدراسات العليا-قسم العلوم الاجتماعية-جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية- الرياض-2013-ص26

19-المهدي محمد المختار محمد-"الرؤية الاسلامية لمواجهة مرض الايدز"-القاهرة-الأزهر الشريف مجمع البحوث الاسلامية الادارة العامة للبحوث و التأليف و الترجمة-2007-ص 61

20- سعد بن عبد الله سعد آل تومان الأحمري- مرجع سابق-ص28

21-جابر عبد الحميد و آخرون-"علم النفس البيئي"-دار النهضة العربية-القاهرة-1990-ص 39

22- سعد بن عبد الله سعد آل تومان الأحمري- مرجع سابق-ص31