نموذج عوامل الجَلَد النفسي عند الطفل المصدوم
pdf

 

 

 

د. بوسنة عبد الوافي زهير

أ. عثماني مرابو صورية

جامعة بسكرة ( الجزائر)

Résumé :

Dans le cadre d’une étude spécifique de la résilience comme aspect croissant.

Le modèle vulnérabilité-résilienceestconsidéré chez l’enfant comme une approche psychologique liée à un statut organisé.

L’importance de le résilience comme concept clé dans le développement de l’enfant, est devenu incontournable.

Cet article se propose de définir la résilience, et son importance, et ces mécanismes dans la vie d’un enfant traumatisé.  

ملخص:

في اطار دراسة خاصية الجلد النفسي كظاهرة نمائية ، يعتبر" نموذج الجروحية الرجوعية " عند الطفل مقاربة سيكولوجية ترتبط بهيكلة منظمة لسيرورة النمو النفسي ، تقترح دائرة من العوامل المؤذية السلبية التي افترضنا أنه يضعف تأثيرها لوجود العوامل الحامية البناءة التي قد يتبناها الطفل، ما يجعله مؤهلا لاستخدام مختلف الميكانيزمات الدفاعية و القدرات في مواجهة الصدمة و اكتساب الأنا المرن الذي يأخذ العلاقة بين الطفل و ذاته ومحيطه الى علاقة تكيفية ، نسعى في البحث فيها من خلال هذه الدراسة الميدانية من أجل الوقوف على العوامل المساعدة في تنمية الجلد النفسي عند الطفل المصدوم.

       مقدمة:

يهتم الطرح النفسي الحديث بمواضيع القدرة الانسانية في حدود بشرية الفرد الذي قد يمتلك مؤهلات ذاتية و اجتماعية تمكنه من التكيف و النجاح و على مستوى كل الظروف و الحالات. ، و احدى سمات التميز الانساني بهذه القدرة ما يُعرف بمصطلح " الجَلَد النفسي " " او ما يرادفه من مصطلحات " المرونة أو الصلابة النفسية " أو " الرجوعية النفسية " ،و غيرها من المفاهيم المشابهة التي ارتبطت دراستها بالضغوط و الصدمات النفسية نتيجة ما عاشه المجتمع الجزائري من فترات قاسية بداء من الاستعمار الفرنسي و مخلفاته الى الاهتزازات السياسية و النزاعات الأهلية التي عرفتها العشرية السوداء ، الى كوارث طبيعية في فترة لاحقة ساهمت في انتشار مشاكل العنف والفشل والفقدان والاعتداءات ، و بالتالي فان دراسة الفرد الجزائري بتعدده في تنوع ثقافته من حيث تعرضه للجروح النفسية و الصدمات موضوع يُمثل الشريحة المرضية الأكثر تمثلا اجتماعيا خاصة في ظل غياب الهيكلة الرجوعية العلاجية و الرعاية الاجتماعية و المتابعة النفسية اللازمة للحدث الصدمي.

و قد مست هذه التغيرات الاجتماعية بصورة مباشرة او غير مباشرة " الطفولة الجزائرية "، خاصة في ظل ما نعيشه من ظواهر شاذة في اختطاف الأطفال و اغتصابهم و ما يعانيه الطفل من تعنيف و تسرب مدرسي مقابل الاهمال التربوي الذي تشهده مؤسساتنا التعليمية بكافة أطورها ، ما يجعلنا نفترض أن من واجب الأسرة و المجتمع التدخل كعاملين أساسيان في اكساب الطفل مستوى من الجلَّد لمواجهة عوامل الخطر ، حيث تؤكد نظريات الجلَّد على مساعدة هذه القدرة في القضاء على الخبرة الشاقة التي تتكون من خلال الصدمة نفسها ، و في نفس السياق تتفق نظريات التحليل النفسي مع هذا المعنى ، حيث يرون أن الأوضاع العارضة و السيئة تؤدي الى الاخلال بتوازن القوى النزوية و تزعزع الانا فينجر عنه بتر للنظام النفسي و كبت مكثف يتولد عنه ظهور الاعراض و الكف ومختلف الأمراض العصابية لاحقا ، و في هذا السياق يؤكد S.Freud على مراعاة نوعية المرحلة و الارتباط التبعي بينها و بين الصدمة و يحذر من التجريح النفسي و الصدمات الخارجية اثناء مرحـلة الطــفولة كما يدعو فرويد أن نترك الطفل يعبر جسر مراحل نماءه بأمان فالطفل ملزم بأن يعيش أزمات نفسية و صراعات العلاقة الفطرية للوصول للنمو النفسي الراشد و السوي ، حيث يؤدي حدوث الجروح الصدمية التي تتوالى على طبيعة الانفصال الفطري الى حالة خطر ، ما جعلنا نفترض ان التوظيف الرُجوعي عند الطفل يخلق حالة من التوازن او يؤدي الى تجاوز الصدمة من خلال عوامل محدَدة تساعد " الرجوعية النفسية " عند الطفل الذي   يعاني الجرح الصدمي.

1ـــ الجذور التاريخية لمفهوم الجلد:

ان كانت الدراسات حول الــجَلَد النفسي تعتبر حديثة نسبيا حيث ترجع بدايتها الى 1970 , فهذا لا يعني انعدام خاصية الجلد النفسي في اعماق البشرية القديمة , فهو مفهوم واسع كانت فكرته كلية التواجد منذ زمن بعيد من خلال ما ذُكر في الأساطير و في الأدبيات القديمة التي كانت تحاك حول الموضوع كنقطة ايجابية في الوجود الانساني و كحقيقة يمكن أن تعايشها الذات.

$1·    الجلد "Resilience" هو مصطلح فرنسي و انحدر كمصطلح من الكلمة اللاتينية «resilientia» التي تستخدم في مجال " التعدين " كمفهوم فيزيائي و التي تشير الى" القدرة على استرداد حالته الأولية عقب الصدمة و الضغط المستمر ، فهي القدرة على امتصاص الطاقة الحركية من دون أن تنهك " , وقد تم استعارته في العلوم الإنسانية حيث أخذ معنى أكثر اتساعا .

ــــــ وفي القاموس الفرنسي"resalir" إعادة الحركة مرة أخرى ، حيث "salire" تشير إلى التكرار و تقود إلى فكرة الارتداد. بينما" re"تعني الوثب و القفز، فالرجوعية تعني إذن الفعل الذي ينتهي بالالتزام و الوعد بالصمود. (1)

·    اول من استخدم هذا المصطلح في مجال الطب و علم النفس كان " N. Garmezy في الولايات المتحدة عام 1984م " وفقا للمحلل " Simone Korff-Sauss" فإن " S. Freud " قد وضع القواعد النفسية الابستمولوجية الأولى لهذه المقاربة من خلال آليات الدفاع في التحليل النفسي ، لكن باستعمال مصطلحات أخرى كمفهوم التسامي.(2)

·    إلا أن بعض المراجع تشير إلى أن الفضل في ميلاد هذا المصطلح يعود إلى الأخصائية الأمريكية "EmmyWinner" في دراستها الطولية والتي دامت30 سنة . (3) كما ساهم في انتشار الرجوعية اهتمام العديد من الباحثين و المختصين أمثال : "Michel Manciaux ،Ionescu Serban  ، " Boris Cyrulnik". و ساهم هذا الأخير في التشهير بمفهوم الرجوعية خاصة في المجال الاعلامي و في البرامج التلفزيونية وعلى اليوتوب ومن خلال كتابه:

" Un merveilleux malheur " سنة 1999 . اين وصف فيه انتصار بعض الاشخاص على الضربات الموجعة التي تعرضوا لها ونجحوا في ايجاد معنى لحياتهم.(4)

و اليوم لم يصبح مصطلح " الرجوعية النفسية " أو " الجلد النفسي " مفهوما بسيطا ، بل تعدى ذلك و أصبح نموذج يساعد على فهم الشخص في بعده السوي و المرضي على حد السواء . وهذا ما نسعى إلى توضيحه من خلال خطوات هذا البحث .

2 - مفهوم الجلد النفسي:

     2-1 تعريف الجلد النفسي:

·    اتفق كل من:Lecomte, Boris Cyrulnik " " Michel Manciaux, Stefan Vanistendael, Jacquesعلى أن الرجوعية هي : قدرة شخص أو الجماعة على التطور الايجابي ومواصلة التوجه البناء نحو المستقبل على الرغم من وجود الجرح الصدمي . (5)                           

   2-2 مفـهوم الجلد النفسي عند الطفل:

·    يعرف" M.Rutter" الرجوعية النفسية على أنها ظاهرة تظهر عند أشخاص صغاريتطورون بصفة ملائمة و جيدة عندما يتعرضون إلى الإجهاد الناتج عن عواقب غير ملائمة.

·         Lgoodyer : تحدث الرجوعية عندما يظهر الطفل استجابات معتدلة و مقبولة أثناء تعرضه لمنبهات مضرة من طرف محيطه .(6)                                                              

نلاحظ أن هذا الباحث اعتبر أن الرجوعية رد فعل تكيفي لوضعية مجهدة و أهمل الجانب التطوري المحيطي و الجانب التطوري الذاتي واللذان يعتبران جد مهمان لتحديد الجلد.          

3-   المقاربة النظرية للجلد:

3-1 نظرية التعلق و الجلد: ترتكز نظرية التعلق على دراسة طريقة تكوين العلاقات الأولى , اذ تعتبر المرحلة الأولية النمائية قاعدة جيدة للامان ينتج عنها تطور وظيفي لنمو المعرفي من حيث نماذج التعلق الأولى و انعكاساتها على شخصية الطفل ، حيث ان العلاقة المتينة أم – طفل ضرورية أولية لنمو الرجوعية حيث ان الثلاث سنوات الاولى تنتج نوعا محددا من التعلق انطلاقا من تفاعلات الأولياء ( او الذين يعطون الرعاية ) و تؤثر على الإمكانيات التطورية اللاحقة لسيرورة الجلد.

3-2 النظرية العرضية للجلد:وضع " Gilligan" ثلاث أسس نفسية عقلية اجتماعية في تفسير هيكلة السيرورة الرجوعية و هي :

·    الشعور بالتحلي بقاعدة من الامان الداخلي : و تعني الانتماء منذ تجارب التعلق الاولى الى عائلة او سلالة او بنوة للحصول على سند الاحتواء ما يساعد على تشجيع الامان الداخلي الضروري لهيكلة الجلد النفسي . و في هذا السياق يؤكد" M.Rutter " انه في حالة غياب الرعاية و العلاقة للامان الداخلي يجب ان تُعوض في إطار الشبكة الاجتماعية وهذا ما يوفر عامل حماية جد مهم .

·    تقدير الذات : يرتبط مفهوم تقدير الذات بتكوين النرجسية من خلال تجارب الاستثمار الأبوي ، و حسب روتر "Rutter " فان نمو تقدير الذات في المعنى الايجابي يستدعي أساسيتين:

- العلاقات الحميمية و حب مطمئن و متجانس .

- الحصول على نجاحات التحقيق للشخص و مركز اهتمامه.

·    الشعور بنجاعته الخاصة :يؤكد "Barqué "يؤثر نوع الأبوية في نمو الطفل من خلال وعي الرقابة الداخلية أو مؤهلات إدراك المواضيع المرغوبة و الأبوية كنماذج علائقية وتربوية ما يحدد استقلالية أو تبعية الطفل . إن سيرورة التعقل تكتسب منذ الولادة من خلال نوعية الوساطة الامومية أو بديلها النفسي حيث يظهر الجلد من خلال:

-        تصلب أو مرونة الميكانيزمات الدفاعية للأنا.

-        قدرة الإصلاح العقلي : وضع كلمات، حكاية الصدمة المعاشة و الانفعالات المرتبطة به .

3-2 النموذج الايكولوجي:يشمل فرضيات عوامل الخطر و الحماية التي تخص الاشخاص من جهة ومن جهة اخرى الاوساط او الاطار الذي تحدده . وفهم طبيعة العلاقات الداخلية المعقدة التي تربط الشخص بمحيطه و في هذا السياق اقترح" Tousignant" نموذج اكيولوجي للرجوعية لتفاعل الشخص والمحيط   (7)                                                         

فهذا النموذج يمثل مقاربة تقترح دائرة من الاسباب مترابطة و متماسكة في بعضها البعض حيث يأخذ العلاقة بين الشخص وذاته و من ثم بين الشخص و محيطه , و بالتالي فانه من المهم الاشتغال السيروري النفسي للرجوعية مندرجا من نموذج الى آخر.

3-3 الاشتغال السيروري النفسي للجلد: حسب " Bourgnignon": ان الرجوعية تنتج من سيرورة مفاوضة لوضع خطر و إن عوامل الحماية تساعد الرجوعية أن تبدي ميكانيزمات وسطية لإشغال الرجوعية عند الاشخاص ما قد يتفكك الى زمنين: الرجوعية في المدى القصير والرجوعية في المدى البعيد .

- مواجهة الصدمة ومقاومة الخلل النفسي : وهذا ما يؤدي الى عدم تأسيس جزء من تلك الحقيقة الصادمة مع استخدام ميكانيزمات دفاعية كإيجاد سند عائلي آخر او توظيف الخيال ، الانكار ..

- ادماج الصدمة و اصلاح ذاتي : يعتمد على إعادة تأسيس الروابط المفقودة في الجرح الصدمي   و انطلاقا من المحنة يتم إعادة تكوين يقوم على منح معنى للجرح ،و اللجوء الى ميكانيزمات دفاعية مكيفة ،أو استخدام ما يسمى بالتعقل الجيد .

ـــ حسبTychey : يتعلق التعقل بالقدرة على: الترجمة بكلمات او ممثلات لفظية قابلة للمشاركة لإعطائها معنى قابل للاتصال و مفهوم قابل لفهم الذات و الآخر . (8)

4- عوامل الحماية وعوامل الخطر:

4-1 عوامل الحماية: إن عوامل الحماية هي كل الشروط الوجودية التي تساعد الجلد النفسي من اجل تخطي مختلف الأزمات و الصدمات العارضة .و تمثل ثلاث مستويات: الموارد الذاتية مثل التفاؤل و التعقل الجيد وتقدير الذات و القدرة على الإبداع ، و الموارد التي تقدمها الجماعة أو المجتمع ، و الموارد الأسرية و هي عوامل الحماية التي تقدمها العائلة :

ــ عدد الأولاد أقل من 5 .   ــ تباعد الولادات

ــ موقف الوالدين من الحمل . ــ انسجام عائلي

ـــ علاقات جيدة : طفل ــــ أم / أب (علاقات غنية و آمنة ودفء و محبة و اتصال فعال)

ــ وجود طقوس عائلية كتوقيت الواجبات و العادات و التقاليد الأسرية

ــ القدرة على التقمص .   ــ غياب العنف الأسري . ـــ الوضع المالي المستقر

4-2 عوامل الخطر :   تعرف عوامل الخطر على أنها كل الشروط الوجودية في ذات الطفل أو في محيطه والتي تسبب له خطر الاختلال الوظيفي نتيجة حدث أو شرط عضوي أو محيطي . و هي على ثلاث مستويات :

·         من حيث الطفل : العجز المعرفي ، الانفصال الأم ومي المبكر ، التوأمة ، المرض

·         من حيث المجتمع : عمالة الطفل ، الفقر و الوضع الاجتماعي السيئ ، السكن المكتظ، أو العزلة الاجتماعية.

·         من حيث العوامل التي تخص المحيط العائلي للطفل:

-        الانفصال الأمومي أو الخلافات المزمنة أو العنف الأسري

-        الكحولية في الوسط الأسري . ـــ وفاة قريب

-        المرض المزمن لأحد الآباء(جسدي أو نفسي)

-        الزواج الغير كامل (أم عزباء) أو أم مراهقة و / أو غير ناضجة

و رغم تقسيم عوامل الخطر و عوامل الحماية من قبل الباحثين إلا أنه توجد روابط مشتركة بين السلسلتين تشكل التداخل بين كل من عوامل الحماية و عوامل الخطر . (9)

5- تداخل عوامل الخطر و عوامل الحماية: قد تتعرض الرجوعية للتداخل بين " عوامل الخطر و عوامل الحماية " حيث نجد أن مفهوم عامل الخطر يدور حول مفهوم احتمالي على أساس يخص ظاهرة معينة كانخفاض مستوى اجتماعي اقتصادي للعائلة ، سوء الاندماج المدرسي، الفقدان و الانفصالات المبكرة ، الحوادث و الأمراض وغيرها من الظواهر السببية . على غرار" عامل الحماية" الذي يتحدد بمشجعات المجال المحيطي الاجتماعي الشخصي ( مثل عائلات قليلة العدد ،علاقة طفل ـ أم / أب علاقة جيدة مع غياب الانفصال أو الحرمان أو الفقدان) كمميزات أساسية يستند عليها الطفل لمساعدة الرجوعية في مساهمتها النفسية .

و ليس الحدث ذاته ما يأخذ بعين الإعتبار ، بل الميكانيزمات ذات التوظيف السلبي أو الايجابي ما يحدد تأثير الحدث الصدمي هذا ما يدل على أن طبيعة عامل الخطر ليس هو المهم بل الأهم هو التفاعل الرجعي المتداخل بين عوامل الخطر في حد ذاتها.

و بكل بساطة فإن بعض عوامل الحماية و بعض عوامل الخطر هم قطبين لنفس الظاهرة و المثال الآتي يوضح ذلك : رحيل الأب الكحولي من العائلة ممكن أن يظهر" كعامل حماية " لكن انخفاض المدخول و الحرمان العاطفي الذي سيحدث جراء هذا الفقدان ممكن كذلك أن يظهر كعامل خطر. (10)                                  

في الأخير يعتبر نموذج الرجوعية مقاربة سيكولوجية ترتبط بهيكلة منظمة لسيرورة النمو النفسي، تقترح دائرة من العوامل المؤذية السلبية أو العوامل الحامية البناءة التي قد يتبناها الفرد ما يجعله مؤهلا لاستخدام مختلف الميكانيزمات الدفاعية في مواجهة الصدمة و اكتساب الأنا المرن الذي يأخذ العلاقة بين الشخص و ذاته و بين الشخص و محيطه إلى علاقة علاجية فعالة . (11)  

الجـانب الميداني

1-الهدف: إن الهدف من إجراء هذا العمل الميداني هو التعرف على العوامل المساعدة في إكساب الطفل البروفيل الجَلَّدو الذي حاولنا التعرف على السمات المرنة فيه من خلال تطبيق اختبار الرورشاخ علىأطفال تعرضوا لصدمات و جروح مرهقة على المستوى النفسي .

2-المنهج و الأدوات: اعتمدنا في إطار دراستنا على المنهج الإكلينيكي الذي يعني بالتركيز على الفردية التي تمثل الظاهرة أو السمة المراد دراستها و العوامل المؤثرة فيها ما يمكننا من دراسة الحالة "دراسة شاملة ومعمقة "، و ذلك من خلال استخدامنا للأدوات التالية :

2-1 المقابلة العيادية النصف موجهة :هي التي تهدف إلى إقامة الحوار بأبعاده الدينامية من خلال تحديد و توجيه مجموعة من الأسئلة التي تخدم موضوع بحثنا لكن مع المحافظة على حرية التعبير لدى الطفل .

وقد اعتمدنا على محورين :

أ) محور العلاقات المحيطية خارج و داخل الأسرة بقطبي العلاقة الثنائية طفل – أم / أب ، طفل – إخوة أو أقارب آخرون.

ب) محور البروفيل النفسي الجلد( العوامل الذاتية ) وفيه تم تطبيق اختبار الرورشاخ و ربطه بأسئلة ذات علاقة بموضوع الدراسة .

2-2 اختبار الرورشاخ: هو اختبار إسقاطي ذو عشرة لوحات مبهمة المحتوى على أساس افتراض العلاقة بين الإدراك والشخصية، قصد استخراج بروفيل للطفل الجَلَد و الكشف عن سمات الطفل الوجدانية والسلوكية غير المتعلمة ويساعد على تحديد طبيعة ومستوى بعض جوانب شخصيته كالجوانب المعرفية والعقلية، والجوانب الوجدانية والانفعالية، وفاعلية الأنا ،المشاعر نحو الذات ، وكيفية الاستجابة للضغوط الانفعالية، و مدى اتساع الاهتمامات وهذا ما يعكسه البروفيل الجلد . (12)  

2-3 تحليل المضمون: في بحثنا هذا حاولنا معالجة المقابلات مع الحالات بطريقة احصائية حيث قمنا باستخراج تكرارات كل عبارة ثم حساب النسبة المئوية وفق المعادلة التالية:                            

   نم = س × 100 / ن .

3- الحالات:

S191101

4-جدول تحليل المضمون:

جدول(01) يوضح التحليل الكمي للمقابلة مع الحالة الأولى

S191102

جدول(02) يوضح التحليل الكمي للمقابلة مع الحالة الثانية

S191103

5-مناقشة النتائج:

في إطار دراسة موضوع مساهمة عوامل الجلد النفسي عند الطفل الذي يعاني الجرح الصدمي من خلال تطبيق اختبار الرورشاخ ، و اعتمادا على نتائج التحليل العام للحالتين يمكن القول أننا توصلنا مع حالتي البحث إلى ما يلي:

-الفرضية الجزئية الأولى:

رغم تداخل عوامل الخطر الخارجية في تجسيد الجرح الصدمي الذي عرفته فترة الكمون عند الحالتين و التي يفترض أنها فترة راحة جراء الصدمات الفطرية و الانفصالات الطبيعية التي قد يعيشها الطفل ، إلا أن السيرورة النشطة لعوامل الحماية الذاتية ساهمت في تشغيل الميكانيزمات الدفاعية وتنوعها و في توظيف الاستثمار النفسي الجيد للقدرات المعرفية و المهارات التكيفية و الاجتماعية و القدرة التقمص و الذكاء و تجارب النجاحات المدرسية و روح التفاؤل و الفكاهة و الاحساس بالمسؤولية .. والتي تميزت بها الحالتان من مستويات متفاوته ساهمت فيمرونة الذات و توافقها ادراكيا و اجتماعيا و مثاليا ، حيث يؤكد " I .krersler" أن التوظيف الرجوعي يتمثل في قدرة الشخص على تجاوز ظروف خاصة صعبة بفضل مميزات عقلية و سلوكية و تكيفية" (13)        

ما يحدد تأثير الحدث الصدمي و يحدث التفاعل الرجعي لعوامل الخطر ليقلل من أهميتها . وهو ما يجعلنا نؤكد تحقق فرضية مساهمة العوامل الذاتية في الرجوعية النفسية عند الطفل الذي يعاني الجرح الصدمي .

و قد مثلنا العوامل الذاتية من خلال رسم البروفيل النفسي للطفل الجَّلَد الذي حاولنا الكشف عليه من خلال اختبار الرورشاخ فقد جاءت كالآتي :

$1·    الهيكل الفكري: إنتاجية المفحوص مرتفعة ما يدل على التعقل الجيد و الارصان العقلي و القدرة على ترجمة الممثلات اللفظية و مدى ربطها بانفعالات الحالة ما يدل على التواصل و فهم الذات و الأخر . مع قلة زمن الاستجابة ما يتماشى مع تلقائية الطفل .

$1·    كما احتوى بروفيل الطفل الجلد حسب حالتي الدراسة على نمط مقاربة غني و متنوع من حيث تناول العالم الخارجي ،مع التركيز على الموضوع الجزئي من خلال" تتابع منتظم الإسقاط " ايجابي التحديد شكلا و تشريحي و حيواني المحتوى عموما ,كما تدنت نسبة حتى 12 بالمئة مقارنة ب 30 بالمئة .

$1·    وجود ك بشكل غير مكثف مع المحافظة على التجزئة يدل على الدفاعية ضد قلق الكمون  و هو ما يعكس القدرة على التقمص عند الطفل نتيجة وضعية التواصل الجيد مع الواقع . (14)                          

     و يرى هرمان رورشاخ أن البروتوكول السوي يحتوي على 7 /10 من ك و هو ما يعكس القدرة على التحليل و التجريد في معالجة الواقع. كما ترى CHABERT على أنها عند الطفل تدل على الاسقاط الجيد للجسد المستقر.

$1·    الهيكل العاطفي: كما جسد البروتوكول انبساطية نمط الرجع الحميم ما يعكس عند الطفل القدرة على التفريغ . دلت الاستجابات الشكلية اللونية على استجابات وجدانية معبرة و مقبولة اجتماعيا نتيجة معايشة الطفل لتجارب معبرة و مقبولة اجتماعيا ما يدل على معايشة الطفل لتجارب تقدير الذات من خلال تقدير الأخر له ، ما يدل على المرونة في التوظيف النفسي و التنوع في الاستخدام الدفاعي عند الطفل.

$1·    قلق مرتفع: تجاوز المعدل السوي غير أنه عند كلتا الحالتين هو انعكاس عن قلق غير مباشر للضغط الهوامي لطبيعة كمون الفترة ، غير أن الأنا القوي اتضح من خلال المحددات حافظ على بعض التوزان أين اتضح اسقاطيا بعض وسائل التكيف و المراقبة و المواقف ذات البعد الدفاعي . كما تؤكد ميلاني كلاين أن التظاهرات الانفعالية كالقلق هي عبارة عن ظواهر سوية . (15)                                                                     

$1·    مراقبة العاطفة: تميز البروفيل الجلد للحالتين على محددات شكلية تخضع الحياة العاطفية للمفحوص للرقابة الجيدة مع القابلية للإثارة الانفعالية الطفولية .

$1·    القدرة على التكيف: سيطرة الطابع الجزئي ما يدل على التكيف الاجتماعي و هو ما عززه النمط المنبسط الصافي من خلال وجود استجابات لونية و ارتباطها بمحدد ايجابي يدل على إسقاط علائقي تفريغي مرح مع الموضوع و اتصال تفاعلي مع الأخر.

$1-        الفرضية الجزئية الــثانية:

غير أن تحقق الفرضية الاولى لا يكون الا بتحقق الفرضية الثانية ما يؤكد وجود عوامل محيطية ساعدت الرجوعية النفسية عند الحالتين و يتعلق الأمر بفهم طبيعة العلاقات الداخلية المعقدة التي تربط الشخص   بمحيطه و في هذا السياق يقترح " Tousignant" نموذج اكيولوجي للرجوعية لتفاعل الشخص والمحيط .

فقدم المحيط عوامل حماية عائلية حيث توفرت العلاقة الحارة طفل ـــ أب ، كما ساهم غياب العنف الاسري في تقمص النمذجة الوالدية ما تمثل في التعلق الأمين حيث يشير "Mastem، Garmezy" أن من بين عوامل الحماية العائلية التي تساعد الرجوعية وجود آباء حارين و رعاية أبوية و كذا انسجام أبوي . (16)   .

كما قدم المجتمع لكلتا الحالتين عوامل حماية داعمة للتفاعل الرجعي لعوامل خطر الجرح الصدمي تمثلت في أعضاء الأسرة الموسعة و الرعاية الجيدة في الشبكة الاجتماعية وهو ما أكده"Vanistendael" : " الرجوعية النفسية " تعزز عند الطفل بتعزيز مواقف الآباء والمجتمع حيث يتعدى التدخل الخدماتي الذي يرتكز على احتياجاته كفرد .

خاتمة:

في الأخير يعتبر  نموذج الرجوعية أو "الجلد النفسي " مقاربة سيكولوجية ترتبط بهيكلة منظَّمة لسيرورة النمو النفسي،  تقترح دائرة   من العوامل المؤذية السلبية التي يضعف تأثيرها لوجود العوامل الحامية البناءة التي قد يتبناها الطفل ما يجعله مؤهلا لاستخدام مختلف الميكانيزمات الدفاعية و القدرات في مواجهة الصدمة و اكتساب الانا المرن الذي يأخذ العلاقة بين الشخص و ذاته و بين الشخص و محيطه الى علاقة متكيفة  .

كما يمكننا التنبؤ أن الطفل الرجوعي أو الجلَد   يستمر في ظاهرة نمائه رغم  جرحه الصَّدمي و معايشة المحنة من خلال ما تقدمه الأسرة و المجتمع من عوامل حماية  ما يقوي قدرته على التكيف مقارنة بالآخرين معتمدا على خصوصية مواجهة الجروحية في التجربة المعاشة والتي منحته قوة نفسية  جَلدة ، كما نوصي من خلال هذا العمل المتواضع على تنمية هذه الملكة الفطرية " الجَّلَد النفسي " في ذوات أطفالنا الذين اقتسموا قدر موجعا من مواضيع الجروحية و الفقدان  ما يجب ان يمكنهم على الانفتاح على تجارب لاحقة  بمستوى من  الصلابة  كوجه ايجابي ضد الصدمات و الجروحية في الحياة   ليصلوا بأمان في مراحل  لاحقة من الوعي الراشد إلى النفوس المطمئنة التي تؤمن بأن روح الله نُفخت بين جنَّبَيها فاستكنت إليها و استكانت بها  و آملت بقدرة الله في قدرة الإنسان فخُلقت الذات الجَّلدة " الرجوعية " في رحم اسري و اجتماعي يصقل جُرحها إلى بياض التجربة و صفاء النفس و رجوعيتها الى السواء .

قـائمة المراجع

·      (1) Anaut Marie (2003) : La résilience _ surmonter les traumatismes , Lyon. p35

$1·      (2)Enza Morale(2007):Les approches basées sur la résilience,Paris ,p4

$1·   (3)طالب حظان(2010) : الصمم،سوء المعاملة و الجلد. مجلة العلوم الانسانية والاجتماعية_الملتقى الدولي الأول الصدمة النفسية استراتجيات التكفل و الوقاية.عدد خاص رقم 12. سطيف .الجزائر.

$1·      (4) Enza Morale .Op-cit .P 4

$1·      (5)Anaut Marie .Op-cit . P 37

$1·   (6) وادفل راضية.( 2008 ).مساهمة في دراسة الرجوعية عند مراهق مصدوم من وفاة الأب (نتيجة حادث).رسالة مجستار .غير منشورة .جامعة قسنطينة .

$1·      (7)Anaut Marie . Op-cit . P 75

$1·      (8) Op-cit . P 85

$1·      (9) وادفل راضية . مرجع سابق .

$1·      (10) Anaut Marie . Op-cit . P 25-26

$1·      (11) برنو كلويفر ترجمة :حسين عبد الفتاح (2003): تكنيك الرورشاخ . منشورات جامعة أم القرى .مكة المكرمة . السعودية .ص2ص 12

$1·      (12) Anaut Marie . Op-cit . P 48

$1·   (13)صالح معاليم(2010): بعض الاختبارات في علم النفس_الرورشاخ و الرسم عند الطفل . ج2. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر. ص 40

$1·      (14) بوسنة عبد الوافي زهير ، (2012): علم النفس النمو ، ط1 ،مخبر التطبيقات النفسية و التربوية ،قسنطينة ، ص 18

$1·      (15) Anaut Marie . Op-cit . P 48

$1·      (16) وادفل راضية . مرجع سابق