تطور الصحافة المطبوعة في الجزائر بعد الاستقلال
pdf

 

 

أ. قندوز عبد القادر  (طالب دكتوراه )

جامعة باجي مختار عنابة ( الجزائر )

Résumé

Cette decertation à pour objectif de montrer l’évolution de la presse algérienne depuis l'indépendance, en passant par plusieurs étapes.

Le pouvoir Algérien crée une presse nationale en nationalisant plusieurs titres de la presse coloniale, puis lors des années 70 prend l'initiative a aune politique d'arabisation de la presse francophone, et une nouvelle politique médiatique seras instauré au pays se basant sur la pensée socialiste.

On assiste depuis le début des années 90 a une mutation profonde de la presse écrite, de dizaines de quotidiens, d’hebdomadaires et de mensuels

Cette expérience s’approfondit avec le multipartismepolitique suite a l'approbation du code de l'information, on peut étudier l'évolution de la presse dans un pays sans passer par les événements politiques que connait ce pays, de ce contexte on a abordé la relation entre les journalistes et le pouvoir politique, on a abordé aussi dans cet article les législations qui se rapporte au développement de la presse écrite en Algérie

Mots clé : la presse algérienne, multipartisme, medias, société, l’indépendance

مقدمة :

يتناول هذا المقال التطورات الصحفية ,من خلال التطرق لمختلف المراحل منذ الاستقلال ، إن تجربة التعددية الحزبية في الجزائر أفرزت واقعا سياسيا جديدا تجلى في ظهور أشكال جديدة من الممارسات يمكن وصف بعضها بالإيجابي و بعضها الآخر بالسلبي

من خلال هذا الواقع الجديد ظهرت تجربة إعلامية يمكن وصفها بالناشئة. وقد دعمت بمجموعة من القوانين ، اكتملت مؤخرا بصدور قانون الإعلام الذي ينظم مهنة الصحافة ، و يزيد من تطورها ..

بقدر ما عرفت التجربة في بدايتها صعوبات جمة ، فقد شهدت حسب آخر الاحصائيات الرسمية ظهور أكثر من تسعمئة عنوانا جديدا. ومن خلال هذه المداخلة سوف نحاول الإجابة على السؤال التالي ::

ما مدى تجاوب هذه التجربة الإعلامية مع الواقع السياسي في الجزائر

وذلك من خلال تغطية العناصر التالية : :

- مختلف المراحل التي مرت بها التجربة الصحفية في الجزائر

- إمكانيات هذه الصحافية و سبب فشل الكثير منها

-التمويل المادي و علاقته بالسوق

-العوائق و الصعوبات التقنية

و قد اجمع اغلب الدارسين للموضوع أن الصحافة الجزائرية عرفت عدة مراحل ، و تبدأ المرحلة الأولى مباشرة بعد الاستقلال

1- المرحلة الأولى من 1962 إلى 1965:

وقد حصلت البلاد على الاستقلال سنة 1962 وظهر في الفترة ما بين جويلية ونوفمبر 1962 من الصحف التي تعكس مختلف الاتجاهات السياسية والمصالح . واستقدمت جبهة التحريري الوطني صحيفة " المجاهد" إلى الجزائر التي كانت تصدر كأسبوعية وعادت صحيفة Alger Republican ، ذات النزعة الشيوعية الموقوفة سنة 1955 ، إلى الظهور ، وشرع حزب الشعب الجزائري في إصدار صحيفته . ولم تستمر هذه الفترة طويلا. ففي 1962 تم منع كل من حزب الشعب الجزائري والحزب الشيوعي في إطار تأسيس نظام الحزب الواحد . وتوقفت صحف الحزبين نتيجة لذلك. وقد دعمت جبهة التحرير الوطني في الفترة ما بين نوفمبر 1962 و أوت 1963 مكانتها في البلاد وأنشأت ثلاث صحف وعشر مجلات قصد نشر توجهاتها السياسية وتوفير الظروف التي تمهد نظام الحزب الواحد. وفي أوت 1963 أعلن البرلمان الذي يمثل نواب جبهة التحرير الوطني الجزائري دولة ذات نظام الحزب الواحد . وكنتيجة لذلك فقدت الصحافة تنوعها 1

وزيادة على هذا النقص فإنه كانت توجد في سنة 1962 عرقلة كبيرة في طريق الصحافة الجزائرية اليومية الناشئة وهذه تتمثل في وجود صحافة يومية استعمارية قوية استمرت تصدر في الجزائر بعد الاستقلال تطبيقا لاتفاقيات " إيفيان ", فهذه الصحافة الاستعمارية وإن كانت بدلت رسالتها الاستعمارية وعوضتها برسالة أخرى تعترف باستقلال الجزائر وبوجود أمة جزائرية غير الأمة الفرنسية وتقوم بتغطية تكاد تكون موضوعية لنشاط الحكومة المستقلة ولنشاط الجزائريين بصفة عامة ، فهي رغم هذا التغيير الهام ، كانت دائما تمثل الوجود الفرنسي في الجزائر ، وبقيت كذلك متمسكة بما يجري بفرنسا وبتغطية النشاط السياسي الفرنسي. (2)

وكانت هذه اليوميات تصدر عدا يوم الأحد الذي كان يوم عطلة وهو يشبه نوع " الماقزين " الذي كان لها رواج كبير وإضافة إلى هذا كانت توجد سبع صحف دورية بين الأسبوعيات والشهريات، استعمارية بدأ صدورها قبل الاستقلال ، والكثير منها كان يصدر بالمدن الصغيرة مثل سطيف وتيهرت وغيرهما ، وكانت هذه الصحافة الاستعمارية تصدر باللغة الفرنسية ويملكها فرنسيون يحملون الجنسية الفرنسية ويسيرها كذلك صحافيون فرنسيون . . (3)

و قد حصلت البلاد على الاستقلال سنة 1962 . و ظهر في الفترة ما بين جويلية و نوفمبر عدد من الصحف التي تعكس مختلف الاتجاهات السياسية و المصالح . و استقدمت جبهة التحرير الوطني صحيفة المجاهد الى الجزائر التي كانت تصدر كأسبوعية بتونس ...كما دعمت جبهة التحريرالوطني في الفترة ما بين نوفمبر 1962 و أوت 1963 مكانتها . (4)

توصف الأولى بمرحلة الغموض وهي التي تمتد من 1962 إلى سنة ,1965 حيث تميزت الفترة بلجوء السلطة الجزائرية إلى إصدار يوميات جزائرية، تعوض الصحافة الاستعمارية، وكانت أول جريدة يومية صدرت حينها في 19 سبتمبر ,1962 باللغة الفرنسية أعطي لها اسم (الشعب) ''لوبوبل''، تلتها يومية ''الشعب'' الوحيدة باللغة العربية والتي أنشأت في 11 ديسمبر ,1962 وبعد ذلك صدرت يوميتان جهويتان بالفرنسية الأولى بوهران، في مارس 1963 باسم (الجمهورية) والثانية في سبتمبر 1963 باسم (النصر) بقسنطينة.

وفي أفريل 1964 تأسست اليومية المسائية الأولى (الجزائر مساء) التي كانت تصدر باللغة الفرنسية، كما أصدرت الحكومة أسبوعية جديدة بالفرنسية تحمل اسم ( الثورة الإفريقية ) في 02 فيفري 1963 ومجلة ''الجيش'' الشهرية في جانفي ,1963 صدرت هي الأخرى بالفرنسية ثم بالعربية في مارس ,1964 علاوة على مجلات متخصصة أخرى مثل (الشهاب) و( المعرفة) وغيرها. (5).

ومن نتائج الظرفية لهذا التأميم أن الحكومة تمكنت من إنشاء يومية أخرى في قسنطينة وهي جريدة " النصر " باللغة الفرنسية التي أخذت مكان " لا ديبيش دي قسنطنطين " واستقرت في مقرها واستولت على مطابعها، كما أن جريدة " الشعب " باللغة العربية أخذت مكان " لاديبيش دالجيري " ونزلت بمقرها واستعملت مطابعها ، كما أعطيت مطابع " ليكودوران " لجريدة " الجمهورية " التي أصبحت تتمتع بوسائل مادية قوية وفعالة في ذلك الوقت. (6)

2- المرحلة الثانية من 1965 إلى 1978: بوصول الرئيس الراحل هواري إلى سدة الحكم ، و انتهاجه للإيديولوجية الاشتراكية ، ووفق هذا التوجه تم تكريس سياسة إعلامية ، تجعل من الصحفي موظف في جهاز الدولة و مناضل يدافع عن التوجهات السياسية للبلاد .

وما يميز هده المرحلة وعلى عكس الفترة السابقة ,حيث كان المسئولون على وسائل الإعلام هم منتجو الخطاب الإيديولوجي للنظام السياسي في نفس الوقت, وهو خطاب تعبوي تأكـد عزم السلطات الجزائرية على السيطرة الكليـة على وسائل الإعلام ،وعلى توجيهها للعمل الصحفي ،بعد إصدارها للأمر 535-68 المؤرخ في 09 سبتمبر 1968 ،حيث جاء في مادته الخامسة   مايلـي : « يجب على الصحفي أن يقوم بوظيفته في نطاق عمل نضالي»(7)     

إن هذا الخطاب أدى ميدانياً إلى تعرض العديد من مدراء المؤسسات الإعلاميـة إلى ضغوط كبيرة ليس من وزاراتهم الوصية فحسب بل تعدى الأمر ذلك ليشمل العديد من الشخصيات السياسيـة ،فبعض الولاة أصبحوا يتعاملـون مع الصحفيين وكـأنهـم ملحقون صحفيون يعملـون في إدارتهـم. (8)

وتميزت هذه المرحلة بظهور أول لائحة خاصة بالإعلام، وتحويل يومية ''لوبوبل'' إلى ''المجاهد'' ،التي سيطرت على الساحة بـ203 ألاف نسخة لوحدها، مقابل 71 ألف نسخة لباقي الصحف عام ,1978 وظهور أسبوعية جديدة بالفرنسية هي الجزائر أحداث ''ألجيري اكتواليتي'' في ,1965 كما وضعت جميع الصحف تحت وصاية وزارة الإعلام، وعرفت نهاية هذه المرحلة التعريب التدريجي لكل من يومية ''النصر'' بداية من 1972 و''الجمهورية'' في 1976  (9)

المرحلـة الثالثـة:1979-1988 : تتميز هذه المرحلـة بصدور أول قانـون للإعـلام في تاريـخ الجزائـر المستقلـة،القانون المؤرخ في 06 فيفري 1982 ،يعتبر وجهاً شكلياً من أوجه التحول الذي عبرت عنه القيادة السياسيـة الجديدة في البلاد خاصـة في الميدان الاقتصادي.

جاء في المادة الأولى منه ما يلي :" الإعلام قطاع من قطاعات السيادة الوطنية"

يعبر الإعلام بقيادة الحزب"ج خ ت و" ,وفي إطار الاختيارات الاشتراكية المحددة في الميثاق الوطني ,عن إرادة الثورة ترجمة لمطامح الجماهير الشعبية يعمل على تعبئة كل القطاعات و تنظيمها لتحقيق الأهداف الوطنية "(10)

تميزت الأوضاع الإعلامية في الجزائر خلال فترة ما قبل التعددية السياسية.... بمحاولة النظام الجزائري ضبط العملية لسنة 1982 وهو أول قانون ينظم مهنة الصحافة في الجزائر، حيث جاء في المادة الثانية منه أن حرية الصحافة مضمونة في إطار مبادئ إيديولوجية الدولة.(11)

ولوحظ خلال هذه المرحلة بداية الاهتمام الفعلي بقضايا الإعلام ووسائله، خصوصا في ظل استكمال بناء مختلف المؤسسات والهياكل السياسية والاقتصادية، وقد عرفت بداية الثمانينات حدثا سياسيا هاما تمثل في انعقاد المؤتمر الرابع لجبهة التحرير الوطني، الذي أصدر أول قانون للإعلام في الجزائر عام ,1982 وتناول هذا القانون لأول مرة مختلف جوانب النشاط الإعلامي، وحدد الإطار العام لموضوع الإعلام في الجزائر، كما تناول جملة من القضايا المتعلقة بالنشاط الإعلامي، وعلى ضوء نصوصه حددت المهام التي يجب أن تقوم بها وسائل الإعلام عموما والصحافة خصوصا، وهي إبراز الجهود التي تبذلها الدولة في مجال التنمية وتوعية المواطن بأهميتها، وما يترتب عنها من فوائد، وتحسين المستوى المعيشي للمواطن، وذلك بإقناعه بضرورة المشاركة الفعالة في كل الخدمات الوطنية. وهكذا عرفت الصحافة في هذه الفترة توجيهات جديدة أدت إلى تطوير القطاع، لاسيما في ظل انخفاض معدلات الأمية، وارتفاع عدد القراء، وكذا تجهيز مختلف مؤسسات الصحافة المكتوبة بوسائل طباعية حديثة (12).

تميزت الأوضاع الإعلامية في الجزائر خلال فترة ما قبل التعددية السياسية ...، بمحاولة النظام الجزائري ضبط العملية لسنة 1982 وهو أول قانون ينظم مهنة الصحافة في الجزائر، حيث جاء في المادة الثانية منه أن حرية الصحافة مضمونة في إطار مبادئ إيديولوجية الدولة.فاتح.

المرحلـة الرابعـة:1989 إلى جانفي 1992: عرفت الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988 " وهي أحدات شغب عرفتها عدة مدن جزائرية خرجت فيها الجماهير بصورة عفوية مطالبة بالتغيير "و فعلا عملت السلطة السياسية أنداك على إحداث تغيرات جذرية في المجالات :الثقافية ،والاقتصادية والسياسية ،وكان أهمها إقرار دستور جديد ، الذي أجاز التعددية السياسية ،والفكرية ،و الإعلامية.

كانت أحداث أكتوبر 1988 نقطة تحول في الساحة السياسية عموما والإعلامية على وجه الخصوص، حيث فتحت المجال أمام حرية التعبير، فتعددت بذلك الصحف والمنشورات أي ظهور الصحافة المستقلة ولكن في حدود معينة، وهذا ما يفسر التعايش المستمر بين هذه الصحف والسلطة القائمة . (13)      صدر هذا القانون في 03 أفريل 1990 تماشيا مع الدستور الجديد للبلاد 1989 الذي فتح مجال التعددية السياسية طبقا للمادة 40 التي نصت على :" حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي" .والتي تضمنت منطقيا التعددية الإعلامية، لكن سبق القانون منشورا حكوميا بتاريخ 19/03/1990، جسد بداية التعددية والاستقلالية للصحافة.  (14)  

كما أقرت الحكومة قرضا ماليا معتبرا لكل صحيفة جديدة تصدر، ولقد كان لهذه الإجراءات القانونية والإدارية والمالية أثرا جيدا في تغيير مجال الإعلام، وبدأت تظهر الكثير من الصحف واليوميات الصباحية والمسائية. (15)

وهكذا أصبحت الساحة الإعلامية تعج بالعناوين الصحفية بمختلف اتجاهاتها، ولغاتها وأصبح لدى القارئ الجزائري، عدة اختيارات ،حيث أن هذا التنوع أدى بدوره إلى التنوع ،ولغاتها وأصبح لدى القارئ الجزائري ،عدة اختيارات ،حيث إن هذا التنوع أدى بدوره إلى التنوع في الأخبار والمقالات سواء كانت اقتصادية ،سياسية ،رياضية ،ثقافية وتنوعت القيم الخبرية ،كما تحررت الصحافة المستقلة من ضغوطات الخطاب الأحادي الرسمي وتنوعت القيم الخبرية، كما تحررت الصحافة المستقلة من ضغوطات الخطاب الأحادي الرسمي الذي يركز فقط على الأحداث الرسمية الايجابية ويتغاضى عن الأحداث السلبية والمثيرة السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها من الأحداث.   (16)

وما يعاب في هذا القانون أنه مس الصحافة المكتوبة دون الوسائل الأخرى، بحيث يبقى القطاع السمعي بصري محتكرا من طرف الدولة.

أما بالنسبة للأحكام الجزائية التي تضمنها الباب السابع من هذا القانون، فقد لقي الكثير من الانتقادات ، حيث أنه يتناول 22 مخالفة بعضها منصوص عليها في قانون العقوبات والقانون المدني ... (17)

"فقد جاءت المادة 35 من دستور 23 فيفري 1989 للتحدث عـن حرمة المساس بحريـة الرأي و المعتقد : « لا مساس بحرمة حريـة المعتقد وحرمـة حرية الرأي»18 ، وتتبعها المـادة36 التي منعت كل المؤسسات (ما عدا المؤسسة القضائية) من حجز إي مطبوع وأية وسيلـة من وسائل الإعلام: «حريـة الابتكار الفكري و الفني و العلمي مضمونة للمواطن ،حقوق المؤلف يحميها القانون .لا يجوز حجز إي مطبوع أو تسجيل أو أية وسيلة أخرى من وسائل التبليغ و الإعلام إلا بمقتضى أمر قضائي»(19) ،وقد وضعت هذه المـادة حداً لكل انحراف محتمل من قبل الإدارة ،وهو ما يرى فيه الأستاذ .» زهير إحدادان» (وهو أستاذ مختص في الإعلام و اشتهر بدراساته التاريخية للصحافة الجزائرية " ضماناً قوياً لحرية الإعلام وللممارسة الإعلامية التي لم تعرفها الجزائر منذ الاستقلال".(20) .

هذا التحول في المجال السياسي،تجسد بإعلان العديد من الشخصيات السياسية عـن تأسيس أحزاب سياسية ،ليتبعه تأسيس جرائد خاصة بها ( الأحزاب السياسية) لتأتي تعليمـة رئيس الحكومة (مولود حمروش) سنة 1990 والتي سمحت بظهور العديد من الصحف الخاصـة

هذا التحول المفروض في الواقع أدى إلى تغيير قانون الإعلام ،ففي 03 أفريل 1990 صدر قانون جديد رفع احتكار السلطة لملكيـة وسائل الإعلام .و جاء في المادة 33 منه ما يفصل بين الانتماءات النقابية و السياسية للصحفي و عمله في الهيئة سواء كانت عمومية أو خاصة و هو في حد ذاته تطورا نوعيا لنظرة السلطة إلى الصحافيين .

كما أعطت الصحفي الحق في رفض أي تعليمة تحريرية تأتي من خارج المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها, لكنه من جهة أخرى اوجب عليه احترام أخلاقيات المهنة , و يترتب عن دلك احترام الحقوق الدستورية للمواطن و الحريات الفردية و الامتناع عن القذف و الوشاية من خلال التحلي بالموضوعية و الصدق في عرض الأخبار و التعليق عليها و عدم التنويه بالعنف والعرقية . ولم يعد ينظر الى الصحافي على انه مجرد موظف مناضل في جهاز السلطة و إنما أصبح بحكم هدا القانون حرا و مسؤولا في نفس الوقت ....... .

           إن الإصلاحات السياسية التي شهدتها الجزائر من خلال الانتقال إلى التعددية سمحت لاحقا لصحافة المعارضة أن تظهر بصفة علنية و بقوة بعد أن كان البعض منها يعمل في إطار السرية، بل أكثر من ذلك سيتفاجأ كل المتبعون للساحة الإعلامية في الجزائر للعدد الهائل من الصحف الحزبية و المستقلة التي ستبرز وقد تجاوزت أكثر من300 جريدة يومية وصحيفة أسبوعية . لكن ما فتئت أن ‘اختفت أغلب هذه العناوين ,إما لإخفاقها الإعلامي البحث وهو مشكل أساسه تقني ,حيث أن فتح الباب أمام حرية إنشاء الجرائد و الدوريات دفع ببعض المغامرين و محبي الظهور الإعلامي و لبعض الشخصيات التي همشت أثناء فترة الحكم الأحادي أو لبعض الشباب التي وجدوها فرصة لتحقيق طموحاتهم الشخصية أو فئة ثالثة وهم أغلبهم شباب لكنهم يفتقدون للخبرة التقنية و التكوين الأكاديمي في المجال الإعلامي وقد حكم عليهم السوق المفتوح بالزوال . .

  إن الجماهير المتعطشة للتعبير و حاملي صوت كل المهمشين و المقصيين اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا بدا وكأنه نجاح في بداية التجربة لكنه نجاح مؤقت, إذ الواقع الصعب و الأحداث السياسية المتلاحقة التي ستشهدها الساحة الوطنية لاحقا, ومن خلالها تعثر التجربة الديمقراطية في الجزائر ستبين أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حالة عابرة , وللأسف لن يدم طويلا, وعليه وظهرت هذه العناوين و كأنها مجرد فقاعات هوائية لم ترتكز على أسس ودعائم صحيحة وهو ما يبرر توقفها عن الصدور واختفاء الكثير منها .

  مشكلة أخرى ستعترض التجربة الصحفية في الجزائر هي مشكلة التموين ورغم أن المشكلة تقنية يتعلق البعض منها باستيفاء مستحقات المطابع و أجور الصحفيين و العاملين إلا أن لها وجه آخر سياسي بحث مرتبط بالجهات الخفية التي ستمول هذه العناوين الناشئة و تستغل أزمتها المالية لتوجه خطها الصحفي و تصبغها بلونها السياسي و هنا أشير إلى مباشرة إلى الأحزاب السياسية أو شخصيات معارضة أو بعض أجنحه السلطة المتصارعة .

هذه الجهات ستجد من نجاح هذه الأجهزة فرصة لتمرير طروحاتها إلى الرأى العام.

كرس قانون أفريل 1990 حول الإعلام الذي صدر بعد اعتماد التعددية منهج عام في الجزائر إثر صدور دستور 1989 الحرية الإعلامية وكفل حق إصدار الجرائد والنشريات الذي اعتبره بالحق الحر في تقديم ملف كامل ويسجل تصريح بذلك لدى وكيل الجمهورية المختص إقليميا بمكان صدور النشرية.

وسمح هذا الظرف بصدور عدة عناوين خصوصا وان هذه التحفيزات التي قدمتها حكومة حمروش التي دعمت هذا المسعى وكفلت للصحفيين الذين يبادرون بتأسيس جرائد كفالة أجرتهم لمدة سنتين لضخها في رأسا ميل الجرائد سمحت بحدوث طفرة كبيرة.

ومنحت السلطات المخولة في الجزائر بين أفريل 1990 وجوان ( يونيو ) 2006 حوالي 540 اعتمادا أو ترخيص لإصدار عناوين صحف عنوان تتقسم بين اليومية والأسبوعية والشهرية والدوريات المتخصصة والعلمية وحتى المنتظمة (21)  

لم يكن ظهور الصحافة المستقلة في الجزائر من خلفية معرفة الرأي العام الجزائري ومكوناته وصفاته، ولا من خلفية عملية تحدد النسق الذي يمكن أن تبنى عليه الصحافة المستقلة، ولا حتى من تجارب سابقة في ميدان الممارسة الإعلامية الطويلة، لكن بدايتها كانت نتاج نزعة أقل ما يمكن أن نقول عنها، أنها مفاجأة لأنها كانت مباشرة بعد أكتوبر 1988 وبالضبط بعد صدور دستور فيفري 1989 الذي نص على التعددية الحزبية كمبدأ من المبادئ السياسية ،والتعددية الإعلامية كمبدأ يجسد الاتجاه الديمقراطي ،هذا الأخير الذي لم يمكن الصحافة الجزائرية من تكوين سلطة مقابل السلطة السياسية. (22)  

أما الصحافة الحزبية فنشأتها لا تختلف كثيرا عن الحالة غير العادية التي ستعرفها الساحة السياسية من حرية إنشاء الأحزاب حتى تجاوز عدد الأحزاب التي ظهرت لأكثر من 60 حزبا سياسيا .ورغم أن هذا العدد الهائل من الأحزاب يعكس ولاشك ذلك التنوع في التشكيلة الفكرية و الثقافية و الاجتماعية و السياسية للمجتمع الجزائري الذي عانى أثناء الفترة الماضية من خنق حريته في التعبير و "كبت سياسي "إلا أننا يمكن أن ننظر إليها أنها حالة عابرة ما لبثت أن زالت بعد وضوح الخريطة السياسية التي ستتقاسمها التيارات الكبرى الممثلة إلى حد ما لمختلف توجهات الشعب الجزائري وهو ما يؤكد لاحقا ظهور أحزاب قوية تبلتع أغلب هذه التيارات و الأحزاب الصغيرة .

المرحلـة الخامسـة:1992 –1998: عرفت الجزائر في هذه المرحلـة بإقرار حالة الطوارئ و دخول الجزائر فترة حساسة من تاريخها ، على اثر إلغـاء نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية التعددية في التاسع فيفري 1992 ،و تجميـد العمـل بالدستور وقانون الإعلام الذي كرس حريـة الصحافـة فـي 1990 .

وقد تأثر قطـاع الصحافة سلباً بإقرار حالة الطوارئ ،ففي هذه السنة بالذات(1992) حيث أقدم رئيس الحكومة آنذاك ،بلعيد عبد السلام على حل المجلس الأعلى للإعلام ،ليفتح بذلك الباب واسعا أمـام مضايقـات واسعـة على الصحافـة.

إن التراجع الرسمي عن القوانين التي أقرت حريـة الصحافـة فيما سبق ،كان بحجة صعوبة المرحلـة وخطورة الوضع الأمني ،وهو الوضـع الذي لم يستثن أسرة الصحافة التي فقدت عشرات الصحفيين و في مختلف البيانات الرسمية التي كانت تعقب كل اغتيال ، يشيد الخطاب الرسمي بتضحيات الصحفيين ...(23).

المرحلة السادسة : 2000 – إلى 2012: يمكن القول أن العصر الذهبي للصحافة الجزائرية يمتد من سنة 2000 إلى غاية 2009 من الناحيتين الكمية والنوعية حيث ارتفعت الصحف اليومية من 31 يومية سنة 2000 إلى 43 يومية سنتي 2005 و 2006 إلى 52 يومية سنة 2007 و68 يومية سنة 2008 لتصل إلى 80 يومية سنة 2009، كما ارتفع سحب الصحف من مليون و 310 ألف نسخة سنة 2000 إلى مليونين وسبعمائة ألف نسخة يوميا سنة 2009 وارتفعت الدوريات من 41 دورية سنة 2000 بسحب يصل غالى 81 ألف نسخة إلى 69 دورية سنة 2009 بسحب يصل إلى أكثر من مليون نسخة، مقابل تحسن نسبي للأوضاع المهنية للصحفيين، لكن خلال هذه الفترة تمكن بعض الناشرين مثل صحيفة " الوطن " و " الخبر " من التحول إلى مؤسسات اقتصادية كبرى تخضع لمصلحة الضرائب الكبرى وتطورت المؤسسات إلى حد تأسيس شركات للطباعة والتوزيع والنشر والإشهار والخدمات الدعائية، ورغم ذلك لا زالت العلاقة في بعض الأحيان تتوتر بسبب المتابعات القضائية ضد الصحافيين (24)

المرحلة السابعة : 2012 : إلى يومنا هذا تميزت هذه المرحلة بصدور قانون إعلام جديد ينظم المهنة و الذي أكيد حمل الجديد إلى الساحة الإعلامية ، لكن سيكون من السابق لأوانه الحكم عليه ,و قد تضمن عموما العديد من الايجابيات ,ومن المتوقع ان يساهم في تطور الساحة الإعلامية .

المراجع:

1- انظر عبد الرحمان عزي ، الإعلام و المجتمع ، رؤية سوسيولوجية مع تطبيقات على المنطقة العربية و الإسلامية، الجزائر : دار ورسم للنشر ، 2010 - ص 44

2- أنظر مقال لزهير احدادن في كتاب عبد الرحمان عزي و آخرون ، عالم الاتصال ،الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ،2001 ، 122

3- نفس المرجع ، ص 123

4 عبد الرحمان عزي وسعيد بومعيزة ، رؤية سوسيولوجية مع تطبيقات على المنطقة العربية و الإسلامية ،الجزائر ،الورسم للنشر ،2010 ،ص 44

5- محمد بوسلان ،الصحافة في الجزائر ،جريدة المساء الجزائرية ، العدد 33085 ، بتاريخ : 2 ماي 2010

6- زهير احدادن، مرجع سبق ذكره ، ص 130

7- رمضان بوجمعة ، هوية الصحفي من خلال الخطابات و المواثيق الرسمية ، المجلة الجزائرية للاتصال ، العدد 17 ، جانفي – جوان 1998 ،ص 141

8- المرجع السابق ، نفس الصفحة .

9- محمد بوسلان ، مرجع سبق ذكره

10- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ،دستور 1976

11- فاتح لعقاب ، صحافة القطاع الخاص المكتوب في الجزائر 1990-2009 ، مجلة دراسات اجتماعية ،العدد السابع ،جانفي 2011 ،الجزائر:مركز البصيرة للبحوث و الاستشارات و الخدمات التعليمية ، ص 117

12- محمد بوسلان ، مرجع سبق ذكره

13- اليمين شعبان ,مرجع سبق ذكره ،ص 35

14- فاتح لعقاب ، مرجع سبق ذكره ، ص 118

15 - خالد لعلاوي ، جرائم الصحافة المكتوبة في القانون الجزائري – دراسة قانونية بنظرة إعلامية ، دار بلقيس للنشر و التوزيع ، الجزائر 2011 ،ص47

16- فاتح لعقاب ، مرجع سبق ذكره ، ص 117

17- خالد لعلاوي ، مرجع سبق ذكره ، ص47

18- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية .دستور 23 فبراير 1989

19- نفس المرجع ، الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية .دستور 23 فبراير 1989

20- انظر الموسوعة الصحفية العربية ج4 . ص101

21- سليمان الجاج ابراهيم، قراءة وتحليل الصحافة في الجزائر المتاح في الموقع الالكتروني www:algerimedias;com،بتاريخ :16 نوفمبر 2009

22- فاتح لعقاب ، مرجع سبق ذكره ، ص 121

23- رمضان بوجمعة ، مرجع سابق ،ص 145

24- فاتح لعقاب ، مرجع سابق ،ص 122