طبيعة الوظيفة العمومية في الإسلامpdf

 

أ.ربوح ياسين

كلية الحقوق و العلوم السياسية

جامعة قاصدي مرباح ورقلة ( الجزائر)

Abstract :

     The public service is considered in islam as a religious duty,it is a burden and not an ennobling,it is a right granted to the one who deserves not to the request,too,this is a social service with a limited power against part of a salary. One who holds public office must obey certain essential conditions,in this case the strength,loyalty and ability. Moreover,promotion of lesser function to another function was done on the basis of competence,also special attention was given to learning and motivation.    

       Public functions were therfore islam charecterized by a specific nature obedient to islamic sharia and all the principles on which it was based to trace the life of Muslim society.

Key words: The public service , islam .

Résumé :

       la fonction publique est considérée en islam comme étant un devoir religieux, il s'agit d'une charge et non d'un anoblissement, c'est un droit attribué à celui qui le mérite et non pas à celui qui le demande. celui qui occupe les fonctions publiques doit obéir à certaines conditions indispensables, en l'occurrence la force, la loyauté et l'habilité .par ailleurs, la promotion d'un fonctionnaire s'effectuait sur la base de la compétence, également une attention particulière était accordée à l'apprentissage et aux motivations.

         les fonctions publiques étaient donc en islam caractérisées par une nature spécifique obéissant à la chariâa islamique et tous les principes dont elle se basait pour tracer la vie de la société musulmane .

lés mots-clés : la fonction publique , l'islam

ملخص:                                                                                                              

تعتبر الوظيفة العمومية فيالإسلام واجب ديني، وأنها تكليف وليست تشريف ، و أنها حق لمن يستحقها و ليس لطالبها .كما أنها تعتبر خدمة اجتماعية محددة السلطة لقاء أجر معين ،و يشترط فيمن يتولى الوظائف العامة توافر بعض الشروط أهمها القوة والأمانة والكفاية، كما أن ترقية الموظفين من وظيفة أدنى إلى أخرى أعلى منها كانت تتم على أساس الصلاحية ، و كان الأجر على قدر العمل ، و كان هناك اهتمام بالتدريب و الحوافز ... .  

فالوظائف العامة في الإسلام كانت تتسم بطبيعة خاصة تقتضيها طبيعة الشريعة الإسلامية ، وما تقوم عليها من مبادئ في رسم حياة المجتمع الإسلامي .

الكلمات المفتاحية : الوظيفة العمومية ، الإسلام .

مقدمة :

تتأثر الوظيفة العمومية باعتبارها من الدعائم الأساسية لكل مجتمع ، بالبيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها .

فقديما كانت الوظائف العامة في بعض المجتمعات يتم شغلها على أساس المركز الاجتماعي لمن يرشح لها ، وفي بعض الوظائف كانت تنتقل من الموظف إلى أحد ورثته ، كما كانت بعض الوظائف بمثابة السلعة يمكن بيعها أو شرائها ، ومن ثم يتم استغلال هذه الوظائف لتحقيق المصالح الخاصة أو الشخصية لمن يشغلها.

أما في الإسلام فالوظيفة العمومية هي خدمة اجتماعية محددة السلطة لقاء أجر معين ، في حين تختلف طبيعتها في الأنظمة المعاصرة ، فهناك من يرى في الوظيفة العمومية مغنما سياسيا لمن يصل إلى سدة الحكم في الدولة ، وبالتالي يتم شغلها - وخاصة الوظائف العليا منها - على أساس الولاء السياسي وليس وفقا لمعايير الجدارة والكفاءة الإدارية .

ويمكن حصر طبيعة الوظيفة العمومية في الأنظمة المعاصرة في اتجاهين رئيسيين ، يتجه أحدهما إلى تمييز الوظيفة العمومية باعتبارها مهنة مختلفة في طبيعتها وخصائصها عن الأعمال الخاصة ، وهو الاتجاه السائد في معظم الدول الأوروبية ، في حين يتجه النظام الآخر إلى اعتبار الوظيفة العمومية مثل الأعمال الخاصة ، فمن يقوم بعمل معين في إدارة من الإدارات الحكومية ، يعتبر مناظرا لزميله الذي يقوم بذات العمل في المشروعات الخاصة ، وهو اتجاه يسود بعض الدول على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، و لكن سنحاول في هذه الدراسة التركيز على الوظيفة العمومية في الإسلام ، من خلال معالجة الإشكالية التالية : ما هي طبيعة الوظيفة العمومية في الإسلام ؟ هل هي مهنة دائمة تعتبر مصدر رزق للموظف و التي من خلالها يوفر خدمات عمومية للمواطنين ؟ أم أنها مهنة حرة مثل باقي مهن القطاع الخاص تخضع للربح ؟ أم أنها من طبيعة خاصة تقتضيها طبيعة الشريعة الإسلامية ؟

و قصد الإجابة على الإشكالية السابقة ، اقترحنا المحاور التالية :

$1-        المحور الأول : تعريف الوظيفة العمومية .

$1-        المحور الثاني : مبادئ الوظيفة العمومية في الإسلام .

$1-        المحور الثالث : أخلاقيات الموظف العمومي في الإسلام .

المحور الأول : تعريف الوظيفة العمومية .

تختلف المصطلحات المستخدمة للدلالة على الوظيفة العمومية في الأنظمة المختلفة ، ففي الوقت الذي يستخدم فيه المشرع الفرنسي مصطلح " الوظيفة العمومية " la fonction publique " ، يفضل نظيره الإنجليزي مصطلح        " الخدمة المدنية " ،"the civil service" ، وتختلف الدول العربية في ذلك ، فتستخدم بعضها إصلاح "الوظيفة العامة " مثل مصر وسوريا ولبنان ، أما الجزائر والمغرب فتستخدمان مصطلح "الوظيفة العمومية " أو " الوظيف العمومي " ، وهي دول تستمد نظمها القانونية من النظام الفرنسي أساسا ، ويستخدم البعض الآخر اصطلاح "الخدمة المدنية " مثل المملكة الأردنية الهاشمية والسودان والمملكة العربية السعودية ، وهي بدورها متأثرة بالنظام الأنجلوساكسوني السائد في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية .

وقبل التطرق للمعنى الاصطلاحي والقانوني للوظيفة العمومية ، نعرف أولا معناها اللغوي ثم الشرعي .

1- المعنى اللغوي للوظيفة :

الوظيفة مصدر وظف ، والوظيفة من كل شيء ، ما يقدر له في كل يوم من رزق أو طعام أو علف أو شراب ، وجمعها الوظائف والوظف[1].

يظهر أن المراد من قوله ما يقدر له في كل يوم من رزق ، أن الوظيفة هي بمعنى تعيين العمل وتقدير الأجر له [2].

2- المعنى الشرعي للوظيفة العمومية :

ينفرد فقهاء الشريعة الإسلامية باستعمال مصطلح "الولاية العامة " بدلا من مصطلح الوظيفة العامة ، والتي عرفها الإمام الشافعي وابن رجب الحنبلي بأنها "صلاحية أو استحقاق شرعي أسبغه الشارع على كل مكلف من أفراد المسلمين ، وأن هذا الاستحقاق أو تلك الصلاحية نابعة من تكليف الشارع للمسلمين بإقامة الدين بما تتضمنه من تدبير المصالح العامة وراجعة إليه [3].

فالوظيفة العمومية في الإسلام هي مصلحة من مصالح المسلمين ، باعتبارها خدمة عامة تستهدف إشباع حاجات المواطنين .

3- المعنى الاصطلاحي للوظيفة العمومية :

يحمل اصطلاح الوظيفة العمومية كثيرا من المعاني المختلفة ، إذ تختلف من دولة إلى أخرى ومن نظام سياسي إلى آخر ، باختلاف الظروف السياسية والإدارية والتاريخية الخاصة بكل بلد ،ومع ذلك فهناك قدر كبير من التماثل في أهمية الوظيفة العمومية ومكانتها في التنظيم والنشاط الإداريين للدولة السائد وطبيعة الوظيفة العمومية في حد ذاتها .

فقد عرفها الأستاذ لوران بلان (Laurent Blanc ) بأنها "مجموع العاملين في الإدارات العامة أيا كان نظامهم الأساسي ، وسواء انتموا إلى مصلحة أو دائرة في الدولة أو إلى وحدة تعاونية محلية أو كانوا ينتمون إلى مؤسسة عامة ذات طابع إداري ، لكنها لا تستطيع أن تضم موظفي صناديق الضمان الاجتماعي –وهي مؤسسة خاصة – ولا موظفي المشاريع الوطنية والمؤسسات ذات الطابع الصناعي والتجاري[4].

أما الفقيه أندريه دو لا بدير (André de Laubadére) يعرفها بأنها " مجموعة الاختصاصات القانونية التي تمارسها موظف معين بصفة دائمة ، والتي لا تعد من الحقوق المالية المملوكة له ، التي يستطيع أن يتنازل عنها وفقا لمشيئته .

ويرى الأستاذ جون فرانسوا لاشوم ( Jean Francois Lachaume ) أن مصطلح الوظيفة العمومية يستخدم لوصف أعوان الأشخاص العموميين الذين يمتلكون صفة موظف والمتميزين - مقارنة بأجراء القطاع الخاص - بالنظام القانوني الخصوصي المطبق عليهم [5].

في حين عرف الأستاذ الدكتور عمار بوضياف الوظيف العمومي بأنه " مجموعة النظم العامة التي أنشأتها الدولة وتخضع لإدارتها بقصد تحقيق حاجات الجمهور ، ومن هنا جاز اعتبار كل من مرفق القضاء والدفاع والتعليم وغيرها من مرافق القطاع العمومي ، وظيف عمومي ، لأنها مؤسسات أنشأتها الدولة بغرض خدمة الجمهور ، ويتميز بخضوعه للدولة من حيث تحديد نشاطه وقواعد تسييره وعلاقته بالمنتفعين وتبيين أقسامه وفروعه ضمن قانون مميز[6].

وقد عرفها الدكتور عبد الحميد كمال حشيش بأنها مجموعة الموظفين العاملين بالأجهزة الحكومية أيا كانت نظمها أو لوائحها ، وهم يعملون في خدمة الدولة بوزارتها ومصالحها وهيئاتها المختلفة ووحدات الإدارة المحلية "[7].

ويرى الدكتور فؤاد العطار أن الوظيفة العامة هي " مجموعة العاملين بوحدات الجهاز الإداري للدولة التي تنظم أوضاعهم الوظيفية أحكام القانون العام .

وعلى العموم فمختلف تعاريف الوظيفة العمومية من الناحية الاصطلاحية يقصد بها أحد المعنيين : المعنى الموضوعي أو المعنى العضوي.

أ-المعنى الموضوعي للوظيفة العمومية : ويسمى أيضا المعنى المادي ، وحسبه فإن الوظيفة العمومية ما هي إلا       " مجموعة من الاختصاصات القانونية والأنشطة التي تجب أن يمارسها شخص مختص بطريقة دائمة في الإدارة مستهدفا الصالح العام " [8].

ويركز هذا المعنى على ما تقوم به الإدارة من أعمال ومهام بواسطة موظفيها دون البحث في أحوال الموظفين ومراكزهم القانونية [9]، ودون النظر إلى طبيعة علاقة هؤلاء الموظفين بالإدارة رغم أن تلك الأمور تعد من أهم ما يشغل الباحثين في ميدان الوظيفة العامة ، وتمثل الأسس الرئيسية التي يقوم عليها النظام الوظيفي والقواعد المنظمة للوظيفة العامة [10].

ب-المعنى العضوي للوظيفة العمومية : ويسمى أيضا المعنى الشخصي أو الشكلي ، وحسبه فإن الوظيفة العمومية هي   " عبارة عن مجموعة من الأشخاص الذين يقومون بالعمل في خدمة المرافق العامة ، ويخضعون لنظام قانوني يسير حياتهم المهنية منذ دخولهم الخدمة إلى غاية الخروج منها " .

فإذا كان الاتجاه الموضوعي يتسم بالطابع الفني ، و الاتجاه العضوي يتسم بالطابع القانوني ، فإن ذلك لا يعني أبدا وقوع التعارض أو التناقض بين الاتجاهين ، بل بالعكس فكلاهما يكمل الآخر ، ففي حين يهتم فقهاء القانون الإداري بالجانب القانوني ، فإن علماء الإدارة العامة يركزون على الجانب الفني [11]، لذلك يفضل الجمع بين الاتجاهين ، وتعرف الوظيفة العمومية بأنها " مجموعة الأوضاع والأنظمة القانونية والفنية الخاصة بالموظفين العموميين ، سواء التي تتعلق بمستقبلهم الوظيفي وعلاقتهم بالإدارة ، أو التي تتصل بأدائهم لمهام الإدارة العامة بإتقان وفاعلية " [12].

ونحن نتفق مع هذا التعريف لأنه مبني في بعض عناصره على الشخص الذي يؤذي العمل الوظيفي في أي صورة من صوره وهو الموظف العام من حيث مركزه القانوني الناشئ عن الوظيفة العامة التي يشغلها وطريقة شغله لهذه الوظيفة ومرتبه وتدرجه في السلك الوظيفي ، ومبني أيضا على العمل الوظيفي ذاته الذي هو موضوع الوظيفة العامة المتمثل في أوجه النشاط التي تمارسه الإدارة عن طريق المرافق العامة المختلفة .

هذا ما حاول المشرع الجزائري الأخذ به ، فهو يتبنى كأصل عام المفهوم العضوي للوظيفة العمومية ، ويطعمه بما يوجد في مزايا المفهوم الموضوعي ، كتخصيصه في الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية ، فصل رابع بعنوان الأنظمة القانونية الأخرى للعمل ، حيث جعل في هذا الفصل نظاما تعاقديا موازيا لنظام التوظيف العادي ، إذ يتم التعاقد في مناصب الشغل التي تتضمن نشاطات الحفظ أو الصيانة أو الخدمات ، والأعوان الذين يشغلون هذه المناصب لا يمكنهم اكتساب صفة الموظف العمومي [13]، فهنا المشرع الجزائري ركز على مناصب العمل وتوصيفها أي النشاطات والمهام دون التركيز على الموظف العمومي .

ويمكن أن نقدم تعريف للوظيفة العمومية بأنها " مجموعة النظم القانونية المتميزة [14] التي تحكم مركز الموظف العمومي في المؤسسات والإدارات العمومية من حيث تسيير حياته المهنية من يوم دخوله إلى غاية الخروج منها ، وتحديد طبيعة علاقته بالإدارة ، وتبيان حقوقه وواجباته هذا من جهة ، وتحدد الأنشطة والاختصاصات القانونية التي تجب أن يقدمها خدمة للصالح العام من جهة أخرى " .

المحور الثاني : مبادئ الوظيفة العمومية في الإسلام .

إن فكرة الوظيفة العمومية في الإسلام تقوم على أساس أن الوظيفة العمومية واجب ديني و أنها أمانات لا مغانم، وتكليف لا تشريف، وعبادة لا سيادة، ومن ثم فإن دوام شغل الوظيفة مرهون بمدى دوام صلاحية شاغلها ، فمن تزول أو تتنحى عنه الصلاحية لشغلها ينحى عنها[15] ، فهي خدمة اجتماعية محددة السلطة لقاء أجر معين ، وهذا الفهم كان مجهولا في الإمبراطوريات التي كانت متحكمة في العالم آنذاك ، فقياصرة الروم وأكاسرة الفرس كل واحد منهم كان يعد نفسه ملك الملوك والحاكم بأمره فوق البشر جميعا ، وأن ذواتهم مصونة لا تمس ، وأنهم لا يكلفون بخدمة رعاياهم، وإنما يعتبرون رعاياهم خدام وعبيد لهم [16].

لقد عرف الإسلام الوظيفة العامة وشاغلها أي الموظف العام ، و كان يلقب بالخليفة أو الإمام أو الوالي أو العامل أو المحتسب إلى غير ذلك من أسماء ، فكل هؤلاء كانوا موظفون عموميون دون أن يطلق عليهم هذا المصطلح ، ولا بد من الإشارة أنه لم يكن هناك إطار منظم للوظائف ، كما هو الحال في نظم الخدمة المدنية الحديثة ، ومن ثم فإنه لم تكن هناك حدود واضحة المعالم للترقية من وظيفة لأخرى ، بل نقل الموظف من وظيفة أدنى إلى أخرى أعلى منها يأخذ دائما حكم التعيين الجديد ، وكانوا يحسنون الاختيار دائما بالنسبة لشغل الوظائف العامة سواء كان ذلك لأول مرة أو عند التعيين بعد ذلك في الوظائف العليا [17]، وقد كان يخضع هذا الاختيار لشروط معينة ،ووفق اعتبارات المفاضلة ،لقوله صلى الله عليه وسلم "من ولي من أمر المسلمين شيئا ،فولى رجال وهو يجد من هو أصلح منه ، فقد خان الله ورسوله " ، وعليه فمتولي الوظيفة يجب أن يكون الأصلح الكفؤ [18]، ولكن الإسلام لا يربط صلاحية الفرد بالشهادة أو بالدرجة العلمية أو بالخبرة العملية فحسب ، بل بمقوماته الشخصية وتكامل العناصر المختلفة فيه مع ملاءمتها للوظيفة المنوطة به أيضا .

والصلاحية في الإسلام تختلف بحسب الولاية (الوظيفة ) ، يقول إبن تيمية "إنه يتعين على ولي الأمر أن يعرف الأصلح في كل منصب ، فإن الولاية لها ركنان هما القوة والأمانة ، لقوله تعالى " إن خير من استأجرت القوي الأمين " والقوة في الحكم بين الناس بالعدل والقدرة على تنفيذ الأحكام ، والأمانة ترجع إلى خشية الله " ثم يذكر إبن يتيمة بعد ذلك أن الصلاحية في كل ولاية بحسبها ، فهي في إمارة الحرب مثلا ترجع إلى الخبرة بها وإلى شجاعة القلب ، وهي في ولاية القضاء ترجع إلى العلم والعدل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ، ومع ذلك يقول إبن تيمية إن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ، فمن الواجب في كل ولاية اختيار الأصلح حسب نوع الولاية ، فيقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع على الضعيف العاجز ، وإن كان أكثر أمانة منه ، وإن كانت الولاية في حفظ المال ونحو ذلك وجب تقديم الأمين على القوي [19].

ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان تعيين الولاة يقوم على الاستيثاق من مقدرتهم ونزاهتهم ، إضافة إلى تمتعهم بالخلق القويم وسعة العلم والجدارة ، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخير عماله من صالحي أهله ، ويختارهم ممن يحسنون العمل [20]، دون وساطة أو محسوبية ، فإذا كان الشخص غير قادر على تولي أعباء الوظيفة لم يكن يعينه فيها مهما كان ورعه وتقواه وشده صلته وصداقته به فالصحابي الجليل أبو ذر الغفاري طلب من الرسول ذات مرة التعيين في أحد المناصب وقال " يا رسول الله ألا تستخدمني ؟" فضرب عليه السلام بيده على منكبيه ، وقال " يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ،إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها " ، وقال له أيضا "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وأني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم " ، فالرسول قد رفض تولية أبا ذر إحدى الوظائف لأنه رآه ضعيفا ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عنه " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " [21] .

كما أن صلوات الله وسلامه عليه كان يختبر الشخص قبل توليه الوظيفة ليتأكد من قدرته على ممارسة أعبائها ، فهذا معاذ بن جبل حين أراد الرسول أن يسند إليه منصب القضاء قال له " بماذا تقتضي إذا عرض عليك قضاء ، فقال معاذ بكتاب الله ، فسأله الرسول فإن لم تجد ، نال بسنة رسوله عليه السلام ، فسأله الرسول فإن لم تجد ، قال أجتهد رأيي و لا ألو ، فقال الرسول الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي الله و رسوله " .

وكانت ترقية الموظفين من وظيفة أدنى إلى أخرى أعلى منها تتم على أساس الصلاحية ، وتأخذ حكم التعيين الجديد بصفة دائمة ، كما أن الرسول عليه السلام كان يمنع الموظف من قبول الهدايا من الأفراد ، فقد عين موظفا على مرفق جمع الزكاة والصدقات ، فلما رجع تمت محاسبته ، فقال للرسول هذا لكم وهذا أُهدي إليّ ، فقال الرسول " ما بال الرجل نستعمله على عمل ما ولانا الله عليه ، فيقول هذا لكم وهذا أُهدي إليّ ، أفلا جلس في بيته فنظر أيُهدى إليه أم لا ، والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته "[22].

يبد أن الواقع التاريخي الإسلامي يشهد أن الامتحانات في العهدين النبوي والراشدي كانت مقصورة تقريبا على المستوى الفردي بمعنى أنها كانت تجري للتثبيت من مدى توفر الصفات المطلوبة في الشخص المرشح للوظيفة الشاغرة ، وليس للتمايز بين مرشحين يتنافسون على تلك الوظيفة ، وذلك بسبب قلة اهتمام الناس آنذاك بالوظيفة العامة ، وعدم إقبالهم عليها ، سيما وأن وظائف الدولة في صدر الإسلام كانت محدودة ، وكانت تنحصر تقريبا في القضاء والحسبة والجباية وبعض الوظائف الأخرى البسيطة ، كما لم تكن الوظيفة العامة آنذاك مطمعا ، وقد نبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ، وقد وجدت شواهد عديدة على تهرب الناس –المؤهلين خصوصا – من الوظيفة العامة ، خوفا من الإفراط والتفريط وظلم الناس ، وإزاء ذلك فلم يكن هناك مجال للتنافس لكي تجرى اختبارات تنافسية [23].

وقد بلغ اهتمام الرسول بالوظيفة مداه ، وذلك بحرصه على توفير كل سبل الحياة لمن يتولى أي عمل في الدولة الإسلامية ،حيث كان يوفر له ما يلزمه ، بما لا يجعله يمد يده إلى الغير ، ويقول في الحديث الشريف " من ولى لنا عملا وليس له منزلا فليتخذ منزلا ، أو ليس له زوجة فليتزوج ، أو ليس له دابة فليتخذها "[24]

وفي عهد الخلفاء الراشدين ، كان الخليفة يشاور أفاضل الرجال في اختيار موظفيه ، فأبو بكر الصديق كان يختار   –إذ خلى أحد المناصب – أكفأ العمال وأصلحهم لتوليته ويضعهم تحت التجربة لمدة معينة [25]، ولا يعزلهم إلا إذا ثبت إهمالهم وعدم أدائهم لعملهم على الوجه الأكمل ، فعندما عين يزيد بن أبي سفيان في الشام قال له " إني قد وليتك لأبلوك وأجربك فإن أحسنت أبقيتك ، وإن أسأت عزلتك "[26].

أما الخليفة العادل عمر بن الخطاب فكان يتخير عماله لشغل الوظائف العامة من أفاضل الرجال وأصلحهم ولم يكن عنده قريب أو بعيد إلا من يقربه أو يبعده عمله ، فكان يقول "من ولى من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمسلمون " ، كما كان يشاور أصحابه عند تعيين الموظفين أو ترقيتهم إلى مناصب أعلى ، وكان الموظف يوضع تحت الاختبار لفترة معينة يراقبه عمر رضي الله عنه ويحاسبه عن أعماله حتى تثبت جدارته وكفاءته .

وقد كان سيدنا عمر يطبق مبدأ الأجر على قدر العمل ، فكان يمنح العمال أجورا تتناسب مع ما يؤدونه من أعمال ، وكان يميز بينهم في الأجور على أساس جهدهم وبلائهم في العمل ، وما يتحملونه من أعباء عائلية ، وكان يولي اهتماما فائقا بتدريب الموظفين على أعمالهم ، فعندما أرسل عمار بن ياسر ليكون واليا على الكوفة أرسل معه هيئة مدربة من الموظفين الموثوق بهم ، وكان يطبق مبدأ العدالة بصفة مطلقة ، ويكره الوساطة والمحسوبية حتى من المقربين إليه .

أما الخليفة عثمان بن عفان فقد كان يأمر عماله دائما بإقامة العدل بين الناس ، والمساواة فيما بينهم ، إلا أنه يُلاحظ أن الإدارة بصفة عامة قد ضعفت في عهد عثمان عليه السلام وأصابها الوهن ، ولعل هذا راجعا إلى أنه كان يفضل دائما أقاربه في تولي الوظائف العامة حتى ولو كانوا غير جديرين بها [27] .

ومن المبادئ الهامة التي طبقها رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب في مجال اختيار الموظفين ما تضمنه عهده الذي كتبه إلى واليه في مصر يقول فيه "ثم أنظر حال كتّابك فول في أمورهم خيرهم ، ولا يكن اختيارك إياهم على فراستك ، ولكن اختبرهم فيها ولو للصالحين قبلك ، فأعمد لأحسنهم كان في العامة أثرا أو أعرفهم بالأمانة وجها " ، كما أكد أهمية اصطفاء القادة لمستشاريهم الذين يسترشدون بآرائهم وضرورة اتسامهم بصفات معينة كالذكاء والأمانة والإلمام بما يستشارون فيه ، والشجاعة في الرأي وحسن الخلق ، وهذا ما عرفته قوانين الوظيفة العمومية الحديثة في صورة أسس وقواعد انتقاء الموظفين لضمان شغل الوظائف العامة بأفضل الكفاءات ، وتشمل هذه الأسس الجدارة ، المؤهلات العلمية ، الخبرات العملية ، والقدرات والمهارات الخاصة التي تتوافر في طالب الوثيقة ، والتي تتلاءم مع مهام الوظيفة المزمع شغلها ومستواها [28].

وفي العهد الأموي كان الخليفة عمر بن عبد العزيز متشددا في اختيار العمال ويتحرى عنهم بدقة وأمانة ولا يرفع أحدا إلى المناصب العليا إلا بعد الاستيثاق منه ، وكان يؤمن بأنه لا بد أن يمنح للموظف مرتبا كافيا بحيث يكفل له مستوى لائقا من المعيشة ، كما أن الترقية إلى الوظائف العليا كان يصاحبها دائما زيادة في المرتب ، وبذلك كان يوجد دائما حافز لدى العاملين لأداء أعمالهم على خير وجه .

أما في عهد الخلفاء العباسيين فقد أخذت الإدارة في الضعف والتقهقر ، ذلك أن حكم الأقاليم الإسلامية أصبح وراثيا ، وكان الوالي يتمتع بسلطة مطلقة في تعيين الموظفين ، فإدارة الوالي المنفردة كانت مطلقة في اختيار العاملين أو ترقيتهم إلى الوظائف العليا دون وجود معيار محدد للمفاضلة بينهم ، كما أن ضعف العقيدة واختلال النظام ونقص القيادة وانحلال الترف وتفرق الآراء انعكس في النهاية على النظام الإداري بوجه عام ، وأدى إلى تفتت الدولة وتقسيمها إلى دويلات مستقلة لا يستقر فيها نظام ، ولا تستتب فيها سياسة تحميها ، فكان لكل دويلة منها نظامها الإداري والسياسي المستقل[29] .

ومهما يكن من أمر فامتحانات التوظيف ركن من أركان السياسة الشرعية في الإسلام ، وقد كانت تقليدا ونظاما معمولا به منذ بزوغ فجر الإسلام حتى يومنا هذا مع اختلاف يسير في الوسائل والأساليب ، لاختلاف طبيعة الحياة بين ما كانوا عليه وما صرنا إليه ، إذ كانوا في بساطة من العيش وأسلوب الحياة ، وكان الأمر من السهولة بمكان بحيث يستطيع ولي الأمر أن يختار الأمثل للوظيفة العامة ، وذلك لمعرفته بأحوال الناس وأخلاقهم ومدى صلاحهم ، وكان الناس على صلة وثيقة فيما بينهم ، ويكاد كل واحد من المسلمين يعرف جميع مواطنيه –أسماؤهم وصفاتهم وأخلاقهم وظروف حياتهم- لأنه يراهم في المسجد في أوقات الصلاة الخمس تقريبا ، وفي مكان سكناتهم وأماكن عملهم ، ولذلك فإن إمكانية اختيار الأصلح كانت متيسرة جدا ، وخصوصا في صدر الإسلام ، فلما توسعت الدولة الإسلامية وترامت أطرافها ، وازداد عدد سكانها واختلط العرب بالأعاجم ، لم يعد من الميسور معرفة الأصلح بين الناس بذات الأسلوب ، وصارت المعرفة بأخلاق الرجال ومعادنهم صعبة ، فاحتاج الأمر عند الحاجة إلى الموظف عقد امتحانات خاصة للتفاضل بين المرشحين ، خاصة وأن نظرة الناس إلى الوظيفة العامة قد تغيرت بتغير الأحوال والظروف [30].

وعموما فالإدارة الإسلامية في عهودها الأولى قدمت لنا فهما متطورا لمعايير شغل الوظائف العامة تقوم على الجدارة والصلاحية ، واشترطت لشغلها توافر صفات إنسانية وذهنية وخلقية واجتماعية في طالبها ، وتتمثل هذه الصفات فيما أورده الماوردي وسماه أوصاف الوزراء وهي : الأمانة حتى لا يخون ، وقلة الطمع حتى لا يرتشي ، وأن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء ، ذكورا لما يؤديه إلى الخلفية وعنه ، ذكيا فطنا ، صدق اللهجة حتى يوثق بخبره ، وأن لا يكون من أهل الأهواء ، وإذا كان الوزير مشاركا في الرأي احتاج إلى وصف ثامن وهو الحنكة والتجربة التي تؤدي إلى صحة الرأي وصواب التدبير [31].

المحور الثالث : أخلاقيات الموظف العمومي في الإسلام .

إن الأخلاق الحسنة هي قواعد سلوكية تحكم سلوك الإنسان في المجتمع ، و التي تأمر بما فيه الخير وتحض عليه، وتنهي عن كل سلوك فيه شر أو يقود إلى ما فيه شر أو مكروه، وتشدد على الابتعاد عنه وتنذر بسوء عواقبه، وذلك لتكون حياة الناس هانئة يسودها الحب والعطف والتراحم والتفاهم والاحترام المتبادل والإحساس بالآخر.

الأمر الذي يجب معه على الموظف العام أن يتحلي بأخلاق الوظيفة العامة وأن يلتزم بالواجبات الوظيفية لكونها وسيلة من وسائل تحقيق الهدف الأساسي للوظيفة العامة وهو تقديم الخدمة للمواطنين بأسلوب يسوده حسن الخلق وطيب المعاملة والإخلاص في العمل والأمانة والصدق وغيرها من الأخلاقيات الحسنة ، المتمثلة فيما يلي :[32]

1- حسن الخلق : من خلال الخلق الحسن يستطيع الموظف أن يكسب احترام مرؤوسيه, فلا يشعر أحدهم أنه محتقر أو مهمش أو مستصغر . ولا أن تصدر منه الكلمات النابية والألقاب المحقرة وإنما يعاملهم معاملة إنسانية حسنة فترتفع حالته المعنوية فيقبلون على انجاز العمل و هم في أحسن حال. وقد ضرب لنا الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في حسن الخلق , فوصفه ربه سبحانه و تعالى بقوله ( وانك لعلى خلق عظيم ) وقد قال صلى ا لله عليه و سلم ( بعثت لأتمم حسن الأخلاق ) ، ومن هنا تتضح لنا الأهمية الكبرى لمكارم الأخلاق و حسنها.

 

2 – القدوة الحسنة:الموظف المسلم هو أول من يطبق تعليمات العملبصورة صحيحة, فلا يأمر بشي إلا ويكون هو أول من ينفذه, ولا ينهى عن شئ إلا و يكون أول منيبتعد عنه. فلا يعقل أن ينادي بالالتزام بمواعيد العمل مثلا و هو غير ملتزم بها, ولا يعقل أن ينادي بالعدل و هو ظالم, ولا بالإخلاص وهو غارق في تفضيل وتقديم أعمالهومصالحه الشخصية. قال تعالى ) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالاتفعلون ) [33].

3- العدل : يجب على الموظف المسلم أن يكون عادلاً بين مرؤوسيه و ألا يفرق بينهم فيتعامله معهم , و لا يحابي مرؤوسا على حساب مرؤوس آخر ، فشعور المرؤوسين بعدالة رئيسهميرفع من حالتهم المعنوية و في نفس الوقت يمنحونه ثقتهم ، قال صلى الله عليه و سلم: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم , و تصلون عليهم و يصلونعليكم, وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم , و تلعنونهم و يلعنوكم " ، و عكس العدل الظلم في معاملته لمرؤوسيه ولمن تحت إمرته من العمال و الموظفين ، ومنصوره حرمان الحقوق المادية كالأجور والرواتب , و الحقوق المعنوية كالمراتب والترقيات. و الظلم ظلمات يوم القيامة . وكان معاوية رضي الله عنهيقول : " إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصرا إلا الله" ، وبكى علي بن الفضل يومافقيل ما يبكيك ، قال أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن لهحجة.

4- الصدق : الصدق يعني أن يتحري الموظف حقائق الأمور وواقعها بصفة مستمرة فيما يتعلق بالعمل بحيث لا يتعمد الكذب أو قلب الحقائق أو تشويها في التعامل مع الجهات التي تحكم العمل، وتحري الصدق في التعامل مع الرؤساء والزملاء والجمهور. وللقيمة العالية للصدق فقد حث عليه الإسلام، إذ يقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) [34].

5 - الرحمة: الموظف المسلم يجب أن يكونرحيماً مع مرؤوسيه يحبونه و يخلصون له و كذلك ترتفع حالتهم المعنوية.ومن الرحمة أنيصبر عليهم ويسعد بترقيتهم وفتح سبل الخير عليهم. عن عائشة رضيالله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم من ولي من إمرتي شيئا, فشق عليهم فاشقق عليه , ومن ولي من إمرتي شيئا فرفق بهم فارفق به" ، وهذا لايتنافى مع أن يكون المدير حازما جادا لا يترك مجالا للتسيب و الكسل, ويحرص علىمراقبة الموظفين و متابعتهم وحثهم على الانجاز و الفعالية. وقالالحسن بن أبي الحسن : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : "من كان له على الله أجرفليقم, فلا يقوم إلا العافون عن الناس, وتلا قوله تعالى:( فمن عفا و أصلح فأجرهعلى الله ( [35]، و قيل من عادة الكريم إذا قدر غفر , وإذا رأى زلة ستر. ولذا يجب على العاقل مديرا كان أو أجيرا إذا أمكنه الله أن لا يجعل العقوبة شيمته , و إنكان لا بد من الانتقام فليرفق في انتقامه إلا أن يكون حدا من حدودالله.,

6 - عفة النفس: يجب أن يكون الموظف المسلم عفيف النفسيعفها عن الشهوات و المحرمات، فما من شك أن مرؤوسيه سيقتدون به. وعن ابن عمر رضيالله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال وهو علىالمنبر" اليدالعليا خير من اليد السفلى و اليد العليا هي المنفقة و السفلى هي السائلة " ، وقالبعضهم " :هيالقناعة فالزمها تعش ملكاً لو لم يكن منها إلا راحةالبدن ، وانظرلمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن".

7- أن لا يستبد بالرأي: الموظف المسلم و خاصة عند اتخاذ القراراتالهامة يجب أن يأخذ بالشورى وألا يستبد برأيه. قال اللهتعالى: ( فاعف عنهم و استغفر لهم وشاورهم في الأمر ) [36]، وعن أبي هريرةرضي الله عنه: ما رأيت أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

8 - أن يكون نصوحاً: يجب على الموظف المسلم أنيكثر من إسداء النصح لمرؤوسيه اذا رغب في الإقلال من الأخطاء الممكن الوقوع بها. فإذا ما قلت أخطاؤهم زادت إنتاجيتهم و ثقتهم بأنفسهم. قال رسول الله صلى الله عليهوسلم  ( ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجدرائحة الجنة ).

9- التحلى بصفةالإيثار: يجب على الموظف المسلم أن يتصف بصفة الإيثار وبعدم الأنانية، وألا يسعىإلى تحقيق المكاسب الشخصية من وراء اقتراحات مرؤوسيه, و إنما عليه إسناد الحقلأصحابه و الفضل لأهله، وذكر ذلك على من هو أعلى منه دون أن ينسب العمل لأهله ولميكن هو فاعله ، قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا يؤمنعبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه ".

10 - الكفاءة و العلم:لا بد أن يكونالموظف المسلم على درجة عالية من الكفاءة الإدارية و العلم بأحوال العمل , بل يعمل علىتنمية ذلك في نفسه , ذلك أن شعور المرؤوسين أن رئيسهم على قدر عالي من الكفاءةوالعلم سيشعرهم بالاطمئنان و ستزداد ثقتهم به، قال تعالى: (قل هليستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ) [37] .

11- الصبر :الصبر من الفضائل العظيمة، وقد ضمن الله تعالي للصابرين المدد والنصر ، ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) [38] ،ويجب أن يتحلي الموظف بالصبر أثناء ممارسة العمل، بحيث يتحمل مشاق العمل ولا يكون ملولاً كثير الضجر أو سريع الانفعال والتصرف. وعليه أن يتحمل ما يواجهه في محيط عمله من نقد أو إلحاح من جمهور المتعاملين معه ممن وظف لخدمتهم، أو غير ذلك مما يواجهه الموظف في العمل من ضغوط، وعيه تحمل النقد والإلحاح لكون جمهور المتعاملين صاحب حاجه.   

12- التواضع : يجب على الموظف المسلم أن يعيش بين زملائه متواضعاً, قالصلى الله عليه و سلم" ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" . وقال الأحنف بن قيس" ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه "، قالتعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولافسادا و العاقبة للمتقين([39].

13-الإخلاص والتفرغ لأعمال الوظيفة: الإخلاص هو لب العبادات، وهو تصفية العمل من الشوائب، قال تعالي:    ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) .[40]

    ولذا وجب على الموظف أن يعمل بانضباط وشعور تام بالمسئولية، وأن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء واجبات الوظيفة، والتفرغ لأعمال الوظيفة، وإتباع الإجراءات التي تحددها اللائحة الداخلية لجهة العمل في حالة التغيب عن العمل أو التأخير عن المواعيد. ولعل ما يسيء إلى موظف الدولة أن تقل درجة إخلاصه فلا يتفرغ للأعمال المنوط به تنفيذها، ويصرف بعض وقته لعمل ربحي خاص به، وينسي أنه يتقاضي أجراً على هذه الوظيفة التي ارتضاها لنفسه.

14 - الأمانة: يجب على الموظف المسلم أن يكون أمينا في أدائه لوظيفته, فوظيفته التي يشغلهاليست ملكا له , بل هي تكليف لا تشريف , لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبيذر ناصحا له: "يا أبا ذر إنها أمانة , و إنها حسرة وندامة، إلا من أخذها بحق الله فيها" .

15- طاعة الرؤساء و تنفيذ أمرهم : يتوجب على الموظف أن يطيع رؤساءه في الأوامر التي يصدرونهاإليه ، وأن تكون الطاعة بالمعروف , وحتى إن كره الموظف من رئيسه شيئا فيجب أن لايخلط بين ذلك و بين الطاعة بالمعروف للأوامر.

16- الترفع عما يخل بالشرف والكرامة : يجب على الموظف العام عدم الوقوع في التصرفات التي تتعارض مع قواعد الأخلاق وتسيء إلى سمعة الموظف، وسمعة الجهة التي يعمل بها كتعاطي المخدرات والمسكرات، وارتكاب الفواحش والأعمال المخلة بالآداب العامة داخل مقر العمل أو خارجه.

17- عدم المحاباة و المحسوبية:إن المحاباة و المحسوبية هي أولى خطوات الفساد الإداري و تضييع المصلحةالعامة. ومن المحاباة أن يقرب من يرغب ومن يزين له الأعمال ويكيل له المديح, و يبعدمن يقول الحق , ويحرص على الخير و يدله عليه ، قال رسول الله صلى الله عليهوسلـــــم: "إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق , إن نسي ذكره و إن ذكر أعانه. وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء , إن نسي لميذكره وان ذكر لم يعنه " .

18 - محاسبة النفس وتهذيبها: تعتبر محاسبة النفس الخطوة الأولى في طريق الالتزام الأخلاقي للأفراد ، وقد حث الإسلام على محاسبة النفس ومراجعة السلوك ليعدل المسلم من تصرفاته , ويرجععن أخطائه بالتوبة و الاستغفار، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزنعليكم " .

19- المحافظة على المال العام : يتطلب القيام بأعمال الوظيفة العامة بكفاءة ونزاهة وأمانة المحافظة على الأموال والممتلكات العامة بما في ذلك المكاتب والأثاث والمواد المكتبية ونحو ذلك من مختلف الأدوات والمواد مما يوضع تحت تصرف الموظف وعلى مسئوليته، وعليه حسن استخدامها وعدم التفريط فيها وعدم السماح لأحد بالعبث بها أو سوء استخدامها. ومن ثم أوجب القانون على الموظف المحافظة على ممتلكات وأموال الإدارة التي يعمل بها ومراعاة صيانتها  .

وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال "لو مات جمل ضياعاً على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه"، وقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يشرفان بأنفسهما على مراقبة كل ما يمت بصلة إلى الملكية العامة، ولم يستطيعا فرض هذه المقاييس الشديدة على المسئولين عن هياكل الدولة الإسلامية وعلى جميع المسلمين إلا بفضل السيرة المثالية التي سارا عليها[41] .

الخاتمة :

ترتكز فكرة الوظيفة العامة فيالإسلام على أن الوظائف العامة واجب ديني، وأنها تكليف وليست تشريف ، و أمانات لا مغانم ، وعبادة لا سيادة ، ومن ثم فإن دوام الوظيفة للفردالعامل مرهون بدوام صلاحية شاغلها، فمن يثبت عدم صلاحيته لها ينحى عنها.

وكان الاختبار قبل الاختيار مبدأ أساسيًا في الإسلام،فلا يشغل فرد وظيفة عامة قبل أن تثبت باختبار صلاحيته، وكان لابد من توافر شروط معينة فيمن يتولى الوظائف العامة، ومن أهمها القوة والأمانة والكفاية، والمقصود بالكفاية أن يكون من تم اختياره لشغل الوظيفة العامة هو الأصلح والأكفأ، كما كانت ترقية الموظفين من وظيفة أدنى إلى أخرى أعلى منها تتم على أساس الصلاحية .

وكان تقدير الأجر على أساس عادل وهو " الأجر على قدر العمل " ، وهو الأساس الذي تنادي به الإدارة الحديثة وتقف عاجزة عن تطبيقه، كما أن الرسول عليه السلام كان يمنع الموظف من قبول الهدايا من الأفراد ، و كان يقوم بتدريب من يستعملهم على مصالح المسلمين، ويزودهم بالنصائح والإرشادات، ولم يفت الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ما للتدريب من أهمية بالغة في تنمية المعارف والقدرة على تفهم الأعمال ، فأولوه الكثير من اهتمامهم فكانت المدينة المنورة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشبه بالجامعة التي تخرج فيها القادة والولاة والأفراد.

وقد اهتم الإسلام كذلك بالحوافز والروادع، بل إن الإسلام كان يقرن دائمًا الروادع بالحوافز.

فالوظائف العامة في الإسلام كانت تتسم بطبيعة خاصة تقتضيها طبيعة الشريعة الإسلامية ، وما تقوم عليها من مبادئ في رسم حياة المجتمع الإسلامي ومعالم نظمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فإن صح القول يمكن اعتبار الموظفين في الدولة الإسلامية عمال الله يعملون في وظائفهم لتحقيق مصلحة المسلمين في دينهم ودنياهم .

الهوامش :



[1]-إبن منظور ، لسان العرب ، المجلد 06، الجزء54 ، القاهرة : دار المعارف ، دت، ص 4869 .

[2]-أيمن فاروق صالح زعرب ،"استغلال الوظيفة في الاعتداء على المال العام في الفقه الإسلامي ،(مذكرة ماجستير ،كلية الشريعة والقانون ،الجامعة الإسلامية غزة ،2007) ،ص 09 .

[3]- عبد الحميد سواكر ، الوظيفة العمومية في الجزائر : دراسة تحليلية على ضوء آراء الفقه والإجتهاد والقضاء الإداريين ، الوادي : مطبعة مزوار ، ط1 ، 2011 ، ص 36.ك

[4]-لوران بلان (ترجمة أنطوان عبده) ، الوظيفة العامة ، بيروت : منشورات عويدات ، ط 1 ، 1973، ص 12 .

[5]Jean François LACHAUME ,la fonction publique ,paris :Dalloz,2002,p02.

[6]-عمار بوضياف ، الوجيز في القانون الإداري ، الجزائر : دار الريحانة ، 1999 ، ص152 .

[7]-عبد الحميد كمال حشيش ، دراسات في الوظيفة العامة في النظام الفرنسي ، القاهرة : دار النهضة العربية ،1977 ، ص04 .

[8]-محمد أنس قاسم ، مذكرات في الوظيفة العامة ، الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية ،ط 2 ،1989 ، ص18 .

[9]-عبد العزيز السيد الجوهري ، الوظيفة العامة : دراسة مقارنة مع التركيز على التشريع الجزائري ، الجزائر :ديوان المطبوعات الجامعية ،1985 ، ص05 .

[10]-طلعت حرب محفوظ محمد ، "مبدأ المساواة في الوظيفة العامة "، (رسالة دكتوراه ،كلية الحقوق جامعة عين شمس ، دت)،ص47 .

[11]-سامي جمال الدين ، الإدارة والتنظيم الإداري ، الإسكندرية : مؤسسة حورس الدولية للنشر والتوزيع ،2004 ، ص299 .

[12]-عبد الحميد كمال حشيش ، مرجع سابق ، ص05 .

[13]- محمد الصالح فنينش ،"ملخص محاضرات في قانون الوظيفة العمومية " ، كلية الحقوق ،جامعة الجزائر، ط3، 2010/2011 ، ص 12 .

[14] بمعنى أنها مختلفة عن النظم القانونية التي يخضع لها المركز القانوني للعامل في القانون الخاص.

[15]-عبد الحكيم سواكر ، مرجع سابق، ص36 .

[16]-طلعب حرب محفوظ محمد ، مرجع سابق ، ص 94 .

[17]-محمد أنس قاسم جعفر ، مرجع سابق ، ص 43 .

[18]-أيمن فاروق صالح زعرب ، مرجع سابق ، ص 12 .

[19]-إبراهيم بدر شهاب ،"امتحانات التوظيف في الإسلام "، مجلة الإدارة العامة ، المجلد الأربعون العدد الثاني ، الأردن ، يوليو 2000، ص ص356،357 .

[20]-نواف سالم كنعان ، " امتحانات التوظيف كأسلوب لشغل الوظائف العامة : دراسة تحليلية مقارنة "، مجلة دراسات ، المجلد العشرون (أ) ، ملحق الجامعة الأردنية ، 1993 ص 46 .

[21]-محمد أنس قاسم جعفر ، مرجع سابق ، ص 45 .

[22]-محمد أنس قاسم جعفر ، مبادئ الوظيفة العامة وتطبيقها على التشريع الجزائري ، الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية ، ط 1 ، 1984 ، ص 43 .

[23]-إبراهيم بدر شهاب ، مرجع سابق ، ص 357 .

[24]-محمد أنس قاسم جعفر ، مبادئ الوظيفة العامة وتطبيقها على التشريع الجزائري ، مرجع سابق ،ص 44 .

[25]-وهو المبدأ المعروف في أنظمة الوظيفة العمومية الحديثة بمبدأ التعيين تحت الاختبار .

[26]-محمد أنس قاسم جعفر ، مبادئ الوظيفة العامة وتطبيقها على التشريع الجزائري ، مرجع سابق ،ص 44 .

[27]- المرجع نفسه ، ص ص 46-48 .

[28]-نواف سالم كنعان ، مرجع سابق ،ص 46 .

[29]-محمد أنس قاسم جعفر ، مبادئ الوظيفة العامة وتطبيقها على التشريع الجزائري ، مرجع سابق ص ص 50-52 .

[30]- إبراهيم بدر شهاب ، مرجع سابق ،ص 358 .

[31]-نواف سالم كنعان ، مرجع سابق ،ص 47 .

$1·Haut du formulaire

as du formulaire

Haut du formu

[32] أنظر :

- شعبان محمد عبده أبو العز المحلاوي ، اقتصاديات الأخلاق في مجال الوظائف العامة ، بيروت : دار النهضة العربية، ط1 ، 2012 .

- عماد لبد ، أخلاقيات الموظف المسلم ، فلسطين : ديوان الموظفين العام ، د ت .

- سورة الصف ، الآية 02 .   [33]

- سورة التوبة، الآية 119 . [34]

[35] - سورة الشورى ، الآية 40 .

[36] - سورة آل عمران ، الآية 159 .

[37] - سورة الزمر ، الآية 09 .

[38] - سورة السجدة ، الآية 24 .

[39] - سورة القصص ، الآية 83 .

[40] - سورة الأنعام ، الآية 162 .

[41] - الحبيب الجنحاني: "المجتمع العربي الإسلامي: الحياة الاقتصادية والاجتماعية" ، سلسلة عالم المعرفة، العدد 319، سبتمبر 2005، ص 23.