في سوسيولوجيا "الثورات العربية" من خلال الثالوث الزمني:pdf

محاولة تحليلية استشرافية لمظاهر التغيـــر ( الحدود والتناقضات)

د سعيد الحسين عبدولي

جامعة قرطاج ( تونس)

Résumé

Cet article vise à étudier l'une des manifestations du changement assisté par la communauté arabe dans le contexte de ce qui a été la terminologie de «printemps arabe» ou «révolutions arabes». Nous lisons à travers le point culminant parmi les facteurs qui ont contribué à ce mouvement depuis la naissance des Etats-nations et les conséquences de cette interaction entre les composantes du tissu social Pour terminer pour afficher les résultats de cette transformation vécue par certains pays arabes et les changements les plus importants et évalué avec une lecture prospective du projet de renaissance arabe.

مقدمة:

إن تقدم الأمم والشعوب رهين جملة من المعطيات تكوّن مجتمعة حلقة متساندة- متكاملة قصد تحيق النهــضة الـشاملة. و يعدّ التألق المعرفي من أبرز العوامل المؤدية إلى هذا التحوّل، ذلك أن العلم وعلى حد تعبير المنصف وناس " قدر كل المجتمعات وتوقها الأبدي(...) ولا علم إلا في فضاء تسوده الحرّية(...) العلم خلاص من الخوف و الجهل و الغموض"[1].

فالتألق المعرفي هو الحلقة الفاصلة بين واقع العتمة والتبلّد الفكري والانحطاط القيمي وواقع الفعل والتميّز بما يستجيب وحاجيات الانسان النوع للبقاء. ومن هنا فإن الصلة بين الانتاج المعرفي ومقومات الانسان النوع عميقة عمق حاجة المجتمع إلى البقاء والاستمرارية. ولعل التأمل في مرآة التاريخ يؤكد جدية هذا الطرح في القرآن الكريم الذي ساهم في انتقال البشرية من الجهالة إلى المدنية[2]. وفي المثال الأوروبي أطلق على تلك المرحلة الفاصلة بالأنوار وهي إعمال العقل وبروز علوم جديدة اختصت بدراسة الانسان و المجتمع فكان من بينها علم الاجتماع الذي ولد في العالم العربي وقُبر فيه، ليتأسس كحقل معرفي مستقل في أوروبا ما بعد التنوير، استجابة لحاجيات المجتمع الذي يشهد حراكا متسارعا بحكم جملة المتغيرات التي شهدتها و التي هيئتها لاستعمار البلدان المتخلفة بما في ذلك العالم العربي.

من هنا فإن واقعنا العربي بحاجة ماسة إلى مراجعة جذرية تشمل كل المجالات وفي مقدمتها إعادة تشكيل الانتاج المعرفي ليستجيب مع واقعنا بخصوصياته المختلفة على الآخر الذي طالما مثل لنا مصدر إلهام. ذلك أن الرصـــيد السوسيولوجي العربي لا يـزال مرتـبطا بالمدارس الغربية بقسمـيها الفرانكـفوني و الأنكلوسكسوني في مستوى المفاهيم والمناهج والأطر النظرية، مثلما أن الواقع العربي مختلف سواء في بنياته ورصيده الثقافي أو في كل ما هو قطاعي عن نظيره الغربي. وعليه نستنتج مبدئيا أن هناك خللا سيكون نتيجة هذا التركيب المسقط والعاري من الموضوعية، فإما أن يفرز هذا التوجه معرفة عليلة أو قراءات تشويهية تفتقد إلى شرط النزاهة والدقة أي وفق ما نقرؤه في مقولة مالك ابن نبي" وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية، ناتجة عن فكرة معينة، تؤرخ من ميلادها عمليات التطور الاجتماعي، في حدود الدورة التي ندرسها. فالفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار الدورة الزمنية الغربية، ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الاسلامية"[3]

بعد هذا الاستطراد الوجيز، فإن هناك سؤالا محوريا ملحا لا بد من طرحه يكون موضوعه الواقع العربي بكل تراكماته وهو: إلى أي مدى وفّق العقل العربي في انتاج مدرسة سوسيولوجية قادرة على دراسة واقعنا العربي؟ وعلى ضوء هذا السؤال المركزي فإن هناك أسئلة أخرى تتصل بنفس مدار الاهتمام من ذلك مثلا: ماهي أبرز الموضوعات السوسيولوجية التي تنتظر منا أولوية الدراسة، خاصة بعد موجات التغيرات الاجتماعية التي تشهدها المنطقة؟

على هذا الأساس نروم من خلال هذه المداخلة تقديم محاولة في القراءة السوسيولوجية تجيب عن بعض جوانب المجتمع العربي والتغيرات التي طرأت عليه، مما أفرز جملة من التحولات العميقة التي مست بعض أقطار الوطن أي ما يصطلح البعض على تسميته بـ"الثورات العربية"، التي اندلعت أول شراراتها من تونس لتمتد إلى ليبيا واليمن ومصر وصولا إلى سوريا. مخلفة تحولات عميقة ليس من السهل تقييمها بحكم تشابك عناصرها وتعقيدها، خاصة مع تدخل الأطراف الخارجية وتعمّق الأزمات الداخلية التي كان يفترض أن تنجلي وتؤسس إلـى واقع جديد قائم على العدل والمساواة واستـعادة الهوية المسلوبة أو المغيّبة بحكم سياسات الاقصاء المتتابعة. ناهيك وأن ما حصل كان نتاج تضمر الطبقات الشعبية المفقّرة والتي عانت ويلات هذه الأنظمة التي حكمتها بشتى أنواع العنف... وهذا ما سيعنى به مقالنا تحت عنوان: في سوسيولوجيا "الثورات العربية" من خلال الثالوث الزمني: محاولة تحليلية استشرافية لمظاهر التغير ( الحدود والتناقضات).

1.الاطار النظري:

1.1  الوطن العربي: معطيات عامة

الوطن العربي هو الامتداد الجغرافي للبلدان العربية والتي يبلغ عددها 22 دولة عضوا في جامعة الدول العربية وتشترك في عدة خصائص تمثل جوهر هويتها ووحدتها المفترضة. وتتمثل هذه القواسم المشتركة في وحدة اللغة والدين والتاريخ والتقارب الثقافي مع بعض الاختلافات في مستوى الأنظمة السياسية والرؤى الايديولوجية التي ساهمت عوامل الخارج في نحتها وفي مقدمتها الاستعمار الذي لا يزال يتدخل في رسم سياساته الداخلية قصد تحقيق جملة من المقاصد النفعية، والتي من بينها تعطيل أي مشروع للوحـدة أو التعاون بما في ذلك التكتلات الاقليمية( مثال الوحدة المغاربية). ومن ناحية أخرى تختلف هذه البلدان في مستوى الوزن الاقتصادي وهامش الحريات الذي نقرأه من خلال علاقة الحاكم بالمحكوم. وعلى العموم " يتكون الوطن العربى من مساحة جغرافية تربط بين ثلاث قارات وأربعة بحار ويتكون من 22 دولة وكياناً سياسياً تتسم بالتجانس النسبى فى اللغة و الثقافة، وبالتباين الكبير فى السياسة والاقتصاد والتركيبة السكانية و الاجتماعية، وتبلغ مساحة الوطن العربى حوالى 14.2 مليون/كم2 يعيش فيه حوالى 326.1 مليون نسمة فى عام 2007، وينتج العالم العربى 25.8 % من إنتاج العالم للنفط ويمتلك 50.3 % من احتياطات النفط العالمية وينتج أيضا 13.1 % من الإنتاج العالمى للغاز الطبيعى ويمتلك 29.1 % من الاحتياطى العالمى منه"[4]

وعلى اعتبار أن انتاج النفط من المميزات التي يختص بها الوطن العربي فإن هناك تباينا واضحا في هذا المجال بين أقطاره وهو ما بينه فؤاد حيدر من خلال قوله:

" وتنقسم الدول العربية إلى مجموعتين:

§الدول المنتجة للنفط : ويعتمد الدخل الوطنى فى هذه الدول على مصدر واحد وهو تصدير مادة النفط، وهذه الدول غنية بمواردها المالية ولكنها تعانى من نقص اليد العاملة المتخصصة .

§   الدول غير المنتجة للنفط: تعتمد فى غالبيتها على الزراعة وقطاع الخدمات العامة، وتعانى هذه الدول من وفرة اليد العاملة وتزايد البطالة، ومن نقص فى مصادر رؤوس الأموال."[5]

فضلا عن هذا و ذاك، فإن هناك جملة من التحديات والصعوبات تعاني منها المنطقة العربية رغــم سياسات الاصلاح المتعاقبة.

إلا أن الوضع العام لا يزال ينذر بالخطر إذا ما نظرنا إلى حجم الموارد الطبيعية والبشرية التي يتمتع بها والنتائج التي آل إليها الوضع في مختلف أقطاره. ولعل آخر مظاهرها الانتفاضات الشعبية التي هي آخر تجليات الخلل في البناء الاجتماعي فضلا عن تدخل الآخر الذي يسعى إلى فرض أسلوبه الاستعماري الجديد بصيغ متعددة. وهذا ما يوحي بجدية المعالجة المدروسة بما في ذلك الحاجة إلى تعميق البحوث الاجتماعية قصد دراسة الواقع وتحليل كافة عناصره. على أن لا يكون هذا المطلب مجرد دراسات نظرية غاية في حد ذاتها، بل استجابة لحاجيات المجتمع، وبالتالي المصالحة بين جهة السيادة و البحّاث في مختلف الاختصاصات.

1.2    مفهوم التغير الاجتماعي: على اعتبار أن علم الاجتماع يختص بدراسة المجتمع ومكوناته البنيوية و الوظيفية، فإن مفهوم التغير الاجتماعي يعد من أبرز مضامينه المفاهيمية. وبما أن المجتمع ليس حالة ساكنة تأبى الثبات، فإنه يسير وفق منطق القياس الفيزيائي، أي التبدل من حالة إلى أخرى نتيجة تفاعل مكوناته الداخلية. إذ أضحى مفهوم التغير الاجتماعي أساسيا في مقاربة مختلف الظواهر الاجتماعية، اعتبارا لكون حالة السكون المطلق غير ممكنة بالنسبة إلى منظومة متعددة المكونات معقدة التركيب مثل المجتمع. فالمجتمع دائم التغير وما نسميه استقرارا اجتماعيا إنما هو توازن قوى، وهو ليس توازنا سكونيا بل حركيا.[6]

فالتغيير "هو تلك العملية التي تحدث نتيجة ثورات وهزات اجتماعية تتغير معها كل بنيات المجتمع؛ وربط السوسيولوجيون مفهوم التقدم بازدهار الرأسمالية وظهور البورجوازية"[7] فالتغير الاجتماعي هو نتيجة عمل المجتمع بمختلف مكوناته لضمان وجوده واستمراريته في علاقته بمحيطه الطبيعي، وفي علاقة عناصره وتفاعلها مع بعضها بحسب ما يجمع بينها من بنى ومصالح جماعيّة، وما يفرق بينها من تناقضات ومصالح فئوية وفردية، وفي علاقته أيضا بالمجتمعات التي له بها معاملات وصراع. وفي هذه الحالة قد يكون التغير الاجتماعي بطيئا أو سريعا حسب ما يميز المجتمع ومختلف عناصره من قيم تيسّر التّغيير أو تعارضه".[8]

يمكن الجزم إذا أن التغير سمة الحياة الانسانية منذ أقدم العصور. إلا أن وتيرة التغير أكثر سرعة في حياتنا المعاصرة وقد تعمّق العلماء في دراسة نمط التغيير فضلا عن مسبباته. والتغيير الذي يشمل المجتمع إما أن يكون بسبب دوافع داخلية أو خارجية. وهذه سمة المجتمع العربي الذي شهد عدة تغيرات منذ بداية مرحلة بناء الدولة الوطنية أي دول الاستقلال حيث لعبت النخب الحاكمة دورا فاعلا في فرض أنماط التغيير. في حين كان دور نخب الاصلاح والمثقفين ثانويا بحكم التصلب السياسي الذي كانت تتمتع به الحكومات المتعاقبة وطبيعة النظام الوراثي و الاستبدادي. إذ غالبا ما كان الحاكم يحتل مرتبة الزعيم ويكتسب صفة الكاريزم مثل الحبيب بورقيبة في تونس و جمال عبد الناصر في تونس ومعمر القذافي في ليبيا فضلا عن الأنظمة الملكية، ونفس الأمر ينسحب على كافة الدول العربية بلا استثناء رغم بعض الخلافات في طبيعة الأنظمة الحاكمة.

ومن ناحية أخـرى يمكن أن يكون التغير نتيجة لضغط جهة معينة تمكنت من النفوذ بفضل الايديولوجيا التي تتبناها مما أكسبها شـعبية جماهيرية( الأحـزاب ذات الخلفيات القومية، الماركسية،الاسلامية و الليبرالية) أو بفعل تحركات جماهيرية ملّت طبيعة النظام وضاق صبرها من ويلات الواقع القائم وخاصة السياسي والاقتصادي، حال البلدان العربية في إطار ما يسمى بــ"الربيع العربي". ومن ناحية أخرى يمكن أن يكون هذا التغير مرنا بمعنى هادئ أو عنيفا و دمويا.

وعلى هذا الأساس يبدو من الصعب إن لـم يكن من المستحيل على الباحث الاجتماعي أن يجد مجتمعين يتشابهان من كل الوجوه، لأنه وعلى حد تعبير الفاروق زكي يونس" لكل مجتمع نمط ثقافي خاص به وكل مجتمع قد مر بمراحل تطورية تعكس طبيعته وتعبر عن ذاتيته وما يحيط به من ظروف وما يكمن في خلفيته من تراث تاريخي"[9]. وهذا الموقف يجعلنا نستنتج أنه لا يمكن قياس التغيرات الحاصلة في الوطن العربي باستخدام نفس أدوات التحليل المستخدمة في المجتمعات الأخرى المختلفة عنا في عديد المظاهر، ناهيك عن تصورات الفاعلين التي تختلف بدورها من مجتمع لآخر، بحكم أن لكل مجتمع خصوصياته التي لا بد أن نراعيها نحن كدارسين لفهم مجتمعنا. ومن ثمة ايجاد مناهج وقراءات بحثية تحترم هذه الخصوصية قصد التوصل إلى قراءات موضوعية لواقعنا. وفي هذا الاتجاه نلتقي مع "Prelot.Marcel" الذي يرى " أن هذه المكونات تعبّر من خلال بناها وخصائصها عن أوضاع المجتمع وخصائصه و (بذلك) فإن تغيراتها تنبئ عـــن تغيرات المجتمع و اتجاهاته، وهي من المداخل الممكنة لاستقراء تلك التغيرات"[10].

ملخّص القول، أن التغير إذا حدث فهو يمس جل مؤسسات المجتمع وبناه ونظمه وقيمه. وهذا هو جوهر بحثنا الذي دفعنا إلى تحديد مفهوم التغير الاجتماعي في مقالنا هذا الذي يعنى بسوسيولوجيا "الثورات العربية".

2.       الواقع القطاعي في العالم العربي:

$11.   

$12.   

2.1    الوضع الاجتماعي والثقافي:

يتميز العالم العربي مثل أي مجتمع آخر بخصوصياته الاجتماعية و الثقافية التي تمنحه جوهر هويته وأمكن تحديد أبرز مقوماتها في العناوين التالية:

§  العربية هي اللغة الرسمية.

§  الاسلام هو الدين الرسمي.

§   الدور الريادي للأسرة التي لا تزال تحافظ على الكثير من القيم والروابط القديمة التي تتصل بالتراث، رغم عديد التحولات التي مستها. وذلك عكس موقعها في المجتمعات الغربية التي هيمنت عليها النزعة الفردانية بفعل الحداثة والتحرر.

§ أهمية المقدّس في تنميط تصورات الأفراد وتصرفاتهم.

§ الحضور الفاعل للوعي القبلي فـي كافة المجتـعات العربية ولكن بدرجات متفاوتة. وهي لئن اختفت في مظاهرها البدائية فإنها لا تزال حاضرة في التصورات والوعي الجمعي للأفراد والجماعات. إذ ليس بروز القبيلة في اليمن مثل بروزها في تونس التي راهنت نخبة التحديث والاصلاح منذ وقت مبكر على اقصائها لصالح الدولة الوطنية. ولكن رغم ذلك يبق منطق الجهوية حاضرا في كل الأقطار العربية حيث ولايات الجنوب أقلّ حضا من ولايات الشمال.

وقد شهد الواقع الاجتماعي والثقافي في الوطن العربي وبحكم عوامل الداخل والخارج جملة من التحولات مسّت بناه وأحدث جملة من التحولات في مستوى هياكله ومؤسساته وتصوراته التي أصبحنا نشاهد معالمها واضحة في المعيش اليومي حيث" برزت أنماط جديدة من العلاقات والصراعات، نتيجة توحيد أنماط الاستهلاك الاقتصادي والإعلامي، وتأثير ذلك على العقول والهويات والخصوصيات الثقافية والحضارية المحلية، الشيء الذي جعل الحديث عن صراع الثقافات والحضارات يقفز فجأة إلى السطح باعتباره من أهم ردود الفعل ونتائج هذه العولمة. أما في الجانب السياسي فهناك تحولات مهمة تتعلق بالمهام الجديدة للدول القومية وعلاقتها بالشركات والمؤسسات الدولية أو العابرة للقارات والجنسيات"[11]

وبناء على ذلك، فإن أهم السمات التي تميز الواقع العربي يغلب عليها جانب السلبية رغم بعض مؤشرات التحول الايجابي الذي شمل قطاعات مثل التعليم وتحديث المؤسسات وبروز وعي جديد في صفوف النخب والفاعلين. إلا أن ذلك لم يكن تحولا نوعيا طبع المشهد الاجتماعي والثقافي في كليته. وعليه فإن المؤشرات الاحصائية تنذر بوجود وضع صعب. فالمنطقة العربية ورغم ثرائها بالموارد الطبيعية و نموها الديمغرافي الشاب لا تزال ترزح تحت طائلة الجهل والتخلف الذي فجّر بدوره آفات اجتماعية أخرى مثل تدني مستوى الدخل الفردي في معظم الدول العربية ووجود فارق كبير في الدخل بين الأقطار العربية في حد ذاتها، خاصة بين بلدان المغرب العربي والخليج. فضلا عن تدني القدرة الشرائية وغلاء الأسعار وتزايد معدلات البطالة وفشل معظم التجارب التنموية وهشاشتها وقد وصفها الباحث التونسي المنصف وناس بكونها مجرد محاولات ترقيع وليست اصلاحات جذرية قائمة على دراسات مدروسة ومما زاد في ترديها حالات الفساد التي تنخر الإدارة العربية والتي تفلت في غالب الأحيان من الرقابة.

فضلا عن هذا وذلك تعانـي المنطقة العربية مـن غياب العدالة الاجتماعية و تهميش دور النخب والإطارات وإقصائها من لعب دور فعال في عملية التنمية. وبالتالي فإن علاقتها مع سلطة القرار السياسي مبنية على التوتر وما ينجر على ذلك من تهميش و اقصاء لها إلى درجة نفيها إلى الخارج أو الزج بها في السجون لتكون مجتمعة قضية بارزة في الساحة الثقافية العربية تحت اسم سجناء الرأي.

2.2    الوضع الاقتصادي: ارتبطت كل اقتصاديات الدول العربية مـنذ وقت مبكّر بالقطاع النفطي ولو بدرجات مـتفاوتة، حيث هناك دول غنية بمواردها النفطية مثل الجزائر وليبيا والسعودية و الامارات وقطر والعراق... أو في الدول الأخرى الأقل انتاجا للنفط وتعتمد على القطاع الفلاحي والسياحي إلى جانب الموارد النفطية مثل المغرب وتونس ومصر واليمن والسودان وسوريا...فالنفط يمثل الشريان الفعلي للاقتصاد العربي أي أن" النفط أصبح محورا للحياة الاقتصادية من خلال الاعتماد المباشر على موارده في الدول المنتجة أو من خلال الاعتماد غير المباشر على تحويلات العاملين في الدول النفطية أو الدعم الاقتصادي والمساعدات والقروض ونتائج السياحة التي تتلقاها الدول العربية غير النفطية من خلال علاقاتها بالدول العربية المنتجة للنفط"[12].

وعلى العموم تتوفر الدول العربية على مقدرات اقتصادية هائلة ولكنها تعاني من سوء الاستخدام والتصرف نتيجة عدة عوامل مثل انعدام الخبرات الوطنية الكافية أو تأخرها تكنولوجيا وعلميا وتفشي ظاهرة الفساد. ولأجل ذلك كله يتميز الوضع الاقتصادي العربي بالهشاشة، خاصة في ظل غياب سوق عربية موحدة أو شركات عربية ذات وزن تكون قادرة على تحقيق القفزة الاقتصادية مثلما هو الحال بالنسبة للشركات الغربية العابرة للقارات. وعليه فإن الاقتصاد العربي وأمام هذه الأوضاع ضل اقتصادا تابعا محكوما بالعامل الخارجي. من ذلك ما نقرؤه في مجلة العربي" وبالرغم من الاتفاقات التي عقدت على مستوى الجامعة العربية ومن خلال لجانها ومؤسساتها الاقتصادية التابعة، فإنه لم يتحقق حتى الآن تعاون اقتصادي عربي يرقى إلى مستوى الطموحات التي طرحت منذ منتصف القرن الحالي. وبعد توقيع اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية فـي عام 1964 مازالت التجارة البينية بين الدول العربية لا تمثل إلا نسـبة متواضعة من حجم التجارة بين الدول العربية وبقية دول العالم".[13]

ومما يمكن استنتاجه من كل ذلك أن الاقتصاد العربي يواجه جملة من التحديات آخذة في التعمق وترك آثارها السلبية في المعيش اليومي للأفراد. وهو ما يتجلى من خلال مؤشرات التنمية في شتى المجالات الحياتية التي تتصل بحياة الأفراد والجماعات وقد توصلت أبحاث المؤتمر السنوى الثانى الموسوم بـ" السوق العربية المشتركة ومستقبل الاقتصاد العربى" إلى تسجيل جملـــــة من النتائج توصلت إليها الأبحاث والدراسات ومنها نذكر:

§   أصبحت التحديات الاقتصادية أحد حقائق الواقع المعاش في الدول العربية في الوقت الراهن، ومن أخطر التحديات التي تؤرق بال كل مهتم بالشأن العربى .

§      هناك أنماط وصور مختلفة للتحديات الاقتصادية التى تواجه لدول العربية .

§      يترتب على تلك التحديات الاقتصادية العديد من الآثار الضارة بمستقبل التنمية العربية .

§      لم يعد العمل الاقتصادى العربى المشترك ضرورة تنموية فحسب وإنما أصبح ضرورة مصيرية، فالواقع والمستقبل للتكتلات الاقتصادية .

§   هناك مسئولية أساسية تقع على عاتق الدول العربية فى المرحلة القادمة ، فإذا ما تحددت عناصر المسئولية العربية فإنه

يمكن أن تسهم الدول العربية فى تشكيل البيئة الاقتصادية الدولية الجديدة .[14]

ولاشك أن قدرة النظام الاقتصادي للدول العربية على مواجهة التحديات الاقتصادية وتحقيق معدل عالٍ من النمو الاقتصادي تعد معياراً للحكم على درجة نجاح النظام أو فشله. وبالتالي يحتاج النظام الاقتصادي العربى لكي يكون نظام ناجحاً وفعالاً أن يسير بخطوات ثابتة وسريعة في طريق مواجهة التحديات الاقتصادية وتحسين معدل النمو.[15]

2.3الواقع السياسي: تتباين أنواع الأنظمة السياسية في الوطن العربي وذلك يعود إلى فعل الاستعمار والبعض الآخر إلى عامل حركات التحرر الوطني. فلئن تمكنت بعض الدول مثل تونس والجزائر ومصر والعراق من الغاء الأنظمة الملكية وتعويضها بالنظام الجمهوري الذي يعطي هامشا كبيرا من الحريات الفردية وسيادة الشعب ولو من الناحية النظرية، فإن دولا أخرى مثل المغرب الأقصى ودول الخليج كافة حافظت على طبيعة الأنظمة الملكية الوراثية.

وما يطبع المشهد السياسي العربي هو كثرة التحولات التي طرأت عليه منذ مرحلة الاستقلال وذلك بالنظر إلى جملة الخصائص التي تمتع بها ومنها التصلّب السياسي واحتكار السلطة. حيث هناك بونا شاسعا بين النظم العربية والشعوب التي استفادت من عملية التعليم و المثاقفة مع الشعوب الأخرى خاصة بفعل موجات الهجرة، مما أكسبها معارف بتجارب الشعوب المجاورة التي سارت أشواطا كبيرة في مجال حقوق الانسان وهامش الحريات وقيم المواطنة. وفي الحقيقة فإن هذا الاستئثار كان منذ وقت مبكر أي منذ مرحلة الاصلاح في القرن 19 على يد جملة من المصلحين مثل خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف ورفاعة رافع الطهطاوي وغيرهم.

من ناحية أخرى اتسم النظام السياسي العربي منذ مرحلة تشكله بعد موجات الاستقلال بالصراع مع النخب السياسية التي استفادت مثلما أسلفنا القول من جملة التحولات. وقلما يكون هذا الصراع سلميا ولكنه في الغالب الأعم يكون دمويا بحكم طبيعة النظام المتصلب. ذلك أن ما مميزه هو الاندماج بين مفهومي الدولية والحزب الحاكم أو الكاريزماتية التي يتمتع بها الحاكم العربي واحتكاره للسلطة والسعي إلى توريثها. حتى أصبحنا نتحدث عن الأسر الحاكمة بدلا من سيادة القانون و إرادة الشعوب التي غالبا ما تزيّف تحت معطى الديمقراطية في انتخابات شكلية ووهمية تتحكم فيها أجهزة الأمن الموالية لخدمة الحكام أو الأحزاب المتنفذة في السلطة.

من ناحية أخرى، فإن كل التجارب السياسية العالمية اتخذت من العالم العربي مصرحا لها لكي تعبّر عن نفوذها وهيمنتها بدءا من الأحزاب القومية واليسارية غير عابئة بخصوصيات شعوب المنطقة. ولا زلنا إلى حد هذه الساعة نشاهد هذه الألوان السياسية التي فشلت حتى في بلدانها الأصلية التي كانت ولا تزال دولا عظمي. ففي تونس على سبيل المثال نجد أحزابا يسارية ماركسية لا تزال تؤمن بالشيوعية والاشتراكية يتعاظم حضورها الاعلامي إلى جانب الأحزاب الاسلامية المتقدمة في الساحة السياسية التونسية وكل ذلك تحت عنوان واحد هو الديمقراطية التي أفرزت وضعا فسيفسائيا في البلدان العربية وخاصة تلك التي تفاقمت فيها موجات الحراك، ليكون الموت أحد روائحها والدماء بعض ألوانها وتعطيل التنمية والركود الاقتصادي أحد نتائج هذا الصراع.

في الحقيقة فإن المشهد السياسي العربي مليء بالتناقضات وضبابية المفاهيم السياسية المستوردة. أي أنها لم تنبع من رحم الشعب وارثه الثقافي وخصوصياته الدينية وطموحاته المستقبلية. فتتشابكت بذلك عديد المفاهيم، أي تلك التي نبعت من مكونات الداخل والوافدة من الخارج من ذلك مثلا مفهوم العلمانية، الرأسمالية، الاشتراكية، اللائكية، الديمقراطية، الدينية... فـ" الأنظمة العربية و خلال تاريخها الطويل أنتجت حياة سياسية صعبة و قاسية على المواطن العربي إمّا لأنّها تواكب العصر و مستجداته، أو لأنّها لم تف بمتطلبات الإنسان العربي في النهضة و العمل العربي المشترك و الوحدة و غير ذلك من أهداف و طموحات. أو أنّ بعضها بقي يمارس السلطة بأسلوب و آليات قديمة، لا تتكافأ مع حقوق الإنسان العربي المتعاظمة، لأنّ تحديات المرحلة أوجبت عليه البحث عن دور له في وطنه و أمته و حتى في العالم".[16]

3.   الحركات الاجتماعية في الوطن العربي: أسبابها وتقييمها

إن مسألة التغير الاجتماعي حتمية تاريخية لازمت الانسانية على مرّ العصور. فهي بالتالي أحد خصائص الحياة الاجتماعية. وهذا التغير هو نتاج تفاعل مكونات المجتمع الحياتية، لتنبت أشكال جديدة من الأنماط والقيم الاجتماعية التي هي دليل التجدد. ومن هنا فإن جملة من العوامل تبرر حدوث الحركات الاجتماعية في العالم العربي، وهي تحولات لا تنفصل عن بعدها التاريخي القطري أو الكوني المتصل بالمجتمع الدولي. و من باب الموضوعية، لا يستقيم تحليل الظاهرة الاجتماعية دون ربطها بالمعطى الدولي خاصة وأن دوره آخذ في التعاظم إلى جانب المجتمع القطري. فماهي بالتالي الخلفيات التي حركت ما يسمى بالثورات العربية؟ ماهي تجليات هذا الحراك وآليات التعبير عنه؟ وكيف يمكن أن نقيمه؟

3. 1   الخلفيات القطاعية للحراك الاجتماعي العربي

أفرز الواقع السياسي العربي بملامحه سالفة الذكر واقعا سياسيا "متعفنا" وصعبا انعكست آثاره على الإنسان[17] العربي. ذلك أن هذه الأنظمة لم تفي بتطلعات الفرد العربي إلى النهضة الشاملة والوحدة التي هي الطموح المشترك بين كل العرب مهما تباينت اتجاهاتهم الفكرية والثقافية والسياسية مع استثناء بسيط لأنصار النزعة القطرية الضيقة أي المناصرين لفكرة الدولة الأمة[18]. أو لكونها أنظمة فاسدة أصلا لم تفلح إلا في الخطب البرّاقة التي ملتها الشعوب..كل هذه العوامل مجتمعة ستكون دافعا للبحث عن أمل شعب ضائع يتوق إلى التنمية والحرية والعدالة والانخراط في منظومة الحياة العصرية القائمة على الفعل والتألق. وذلك لا يكون بطبيعة الحال إلا بتوفر المناخات المشجعة على ذلك.

من الأهمية بمكان أن نشير في مطلع هذا الفصل إلى ملاحظة منهجية ومفاهيمية، تتمثل في الحذر من استخدام مفهوم الثورات ونسبته إلى ما حصل في الساحة العربية. فالتعمّق في تحليل هذا المفهوم يحيلنا إلى جملة من الخصائص الغائبة في المشهد السياسي العربي. إذ أن لكل ثورة قادة ومنظومة ايديولوجية تسير وفقها حتى تصل إلى تنفيذها بعد تقويض أركان النظام السياسي القائم. وعليه نستنج غياب هذه الأركان في كامل الأقطار العربية التي تشهد تحركات جماهيرية شعبية تطالب بالتغيير.

أمام غياب المقومات التقليدية للثورة فإن المطلبية الشعبية هي التي حركت ولا تزال الشارع العربي من أجل تقويض أركان الأنظمة السياسية العربية المتهرّمة والتي قلنا عنها منذ بداية تعريفها في هذا العمل من كونها كاريزماتية تسلطية لا تتصل بقواعدها الشعبية إلا عبر التسلط والاستبداد. ومن هنا وعلى حد تعبير عبد اللطيف الحناشي" فقد كان لتراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال، واستفحالها، منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي، خاصّة بعد ارتباط الاقتصاد التونسي بالرأسمالية المعولمة مع ما أفرزه ذلك من تحوّلات عميقة في المجتمع التونسي المنفتح بطبيعته على التقدّم التقني والقيمي للمجتمعات الأخرى - آثار عميقة في أوضاع كلّ الفئات الاجتماعية، وخاصّة الشباب المتعلم (تصل نسبة التعليم إلى أكثر من 95 %) من خرّيجي الجامعات، في المناطق الداخلية خاصّة، الذي انسدّت أمامه أبواب العمل، وظلّ على هامش الدورة الاقتصادية وقتا طويلا، يعاني التهميش والمرارة والاغتراب في الوقت الذي كانت فئات محدودة تنعم بجميع خيرات البلاد"[19]

إن المكونات القطاعية في العالم العربي لها وقعها على الفاعل العربي الذي هو المواطن العربي بعدما بدأ يكتمل نضجه المعرفي- السياسي الأمر الذي أهله أن يكون جريئا على استخدام فكره خارج دائرة الآخرين مثلما عبّر عن ذلك الفيلسوف كانط الذي يعدّ فكره أحد المنابع الرئيسية للثورات الأوروربية منذ أواخر القرن 17 والقرن 18. وفي هذا الإطار يردّ فؤاد فاطمي فريد عوامل الحركات الاحتجاجية إلى حـالة الانسداد التاريخي و السياسي و تزايد معدل الوعي السياسي[20].

ومما يمكن التوصل إليه مما تم ذكره، هو أن حجم الأزمات التي مسّت المواطن العربي في معيشه اليومي كانت سببا وراء الاصطدام الفجئي والعنيف بين القاعدة الشعبية والقمة الحاكمة. حيث تعمقت ظاهرة البطالة واستفحل الظلم وإرهاب الدولة التي ما فتئت تبتكر أدوات قمع حديثة لإسكات كل تململ شعبي الذي انطلق في الحقيقة منذ العشرية الأولى من ميلاد الأنظمة القُطرية في جسد العالم العربي الإسلامي. وقد سخّرت بعض الدول العربية الغنية بمواردها النفطية قدراتها المادية الهائلة لامتصاص هذا التوتر عبر سياسات ترقيعية الغاية منها المحافظة على بقائها وليس الاصلاح الجذري. وبالتالي فإنه ليس من باب المصادفة أن تنطلق أولى موجات الغضب من بلدان مثل تونس ومصر واليمن التي عجز فيها الأنظمة الحاكمة آنذاك على امتصاص حجم التوترات الاجتماعية التي ضاقت بها السبل في مواجهة أوضاعها الآخذة في التعمق من نوع البطالة التي بلغت نسبها في تونس مثلا وتحديدا من ذوي المســتويات التعليمية العالية 18.4٪ بين 2001 و2007، و تدني القدرة الشرائية واستفحال الجريمـة و الارهاب الذي له علاقة قوية بالفقر و التهميش وتراجع نسبة الاستثمار في التعليم والبحث العلمي الذي كان في الأصل شبه مغيب مقارنة بحجم الأموال التي تنفق في ميزانيات الأمن الداخلي المخصص لحماية هذه الأنظمة.

وعليه فإن ما يدل على وحدة الجسد العربي رغم محاولات الطمس التي تتوخاها الأنظمة الوطنية في احباط مشروع الوحدة الذي أصبح أمرا ملحا أكثر من أي وقت مضى هو تسرّب ما حدث في تونس إلى باقي البلدان العربية وهو ما أكده عزمي بشارة من خلال قوله:" حيث ساد في بداية الثورة التونسية، اعتقادٌ مغلوط بأنّ ما جرى خصوصية تونسية وليس عربية مردّها نزعة تربط تونس بأوروبا وبتطور المجتمع المدني في ذلك البلد. لكن ما جرى في تونس متّصل موضوعيا بالوطن العربي عموما، وأن هناك  نهاية مرحلة في المنطقة كانت قد تمّت وبدأنا مرحلة جديدة من دون استيضاح عناصرها(...) ما جرى في تونس ومصر ودول عربية أخرى، يدلّ على القاسم المشترَك في الوطن العربي بنشوب الثورات، أمّا الاختلاف فيكمن في التفاصيل الثانوية"[21].

3.2   تنامي الوعي الشعبي بفساد الأنظمة العربية: آليات التعبير

تعكس ملامح النظام السياسي العربي في كافة الأقطار العربية حالة الترهّل التي كان عليها منذ نشأته. فهو لئن تمكن من الحفاظ على بقائه طيلة خمسة عقود من الزمن مستخدما طرائقه القمعية تارة وأدواته الديمقراطية المزيفة تارة أخرى. فإنه لم يستطع الصمود في وجه الموجات الشعبية العارمة منذ عام 2010 حتى الآن. وهذا معناه أن ما يجري اليوم في العالم العربي هو نتيجة حتمية لطبيعة تلك الأنظمة التسلطية التي تتميز ببعض الخصائص،أهمّها:""التعدديّة الحزبيّة المحدودة، والتّنافس المحدود على السّلطة، وانغلاق فضاء المشاركة السياسيّة، وشخصنة السّلطة واحتكارها لفائدة فرد أو أقليّة".[22]

إن الواقع السياسي العربي لا ينفي وجود تشكيلات سياسية معارضة بل هي موجودة سـواء فـــي الداخل أو الخارج. وقد اتهم بعضها بكونها مجرد أحزاب كرتونية موالية للأنظمة القائمة الذي منحها تأشيرة نشاطها وفق شروط مسبقة حتى لا تكون له مصدر قلق. وقلما توجد أحزاب ونخب سياسية معارضة بامتياز في العالم العربي. ورغم ذلك كله فإن الانتفاضات الشعبية في إطار ما أطلق عليه البعض "الثورات العربية" أو "الربيع العربي" كان نابعا من عمق التوترات الاجتماعية التي ضاقت ذرعا من سياسيات التهميش و الاقصاء وذلك ما أمكن قراءته من الشعارات المرفوعة. فمواجهة السلطة لم تكن من أول شراراتها بنفس الحدة بل كانت في نسق تصاعدي. ففي تونس مثلا كانت مجرد شعارات مطلبية: التشغيل، العدالة الاجتماعية، نقد هيمنة الحزب الحاكم، مقاومة القمع و الفساد.. إلا أن تعامل الحكومة مع هذه المطالب كان باستخدام نفس الآليات المعهودة وأمام عجزها على الاصلاح الجذري تمادت التيارات الشعبية في التصعيد لتعلن بداية التمرّد والعصيان والتكثيف من الاضرابات والمظاهرات وقد ترافق ذلك مع الدور الوظيفي لوسائل الاعلام الموازي خاصة الهاتف الخلوي ومواقع التواصل الاجتماعي. إذ وبحكم أن وسائل الاعلام الرسمية تهيمن عليها الدولة وبالتالي فهي لا تقوم إلا بتمرير ما تراه متاحا لخدمة أغراضها وتشويه الصورة الحقيقة للوقائع. فقد توجهت كل شرائح المجتمع إلى نقل الخبر والتنسيق بين المجموعات التي تنشط سلميا أو باستخدام العنف الذي يتمثل في مناوشات مع رجال الأمن باستخدام الهاتف ثم فيما بعد تم رفع القيود على اليوتوب والفايسبوك الذي كان يطلق عليه التونسيون 404[23] وهذا الاجراء كان محاولة من النظام التونسي وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة لإنقاذ الوضع عبر التنازلات التي قدّمها والتي قوبلت بالرفض حتى تصاعد المواجهات بين الطرفين ورفع شعار degage، الشعب يطالب باسقاط النظام، كرامة حرية تشغيل يا عصابة الصراق، يسقط حكم الدستور، فضلا عن شعارات أخرى وفي مقدمتها النشيد الرسمي الذي يحمل الكثير من الدلالات "الثورية" وخاصة: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، نموت نموت ويحيا الوطن...

إن أبرز اللآليات التي كانت سببا فعليا في ارباك النظام هي الجرأة التي طبعت احساس الجماهير حيث لم يعد الحديث في السياسة وانتقاد النظام حكرا على النخب، بل أصبح قاسما مشتركا بين كل شرائح المجتمع. وقد ترافق ذلك مع الدور البارز للمدوّنين والنبش في أرشيف النظام القائم الذي بدأ في التهاوي حيث عرضت عديد الوقائع التي تتصل بممارسات النظام على امتداد سنوات حكمه مثل القمع والتعذيب واختلاس الأموال وتكونت تنظيمات شابة تلونت لا بانتمائها السياسي بل بلونها الطبقي للتعبير عن تصوراتها للتغيير وأستحضر في هذا المجال تنظيم B13 الذي ظهر في معتمدية سيدي علي بن عون من ولاية سيدي بوزيد وهم من أبناء الحي الشعبي المعروف في الجهة باسم "الملاجي" وهو متكون من فئات شابة تتراوح أعمارهم بين 10 و 30 سنة وقد تميزوا بضراوة معاركهم مع رجال الأمن.

3.3    من طموح الثورة إلى عنفوان الفوضى والاستبداد الجديد

بمجرد ان تهاوت الأنظمة الحاكمة في كل من تونس وليبيا ومصر واليمن حتى بتنا نشاهد واقعا قطاعيا أبرز سماته الفوضى، العبثية، الارتجالية، العاطفية، انقلاب الموازين، التنكر لعديد المبادئ...حتى بتنا اليوم أمام مفاهيم جديدة لا يمكن فهم معانيها وفك رموزها ومدلولاتها إلا في دراسة مستقلة. من ذلك مثلا الثورة المضادة، صرقة الثورة، الشرعية والانقلاب على الشرعية، افتكاك الثورة، المدّ الاخواني، عودة الاستبداد.

هذه إذا بعض المفاهيم التي تطفو على السطح السياسي العربي أي البلدان التي شهدت انتفاضات. فلقد كنت حريصا منذ بداية هذه المداخلة على تحاشي استخدام مفهوم الثورة كفهوم اجرائي ما عدا ما استقيته من شواهد تحمل هذا المدلول لأنه من باب الغباء المعرفي أن نسقط مفاهيم نظرية على واقع لا يتطابق مع خصوصية المفهوم ودلالاته.

هذا القول يجد مبرراته من خلال قراءة عجلى للواقع العربي بعد 3 سنوات من ميلاد المرحلة السياسية الجدية التي تسمى في تونس بالمرحلة الانتقالية، وحتى نربط ما سبق ذكره بما نحن بصدد التنويه إليه أمكن التذكير ببــعض

المعطيات نوردها في النقاط الاستفهامية التالية:

§   في اعتقادنا فإن انهيار الأنظمة العربية في البلدان التي شهدت موجات الغضب الجماهيري لم يكن بفعل عوامل الداخل فقط التي شرحناها في ركن العوامل القطاعية، بل كان للعامل الخارجي أيضا دورا أساسيا في ذلك. وهذا الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير لتوضيحه، ولأدل على ذلك ما حدث في كل من ليبيا ومن قبلها العراق وما هو بصدد الحدوث في القطر السوري ونفس الأمر في تونس و مصر واليمن إذ أن عديد النقاط لا تزال محيرة وغامضة إلى حد الآن ولا يزال التونسيون مثلا يطرحون الأسئلة التالية: لماذا لم تتمكن قيادات الجيش من ايقاف الرئيس قبل هروبه؟ وفي مصر بأي منطق قانوني تتم تبرئة الرئيس حسني مبارك من جرائمه على امتداد ما يزيد عن 40 سنة من حكمه؟ وعلى العموم من هي الجهات الخارجية القائمة على ذلك ؟ وماهي مصالحها؟

§   ماذا فعلت النخب السياسية التي وصلت إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية؟ صحيح أن هناك هامش كبير من الحريات وخاصة حرية التعبير ولكن ماذا عن التنمية والعدل والتعليم وهي من المقومات الرئيسية لنهوض المجتمع؟ أليس القاضي المستقل الذي كان يحكم منذ الأمس القريب هو نفسه القاضي الذي لا يزال يجلس على كرسي القضاء؟

§      لماذا ترافق قيام النظام السياسي الجديد بحلف الناتو والولايات المتحدة وفرنسا وقطر و الإمارات وأقطاب دولية أخرى؟

§   لماذا كل البحّاث والدارسين بما في ذلك المؤتمرات التي عقدت من أجل مناقشة ودراسة ملف "الربيع العربي" تركّز فقط على الفاعل السياسي وتتناسى الفاعل الاجتماعي، أعني المواطن العربي: فهل أن هذا المواطن الذي استطاع أن يزيح أنظمة استبدادية مؤهل فعلا إلى أداء دوره في النظام السياسي الجديد الذي ساهم بدرجة فاعلة في مولده؟ وهنا يتنزّل السؤال المحوري التالي: من المسؤول عن الفوضى العارمة التي تتخبط فيها هذه البلدان؟ هل فعلا أن المواطن العربي قادر على تحمل مسؤوليته في ظل الدولة الجديدة التي طالما حلم بها؟ و أن يعرف قيـــمة العمل و الانتظام والواجبات المحمولة عليه على نحو ما حدث في ألمانيا وبريطانيا مثلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؟

ولكن الاشكالية في هذه المسألة التي تقتضي التوقف عندها وفك مغاليقها هي: كيف يمكن أن نقيّم مظاهر التغيّر في العالم العربي بعد جملة التحولات التي طرأت عليه؟ على أن ما يجب ذكره هنا هو أن غالبية المتكلمين في هذا الموضوع يصرون على استخدام مفهوم الثورة.

لقد حاولنا جهد استطاعتنا تحليل هذا الفكرة في مقال سابق نشر في مجلة أبحاث ودراسات تحت عنوان الفوضى الخلاّقة: ثنائية الأنا والآخر من خلال إشكالية الإسلام و الديمقراطية.[24] حيث قلنا أن التغيرات التي حصلت في الداخل العربي في جزء كبير منها هي نتاج التدخلات الخارجية وقدمنا عديد التوضيحات إزاء ذلك. فالولايات المتحدة ومن ورائها الدول المتنفذة في الساحة الدولية تستخدم معطى الديمقراطية كسلاح للهيمنة على البلدان الإسلامية وزرع بذور الفتنة والطائفية فيها، أي الفوضى الخلاقة فــ" لقد طورت هذا النهج، وصاغته في نظرية تعامل استراتيجي، تتيح لها أن لا تضطر إلى اللجوء إلى العمل العسكري المباشر إلا مضطرة. خاصة بعد التجربة الفيتنامية، فكانت نظرية الفوضى الخلاقة"[25] ولنا أن نستعيض من المثال العراقي كي ندرك مدلولات هذا التوجه. فباسم الديمقراطية ومقاومة نظام الاستبداد تم تحويل العراق إلى ساحة خراب أشبه ما تكون بحالة الطبيعة التي تحدث عنها هوبز حتى ان بعض الدراسات قدرت عدد القتلى يوميا نتيجة التفجيرات والإرهاب بـ250 قتيل.. وحتى لا نبتعد كثيرا على موضوع بحثنا يطالعنا الواقع العربي ما بعد سقوط الأنظمة الفاسدة التي كانت تحكمه فلا يزيد عن كونه حالة من الفوضى العارمة: عجز اقتصادي، تعطيل تنموي، تفشي الجريمة و الارهاب و الاغتيالات، غياب العدالة، التقاعص عن العمل وانتشار الفضلات والأوساخ وما إلى ذلك من مظاهر السخط التي بتنا نشاهدها بصفة دائمة. حتى أن بلدا مثل تونس تصدّر مرتبة طلائعية في عدد الاضرابات عن العمل في التاريخ البشري أي منذ أول اضراب شهدته البشرية في عهد الفراعنة.وعندما حاولت أن أفهم أسباب ذلك كله من خلال التجربة التونسية باعتباري عايشت كل أطوار الحراك في هذا البلد تبيّن أن الأزمة تكمن في الفهم المغلوط لمفهوم الديمقراطية وهو مفهوم مسقط ومفروض على الحضارة العربية قصد تقويضها من الداخل. وهذا ليس معناه أننا ضد الحريات والعدالة والمساواة وما إلى ذلك من قيم نبيلة بل إن ذلك جزء من ايماننا وعقيدتنا الفكرية. ولكن الخطر يكمن في كون الديمقراطية في حد ذاتها أثبتت قصورها في البلدان الغربية منذ أن فرضت نفسها كعقيدة عالمية على شعوب العالم دون الاكتراث بعديد المسائل المتصلة بالخصوصيات الثقافية للشعوب والتي منها خصوصية الاسلام ولنا أن نستحضر في هذا المقام عام 1990 تاريخ صدور كتاب "نهاية التاريخ والانسان الجديد"[26] والذي تلاه مباشرة سقوط الاتحاد السوفياتي. منذ ذلك التاريخ تستخدم العقيدة الليبرالية مفاهيم الديمقراطية بطريقة عكسية قصد إيهام الشــــعوب و تضليلها. هي التي أفرزت بالنتيجة الفوضى الخلاقة التي تعد واحدة من الخطط قصد السيطرة على العالم وخاصة العالم الاسلامي وزرع بذور الفتنة فيه. وعليه نستنتج وعلى حد قول خالد عبد القادر أحمد:" إن النهج الاستعماري العالمي اقتصاديا وسياسيا بشكل عام، هو المسؤول المباشر وهو سبب الأزمات الاقتصادية والثقافية السياسية التي تسحق المجتمعات النامية"[27]

4.   استشراف خارطة المستقبل العربي: جملة من التصورات والبدائل

4.1  مشروع النهضة العربية وفق ثنائية الأصالة والحداثة:

مثّل موضوع النهضة العربية الشغل الشاغل للنخب منذ مرحلة ما قبل الاستعمار حتى الآن. فجسد الأمة العربية الإسلامية آخذ في التمزّق بين مكوناته في إطار ما يسمى بالدول الوطنية وسياسيات التقوقع في ظل واقع دولي قائم على التحالفات والتكتلات. وإذا ما أردنا أن نقيّم مشروع النهضة في منطقتنا لوجدناه لا يخرج عن قطبي الأصالة والحداثة. سواء بالانتصار إلى احداهما أو بالتوفيق بين القراءتين. ورغم جدية عديد القراءات - التي حدثت في هذا الجانب منذ الأفغاني ومحمد عبده مرورا برواد الاصلاح في القرن 18 حتى رواد المرحلة الاستعمارية وصولا إلى المرحلة الحديثة من أمثال محمد عابد الجابري ومن قبله مالك بن نبي – فإن هذه القراءات ضلّت رهينة إطاراتها النظرية في ظل واقع عربي قائم على الاستسلام لحالة الخنوع والوهن والتأخر في الكثير من المجالات بفعل تخلّف نظمه السياسية والتعليمية و غياب روح المبادرة خاصة في تحقيق مطلب الوحدة و من أسباب ذلك أيضا تأخره المعرفي والعلمي وانتشار شتى مظاهر البؤس الحضاري في مستوى بنيات المجــــتمع أو شخصية الانسان العربي المسكون بالتواكل والعجز و التقاعص... و السبب حسب مالك بن نبي هو عدم تخلصنا من عامل التبعية والاسعمار وهي خلاصة استقاها من النظرية القرآنية" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

وحسبنا أن نشير هنا إلى أهم تلك الرؤى النهضوية و الاصلاحية وهي ثلاثة تياريات متضاربة: الأصالة والحداثة والانتقائية، ذلك ما نقرؤه من خلال موقف محمد عابد الجابري: " مواقف عصرانية تدعو إلى تبني النموذج الغربي المعاصر بوصفه نموذجا للعصر كله، أي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخيا كصيغة حضارية للحاضر والمستقبل، ومواقف سلفية تدعو إلى استعادة النموذج العربي الإسلامي كما كان قبل الانحراف والانحطاط (...)، ومواقف انتقائية تدعو الى الأخذ بأحسن ما في النموذجين معا والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تتوافر لها الأصالة والمعاصرة معا"[28].

فالاتجاه الأول تبنى النموذج الغربي و ونادى إلى تطبيقه برمته في المنطقة العربية باعتباره المنهج الذي أثبت نجاحه وتفوقه في أوروبا منذ القرن 18. ولكن هذا المنحى أثبت فشله الذريع بدليل سقوطه في مأزق الاستلاب الحضاري وطمس معالم الهوية العربية. وهو ما أمكن فهمه من التجربة البورقيبية في تونس التي قال عنها البعض أنها أشد تطرفا من التجربة الأتاتوركية. ويكفي للتأكيد على تهاوي هذه النظرية أن نقارن بين تلك المقولة التي صرّح بها بوريقبة إلى جريدة لوموند الفرنسية[29]-ردا عن أهم إنجازاته " أعتز بثلاث قضايا، أغلقت جامع الزيتونة، وحررت المرأة، وأصدرت قانون الأحوال الشخصية الذي يقطع علاقة الأسرة بالإسلام"- وبين نتائج هذه النظرية. إذ رغم الإقصاء الممنهج للإسلام والسعي قدر الامكان إلى تنميطه وفق رؤية "الزعيم" و"المجاهد الأكبر"[30] إلى درجة تحوّله إلى مفسّر للقرآن وفق رؤيته الخاصة الساخرة حتى من النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه " مجرّد راعي في الصحراء"... ودون الاستطراد في شرح علاقة نخبة التحديث في تونس بالدين الاسلامي فإنه حري بنا في هذا الاتجاه الوقوف على نتائج ذلك. إذ ظل الشعب التونسي رغم محاولات الاستلاب الحضاري باسم التحديث الغربي محافظا على هويته الاسلامية ويسعى حاليا إلى تجذيرها والتصالح معها.

إذا فهذا الاتجاه الأول في التحديث والنهضة مثلما عرّفه برهان غليون هو" بالضرورة نقل نموذج النمو السائد عالميا، أي الغربي " كما يعني حسب اعتقاده " العمل على تقليد الغرب، أي إعادة إنتاج البنى الغربية في الشرق"[31] أثبت فشلة لكونه لم يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع العربي الاسلامي الغني بدوره بعديد المقاصد الحضارية التي تم تناسيها وتعمّد ازاحتها وفي مقدمتها معاني القرآن الكريم ووصية النبي محمدا في خطبة الوداع فضلا عن عديد الدعائم الأخرى في مختلف المجالات ومنها اللغة العربية التي لا تزال لغة أدب وشعر فحسب ولا ترتقي حسب زعم هذا التيار أن تكون لغة العلوم.

أما الاتجاه الثاني أي السلفي المحض فهو لا يزال يصارع من أجل إثبات رؤيته ويرى أن الرقيّ لا يكون إلا من خلال الوفاء للإرث وإعادة تفعيله معتبرا أن الخروج عن هذه الدائرة هو الذي أوصل الأمة إلى حالة الوهن التي يتخبط فيها. ناهيك وأن المقدّس هو محرّك عملية النهضة ولذلك فإن علاقته بالطرح الأول من الاصلاح تكون دائما مبنية على التوتر والتنافر مثلما نقرأ ذلك في الواقع العربي المعيش.

في حين يتأسس الاتجاه الثالث على المراوحة بين الأصالة و الحداثة وفي هذا الاتجاه برزت عديد القراءات في كيفية المراوحة بين الاثنين إلى درجة أن مفكّرا مثل محمد عابد الجابري عدل عن بعض مواقفه بعدما كان منتصرا في البداية إلى تبني النموذج الغربي ليقرّ فيما بعد بضرورة التوفيق بينهما (أي بين الأصالة والحداثة) ولكن ذلك لا يكون إلا من خلال فلك التجربة الغربية وبالتالي يخلق اشكالا جديدا وهو مدى ملائمة ذلك لمتطلبات التغيير في العالم العربي وهذا الموقف عبّر عنه قاسم خضير عباس من خلال قوله: " لهذا فإن (الأسلوب التوفيقي) للدكتور (الجابري) غير قادر على التعبير عن نفسه، إلا من خلال (ثقافة الغرب وفلسفته وتطبيقاته الفكرية)، فـ(الجابري) يعتقد بضرورة تعميق المعرفة لصالح التغيير، لكنه يخطئ في تشخيص نوعية المعرفة، ونوعية التغيير المطلوب، ونوعية الأساليب والآليات المؤدية إلى هذا التغيير".[32]

إذا ما تفحصنا كل هذه المعطيات، نلاحظ أن الفكر النهضوي العربي ما زال في طور التخبّط وبالتالي التعثّر، والسبب الرئيسي في اعتقادنا هو السياسات القُطرية التي ساهم الاستعمار بشكل عميق في بنائها قصد تعميق الهوّة بين مكونات الجسد الواحد الذي يأب الالتــحام. و مما زاد الوضع تعقيدا هو غياب مراكز بحثية متطورة منهجا ومضمونا لا تنفصل في عملها عن النخب السياسية الحاكمة. ولئن كان هذا الطرح ممكنا من الناحية النظرية فإنه شبه مستحيل في ضوء الحالة السياسية الراهــنة أو السالفة للعالم العربي خاصة مع تدخّل عنصر جديد اسمه الفوضى الخلاقة التي غذاها الاستعمار بالتضاد بين الاتجاهات السابقة. و النتيجة كما نرى الصراع الدموي الذي يدور بين أحزاب وطوائف وعرقيات واتجاهات فكرية متعددة داخل البلدان العربية: ذلك هو حال الربيع العربي كما نقرؤه في التصور العربي !!

فما هي بالتالي سبل تحقيق النهضة العربية الفعلية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التغيرات الطارئة عليه في اطار ما يسميه البعض بالثورات العربية؟

4.2    رهانات الثورة الحقيقية: القيم الجديدة الضامنة لنهضة الأمة العربية

لقد استبشرت مثل أي تونسي يشاهد سقوط نظام استبدادي طالما جثم على صدور التونسيين ودمّر آمالهم، و عمل على تحطيم الذات التونسية وكمّم الأفواه و عمّم الفساد وعطّل التنمية، نظام مثله مثل أي نظام عربي قائم على المتضادات: فهو جمهوري ولكنه في الأصل استبدادي، قائم على العدل في حين أن الاستبداد والظلم والفساد أحد سماته الرئيسية، نظام يتباهى بميلاد أول دستور في العالم العربي في الوقت الذي يدوس فيه نظام بورقيبة وبن علي كل الحقوق الواردة فيه... ولكن سرعان ما تبدّد هذا الإحساس بعدما بتنا نشاهد نتائج هذا الحراك السياسي والنتائج التي آل إليها الوضع وهو نفس الأمر الذي نلحظه في كافة

الأقطار العربية التي تهاوت فيها أنظمة الفساد والاستبداد.

إننا لا نروم هنا تحليل المشهد السياسي العربي الراهن بقدر ما نودّ استنباط بعض الملاحظات ذات الصلة بمشروع النهضة، باعتبارها حاجة ماسة للمنطقة. و لسنا معنيين هنا بتحليل هل من الممكن تحقيق النهضة العربية الحقيقية بمعزل عن مشروع الوحدة، بل فقط نحاول التلميح إلى بعض الاستنتاجات من خلال ما آل إليه الوضع القائم. و لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نشير إلى معوّقات النهضة التي حالت دون نجاح هذه الثورات في منطقة ما اصطلح عليه بالربيع العربي وهي في اعتقادنا وفق الآتي:

§   غياب الارادة السياسية المستقلة التي تنأى بنفسها عن التدخلات الخارجية الأمر الذي جعل من البلدان التي شهدت تغيرات جذرية انتهت إلى تقويض أركان أنظمتها مسرحا للتدخل الأجنبي بما في ذلك شبكات المـــافية و التنظيمات الارهابية العابرة للقارات التي استغلت معطى الديمقراطية وتحديدا هامش الحريات و ضعف الأمن حتى تنشط.

§   التوظيف السطحي والارتجالي لمفهوم الديمقراطية مما أفرز واقعا تغلب عليه الفوضى والعنف وانتهاك سيادة القانون و الانقلاب الفجئي على الشرعية باسم مفاهيم مزيفة ومصطنعة عن الديمقراطية( المثال التونسي والمصري)

§   غياب الشخصية العربية القاعدية التي لها رؤية واضحة لمشروع النهضة، الأمر الذي أفرز شخصية متذبذبة وغير قادرة على بناء تصوّر مشترك لبناء دولة ما بعد الثورة بنفس القيم التي قامت من أجلها الثورة. وهذا ما نقرؤه من خلال المواقف المرتجلة للأفراد والمتناقضة في أحيان كثيرة في كل ما تعلّق بالحدث مهما كان نوعه خاصة أمام هامش الحرية الكبير الذي مكنهم من التعبير الحر.

§   تفشي ظاهرة المليشيات المسلحة والجريمة المنضمة والاستخدام الكثيف للسلاح الذي أصبح يجوب المنطقة دون القدرة على السيطرة على هذه الظواهر.

§   تعمّق ظاهرة الفساد والرشوة والوساطة والانحدار القيمي وهي ظواهر كان يفترض أن تختفي في دول زعمت أنها حققت ثورات على نفس هذه الظواهر.

بهذا نفهم ارتداد الطموح الثوري في المنطقة العربية التي تحولت إلى ساحة فوضى وصراع ومن ثمّة صعوبة إيجاد حل توفيقي و حلّ نهضوي جذري ينقذها من حالة التيه. وحتى لا يكون موقفنا مجرد تخمينات فكرية فإننا سنحاول الانطلاق من المشهد العربي وما آل إليه من تدهور أسوأ مما كان عليه في بعض الجوانب لنستخلص أهم العبر التي يمكن أن تكون شرطا أساسيا للنهضة ومنها:

§   صياغة مفهوم جديد للإنسان العربي بعيدا عن سياسات التواكل، فالإنسان العربي لا يزال يجهل جملة من القيم مثل تكبير العمل و إتقانه والتفاني فيه واحترام الأخلاق العامة وفي مقدمتها الانضباط والنظافة.

§   إصلاح المنظومة التربوية لتستجيب لمتطلبات المرحلة الجديدة وفي مقدمتها تعريب العلوم و الترفيع في ميزانيات البحث العلمي حتى لا يبق في حدود محتشمة أي 2% وهي النسبة التقريبة لميزانية البحث العلمي في سائر الأقطار العربية.

§   التركيز على البحث العلمي خاصة وأن العقل العربي قادر على الابداع والابتكار على أن يكون ذلك وفق الأفق العربي وليس القطري حتى لا تعاد التجربة الجزائرية[33] التي نجحت بحكم صلابة طموح الارادة السياسية في الجزائر وفشلت بسبب النزعة القُطرية للكيانات العربية التي حكمت عليها بالفشل.

§   إصلاح الجهاز القضائي وتحييده كليا عن التجاذبات السياسية والقضاء على كل بؤر الفساد التي تنخره وهنا يمكن أن نستلهم من تراثنا عديد العبر ويكفي أن نذكّر برسالة عمر بن الخطاب في القضاء حتى ندرك معاني القضاء النزيه.

§      احترام القانون وبالتالي القضاء على كل أشكال الوساطة والتباهي بالمناصب وإعادة مراجعة مفهوم الحصانة التي يتخفى وراءها عديد المفسدين.

§      تخليص الدين الإسلامي الحنيف من القراءات التشويهية وذلك بسبب غياب مراكز بحثية تترجم القرآن الإسلامي والسنة إلى متطلبات النهضة علما وأن ديننا فيه كل الشروط الجوهرية لنهضتنا.

§   بناء برامج تنموية مدروسة في إطار رؤية عربية موحدة تسخّر فيها كل الإمكانيات العلمية و المادية والخبرات وذلك لا يكون إلا وفق مشروع تنموي عربي موحد" فالوحدة أساس التنمية، تجعلنا نواجه الآخر بقوة موحدين غير مجزئين، أقوياء بدلا من ضـــــعفاء أو نستكمل شروط وجودنا وعناصر تكاملنا من خلال توحدنا"[34]

§   جعل مفهوم الوحدة العربية مشروعا واقعيا تفرضه ضرورة البقاء أكثر منه شعارا سياسيا يلتف عليه جناح سياسي دون آخر والعمل على إيجاد صيغة اتفاق لتجاوز التناقضات الداخلية التي من شأنها أن تعيقه وذلك لا يكون في اعتقادنا إلا بتوفّر الشروط السابقة.

خاتـمة:

لا يمكن للفعل الإنساني ناظرا ومنظورا إليه سوى أن يكون نتيجة حتمية لتفاعل مكونات المجتمع المتداخلة في منظوماتها والمعقدة في بنياتها، وعلى اعتبار أن هذا التفاعل ينتج عديد الظواهر التي تبق بحاجة إلى قراءات تدرسها، فإن المجتمع برمته ساحة هذا التفاعل يحتاج إلى علم يعنى بتشريحه.

إن هذا التلميح هو إشارة إلى ضرورة تأسيس علم اجتماع عربي يلائم بين الكونية والخصوصية قصد تحقيق قراءات

موضوعية قادرة على فهم الحراك الاجتماعي وفكّ ملابساته، ومن ثمّة نكون قد حقّقنا شرطا من شروط النهضة العربية في سلّم المعرفة. فعملية الاجترار لما أنتجته الأمم الأخرى من معارف تنسجم مع بيئتها لا يمكن أن يساهم في فهم خصوصيات الواقع العربي الذي يختلف جذريا عن المجتمعات الغربية. على أن ذلك لا ينفي من الناحية المبدئية عملية التواصل معها والاستفادة من خبراتها شريطة توفّر عنصر الإبداع والتجديد أي ما يوافق واقعنا. ومن هنا فإنه من الأهمية بمكان أن نؤسس لعلم اجتماع عربي وتقديم قراءات سوسيولوجية قادرة على دراسة واقعنا المتغير خاصة في الفترة الراهنة التي تقتضي منا مزيدا من اليقظة والمسؤولية.

وما إن لم تتحقّق هذه النقلة النوعية في الفكر السوسيولوجي العربي، فإن الفاعل العربي سيضل سابحا في وهم الحداثة دون أن يدركها، وفي أحلام الديمقراطية دون أن يحذقها، وغارقا في فوضى سلوكية و قيميّة دون أن يقدر على التخلًص منها بحكم فساد المنظومة التي تفرز بنى فاسدة وبالتالي جيل متأخر. وأن نقول فساد المنظومة فذلك هو مدار التساؤل، إذ أن المنظومة - سواء كانت دينية أو سياسية وهما السمتان الغالبتين في المجتمع العربي - هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن هذا الانحدار القيمي والمعرفي الذي لا زلنا نتخبط فيه. و عليه فإن مشروع قيام علم اجتماع عربي يضل هو الآخر مرهون بمدى جرأة الإرادة السياسية في العالم العربي.

المصادر و المراجع:

1. المنصف وناس، الدولة و المسألة الثقافية في تونس، دار الميثاق للطباعة والنشر و التوزيع، تونس 1988.

2. المتغيرات الاقتصادية.. كيف يمكن أن تؤثر في المستقبل العربي؟، مجلة العربي، العدد 445، الكويت، ديسمبر 1995.

3. صندوق النقد العربى، مؤشرات عامة عن الدول العربية خلال عام 2007 ، التقرير الاقتصادي العربى الموحد، عدد 28، سبتمبر 2008.

4.   سعيد الحسين عبدولي، المدرسة والمستقبل في تصورات تلامذة بيئة ريفية: سيدي علي بن عون مثالا، أطروحة الدراسات المعمقة، كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية، قسم علم الاجتماع، تونس، 2006.

5.   سعيد الحسين عبدولي، الفوضى الخلاّقة: ثنائية الأنا والآخر من خلال إشكالية الإسلام و الديمقراطية، مجلة دراسات و أبحاث( مجلة دولية علمية محكم) ، جامعة الجلفة، الجزائر، العدد 10، مارس 2013.

6.   بودون ريمون وفرانسوا بوريكو، المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ترجمة سليم حداد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986.

7.   خالد عبد القادر أحمد، كيف يجري تنفيذ نظرية الفوضى الخلاقة، دنيا الوطن، تاريخ النشر، 5-2-2011.

8.    فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الإنماء القومي، مجموعة مترجمين، بيروت، 1993.

9.    فؤاد حيدر، التنمية والتخلف فى العالم العربى ( طروحات تنموية للتخلف) ، بيروت، دار الفكر العربى، 1990.

10.    فؤاد فاطمي فريد، التغير الاجتماعي في الوطن العربي بين السياسة و العنف، مجلة العلوم الإجتماعية، 05-04-2012.

11.    محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1990.

12.  مؤتمر "الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي: من خلال الثورة التونسية"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 19-21 أفريل 2011، الدوحة.

13.    مالك بن نبيّ، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، سورية، 1986.

14.    قاسم خضير عباس، ملاحظات فكرية في شروط النهضة، صحيفة المثقف، العدد2262،الخميس 01 / 11 / 2012. 



[1] المنصف وناس، الدولة و المسألة الثقافية في تونس، دار الميثاق للطباعة والنشر و التوزيع، تونس 1988.

[2]راجع في هذا الشأن:

مالك بن نبيّ، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، سورية، 1986، ص 28 وما بعدها.

[3]مالك بن نبيّ، شروط النهضة، ترجمةعبد الصبور شاهين، دار الفكر، سورية، 1986، ص 48

[4]صندوق النقد العربى، مؤشرات عامة عن الدول العربية خلال عام 2007 ، التقرير الاقتصادى العربى الموحد، عدد 28، سبتمبر 2008.

[5]فؤاد حيدر، التنمية والتخلف فى العالم العربى ( طروحات تنموية للتخلف) ، بيروت، دار الفكر العربى، 1990، ص5.

[6] سعيد الحسين عبدولي، المدرسة والمستقبل في تصـورات تلامذة بيئة ريفية: سيدي علي بن عون مثالا، أطروحة الدراسات المعمقة، كـية العلوم الانانية و الاجتماعية، قسم علم الاجتماع، تونس، 2006، ص 18.

[7]بودون ريمون وفرانسوا بوريكو، المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ت: سليم حداد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986.

[8]Bourricaud) F (, Changement Social, Vol 4, p148.

[9] الفاروق زكي يونس، الفاروق زكي يونس، الخدمة الاجتماعية و التغير الاجتماعي، الطبعة الثانية 1978، عالم الكتب، القاهرة، ص336.

[10]Perlot Marcel, Institutions Scolaires et Transformations Sociales : leurs rapport depuis 150 ans, page 377.

[11]محمد دكير، نقلا عن مؤتمر "التحولات العالمية ومستقبل الوطن العربي في القرن الحادي والعشرين"، مجلة الكلمة العدد 27، السنة السابعة، ربيع 2000.

[12] المتغيرات الاقتصادية.. كيف يمكن أن تؤثر في المستقبل العربي؟، مجلة العربي، العدد 445، الكويت، ديسمبر 1995.

[13] نفس المرجع.

[14] فؤاد راشد عبده، الإصلاحات الاقتصادية فى البلدان العربية ودورها المرتقب فى التمهيد لقيام السوق العربية المشتركة ، فى د. محمد إبراهيم منصور، أبحاث المؤتمر السنوى الثانى " السوق العربية المشتركة ومستقبل الاقتصاد العربى "، مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط: 25-27 نوفمبر 1997، مركز دراسات المستقبل ، جامعة أسيوط، أسيوط، 1998، ص ص 217 – 218.

[15] نفسه.

[16]فؤاد فاطمي فريد، التغير الاجتماعي في الوطن العربي بين السياسة و العنف، مجلة العلوم الإجتماعية، 05-04-2012، www.swmsa.net

[17] نقول الانسان تحاشيا لاستخدام مفهوم المواطن لأن هذا المفهوم مغيب في الأنظمة العربية بدلالته المعروفة فالمواطن هو كل فرد ينتمي إلى دائرة ترابية محددة يتمتع ضمنها بجملة من الحقوق ويقوم بعدة واجبات، والمشهد السياسي العربي لا يعكس هذا المفهوم للإنسان العربي الذي كان ولا يزال يصارع من اجل هذه القيم مثل حرية الفكر والتعبير وحقوق الانسان في كافة أبعادها ومنها مراعاة حرمته الجسدية والمشاركة في الحياة السياسية.

[18] راجع في هذا الشأن:

المنصف وناس، الدولة والمسألة الثفافية في تونس، المرجع السابق.

[19] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مؤتمر "الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي: من خلال الثورة التونسية"، مداخلة عبد اللطيف الحناشي،19-21 أفريل 2011، الدوحة.

[20]فؤاد فاطمي فريد، التغير الاجتماعي في الوطن العربي بين السياسة و العنف، مجلة العلوم الإجتماعية، 05-04-2012.

[21]عزمي بشارة، مداخلة "العربي والتونسي في الثورة التونسية"، مؤتمر "الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي: من خلال الثورة التونسية"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 19-21 أفريل 2011، الدوحة.

[22] لطفي طرشونة، مداخلة "منظومة الحكم التسلطي والانحراف الاستبدادي"، نفس المؤتمر.

[23] تعمد النظام التونسي قبل سقوطه فرض رقابة صارمة على وسائل الاعلام فأي موقع على الشبكة المعلوماتية يحتوي أخبارا ومعطيات تنتقده أو يراها مصدر قلق يعمل على تشفيرها إذ بمجرد البحث عنه تخرج العبارة التالية: 404 not found

[24]سعيد الحسين عبدولي، الفوضى الخلاّقة: ثنائية الأنا والآخـر من خلال إشكالية الإسلام و الديمقراطية، مجلة دراسات و أبحاث( مجلة دولية علمية محكم) ، جامعة الجلفة، الجزائر، العدد 10، مارس 2013.

[25]خالد عبد القادر أحمد، كيف يجري تنفيذ نظرية الفوضى الخلاقة، دنيا الوطن، تاريخ النشر، 5-2-2011.

[26] فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الإنماء القومي، مجموعة مترجمين، بيروت، 1993.

[27]خالد عبد القادر أحمد، كيف يجري تنفيذ نظرية الفوضى الخلاقة، دنيا الوطن، تاريخ النشر، 5-2-2011

[28]محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1990، ص 16

[29] Le Monde, 21 mars, 1976.

[30]هذه من التسميات التي كان يطلقها بورقيبة على نفسه

[31]برهان غليون، مجتمع النخبة، دار البراق للنّشر، ص 122- 123.

[32] قاسم خضير عباس، ملاحظات فكرية في شروط النهضة، صحيفة المثقف، العدد2262،الخميس 01 / 11 / 2012.

[33] أقصد مشروع الصناعات الثقيلة التي بادرت بها الجزائر.

[34]Michael C. Hudson, ‘’Democracy and Foreign Policy in the Arab world’’, David Garnham and Mark Tessler [eds], Middle East, Indiana Series in Arab and Islamic studies, 1995, pp.197-206.