صورة الغزل في الشعر الجزائري                  pdf

عبد الله بن كريو  و المختار بن صديق عينة

د. أحمد قيطون

قسم اللغة والأدب العربي

جامعة ورقلة

يعد الأدب الشعبي جزءا هاما من التراث الشعبي، فهو يتضمن أشكالا مختلفة، و الشعر الشعبي واحد منها، فهو المعبر عن واقع الشعوب مصورا آلامهم و آمالهم.

   إلا أن الدارسين لهذا الشكل قد اختلفوا في كتاباتهم حول التسمية التي يمكن أن يطلقوها على هذا النوع من التعبير الشعبي. إذ تباينت مصطلحاته من شعر شعبي إلى ملحون إلى زجل إلى شعر عامي ، ولقد حاول أهل الاختصاص توضيح هذه الحدود توضيحا يعتمد فيه كل فريق على مجموعة من الآراء و الحجج التي دفعت به للأخذ بإحدى التسميات دون الأخرى .

فنجد الدكتور حسين نصار يعرف الأدب الشعبي بأنه " الأدب المجهول المؤلف العامي اللغة المتوارث جيلا بعد جيل بالرواية الشفوية".  ومن هنا التصقت كلمة الشعبي بالأشكال المنبثقة عن هذا الأدب ومنها الشعر لزاما.

  إلا أن محمد المرزوقي يحيد عن كلمة الشعبي ويسمي هذا الشعر الملحون محتجا لذلك بان الشعر الملحون أعم من الشعبي ، لأنه يشمل كل شعر منظوم بالعامية سواء كان معروف المؤلف أو مجهوله ، إذن فهو ينظر لهذا الشعر من زاوية اللغة المكسرة أو الملحونة .

   كذلك عبد الله الركيبي نجده يتبنى نفس المصطلح أي ( الملحون ) ويعود تبنيه لهذا المصطلح إلى اعتماده على الأشعار  الدينية التي قيلت بلغة فصيحة خالية من الإعراب و أصحابها معروفون ، فالركيبي فضل مصطلح الملحون بدل (الشعبي ) لان هذه الكلمة الأخيرة لاتملك مفهوما واضحا لدى الدارسين ،  ( فهي محل خلاف فيما بينهم ) . فالملحون عنده من لحن أي مخالفة الإعراب و القواعد اللغوية. 

أما عن رفضه تسمية هذا الشعر بالعامي فمرد ذلك أنها قد توحي بان قائلها "أمي" وقد توحي أيضا بان المتلقي من الأميين و بان هذا الشعر لاصلة له بالفصحى من قريب أو بعيد . كما يرى أن تسمية الشعر الشعبي استخدمها كثير من الدارسين الغربيين ليفرقوا بين هذا الشعر وبين الشعر الفصيح.

   أما الباحث المغربي عباس الجراري فإننا نجده يتبنى مصطلح " الزجل" وقد رفض عبد الله الركيبي هذه التسمية لان الزجل تقليد للموشح إلا انه يكتب بلهجة العوام وهذا لاينطبق على الشعر الجزائري الملحون لأنه مزيج من الفصحى و العامية .

   ويرجع الباحث الجزائري الدكتور التلي بن الشيخ سبب اختلاف الدارسين حول تسميات الشعر إلى عدم تحديد هؤلاء لمفهوم الشعبية في الأدب ، كما يرى أيضا أن كلمة ملحون لايمكن أن نقتصرها على الشعر فحسب فاللحن يشمل كل أنواع التعبير الشعبي ، كما انه يوضح مسألة هامة و هي أن هذا النوع من التعبير الشعبي ( الشعر) يحتاج إلى دراسة ميدانية عميقة حتى نستطيع إطلاق مصطلح عام موحد يشمل كامل القطر العربي .

وعليه فإن الشعبية عند التلي بن الشيخ تتحدد انطلاقا من النص الذي يعبر عن هموم و مشاكل الطبقات الشعبية بغض النظر عن معرفة صاحبه أو جهله وسواء أكان موغلا في القدم أو حديثا .

   وفي النهاية نجده يتبنى تسمية الشعر الشعبي لأنها كما قال تتطابق مع مفهوم الطبقات الشعبية لهذا اللون من التعبير أكثر من غيره من المصطلحات الأخرى مثل الملحون و العامي و الزجل، انطلاقا من رؤيته بان معرفة الشاعر لاتنفي الشعبية .

   أما الباحث الجزائري العربي دحو فيعتقد أثناء مناقشته للآراء التي حدد فيها أصحابها معاني المصطلحات انه من المهم إشراك الشاعر الشعبي كطرف أساسي في عملية وضع المصطلحات و تحديد مفاهيمها ، إذ المصطلح يبقى اجتهاد من طرف الباحث ، إذا لم يعتمد على النصوص الشعرية. 

وبخصوص توحيد المصطلح في كامل الأقطار العربية فهو يرى أن دراساتنا الأدبية و الفكرية ما تزال حبيسة الإقليمية الضيقة... فكيف يمكن ذلك في الدراسات الشعبية التي نجد في خصائصها الأصلية الإقليمية .

  لكن يبقى اقتراح عباس الجراري ممكنا إن قام الباحثون باستقصاء جميع النصوص في كل قطر عربي و بالتالي الخروج بمصطلح موحد .

  وان كنا نميل إلى رأي التلي بن الشيخ في أن المصطلح لابد أن يتحقق انطلاقا من النصوص و على الشاعر أن يكون طرفا أساسيا في تحديد المصطلح ،وان تبني كل مصطلح من المصطلحات السابقة الذكر كان بالاعتماد إما على الشكل ويشمل مصطلح الملحون و العامي و الزجل ، و إما على المضمون الذي يعبر عن واقع الشعب ويمثله مصطلح " الشعبي (&)

إذن ليس غريبا والشعر الشعبي مرآة صادقة تنعكس عليها مشاعر الجماهير الشعبية أن يتعرض هذا الشعر لجميع الأغراض الشعرية التي نظم فيها الفصيح، فقد تكلم عن المرأة وجمالها، وتفنن في إبراز مفاتنها، ووصف الطبيعة والكون وصفا رائعا ينم عن سلامة الذوق والشعور بالجمال، وعبر عن الأحداث الاجتماعية، كما تناول المدائح الدينية كاشفا خالص حبه للرسولـ راجيا منه الشفاعة يوم القيامة. إذ يقول محمد المرزوقي في هذا المعنى " أغراض الشعر الشعبي كثيرة جدا ولها أسماء خاصة في اصطلاح أرباب هذا الفن، فقد نظم شعراء الملحون في جميع الأغراض التي نظم فيها الفصيح وجروا في نفس المنهج واتخذوا نفس الأسلوب في جميع الأغراض القديمة المعروفة"(1)            

ويؤكد التلي بن الشيخ هذه الفكرة قائلا " وما من شك أن الشعر الشعبي الجزائري يمثل صورة من صور التقليد للشعر العربي في كل الأغراض الشعرية" (2).

لذا سنحاول في هذا الدراسة - انطلاقا من النص  الذي وجدناه مدونا في مجلة آمال والتي خصصت هذا العدد للشعر الملحون> -  أن نتناول الأغراض الشعرية التي تطرق إليها شاعرين شعبيين أحدهما من القدامى والآخر من المعاصرين .

وأول غرض نتطرق إليه هو غرض الغزل، الذي يعد من أكثر الفنون إيحاء للشعراء، فقد فتح قلوبهم وعيونهم وأطلق مواهبهم وقرائحهم وأخصب ذهنهم وخيالهم، ونظروا إلى المرأة بحسهم مفتونين بجمالها، فرسموا لها لوحة واضحة الملامح، زاهية الألوان، إذ يمثل الحديث عن المرأة في الشعر الشعبي كما قال التلي بن الشيخ " غرضا من أوسع أغراض الشعر وأكثرها تداولا بين الشعراء، وأبعدها أثرا في حياة الطبقة الاجتماعية، فالشعراء الذين نالوا شهرة واسعة بين الناس إنما خلدوا بالشعر الذي عبر عن وجدانهم وعواطفهم نحو الــمرأة، وقــد لا يعرف بالشاعر الناشئ ما لم يقل شعرا جيدا في هذا الموضوع"(1).

ومن الطبيعي أن تحظى المرأة باهتمام الشاعر الشعبي باعتباره إنسانا له عواطف. " فللغزليات مكانها المرموق عند شعراء الملحون، وفيها يعرف فضل الشاعر على غيره، فهذا الباب يشترك فيه الجميع وينظم فيه كل من هب ودب، وطريقتهم في هذا الباب متحدة الأسلوب والاتجاه بحيث لا تستطيع أن تفرق بين شاعر وشاعر، إلا بما امتاز به كل واحد في التعبير"(2).

والغزل كما يقول " زكي مبارك " " يرجع إلى أصلين اثنين: الأول : وصف ما يلاقي المحبوب من عنت الحب، ويدخل في ذلك كل ما يبهج الوجد، ويثير الدمع، كحديث الفراق، والعتاب، والذكرى والحنين. الثاني : وصف ما يرى الشعراء في أحبابهم من روعة الحسن ويدخل في ذلك كل ما تتمتع به النفس والعين من جمال الأبدان والأرواح، كوصف العيون والخدود، والثغور والصدور، كالحديث عن الرفق والوفاء والعفات"(3).

وقد نظم الشاعر الجزائري في هذين البابين قصائد متنوعة. إذ نجده أحيانا يصف المرأة من خلال حفلة زفاف ، إذ المعروف في هذه المناسبات  أن النساء يلبسن أجمل ما عندهن ويحاولن إبداء زينتهن. وهو ما يجعل الشاعر يفتتن بهن واصفا حيرته لهذا الجمال المتنوع، ومركزا على الجانب الخارجي للمرأة معتمدا على حاسة البصر وهو بذلك متأثر بالشعراء الجاهليين، إذ يقول الشاعر المختار بن صديق وهو من شعراء الجنوب الغربي  واصفا اللباس المرتدي أثناء  الحفلة :

هلكوني كي شتهم واكثر خوفي 

 

حسيت أبروحي أمعدم ذو ليام

أنظرت لوحده ألي نقوله ما يكفي

 

فيها زين الهند فيها زين الشام

واختارت ألباس وبغاتو وافــي

 

ومن العنق حتى أنجر مع لقدام

مفـتوح على جيهتين في لطراف

 

وبـان السـاق كي تقيسه القدام

نطلب ربي ونرفع أكــفـوفي

 

يـبـليها كـيما بلاني بالتخمام

        

ونجده في نص آخر يحاول أن يحافظ على تراث بلدته وعاداتهم وتقــاليــدهم إذ نراه يعتز  بتلك الرقصة البدويــة التي تـرقــصها المرأة بدلا من الرقصات الغربية المعروفة  وإن كانت منطقة الشاعر تهتم بهذا النوع من الــرقص وهــو رقــصة "العلاوي" المعروفة عند قبيلة " أولاد نهار" ورقصة " الهداوي" وتعرف كذلك برقصة "الصف " إذ يقام صفين سواء من الرجال أو النساء متقابلين وعلى أنغام الدف الذي ينتج إيقاعا يرقص له الصفان، وهنا نتخيل المشهد الرائع لهذه اللوحة التي رسمها الشاعر بحيث نجده يقول:

ماهي شي رقصه أصلو أتجي نعسانا

 

ماهي شي رقصه أدجارك فيها حس

ماهي شي رقصـه أتويست قلقانا

 

هداويـا يالعقـل مـــتـربص

رقصه عربيه تــربـات أمـعانا

 

وتهـلك الـجميع من يعرف يجلس

 فهذه الأبيات هي وثيقة يستخدمها الأنثروبولوجي والفولكلوري لدراسة العادات والتقاليد الموجودة في منطقة الشاعر، من التأريخ للرقص وطريقته إلى محاولة الحفاظ على هذا التراث من التغريب .     

        

وما يميز شعر عبد الله بن كريو في هذا اللون من الشعر أنه لا يختلف تصوره وممارسته عن تصور الشعراء الشعبيين للمرأة، فهو يستخدم نفس الأسلوب الذي يتكرر لدى جل الشعراء، فالحبيبة دوما تسكن بعيدة عن الحبيب، والشاعر مضطر أن يرسل إليها رسولا يبلغها لوعته وحرقته، ثم يأتيه بالأخبار، والملاحظ أن الرسول قد يكون إنسانا وقد يكون فرخ حمام، وهذه طريقة مألوفة في الشعر الشعبي حتى في عصر السيارة والطائرة والهاتف، إذ نجده يقول

يا مرسولي سر بجوابي واديه       يمكن بيد الظريف وعنــالي

ياهات اخبار الخير لنا كن انبيه     والمراه اللى بيننا وريهــالي

سال على محبوب قلبي سال عليه  سال عليها سال شطانة حـالي

قل لها وعلاه محبوبك تنسيه        غيظانه شكيت ما كيش تسالي

قدا ش ان مرسول لي شقيتيه  كرهوك الحساد بغضه على جالي(8)

يحاول الشاعر عبد الله بن كريو في هذا المقطع رسم ملامح العلاقة العاطفية التي بدات تنهار لأسباب يراها الشاعر لا منطقية، هذا الرسم نجده غالبا على نصوص الغزل وكأن الحالات متشابهة مابين القديم والجديد " فالطريقة تتكرر في شعر الغزل باستمرار ، صورة المرأة التي تسكن بعيدا عن الحبيب ، وارسال الرسل والرسائل بصورة تتشابه في أسلوبها ومعانيها بل حتى الألفاظ تكاد تكون قوالب جاهزة ، مثل اللوعة والبلوى ، والمحنة ..... والريم والزايخة ، والالحاح على المرسول في أن يكون حذرا حتى لا يكتشف أمره"(9) 

هذه الحالة نجدها متجلية في نص لشاعر شعبي معاصر لا يزال على قيد الحياة وانا أكتب هذه المحاولة في الاقتراب من عالم المرأة وكيف كان يتصورها الشاعر قديما وحديثا ، فالمختار بن صديق شاعر من تلمسان من طينة الشعراء الكبار الذين انجبتهم هذه المدينة او انتسبوا اليها كابن سهلة والتريكي والمنداسي وغيرهم

فنجده في نص من النصوص يرسم صورة جواب وصله من حبيبته عن طريق رسول فيبتهج  ويظن أن الجواب هو موعد للقاء، إلا أن آماله سرعان ما تخيب عندما يقرأ هذا الجواب، فيجد فيه عتابا ولوما ودعوة للانفصال فيستغرب من هذه الحالة التي آلت إليها العلاقة بين الحبيبة فيقرر أن يرد إليها بجواب- رسالة- مكتوب، والملاحظ أن الحبيبة تعرف القراءة والكتابة عكس بعض الشعراء الذين كانوا يرسلون رسائل شفوية إلى حبيباتهم، والجواب هو عبارة عن عتاب لهذه الحبيبة بسبب نكران الجميل والخيانة ويتناص فيها مع جملة من القصص العربية والغربية في مجال العشق وكيف كانت العاشقات لا يصبرن على غياب عشاقهن، وهذا دليل على أن الشاعر له ثقافة معينة سواء عن طريق المطالعة أو الاستماع مثل قصة قيس وليلى وقصة عبلة وعنترة والقصة الإنجليزية المعروفة لشكسبير " رميو وجوليات"  إّذ يقول:

بعـثتلي مرسول بجواب أمطــويه

 

ما عرف كي داير هذا البشرى

قال لي هذا خط إيديها وانظر ما فيه

 

بعثـتها لك ليك خصوص تقرا

أفـرح قـلبي محبوبته عطفت أعليه

 

ظنيت الجواب موعد للـسهره

حيـن أفـتحت صبت عكس إلي نويـه

 

ربي سـيدي واشـت هذا الغمره

ول مول الخر بـالشـر أتـجـزيــه

 

أسـمعوا لكلامها كـيفـاش صر

      وتتجلى مظاهر هذا الانفصال، وبعدها يقرأ الشاعر رسالتها على الجميع - ونقصد أصحابه- وهي عبارة عن لوم ,وإشعار بقطع الصلة بينها وبينه، عدم الكتابة إليها و عدم زيارتها وهي بدورها  تقرر أنها ستغير المكان تاركة وراءها رسما تبكي عليه العشاق وهم يمرون عليه ،أما عن أسباب هذا الهجران وهذه الأمنيات فلم نعثر عليها في هذا النص فربما الشاعر قد خانها أو كان هناك وشاة أوقعوا بينهما فصدقت الحبيبة كلام الوشاة فأرسلت له بهذه الرسالة وهذه عادة نجدها حتى في الشعر الفصيح حيث يكون هناك وسطاء بين العاشقين يحاولون قطع ومحو هذه العلاقة مثلما حصل لابن زيدون وغيره من الشعراء العشاق. إذ يقول

بسم الله وصلات عـــلى نبـيه

 

للمحبوب ألـي رجع عشبه مره

الحب ألي بينـاتنا تقدر تـمـحيه

 

ما يـبقى آثار ما تبقى جــره

قالت عيني ما تزيدش تـنظر ليه 

 

ما تكتب لي ما تصيـفطلي لبرا

أنايا قررت فلاجـــك نخطـيه

 

ونخليك أمسـافره لبلاد أخرى

أورح آمع ناس نـتـمـتـع ألهيه

 

وانبدل الجو فـي أرض الصحرا

نتمنى لك عذاب ما عنده أشـبيه

 

نتمنى لك كي بالنار الــحـمره

نتمنى النوم يهرب من عـيـنيـه

 

أو عقلك ديـمـه يخمم في حيره

أطلبتك يا رب السما مالأرض محيه

 

أيـجيني خبره سكنوه الـمـقبره

هذا هو كـلامـها مـا زدت أعليه

 

أحكموا بناتنا يا شـــعــاره

أسمعوا كيفاه كـان جــوابـي ليه

 

وجوابي جواب عنـدو إشــاره

بـسم الله يا لهدينا تـهــديـــه

 

يا ويحك راكــي رجعت نكاره

هـذا ذنب كبير فالعشــق ودرتيه 

 

نحكي لك على آقصايص مشهوره

قـيس مع ليلى لي كـــانت تبغيه

 

كانت ما تـبراش ديما مضروره

كانت في نومــها تحـلم غـي به

 

كي ماتت ألقــات ربي مستوره

شوفي عبله زيـنـها ربي عـطيه

 

ما تصبر كي يـغيب عنها عنتره

روميـو وجوليات ماتـت بين يديه

 

هذا الـقصه صرات عند النصاره

ونجد الشاعر " المختار بن صديق " أحيانا يصف عاشقته بجمالها ودلالها وبأنها أحسن وأجمل من ليلى التي أحبها قيس. 

يا محي العظـام وهــي رميـم

 

هاذي فاتت من اعليها قيس آهبل

إن العلاقة بين الشاعر والمرأة لا ترقى إلى اعتبار المرأة كطرف في عملية التواجد العاطفي، وإنما تتخذ طابعا فرديا، فالشاعر هو العاشق وقد يصل به العشق إلى درجة الجنون، أو المرض، وهذا المرض ليس له دواء سوى الاتصال بالمحبوبة.

هذا الوجد تجلى عند عبد الله بن اكريو في قصيدته المشهورة " قمر الليل " التي يقول فيها

قمر الليل خواطري تتونس بيه           نلقى فيه اوصاف يرضاهم بالي

يا طالب عندي حبيب ماليه شبيه         من مرغوبي فيه سهري يحلالي

انبات انقسم في الليالي ننظر ماليه        يفرقني منه الحذار التالـــي

خايف لا بعض السحابات تغطيه          إذا غاب ضياه يتغير حالــي

ياسايل عن خاطري واشرامسهيه        اللي جلى قلبي جالـــــي

 والمشهد الدراماتيكي نفسه نجده عند شاعرعصر الأنترنت ، حيث لم يستطع التخلص من هذا الإرث الشعري الذي يلاحقه حتى في تصوير أدق  التفاصيل الحميمية ، إذ يقول بن صديق المختار :                         

نارك  ديما قاديا مـا تطفى شي

 

نار بلا دخـان في وسط الفؤاد

أمعدم من فرقتك ما نـبرى شي

 

الدا عندي والدوى صدر التنهاد

وإذا كان أدواك طول ما جا شي

 

غير أعلمي باش نبدى بالتشهاد

يا ولفي من فـرقتك ما نقدرشي

 

منها قلبي طاب وانجرحو لكباد

يا ولفي عقلي ارحل ما يصبر شي

 

يتغـزل بهواك باشعاره نشاد

فالشاعر هنا يصف الحالة التي آل إليها بعد الفراق فهو يصف هذا المرض الذي لا دواء له غير اللقاء " فالحب قدر وحتمية لا يستطيع المرء مجابهتها"(2).

كما نجد الشاعر يقارن عذابه بعذاب عنترة بن شداد في حبه لعبلة

عذبتيني أعذاب ما نحملو شي

 

أعذاب القمري عدمه واحد صياد

عذاب الفرقه شقها ما باقي شي

 

عذبتيـني عـذاب عنتر بن شداد

وفي القصيدة نفسها نجد الشاعر يصف رحلته باحثا عن حبيبته التي تخلت عنه، كما يصف جواده الذي تحمل معه عناء هذه الرحلة في الصحاري المقفرة حتى ليظن القارئ أنه وصف لفرس في متاهات الصحراء الخالية والبحث  عن الفردوس المفقود لدى الشاعر، هذه الظاهرة التي ليست بالغريبة عنا ، فالشعر الجاهلي كانت قصائده لا تستقيم إذا لم يصف الشاعر الرحلة حتى وإن كانت متخيلة كما وجد عند الكثيرين ، وهو في الوقت نفسه نمط من أنماط أدب الرحلات ، الذي يهتم بوصف الرحلة بكل مظاهرها الداخلية والخارجية ، وإن كان هذا النوع يمتاز به النثر أكثر من الشعر . 

يا محبوبي واشــت هو ذا الشي

 

مررت لي عـيشتي ما طاب رقاد

ما شـفاتك حالت  الراكب ماشي 

 

وهبلتـيني نظل ساير فوق جواد 

من حبك عودي تعب ما يهدر شي

 

لو ينطــق أيذوب أحديد الحداد

يـاك أنت قلتي بــكم ما يفهم شي 

 

منك مـا مل ما حرن كيما لعياد

سرجه من فوق الظهر ما هود شي

 

ولجامه فالفم زبـــد بالـتكداد

عـذبتيه أمن العـرق ما ينشف شي

 

بالحافر أطوى بلاد وزاد أبلاد

أقطع فيها شعاب ووطى وحراشي

 

يسلك من ذا الواد يتوعر في واد

خطره خطره أنريحه ننزل نمشي

 

نـطرح لـه لصراع ونولي قواد 

ومجمل القول في غزليات الشاعرعبد الله بن كريو باعتباره الشيخ المعلم و المختار بن صديق باعتباره التلميذ المحافظ على تراث شيوخه، نجدها تدور  كلها حول اللوعة والهيام والفراق ووصف الحبيبة بشتى الأوصاف والنعوت، إذ لا نجد الشاعر يخرج عن إطار الشعراء الذين سبقوه  في وصف حبيباتهم كما يقول المزوقي " أما الطريقة التي يسيرون عليها فواحدة فهم لا يتجاوزون وصف عواطفهم وتجربتهم وأشواقهم إلى الحبيب ووصف جمال الحبيب والإغراق في تشبيه أجزاء بدنه جزءا جزءا، فالوجه يشبه عادة بالقمر، والرقبة برقبة الغزال، والعين بالسهم أو البندقية، أو بعين الغزال والبقر، والشعر بالغسق"(1)

وما يلاحـظ كذلك أن الشاعرين على جانب لا بأس به من الاطلاع على الأدب العـربي سواء من حـيث إيـراده لبعـض الـقصـص (قصة مجنون ليلى) (عنترة وعبلة) (رميو وجوليات)       ( جميل بثينة) وإقراره بأن جمال حبيبته فاق التي هام من أحلها قيس وهو ما قام به المختار بن صديق من تقنية توظيف التراث القصصي العربي والغربي ،

أما النهاية الشائعة في شعر الغزل لدى "عبد الله بن كريو" و " المختار بن صديق" فهي لا تخرج كذلك عن نطاق الشعراء القدامى في شعرهم العربي، فكل القصائد تنتهي بنهاية تكون فيها المرأة هي السبب الوحيد في انقطاع العلاقة ، وأن  الشاعر دائما لا ذنب له، وهذه نهاية سيئة كما قال التلي بن الشيخ " في شعر الغزل وتعتبر تقليدا وقع فيه حتى كبار الشعراء الشعبيين"(2)

كقول ابن كريو (11)

أعطيتك مفتاح قلبي ودرتيــه    والسبة اللي بينا ورهالـــي

صح كلامك في الوفاء كما قلتيه    قلت لي ما زال تشتاق خيالي

صح منامك بالوفا كيما شفتيه      تفسيره ما بيننا ظاهر جالـي

انت شفت ذا المنام وفسرتيه       وعلمت بالجاية قلتها لـــي

يا عالي الطلبة البالني تبليه        وجعل حاله في المحبة كي حالي

اتزيلف قلب الحبيبة وتكويه         وتثقب مشعالها كي مشعالي

اتديره شطرين على النص تساويه     قسمه تديها وقسمه تبقى لي

باش اتشوف الحب وتلوح مواليه  تعرف قدر الى صبر كيما حالي

حبك عني جار ما طقتش نخفيه       ما نواية خاطري هذا حالـي

وكقول بن صديق (12)   في نهاية إحدى القصائد:

وإلـى كـان بغاك ليه أنت جافي

 

كحبك حـبيـه ذا فعـل الكرام

وفي أخرى يقول المختار بن صديق

أدعيتي لي بالشر ربي عالم بيه

 

والدعوى بلا ذنب ترجعلك ماره

هذا شعري ليك يلزم تفهــميه

 

والدنيا راه صعــيـبه دواره

ويقول في نهاية قصيدة أخرى

عذبتيني أعذاب ما نحملو شي

 

أعذاب القمري عدمه واحد صياد

باش يخفق جنحته ما جبروشي

 

ومن فرقت أحمامته لبدى غراد 

ويقول في أخرى

غلطت فيها حاسب كلش جايز

 

وتفرقنا كل واحد ليه مقام

الويل ألي كل من يهمـز يلمز

 

سبحانه بالخافيا ربي علام

ونستنج من كل ما سبق أن غرض الغزل في الشعر الشعبي قد تميز بمجموعة من المميزات نذكر منها: الرسول أو المرسول  والنهاية السيئة في شعر الغزل، وإن كان الرسول في الشعر هو تقليد للشيوخ القدامى، فكذلك النهاية في هذه القصائد هي نهاية موروثة .



- ينظر : محمد حسين نصار ، الشعر الشعبي العربي

              التلي بن الشيخ ، منطلقات التفكير في الأدب الشعبي

             عبد الله الركيبي ، الشعر الديني الجزائري الحديث

             محمد المرزوقي ، الأدب الشعبي

             العربي دحو ، الشعر الشعبي ودوره في الثورة التحريري  

   1  -  محمد المرزوقي – الأدب الشعبي - ص 125

   2 -     التلي بن الشيخ – منطلقات التفكير في الأدب الشعبي -  ص 87

   3-      المرجع نفسه – ص 87

    4 –   محمد المرزوقي – الأدب الشعبي – ص 126

    5  -  زكي مبارك – مدامع العشاق- المكتبة العصرية بيروت – ط2  سنة 1343 هـ - ص13

  7– محمد المرزوقي – الأدب الشعبي - ص 126

8- مجلة آمال  مجلة ادبية ثقافية تصدر عن وزارة الاتصال والثقافة العدد 68 سنة 2000 الطبعة الثانية للعدد 04 سنة 1969 عدد خاص بالشعر الملحون

9- التلي بن الشيخ – منطلقات التفكير في الأدب الشعبي ص 92

10– التلي بن الشيخ – منطلقات التفكير في الأدب الشعبي – ص 97

11- عبد الله بن كريو هو (" عبد الله بن القاضي الحاج  محمد بن الطاهر ، ولقب عائلته هو التخي ، وقد اشتهر شاعرنا بابن كريو ...... ولد في مدينة الأغواط وإليها ينتسب .. والفيصل في هذا الاختلاف هو شهادة وفاته ، حيث ذكر فيها أن تاريخ وفاته هو 27 أكتوبر 1921 عن عمر يناهز الخمسين سنة، وذلك حين نطرح سنة 1871 من سنة الوفاة 1921 نجدها  50 سنة .

لقد نهل " ابن كريو" الثقافة على عادة أهل زمانه ، فقد تعلم منذ نعومة أظافره بمدرسة الأغواط القرآن والأحاديث النبوية .. وكان مولعا بالثقافة ، إذ إنه تطلع إلى معرفة كل ما يمكنه معرفته ، فقد كان يتلقى دروسا في علم الفلك على يد قاض قديم وهو الشيخ ابن الدين بن سيدي الحاج عيسى .. ويجدر بنا أن نذكر بأنه في سن مبكرة ، تحصل من مجلس القضاء بالأغواط على شهادة الكفاءة  للوظيفة ، وهكذا اختار مهنة القضاء التي شغلها من قبل أبوه لمدة 35 سنة بالأغواط  ) ينظر

عبد الحق زريوح ، دراسات في الشعر الملحون الجزائري ، دار الغرب للنشر والتوزيع  ص 72 -73 .  

  12 -    أما المختار بن صديق   -  فهو ولد أحمد ولد المختار ولد أحمد ولد الصديق من مواليد 15 أفريل 1952 بأولاد النهار ( الغرابة)  وبالمكان المسمى البعير ببلدية العريشة ، وهي آخر بلدية لتلمسان من ناحية الجنوب ، إذ تعد بوابة الدخول لصحراء الجنوب الغربي   ، وهو من    فرقة سيدي أمحمد من أسرة  بدوية رحالة رافضة تقسيم العرش إلى غربي وشرقي – ( تتكون قبيلة أولاد النهار من فرقتين ( الغرابة والشراقة )- نفيت من طرف الاستعمار الفرنسي إلى أولاد النهار الشراقة بالعريشة سنة 1957 بعدما التحق أبي بصفوف جيش التحرير سنة 1956 هو ومجموعة من فرقة أولاد سيدي أمحمد، وهذا النفي لقطع الصلة بيننا وبينهم، لأن العريشة كانت منطقة عسكرية.

تعلمت أصول القراءة والكتابة بمسجد القرية الذي لا يزال هو الوحيد بها، ولا يزال فقيهي على قيد الحياة – أطال الله عمره وجزاه الله خيرا- الفقيه عبد الرحمان حسناوي، وبعد استقلال  البلاد والعباد، ونظرا لعرض الامتحان  الذي أديته لشهادة التعليم الابتدائي للكبار يوم 19 ماي 1969، أثبتت لجنة الامتحان المجتمعة بإكمالية " المقري " هذه الشهادة وفي سنة 1977 وبالضبط الفاتح جويلية التحقت بصفوف الأمن الوطني للحدود حتى 08 فيفري 1995وعلاقتي مع الشعر الملحون علاقة طبيعية لتربيتي البدوية وسماعي للفن البدوي، وكما للغة العربية أدب ولكل اللغات، فللهجة أدب أو أدب ملهوج( تعليق الباحث) [ هذه السيرة كتبها الشاعر المختار بن صديق بيده على الكراس  الذي جمعت فيه أشعاره بطلب من عندنا ].