قضايا لغوية عند الشيخ الأخضر الدهمة من خلال كتابه

(قطوف دانية من آيات قرآنية)pdf

أ. بلخير شنين

جامعة ورقلة الجزائر

التعريف بالشيخ :

هو الأخضر بن قويدر الدهمة , ولد بمتليلي الشعانبة عام 1925م ,وفيها   نشأ وحفظ القرآن الكريم, وتعلََّم مبادئ الفقه الإسلامي,ثمّ انتقل إلى مدينة غرداية سنة 1942م لدراسة اللغة العربية, والفقه الإسلامي على يد المرحوم الشيخ محمّد الأخضر فيلالي بمسجد خالد بن الوليد(حالياً) وبضاية بن ضحوة, حيث أخذ عليه الفقه المالكي .

  ثمّ انتقل إلى تونس ليستكمل دراسته بجامع الزيتونة حسب البرنامج الذي وضعه لها المرحوم الشيخ الطاهر بن عاشور,وذلك من سنة 1946م إلى سنة1950م,عاد بعدها إلى الجزائر والتحق بمدرسة حرة في عين بسام وبدأ يزاول التربية والتعليم والإصلاح حتّى سنة1957م, وبعد إغلاق السلطات الفرنسية لتلك المدرسة نهائياً,وإخباره من بعض الإخوة بأنّ اسمه موجود في قائمة الذين سيلقى عليهم القبض من طرف السلطة الفرنسية يوم كذا فرّ إلى مدينة غرداية لموصلة رسالته التربوية والإصلاحية بمدرسة العرفان التابعة لمسجد حمزة مع بعض الزملاء في ظروف صعبة جدّاً نتيجة لتصرفات السلطات الأجنبية, واستمرّ الحال إلى إيقاف الحرب.

  وبعد الاستقلال التحق الشيخ بالمدرسة الرسمية ليزاول مهمّة التربية والتعليم إلى جانب قيامه بمهام ثقافية, وسياسية, واجتماعية, وإدارية في المدرسة إلى سنة1976م بمدينة غرداية,ثمّ انتقل إلى مسقط رأسه متليلي حيث تولى مهام الاستشارة التربوية تارة , والتفتيش تارة أخرى, مع إدارة مدرسة إلى أن تقاعد في مطلع عام 1984م .

  بعد التقاعد كُلّف من طرف وزارة الشؤون الدينية بالتفتيش في ولاية غرداية, وبعد سنتين طلب الإعفاء من ذلك المنصب لأسباب صحية, وظرفية.

  ومازال- منذ الاستقلال إلى يومنا هذا- يواصل عمارة بيوت الله بصفة متطوع في مدينتي غرداية ومتليلي بالتوجيه والإرشاد,وتفسير القرآن الكريم . من مؤلفاته المطبوعة : قطوف دانية من آيات قرآنية.تفسير لفاتحة الكتاب وبعض قصار المفصّل .

   لقد كتب الشيخ الأخضر الدهمة كتابه المذكور آنفاً, وفسّر فيه سورة الفاتحة, وسورة العاديات, وسورة القارعة, وسورة التكاثر, وسورة العصر, وسورة الهمزة, وسورة الفيل, وسورة قريش, وسورة الماعون, وسورة الكوثر, وسورة الكافرون, وسورة النصر, وسورة المسد, وسورة الإخلاص, وسورة الفلق, وسورة الناس .

   وهذا الكتاب هو مدونة المقالة لذا وجب علينا أن نقدم لهذه الدراسة بالحديث عن أنواع التفاسير التي قسّمها العلماء على: التفسير بالمأثور,وهي التي تعتمد في تفسيرها للآيات القرآنية على أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم,وأصحابه مثل تفسير الطبري، والمسمى بـ (جامع البيان في تفسير القرآن) ،وتفسير ابن كثير وغيرهما ،والتفسير بالرأي أو التفسير بالمعقول,  وهي التي تعتمد في تفسيرها على النظرات الفلسفية,والآراء العقلية, فالمفسّر يحاول أن يستنبط من الآيات ما يدافع به عن مذهبه ،ومنها (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي ،و(الكشاف)للزمخشري, وهناك تفاسير تعتمد على الجانب اللغوي,مثل اللمسات البلاغية ،والمسائل النحوية منها(تفسير الزجاج), ,وتفسير أبي حيان الأندلسي,المسمى بـ(البحر المحيط في التفسير) ,وتفسير الطاهر بن عاشور,المسمى بـ(التحرير والتنوير)،فإلى أي نوع من التفاسير ينتمي تفسير الأخضر الدهمة؟  وإذا كان التفسير ينتمي إلى التفاسير اللغوية فما هي القضايا اللغوية التي يزخر بها هذا التفسير؟.        

   هذا ما نريد أن نسلط عليه الضوء في هذه الدراسة .

   إن المتصفح لهذا التفسير يتضح له أن الشيخ يعتمد كثيرا على المستويات اللغوية  في تفسيره،فما هو يذكر مصطلحا نحويا جديدا أثناء تفسيره (بسم الله) «والباء في  ﴿ بِسْمِ اللهِ﴾ الفاتحة الآية1،للملابسة، ومثلها الباء في قوله تعالى في سورة المؤمنون﴿وَشَجَرةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سِينَآءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينالمؤمنون الآية 20 »1، لقد انفرد الشيخ بهذا المصطلح النحوي الذي أطلقه على معنى الباء وهو( الملابسة) في حدّ علمي لم يذكره غيره,فقد ذكر ابن عصفور معاني الباء فقال:«وغير الزائدة تكون لمجرد الإلصاق ،والاختلاط ، والاستعانة ،والسبب،والقسم،وللحال، وبمعنى (في) ،وللنقل،وزعم بعض النحويين أنها تكون للتبعيض» 2،أما ابن هشام فأطلق على باء البسملة أنها تكون للاستعانة3، والمعنى نفسه يثبته صاحب (إعراب القرآن الكريم وبيانه) :«﴿بِسْمِ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف ، والباء للاستعانة أو للإلصاق»4.

   كما يذكر قضية لغوية أخرى وهو يفسر في (بسم الله):«ومتعلق الجار والمجرور في (بسم الله) محذوف ،يقدر فعلا أو اسمًا بحسب العمل الذي يريده المبسمِل كقولك أقرأ باسم الله ،أو أصعد باسم الله, أو قراءتي باسم الله, أو صعودي باسم الله »5 ، فهذه القضية نحوية ،وفي نفس   النوع يقول:«الحمد: مصدر حمده يحمده على الشيء ... وهذا ما تفيده (أل) الجنسية في كلمة(الحمد) ،وما تفيده لام الاستحقاق في كلمة (لله) وأخبرنا الله عز ّوجلّ باستحقاقه التام للحمد بواسطة هذه الجملة الاسمية الدالة على الدوام »6 ، في هذه الفقرة عدة قضايا نحوية حيث ذكر مصطلح (المصدر) ومعنى لام الجر ،والجملة الاسمية التي تدل على دوام الفعل ،كل هذا من أجل أن يوضح معنى ﴿ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾الفاتحة الآية2،وعندما فسّر ﴿رَبِّ الْعَالَمينَ﴾الفاتحة الآية2 قال:«ولفظ (ربّ) إذا نُكِّر أو أُضيف يطلق على الله و غيره ...﴿العالمين﴾:جمع مذكر السالم مفرده :عالم» 7،فقد ذكر في هذه الفقرة قضايا نحوية منها : مصطلح التنكير والإضافة وجمع مذكر السالم ،وقال:«﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾الفاتحة الآية5،إياّ: ضمير منفصل يفسر المراد منه الحرف الذي يأتي بعده،(ياء المتكلم كاف المخاطب هاء الغائب )،نعبد:فعل مضارع لـ:عبدَ,  يقال:- عبدَ اللهَ - يعبده،والأمر منه اُعبد فالمؤمن عابد والله معبود ،وله مصدران : العبادة والعبودية » 8 ،وفي هذه الفقرة ذكر الشيخ عدة قضايا نحوية منها الضمير المنفصل,  وفعل المضارع,و فعل الأمر ،والمصدر وكلّها مصطلحات نحوية.

   ولما تكلّم عن تفسير قوله تعالى:﴿نستعين﴾, قال:«مضارع: استعان والأمر منه استعن ومصدره:الاستعانة»9 ،وفي هذه الفقرة ذكر عدة قضايا نحوية منها المضارع والأمر والمصدر.

   ولقد ذكر مسائل نحوية عندما فسّر قوله تعالى :﴿ اِِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ ﴾:«اهد: فعل يدل على طلب الهداية جاء في صيغة الأمر،وعلى سبيل التأدب مع الله عز وجل يعربه النحاة : فعل دعاء ،وهو مبني على حذف الآخر الذي هو الياء لأن مضارعه يهدي بإثباتها ،ومصدره : الهداية . »,10 فهنا تكلّم عن فعل الأمر وإعرابه بأنه مبني على حذف آخره, ثم تحدث عن معمولات فعل الأمر فقال:«والفعل (هدى) يتعدى إلى مفعولين مباشرة كما هو هنا و( نا) مفعول أول و(الصراط) مفعول ثان...وقد يتعدى إلى المفعول الثاني بواسطة (إلى) أو (اللام) » 11.

   كما ذكر إعراب قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ قال: «صراط: بدل من (الصراط) قبله » 12 ،ونفس الإعراب :«غير:بدل من الاسم الموصول المجرور (الذين) »13.

    وأضاف قضايا صرفيه فقال :«المغضوب: اسم مفعول مشتق من غضب عليهم ،... الضالين: اسم فاعل مشتق من (ضلّ) » 14.

   ولما تكلّم عن التأمين ،قال:«التأمين :مصدر أمن, يؤمن إذا قال: آمين بعد الدعاء ويُنطق بالمدّ على وزن:فاعيل،ويصح قصره فيقال أمين على وزن فعيل,ولفظ آمين ليس من الفاتحة،...وهو اسم فعل معناه طلب الإجابة أي استجب يارب »15، فهنا يذكر الشيخ بعض القضايا الصرفية كالمصدر ،ووزن صيغة فاعيل ،ووزن فعيل ،واسم فعل ،وغيرها.

   وذكر الشيخ قضايا نحوية لما فسّر قوله تعالى :﴿وَالْعَاديَاتِ ضَبْحاً﴾العاديات الآية1 بقوله:«الواو: للقسم والمقسِم هو الله تعالى،العاديات:جمع مؤنث سالم مفرده:العادية...،و(العاديات) نعت لمنعوت محذوف تقديره:الخيل العاديات,و(ضبحاً) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره:تضبح ضبحاً,  والجملة حالية »16 ،في هذا القول ذكر الشيخ:واو القسم ،وجمع المؤنث ،والنعت لمنعوت محذوف ،ومفعول مطلق لفعل محذوف وغيرها. وواصل ذكر القضايا النحوية والصرفية عند تفسير ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحًا﴾العاديات الآية2 بقوله:«الفاء عاطفة مابعدها على ما قبلها .و(الموريات) جمع مؤنث سالم مفرده المورية وهي اسم فاعل من الإيراء ...و(قدحًا) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره:تقدح قدحا والجملة حالية»17، كما ذكر عدة قضايا نحوية عند تفسيره قول الله تعالى ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾,قال:«الفاء عاطفة و(أثرن) فعل ماض مسند إلى نون الإناث الدالة-هنا-على الخيل العاديات,والفعل هو: أثار بمعنى هيّج...والضمير في (به) يصح أن يعود إلى (الصبح) وحينئذ تكون الباء ظرفية بمعنى (في) أي أثارت الخيل العاديات نقعًا في وقت الصبح,كما يصح أن يعود إلى (العدو) المفهوم من لفظ (العاديات) وحينئذ تكون الباء سببية,أي أثارت العاديات نقعاً بسبب عدوها ... وقد يقال:لِمَ عُطف الفعل(أثرن)على الاسم(المغيرات),والأصل أن يعطف الاسم على الاسم, والفعل على الفعل؟،والجواب أن (المغيرات) اسم فاعل مشتق من فعله الذي هو(أغار), والمشتقات تعامل معاملة الأفعال التي اشتقت منها,و(أل) في( المغيرات) تحمل معنى اسم الموصول, وما بعدها صلته فكأنه قيل:أقسم بالخيل اللائي عدون فأورين فأعرن فأثرن فوسطن» 18 .لقد ذكر في هذه الفقرة الكثير من القضايا النحوية وكأنّنا في كتاب نحوي,والشيخ يحاول أن يقرّب المعنى بواسطة المسائل النحوية.

   كما تطرق إلى قضايا نحوية وصرفية عندما فسر قول الله تعالى:﴿إنَّ الإنْسَانَ َلِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ العاديات الآية6, منها:«و(أل) في الإنسان للجنس الذي يفيد العموم...و(كنود) صيغة من صيغ المبالغة جاءت على وزن(فعول)وهي وصف للإنسان...وتقديم الجار والمجرور (لربه) على خبر إنّ (كنود) لمراعاة الفواصل »19 .

   وما يستنتج من تفسير الشيخ لسورة القارعة أنّه تطرّق إلى قضايا بلاغية من تشبيه وكناية حيث قال :«والمثبوت:المتفرق المنتشر،"شبه الناس-عند خروجهم من قبورهم- بالفراش",  ووجه الشبه بينهم وبين الفراش الانتشار والذهاب والمجيء والاضطراب والضعف» 20، فالشيخ وضّح المشبه به,وهو الفراش,والمشبه,وهو الناس,ووجه الشبه بين الجبال والعهن,وقال بأنّها خفة الوزن, واختلاف الألوان21, كما ذكر مصطلح الكناية عند تفسيرها فقال:«وثقل الموازين كناية عن كثرة الحسنات،وخفّتها كناية عن التجرد منها أو قلتها » 22، كما تطرق إلى المعنى المجازي فقال:«ووصف العيشة بالرضا على سبيل المجاز وإلاّ فإن العيشة لا توصف بالرضا,ولا بعدمه،وإنما الذي يوصف بذلك صاحبها...و(أمّه) يراد بها والله أعلم المعنى المجازي,أي هو يأوي إلى الهاوية كما كان يأوي إلى أمّه التي ولدته,وهذا على سبيل التهكم به» 23.

   وإذا انتقلنا إلى سورة التكاثر وجدناه يذكر قضايا لغوية منها:«كلاّ:حرف زجر وردع أي انزجروا,وكفوا عن التلهي بمتاع الدنيا...و(سوف) تدخل على الفعل المضارع فتمحضه للدلالة على المستقبل البعيد...يقال في اللغة: يقن الشيءُ ،وأيقنهُ ،وتيقنهُ ،واستيقنه:إذا تحققه وجزم به فهو يقنٌ وموقن،ومتيقن ومستيقن...و(لو) أداة شرط فعل شرطها(تعلمون)وجواب شرطها محذوف...اللام في(لترون)واقعة في قسم محذوف،تقديره:أقسم لترون,والنون في آخر الفعل نون التوكيد الثقيلة,وهي نونان أدغمت إحداهما في الأخرى,وأصل الفعل ترون(بنون الرفع) فلما أكدّ التقى ثلاث نونات,فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال,فالتقى ساكنان:الواو ونون التوكيد, فحركت الواو بالضمة لتجنب التقاء الساكنين » 24, فهو في هذه السورة تكلم عن:قضية نحوية عند ذكره أنّ(كلاّ)حرف زجر وردع ،و(سوف) حرف تدخل على الفعل المضارع،كما ذكر قضية دلالية عندما تكلّم على معنى(اليقين):بأنّه التحقق والجزم,وكذلك قضية نحوية,إذ ذكر بأن (لو) أداة شرط فعل شرطها(تعلمون) وجواب شرطها محذوف،وكذلك عندما تكلم (لترونّ) ذكر بأنّ الجملة واقعة في جواب قسم محذوف, ثم وضّح نونات الفعل بأنّ النونات ثلاثة أدعمت نون الفعل في نون التوكيد الثقيلة, التي تتكوّن من نونين،فحذفت إحداهما لتوالي الأمثال.

   وكذلك لمّا فسر سورة العصر ذكر عدة قضايا لغوية:نجدها في قوله:«و(ال) في لفظ (الإنسان) للاستغراق العهدي- أي المعهود عند الناس-؛فاللفظ مفرد ولكن يدل بمعناه المتعارف على العموم،ولهذا جاء المستثنى في صيغة الجمع،...وحرف(في) في الآية يدل على الظرفية المجازية؛فكأنّ الخُسرَ  يحيط بالخاسر من كلّ الجهات فلا نجاة منه،و(الصالحات) نعت لمنعوت محذوف،تقديره:الأعمال الصالحات»25 ,منها(ال)التي تدل على استغراق العهد ،وصيغة الجمع التي تدل على العموم،وحرف الجر(في)الذي يدل على الظرفية المجازية،والنعت الذي وصف المنعوت المحذوف,وكلّها قضايا لغوية في هذه الفقرة القصيرة.

   لقد تطرق الشيخ الدهمة لقضايا نحوية وصرفية عندما تكلّم عن معنى ﴿ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾الهمزة الآية1,قال:«هما وصفان مشتقان من همز ولمز,وأصل الهمز الضغط على الشيء لكسره,...  واسما الفاعل منهما:هامز ولامز,فإذا كان الشخص كثير الهمز واللمز حتى صارا عادةً له أتي بصيغة المبالغة منهما على وزن فعّال, أوفعلة(والتاء للمبالغة بالنسبة للمذكر)فقيل:همّاز لمّاز,أو همزة لمزة،وليس المراد بالهمز واللمز في الآية معناها الحقيقي في اللغة,وإنما المجازي،وهو إظهار عيوب الناس،والاستهزاء بهم »26 , فالشيخ هنا عدّد عدة قضايا نحوية,وصرفية,وهو يفسّر في كلمتي الهمز واللمز منها الصفتين المشتقتين،واسمي الفاعل هامز ولامز،وصيغة المبالغة ،والمعنى المجازي.

   وفي تفسير نفس السورة قال:«(يحسب):يظن أخلده جعله خالداً في هذه الدنيا كأنه لا يموت. والأصل في استعمال مادة (أخلد) أن يؤتى بها في صيغة المضارع, لأن الإخلاد إنما يقع في المستقبل,وهو ما يفيده المضارع,ولكن أوثر استعمال الماضي ليفيد أن جامع المال كأنه تيقّن أن ماله قد ضمن له الخلود منذ اكتسبه,وهذا ما يفيده الفعل الماضي...وجملة (يحسب) يصح أن تكون حالية أي جمع المال وعدّده والحال أنه يحسب أن ماله قد ضمن له الخلود في الدنيا... (كلاّ) حرف زجر يدل على إبطال الاعتقاد بأن المال يخلد صاحبه في الدنيا...واللام في (لينبذنّ) داخلة على جواب قسم محذوف تقديره:والله لينبذنّ...و(الحطمة) اسم من أسماء جهنّم جاءت على صيغة المبالغة لكثرة تحطيمها لكل ما يلقى فيها...(ما):اسم استفهام.(أدراك):أعلمك وأخبرك...(نار الله) خبر لمبتدأ محذوف ومضاف إليه،والتقدير:هي نار الله,و(الموقدة):اسم مفعول من (أوقد النار)...تطلع:مضارع أطلع وهو مبالغة في طلع بمعنى أتى,والأفئدة جمع فؤاد وهو القلب...(موصدة) بدون همز اسم مفعول مصوغ من أوصدّ الباب بمعنى أغلقه...عمد: اسم جمع واحده عمود...والجملة حالية وصاحب الحال إمّا الضمير في "عليهم"...وقد يكون احد الحال الضمير في (إنّها) ... » 27 .

   لقد رصد لنا الشيخ الدهمة عدة قضايا لغوية في هذا التفسير منها,الدلالة في شرحه ليسحب: يظن،وأدراك:أعلمك,وأخبرك .

- ومنها النحوية:جملة(يحسب) تكون حالية،و(لينبذّن) جواب لقسم محذوف،(نار الله) خبر لمبتدأ محذوف,ومضاف إليه،والجملة حالية, وصاحب الحال الضمير في عليهم.

- ومنها الصرفية: صيغة المضارع ، الماضي ،صيغة المبالغة ،اسم مفعول مصوغ ،اسم جمع وغيرها .

   ولما فسّر سورة الفيل تطرّق إلى عدة قضايا لغوية الغرض منها نجدها في قوله:«الهمزة للاستفهام التقريري الذي يقصد به تقرير المخاطب وحمله على الاعتراف الصريح بما تضمنته الجملة...﴿تَرَ﴾الفيل الآية1,فعل مضارع مجزوم بـ(لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة. ﴿كَيْفَ﴾ اسم مبني على الفتح على الحال,وهو معمول(فعل).وقد سدّ الاستفهام مسد مفعولي (تر) وإضافة(ربّ) إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) للتشريف...﴿وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابيلَ﴾الفيل الآية3,هي جملة معطوفة على الجملة الاستفهامية قبلها فهي داخلة في حيز الاستفهام التقريري أي ألم يجعل كيدهم... وإنما كانت الجملة الثانية المعطوفة مصدرة بالفعل الماضي الدال على حصول الفعل في زمن مضى مع أنّ الجملة الأولى المعطوف عليها مصدرة بالفعل المضارع الدال على حصول الفعل في الزمن الحاضر,أو المستقبل لأنّ المضارع إذا دخلت عليه (لَمْ) قلبت زمانه إلى الماضي...والطير:اسم جمع واحده طائر...﴿تَرْميهِم﴾الفيل الآية4 ,جملة حالية، وبما أنّ الرمي وقع في زمن مضى قبل نزول القرآن كان حق الفعل أن يؤتى به في صيغة الماضي, ولكن أَتى بالمضارع الدال على الحاضر لاستحضار صورة الرمي في الذهن. والحجارة أو الحجر اسم جمع واحده حجرة...والعصف اسم جمع واحده عصفة,وهو ورق الزرع اليابس كالتبن ونحوه »28 ، لقد ذكر الشيخ قضايا لغوية منها النحوية:فعل مضارع مجزوم، اسم مبني على الحال ،استفهام سدّ مسدّ مفعولي (تر) ،وجملة معطوفة ،جملة حالية.

- الصرفية: الفعل الماضي ،الفعل المضارع،صيغة الماضي,اسم جمع .

- البلاغية : الاستفهام التقريري, استحضار صورة الرمي في الذهن.

- الدلالة: العصف:ورق الزرع اليابس.

   أمّا إذا انتقلنا إلى تفسيره لسورة قريش فإنّنا نجده يذكر بعض القضايا اللغوية نستخرج منها: قضية صرفية في قوله:« الإيلاف:مصدر آلف يؤلف كآمن يؤمن...ويصح أن يتعدّى الفعل(آلف) إلى مفعولين على تقدير أنّ غيره جعله يألف والإلف أو الإيلاف: أن يتعوّد الإنسان شيئاً ما ويأنس به... وأصل الإيلاف: الإألاف فخففت الهمزة الثانية بقلبها ياءً.﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ﴾ قريش الآية2, إيلافهم:عطف بيان من إيلاف قريش...وهذا الأسلوب وهو الإجمال ثمّ التفصيل من الأساليب البلاغية الواردة في القرآن الكريم»29 .فالشيخ في هذه الفقرة تطرّق إلى قضية صرفية : المصدر, ووضحه بذكر فعله, ثمّ إلى قضية نحوية:أنّ الفعل(آلف) قد يتعدى إلى مفعولين, ووضح ذلك,و أتبعها بقضية أخرى وهي: عطف بيان, كما تحدث عن قضية بلاغية: وهي أسلوب الإجمال ثم التفصيل .

خاتمة :

   وفي الأخير نقول: إنّ هذه القضايا اللغوية التي ذكرناها هي على سبيل التمثيل,وليست على سبيل الإحصاء, لأنّ البحث لا يركّز على المنهج الإحصائي بقدر ما يريد أن يبرز بأنّ الشيخ الأخضر كان متأثراً بالتفاسير اللغوية-إذا صحّت هذه التسمية-, ومنه نثبت بأنّ تفسير الشيخ الدهمة للقرآن الكريم يمتاز بكثرة القضايا اللغوية التي يوظفها ليوضّح بها الآيات القرآنية للقارئين أو المستمعين له, وكأنّه متأثر بالمهنة التي زاولها طيلة حياته, وهي مهنة التعليم, فهو دائماً يحاول أن يوضّح الآيات القرآنية بالجانب اللغوي من نحو وصرف وبلاغة ودلالة,ولسان حاله يقول: بأنّ القرآن الكريم هو معجزة لغوية تحدّى الله بها بلاغة العرب,وبهذا نقرّر أنّ تفسير الشيخ الدهمة المسمى بـ:(قطوف دانية من آيات قرآنية ) ينتمي إلى التفاسير التي تعتمد على الجانب اللغوي, وهذا تؤيده القضايا اللغوية التي يزخر بها هذا الكتاب,إذ لا تخلو صفحة من صفحاته من قضية نحوية,أو صرفية, أو بلاغية, أو دلالية, ومَن أراد المزيد فعليه أن يُطالع هذا الكتاب لينتفع أكثر .

الإحالات :

$11-  قطوف دانية من آيات قرآنية تفسير لفاتحة الكتاب وبعض قصار المفصّل, للشيخ الأخضر الدهمة,المطبعة العربية, غرداية, سنة1418هـ-1998م, ص10 .

$12-    شرح جمل الزجاجي لابن عصفور, تحقيق فواز الشعار, دار الكتب العلمية, بيروت لبنان, ط1 ,سنة1419هـ-1998م,ج1 , ص511.

$13-  ينظر مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري, تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد, دار الطلائع للنشر والتوزيع,القاهرة مصر,ج1 , ص124 .

$14-  إعراب القرآن الكريم وبيانه, لمحي الدين الدرويش, دار اليمامة ودار ابن كثير, دمشق- بيروت, ط10 , سنة1430هـ-2009م , مج1 , ص24 .

$15-    قطوف دانية من آيات قرآنية للشيخ الأخضر الدهمة , ص11 .

$16-    نفسه , ص14 .

$17-    نفسه , ص18-19 .

$18-    نفسه , ص24 .

$19-    قطوف دانية من آيات قرآنية للشيخ الأخضر الدهمة , ص26 .

10- نفسه , ص29 .

11- نفسه , ص29 .

12- نفسه , ص33 .

13- نفسه , ص34 .

14- نفسه , ص35 .

15- نفسه , ص39 .

16- نفسه , ص44 .

17- نفسه , ص44-45 .

18- نفسه , ص46 .

19- نفسه , ص48 .

20- نفسه , ص58 .

21- يُنظر قطوف دانية من آيات قرآنية للشيخ الأخضر الدهمة , ص59 .

22- نفسه , ص60 .

23- نفسه , ص61 .

24- نفسه , ص70-71 .

25- نفسه , ص79- 80 .

26- نفسه , ص89 .

27- نفسه , ص91- 94 .

28- نفسه , ص99- 102 .

29- نفسه , ص107- 108 .