الملامح العلمية والأدبية بوادي ريغ

أ.عبد الحميد إبراهيم قادريpdf

تمهيد :

قبل أن نتطرق إلى سرد وذكر بعض أعلام العلم والأدب بمنطقة وادي ريغ، ولحديث عن الملامح العلمية و السيمات الأدبية  التي تميزهم،  و قبلأن نقدم بعض النماذج النصية لأدبهم وعلمهم، يتحتم علينا أن نسجل بعض الملاحظات التي ربما تساعدنا على رصد تلك السيمات  وتبرير مستوى الإبداع الأدبي والفني، وربما ستكون مدعاة إلى بحوث جامعية تحدد لنا بصفة علمية تلك الأسباب التي جعلت المنطقة يقل فيها التأليف العلمي و الانتاج الأدبي  مقارنة، بما نلمسه في إقليم توات و إقليم الزيبان.

الملاحظة الأولى: إن الحركة العلمية لا تنتعش ولا تتطور إلا بجوار مراكز علمية تربي وتعلم وتكوِّن العلماء و الأدباء مثل الجوامع بين ظفرين والزوايا، على غرار جامع سيدي عقبة وجامع الزيتونة بتونس و جامع القرويين بفاس والزاوية العثمانية بطولقة و الزاوية المختارية بأولاد جلال  الزاوية القاسمية بالهامل، وزاوية عبد الرحمن الأيلولي بجبال جرجرة ،فمثل هذه المراكز مفتقدة بإقليم وادي ريغ وإذا وجدت بعض الزوايا فهي للإطعام و الإيواء ، وتأطير الذكر، و تحفيظ القرآن في بعضها ،فالزاوية الوحيدة العلمية التي كانت مركزا علميا، هي الزاوية الهاشمية و كان تركيزها على تحفيظ القرآن وتلقين بالمبادئ الفقهية، وقد جاءت متأخرة.

الملاحظة الثانية: إن غرس العلم و توريثه يحتاج إلى رباط و اعتكاف بنية التوريث وتكوين علماء يخلفون أساتذتهم و مشايخهم و هذا مالم يحدث بوادي ريغ، فلم نرى عالما ورَّث علمه بالصورة التي رأيناها في بلاد توات وغيرها من المناطق، لأن التوريث يتطلب الاستقرار  والاستمرار وعدم الانقطاع ، و العلماء الذين علموا بوادي  ريغ أغلبهم جاؤوا زائرين، وإذا طال بهم المقام فلا تتجاوز إقامتهم بين مُريديهم و تلاميذِهم فصلي الخريف و الشتاء ، ثم يرحلون  هروبا من المناخ ، و إذا عادوا إلى محاضرهم و حلقاتهم في العام القابل ،بدأوا دروسهم من حيث بدأوها في العام الماضي، و بهذه الطريقة لا يتجاوز حجم تعليمهم فقه العبادات لتلاميذهم الأذكياء[1].

و لذلك فمن كان لهم نصيب من التفوق في العلم و الأدب من أبناء هذا الإقليم، فهم ممن هاجر و طلبوا العلم في المراكز العلمية خارج الإقليم كما عرفنا ذلك عن الشيخ أحمد البسطامي الذي طلب العلم بجامع القرويين بفاس، والشيخ عبد المجيد ين حبة الذي أخذه في جامع سيدي عقبة، و الشيخ الحشاني بالعمري ومحمد بالمبروك و محمد بن سليمان  و محمد اللقاني و محمد الأخضر محجوبي و الأخضر السايحي  وغيرهم ممن رحلوا إلى تونس و تعلموا بجامع الزيتونة.  

الملاحظة الثالثة: إن المنطقة هي منطقة إقتصادية و محل لطلب الرزق و الثروة، وكل من يأتيها، يأتيها بنية طلب الرزق والكسب ، ومن كان هذا دأبه فإذا كان جاهلا فلا يجد الوقت للتعلم و إن كان عالما، فإن لم يجد مركزا علميا يحتضنه ويوظفه و لم يجد من يضمن له العيش الكريم ، يسعى لطلب العيش، فلا يترك له السعي التفرغ لنشر العلم وتوريثه.

الملاحظة الرابعة: من المعلوم  بمكان أن الأدب و العلم وليدا الاستقرار و الأمن ومنطقة وادي ريغ لما لها من أهمية إقتصادية، فقدكانت مسرحا للقلاقل والفتن، فمن فتنة بني ابن غانية المسوفي الذي جلب على المنطقة ، مرورا بثورة صاحب الحمار  وثورة الشيخ سعادة، فحملات البايلك على الإقليم إلى حضور الاستعمار الفرنسي الذي عزل الإقليم عزلة ثقافية قاتلة وأدخل الجميع في دائرة الفقر والجهل ، و جعلهم يلهثون وراء لقمة العيش في مزارع المعمرين ومراعيهم.

 بهذه الفتن عاش الإقليم في فزع وهلع و معاناة ماتت معها المواهب العلمية وتبلدت الأذهان وكلت العقول عن الابتكار ،لأن ازدهار العلم والترف الثقافي والإبداع الفكري ؛من فلسفة وآداب تكون نتيجة الاستقرار والأمن ، والمنطقة لم تعرف الاستقرار منذ سقوط الدولة الرستمية، إلى الكارثة الاستعمارية.

هذه العوائق مجتمعة، ربما ساهمت في الركود العلمي ، وأعاقت تكوين حركة علمية ، ونهضة ثقافية وأدبية متميزة .

$11-   بعض الملامح العلمية و الأدبية: من الملامح العلمية السيمات الأدبية التي تميَّز بها أعلام المنطقة، هي ملمح النقل وإعادة ما تعلموه في مرحلة الدراسة، وربما إعادة صياغته ليسهل عليهم نقله  إلى تلاميذهم و مريديهم، حفاظا على وحدة المنهج العقدي و الفقهي، فهم في مرحلة متقدمة إباضيون وصفريون في فقهم، إعتزاليون في عقائدهم و جمهوريون في في إمامتهم ، و في المراحل المتأخرة فهم مالكيون قاسميون في فقههم وسنيون أشعريون في عقائدهم وبصريون في نحوهم و وخليليون في شعرهم و دينيون أخلاقيون في مضامين أدبهم  .

 ولذلك نراهم يركزون في تعليمهم على القواعد الأساسية التي تحافظ على سلامة التلاوة والحفظ الجيد للقرآن[2] ، والنأي بتلاميذهم عن اللحن في قراءة الأحاديث النبوية مع تحفيظ المتون العلمية ، و بهذه الصورة فهم علماء رواية لاعلماء دراية  وعلماء نقل لا علماء عقل، ولم يكونوا بدعا عن زملائهم في جميع المناطق الأخرى، فكان أدبهم وعلمهم نسخة من علم وأدب عصر التوقف ولم يتخلصوا من أسر القوالب الجاهزة و المضامين المستنسخة إلا مع جيل الثلاثينات الذين تعلموا في الجامعات كما نلمس ذلك في أدب وفكر الأزهري بن ثابت و البشير برابح و إسماعيل برابح و محمد الأخضر  بن عبد القادر السايحي و محمد الصالح باوية الذي تمرد على القصيدة العميدية في كثير من شعره والتلي بن الشيخ و علي كافي ومحمد الصغير الأخضري  وغيرهم .

$12-                    جذور الملامح العلمية و الأدبية:

 بعد هذه الملاحظات ننتقل إلى صلب الموضوع ، و نحن مطمئنين أن ما سنقدمه  نقدمه في سياقه التاريخي و في ظروفه الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ، وفي هذا الإطار نقول أن هذه الحركة لم تظهر أثارها الدالة عليها دلالة واضحة، أو تكشف عن خصوصياتها ، لعدم تدوينها وتوثيقها، ومع هذا فإِنَّ ملامحها جلية و واضحة ، باعتبار أن الثقافة الإقليمية هي جزء من الثقافة العربية الإسلامية عامة ،والثقافة الجزائرية خاصة.

   وأزهى فترة علمية عرفتها هذه المنطقة هي الفترة التي ساد فيها المذهب الإباضي، الذي انتشر و تقوى في ظل الدولة الرستمية،  ومن نهج نهجهم من بعدهم، ففي هذه الفترة التي امتدت من القرن الثاني إلى القرن الثامن، نبغ فيهم ، علماء  يشهد لهم بالعلم والفتوى ، منهم : أبو عبد الله محمد بن أبي بكر[3] المولود عام 340 هـ  بتنسلي "ببلدة عمر" أو تالة عمر، وقد تنقل هذا العالم في عدد من البلدان لطلب العلم ،من أفواه عدد كبير من شيوخ العلم الفحولوقد  استقر في قبيلة مغراوة ريغ بوغلانة[4]، فقال فيهم قولته المشهورة :"ها هنا أناس رقاق القلوب ، أرجو أن ينتجع فيهم الإسلام ،ويتلقوا ما نحن عليه بالقبول،ويكونون لهذا الخير أهلا "[5] ويقصد بالذي هو عليه هو "المذهب الإباضي" وهو الذي عقد الحلقة بوغلانة لأول مرة ، وأرسى قواعدها وأقام نظام العزابة  المعمول به في وادي ميزاب إلى يومنا هذا ،وقد تخرج على يديه عدد كبير من العلماء الأجلاء الكبار، منهم أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، المتوفى عام 471 هـ وابنه أبو العباس أحمد بن محمد المتوفى 504هـ صاحب الكتاب النادر " القسمة وأصول الأرضين" الذي حققه الشيخ بكير بن بابا والدكتور محمد ناصر، في طبعة قشيبة ومن يريد أن يعرف طبيعة النظام الزراعي، والتخطيط المعماري لمنطقة وادي ريغ فليعد لهذا الكتاب وما فيه من فتاوى تتعلق بالعرف الفلاحي والتخطيط العمراني، الذي استمر العمل به زمانا.

ومنهم أبو محمد ماكسن بن بكر،وعبد الرحمان بن معلى الذي أسس الحلقة بمسجد تقرت،ومنهم أبو نوح يوسف،وابنه زكريا الذي انتقل مع بعض أهله وذويه من تنسلي إلى توغلانت[6]،فاستقبلهم أهلها بالترحاب،وبوءوهم مكانة عالية في نفوسهم، وأقطعوهم أنواعا من الأملاك من دور للسكن وبساتين النخيل،إجلالا واحتراما لعلمه,وهذه ميزة من ميزات سكان وادي ريغ  يجلون العلماء ، إلى درجة أن يكونوا لهم عبيدا،يقدمون لهم الهبات والهدايا ويخدمونهم توقيرا لعلمهم.ومن أعماله الجليلة أنه قام بالحسبة والعدل والإصلاح ،فحارب قطاع الطرق الذين روعوا أمن المسافرين المسالمين،و أبطل الحرابة التي كانت تقع بين وغلانة وتمرنة.

وبعد هذه المرحلة التي برز فيها السادة الإباضية لم نعثر على نصوص علمية ولا أدبية مخطوطة سوى ما عرفناه عن المجهودات التي بذلت من أجل الحفاظ على القرآن الكريم ،تلاوة واستظهارا فقد انتشرت الكتاتيب القرآنية ، وتعددت المساجد التي تقدم دروسا في المبادئ الفقهية و العلمية  وربما ما نقله لنا العياشي في رحلته عن متفقهة تقرت يؤكد لنا هده الظاهرة العلمية ..

     وفي القرون المتأخرة وبعد عودة و الوعي واليقظة  في مطلع القرن العشرين أدرك العلماء خطورة ما آل إليه الوضع من الجهل، فوجهوا جهودهم إلى تعليم النشء ،وإيقاظ الضمائر وإصلاح المجتمع ، لإعادته إلى الروح الإسلامية الصحيحة ،التي أفسدها الدهر، ولوثتها يد الاستعمار؛ هذا العمل الدؤوب والاشتغال بالتعليم لم يترك للعلماء الوقت للتأليف و التدوين، وإذا وجدت فلم تصل إلينا.

 ومع ذلك فقد طرق بعض الأعلام قول الشعر و تأليف المنظومات العلمية، التي تسهل على الطالب حفظ ما يتعلمه ، لأن الشعر العلمي كان ظاهرة بيداغوجية شائعة، يتكئ عليها المربون والمعلمون في تلك الفترة، إلا إن ما ألفه أو قاله وأنتجه بعضهم، لم يصل إلينا مدونا ومنسوخا  كما هي عادة أسلافهم من العلماء في مناطق أخرى فقد أصاب انتاجهم – بذلك - الضياع والإهمال ولم تستفد منه الأجيال اللاحقة، بالإضافة إلى الطابع الشفوي الذي تميز به الإنتاج في أغلبه ،  وإذا كان هناك بعض النتف النثرية  المكتوبة اقتصرت على الرسائل والخطب وبعض المقطوعات الشعرية لم ترق إلى المستوى الفني إلا القليل منها.

ومن الأعلام الذين كان لهم حضور علمي وأدبي الشيخ أحمد بوبكري كان فقيها ومحققا ومحبا للعلم و العلماء ،و الطالب أحمد الزكيزكي وقد كان عالما وأديبا ومتصوفا  وورعا، وقاضيا عادلا محبا للعلم وأهله خصص دارا لنزول العلماء الذين يزورون تماسين  تسمى دار لالـة مامة، ومنهم  الشيخ التجاني محمد الصغير الذي امتاز بسمة العلماء من تواضع و بساطة ودماثة أخلاق، وكان يدرس الفقه والتفسير والحديث والنحو والصرف في مكان ضريح الشيخ سيدي علي التماسيني، ومنهم الشيخ محمد السايح الذي عرف برقة شاعريته فكان شعره على غرار البحتري وابن زيدون, وهو مع ذلك ناثرا على غرار الجاحظ وابن قتيبة[7] حسب ما وصفه صاحب الصروف.

 و من الأعلام الذين تركوا بصماتٍ تنم عن حس أدبي جيد وفكر نير أصيل، الشيخ الطاهر العبيدي والطالب أحمد بن عظامو و الشيخ أحمد البسطامي الرحماني والشيخ علي خليل و الشيخ محمد اللقاني  والشيخ عبد المجيد حبة  والشيخ إبراهيم قادري و الشيخ محمد بن سليمان حمداوي و الشيخ التجاني حقي، ومحمد الصغير بحة من الأولين ، والأزهري ثابت  وعلي كافي  وبرابح البشير وبرابح إسماعيل ومحمد بن عبد القادر السايحي و التلي بن الشيخ ومحمد الصالح باوية ومحمد الصغير الأخضري  وغيرهم كثير.

$13-          نماذج من الملاح الأدبية:

  ففي ميدان التأليف والأدب نذكر الشيخ الطاهر العبيدي الذي كان علما على تقرت،اعتكف فيها يدرس ويعلم أكثر من خمسين سنة،وقد ألف عدة رسائل فقهية معتبرة جديرة بالدراسة والشرح ،كرسالة الحيض والنفاس،ورسالة التيمم في أحكامه وأسبابه ورسالة العدة في أحكام المعتدة، ورسالة تنويل الصلات في تطويل الصلاة، و رسالة رفع الإبهام عن مسائل الصيام، وكل هذه الرسائل رجزية،ووالنصيحة العزوزية في نصرة الأولياء والصوفية، ونصيحة الشباب المزيحة للسحب والضباب،و رسالة في مناسك الحج والعمرة وألفية جريان المدد والاعتصام بالسند و رسالة انكفاف الدمعة لانكشاف مسألة الجمعة، ونظم رسالة العوامل في النحو، ورسالة القطب الدردير في البيان بأسهل بيان، و له نظم صغير في الجبر و الاختيار فضلا عن تفسيره للقرآن الكريم، هذا التفسير الذي لو وجد العناية و الاهتمام لجُمِع في كتاب وطبع، وقد ذكره الأستاذ اسكندر من بين العلماء المفسرين،في كتابه معجم المفسرين الجزائريين.

ففي منظومة "النصيحة العزوزية في نصرة الأولياء والصوفية"  يقول الشيخ الطاهر:

إن تـرد عزة ومجدا مــزية     فتلق الطريقة العزوزيـــة

فتلق أورادهـــاوتـبرك     بحماها ففي الرجال بقيــة

كم توالت لأهلها رحمــات    فهي حقـا و الله رحمـانية

ويواصل يقول:

فاحفظوا عهدها ولا تهملوا الذكــر صباحا بحلقة وعشيـة

ولتراعوا قواعد الشرع دومـا     وتحلوا في الأولياء حسن نية

وأحبوا أهل انتساب فمن يحــبب فريقا يلحق بهم في القضية

واذكروا باللسان والقلب حتى      تذكروه بلهجة   صـدرية

ويواصل يقول:

هل يكون الأخير أهدى من الأول    والسابقون حازوا المزيــة

أو يكون الأقل أهل اعتبـــار    وهو ذو الجهل الخلال البذية

قد نرى أكثر الأئمة والأمـــة    والاعتقـــاد فيهم سجية

وعلى الأولياء نثني ألوف الكتــــــب إلا  جماعة تيميــة

ثم يدخل في نقد الجماعة الذين ينكرون التصوف، فيدعو الناس للابتعاد عنهم وعدم الأخذ بأقوالهم فيقول:

قد عجبنا من فرقة سفروا في طلب     العلـــم من بلاد قصيـة

بعضهم فاء بالحصـول  على نزر     وبعضهم ما فاء بالأمنيـــة

ثم آبو إلينا وقد ملئــوا كبـرا     ومن  أوليــائنا سخــرية

فأثاروا في الناس كــل  شقاق     وادعوا في العلم أشيا فــرية

كل يدعي اجنهادا و لا ترضيـــه إلا مجلــة شرقيــــة

ويحطون من خليل و شراح عليه      و كتبنـــا  الأوليـــة

ويرون أن الســواد من الأمة      في باطل و أدهى   بليـــة

وعجبنا لهم إذا بصروا قــوما      على الذكر  مع  صفاء  الطوية

ساءهم ما رأوه من ذكر  مولانا     تعال له  النعوت  السنيـــة

وإذا بصــروا مجالس لهــو     باسطوهم  و وازروا في  الرزية

إن هذا النفاق الذي يفضـــــي إلى شقـوة بهم  سرمديـة

ما لهم في العلوم من قـدم  إلا      احتجاجا  من صحفنا العصرية

ناظروهم إن شئتم في أصـول     أو فروع أو جملة  نحويـــة

هذه فرقــة أضلت وضلت      شفيت من أهوائها النفسيــة

قد قضى ربنا فريق سعيــد      وفريق ذو شقوة   أزليـــة

أيها المؤمنـون إن فعال القوم      تنبي عما لهم  من  دنيـــة

فانظروهم لدى النوادي حضور    و بيوت الإلـه منه خليــة

و يقومون للصلاة كســالى     نــاشطين   لوصل كل فتية

بعضهم يتـرك الصلاة وبعضٌ     لا يبالي إن أخَّر  الوقتيـــة

لا ترى عندهم كتابا ولا سبحــة إلا جريدة  أو عصيـــة

مع دروس مشحونة بسبــاب    فتنبه أهل الذكا للبقيــة

وفي قصيدة أخرى تربوية "نصيحة الشباب" المزيحة للسحب والضباب، التى أصبحت دستورا لطلاب العلم، ومقررة في الحلقات العلمية بالزوايا و المساجد يقول فيها:

الحمد لله الذي قد فرضـا    فرائضا ادوية روائـــضا

أعظمها فريضة النصيحـة     قد وردت أخبارها صحيحة

وبعد الاستهلال يمضي في تعظيم العلم وضرورته للإنسان يقول:

فإنما  الدين أسـاس الارتقـا    و من يـرقق دينه فما ارتقى

والدين جسم روحه بالعلـم     كالروح في قالب هذا الجسم

بالعلم تدري و اجبـات الله      و الواجبــات لعباد   الله

فالعالم النحرير يسعى نـوره      بين  يديه كـاملا  شعوره

والجاهل المسكين كالأنعـام      أو كالنَّعَام عن هداه  عامي

وفي الصحيح العلم بالتعلـم      فريضة في عنق   كل مسلم

فكل من لايعشق الدروسـا      فلا يكون قائــدا رئيسا

عار عليك ياشباب أن تكون      من الذين للصلاة  يتركون

فإنمـا الصـلاة رأس الدين      والدين رأس الملك والتمدين

ويمضي في وصيته الثمينة قائلا:

يا راضعا أبازم الدخـــان     مبذر الأموال في الخســران

أخطأت فيما تنتحيه  جــدا     و قد أتيت اليــوم شيئا إدَّا

إن الــدخان منتن وسرف       و  ضرر في الجسـم يا مثقف

تجذب نيرانا إليك  مـوقدة        ترشفها في عمد  ممـــدد

ومنها

يا ساهرا بليلة في القهــوات    وراقدا في نومه للضحــوات

ماهكذا والله شأن المؤمنــين      بل ذاك وصف الكافرين الغافلين

فالمؤمن الحــازم قـوَّام  إلى     صلاته في وقتهــا مبتهــلا

إذِ الصلاة صحـة وبـركات      تنهى عن الفحشاءوكل المنكرات

وفي الحديث إن ترك الصلوات      كفر فمـا أعظمها من حسرات

ومن أساطين العلم والأدب الذين أنتجتهم المنطقة العالم العارف الشيخ اللقاني السائحي الذي ترك ديوان شعر .

فمن جيد شعره هذه القصيدة التي يتحسر فيها على ما آل إليه الشعب  الجزائري من تخلف وجهل وفقر فيقول[8]:

بني الجزائر هذا الموت يكفينـا    لقد  أغلت  بحبل الجهل أيدينا

بني الجزائ هذا  اللهو أوقعنـا    في سوء مهلكة عمت نواديـنا

بني الجزائر هذا  الفقـر أفقدنا    كل اللذات حينا يقتـفي حينا

بني الجزائرما هذا التقاطع  من     دون البرايا...عيوب جمعت فينا

بني الجزائر ما هذا التقاطع من     دون البرايا عيوب جمعت فينا

فقر وجهل  وألام  ومسغبـة     يا رب رحماك هذا القدر يكفينا

حياتنا قط لا يرضى بها أحـد    وعيشنا ضار زقوما وغسليـنا

الناس في الجو طاروا و حلقوا      ونحن نحسبهم جهلا شياطيـنا

يا أمة ضيعت مجدا لها سلفـا      طال النداء بنا لو كان يجديـنا

يا دهر رفقا بأغنام  مقطعـة      عثى بمربعنا سيــد  ليبليـنا

ويوجه رسالة إلى شعبه في الجزائر فيطرح جملة من أسئلة الترجي والتوبيخ و الاستنكار لتحريك همم العلماء والمثقفين ليبعث فيهم روح العمل و ترك السكون والخمول، والرجوع بالأمة إلى ماضيها التليد وتاريخها المجيد لتلتحق بركب الأمم فيقول[9]:

بني وطني هل من نزوع لأحــداد   لقد ركبوا للعلم كـل منطــاد؟

بني وطني هل من نفــوس شريفة   تغار على الأوطان  غيرة آســاد؟

بني  وطني هل من عقــول كبيرة   يقوم أمام الظلم وقفة أطـــواد؟

بني وطني هل  من شيــوخ أجلة   عدوا في سماء العـز كعبة  قصـاد؟

يذودون عن حـوض شريعة كلما    أناط بها الأعــداء شبهة حسـاد

بني وطنيهل من   خطيب مـدرب   يحرك أرواحـا بمقـولة الصـادي؟

بني وطني هل من  حكيم  مجـرب   تعلق من بحر السياسة   في كل واد؟

شق عن الأرواح  ثـوب  رذيلـة   و يلبسها بالعلــم حلة إرشــاد

يطالب حقا ضاع منذ ضاع   أهله   و ينشر في الأبنـاء تاريخ أجــداد

ألا ليت شعري  و الحوادث جمـة   لماذا  أرى  في الشعب عـلو أضداد؟

علام أرى أرض الجـزائر أصبحت   بها  تضرب الأمثال للرائح و الغادي؟

ألم يكفهم ما حل بالشرق منذ غدا    يقـدم ذو الأعلام عن ناطق الضاد؟

وفي قصيدة أخرى حشد فيها ألفاظا رقيقة، تتوافق مع الغزل لكنها، تنافرت ولم تنسجم مع البحر، لأن شاعرا، لم يصدر عن غزل عبثي ليشبع نزواته  ويتمتع بالأوصاف الجسدية ،وإنما عبر به عن أمر أوسع، وأرحب هو حب بلاده الجزائر التي يضمحل أمامها، جمال الغيد الحسان، وعيون المها، وقوام الغزلان فيقول في قصيدة عنوانها:

يـا بـلادي[10]

أنا أهواك ومثلي في الهـوى لايبـالي    صار جسمي من تباريح الجوى كالخلال

أنا لا أهوى غزالا أو حورا أو مهـاة   لاولا الغيد الحسان،البارعات في الصفات

أنا لا   أهوى نجوما نيرات سابحـات    كل همي أن أرى مالكتي في كمـــال

إن شككت في صحيح خبري فابتليني    حميليني  ثقل أعبـــاء  الجوى حميليني

إذ  به من بين عشاق العلا  تعـرفيني    ثم إن شئت حياتي  بعد  ذا فــارجميني

قد رمى نبل جفاك كبدي  بالكـلام    هو و  الله أشــد مضضا  من سهـام

إن مضى عصر قطعت  جله  في منام    فابشري قد سرت شوطاشاسعا في المعالي

 و في قصيدة أخرى يفتخر بقومه العرب ويعدد المزايا التي تجعله قويا صامدا في وجه الصعاب فيتمثل نفسه حرا شجاعا عالما تقيا  فصيحا فيقول:

ما الليالي  تريد  قتل فضائــلي   و تـود نهك تصبري وجلادي

و تــروم محق مواهبي و شمائلي   تأبى  الخضوع لصمـام و زناد

قد غرها حلمي و سالف سؤددي  وتربصي من حكمـة وسـداد

فعادت تحاول ما تظـن جهـالة   من أن تكسر ثورتي و عنـادي

أوَ ما تـرى يا دهر  أن لا  أرى   غيري على وجه البسيطـة ناد؟

فالكفردون تضــرعي و تذللي   و الـموت دون سماتة  الأوغاد

أن ذلك الشهم  الأبي ومـن له   عند المكــاره  صولة  الأساد

أنا ذلك الحر المدلل  في  الـوغى   كل الصعـاب بتكبره  الوقـاد

إن هي يوما باليـــراع حميته    ومحــا بياض طروسه سـواد

فإذا دعــا فالناس حول  ندائه    و على الجميــع سكينة العباد

يعطيك من سحبـان سحر بيانه    و يريك قسـا بالمقـال صـاد

فتخـال  أنك في عكاظ وأنـه     بطل  الرهان و كعبة  القصـاد

ومنهم الشيخ عبد المجيد بن حبة الذي ترك شعرا جزلا يدل على حس شعري راق، وثقافة  أدبية عالية، فمن إنتاجه أرجوزة في نسبه مع شرحها سماه: " تحصيل الرغبة في رفع النسبة " من أبياتها

ضمنت هذا  الرجز انتسابي      للعرب الكريمة  الأحساب

فمن سليم نسبي ممـــتد     و  قيس عيلان لهذا جـد

حفيده أحمد قريب النسبـة     محمدعيسى و  يدعى حبة

واشتهرت أسرتنا بذا اللقب    به دعانا من نأى ومن قرب.

بالإضافة إلى عدد من القصائد الشعرية في الاخوانيات والرثاء ،فمن شعره هذه الأبيات التي قالها عام 1940 يصف سوق تكوت وحركة الباعة ويتأسف على استهانة الناس بالعلم والعلماء و الزهد في الإنفاق عليه  فيقول .

سوق حكت ما مضى في سالف الحقب.   فبينها وبين عـــكاظ أقرب النسب

كل مباع بها يسمى مبيعا فمــــا      ترى كسادا لغيــر العلـم والأدب

وذاك أن عكاظا حــوى  عـربـا       بدون عجم وذي عجم بـلا عـرب

فعربـها استعجموا  و مـا بربرهـا        من همة أن تقيـــم المنطق  العربي

أليس قحطان من مازيغ كـان أخـا       وحماهمــا حضــن أم بـرة,وأب

إنما المجد  شيء حاز  معظمــــه       عــرب وبر بر قدما دونـما كذب

  عندما زار العالم الأصولي عبد الحي الكتاني ،مدينة سيدي عقبة ،وكان في استقباله جمع من العلماء من بينهم المترجم له ، فأحب أن يسجل هذه الحادثة ، وينوه بالرجل، وينصفه في علمه ، بالرغم من مواقفه السياسية ، التي كانت تتعارض مع النضال الفكري والإصلاحي بالجناح المغربي ، فقال فيه مرتجلا هذه الأبيات:

أكـرم بهذا السيد الربــاني   ***  شيخ العلوم العارف الكتانـي

ينسيك قسا إن تكلم خاطبـا   ***  وإذا روى تتذكر الشيبــاني

يا طالما منيت نفسك درسـه    ***  ها هو حيث تناله العينــان

فانثر علينا من حديثك جوهرا   ***  أولا ،فآيات من القـــرآن

وفي مرثية طويلة، بكى بها رجل الإصلاح بالمغير، صديقه وصفيه الشيخ الأخضر بن ثابت يقول فيها مودعا:

ألفنا الأحداث لما تـــواترت   ***  علينا فلن نجزع و لم  نتضجـر

ولكن هذا الرزء أفضع وقعــة  ***  فأحشاؤنا   من وقعه في تسعـر

فأعضل به من حادث كاد خطبه   ***  يعف على أرزاء   جملة أعصـر

غداة نعى الناعون من كان للندى  ***  وللعلم و الإرشاد  أقرب مصدر

هما له في الصالحات سوابــق    ***  وفي بيته الإصلاح أربح  متجـر

أياديه للعارفين بيض كوجهـه    ***  ومن عجب أن راح يدع بأخضر

لقد كان ثبتا راسخ الدين حجـة ***  يسمو المعالي   الغاليات فيشتري

عزيـز علينا نعيه يوم موتـــه ***  فما أهله عن  ذاك  منا بأجـدر

وقد كان له مساجلات ومطايبات بينه وبين بعض العلماء من جيله ، وهذه مساجلة بينه وبين الشيخ شريط الزريبي حول العقيدة ، أيها أصح وأحق بالمتابعة؟ مذهب السلف، أو مذهب الخلف؟ فانتصر الشيخ عبد المجيد للسلف

فرد عليه الشيخ عبد المجيد بهذه الأبيات من نفس البحر وبنفس القافية والروي قائلا :

أتى تأسيسكم يحوي فصـولا ***  ذكرتم أنها أهدى سبيـــلا

لعمرك مالفخر من فخـــار ***  فندعوه به الشيخ الجليــلا

ألم يــك نسخـة لأبي علي  ***  يذيع ضلالا قالا وقيـــلا

متى كانت أثينا أو كريـــد ***  واهلهما ينيرون العقـــولا

وكيف علومهم تهدي لـدين  ***  وقدما شيخهم رفض الرسولا

عجبت لمرتج بقــراط  أن   ***   يقم له على المولى  دليـلا

و لم يقنع بإيمان الأولى قــد  ***  أبن الشرع فضلهم الجزيلا

أرينك صحب أحمد على أفادوا *** علوم كريد أم ضلوا السبيلا

يمينا لو دروا منها فتيـــلا  ***  لا كانوا علموا جيلا فجيلا

فحسب أولها إيمان صحب به   ***  في ا لخلق قد نعموا  نزولا

وكم من دارس كالفخر كتبا   ***  بها بحث العناصر و  الهيولا

ولـم يذهب إلى  مقال فخر   ***   فمن ذا  أولى  منهما قبولا

فـرد يا  شيخ النقل و احذر  *** علوم الشحم بئس همو قبيلا

نصحتك فاستمع يا شيخ نصحي*** وعض على ناجذك الطويلا

ومن الذين كان لهم باع في رجز الشعر الشيخ الطاهر شوشان الجريدي لكن مع الأسف ضاع إنتاجه ولم يبق إلا المروي عنه والمروي ضاع مع موت رواته، فلم نعثر إلا على رجز طويل دافع فيه عن أهل السنة والجماعة منه هذه الأبيات:

وعندنا إن الأئمة أربعـــة     وغيرهم من ادَّعى مبتدِعة

فمالك إمامنا و التابعـــي     و الحنبلي أحمد و الشافعي

و الحنفي منهم بلا  نــزاعِ     قد ثبتوا بالحق و الإجماع

و غيرها  فباطل لا يقبــل      ومن زاد قلنا حقٌّ يُقتـلُ

ثم  استمع لأعظـم الدواهي      بنفيهم لرؤيـة الإلــه

وسلكوا طريقا ذي اعوجاج       وخوضهم في ليلة المعراج

ما قولكم في   سورة سبحان      أ هـذا حـق أم بهتان ؟

أمـا ارتقى للملكوت الأسمى     مـن قاب قوسين أوَ اَدنى

غرتهم النفس مع الأهــواء     وحادوا عن طريق الاستواء

ومن الأعلام الشيخ محمد بن سليمان حمداوي الذي ترك مدونات علمية في اللغة والفقه ، قد اشتغل بالوعظ والإرشاد ، والتدريس والتوجيه والدعوة، وتصحيح عقائد العامة قبل الخاصة وهذه عادة كل العلماء الذين عاشوا في هذه الديار ،  فلم يخلف لنا انتاجا يمكننا من معرفة ملامحه العلمية ، ومستواه الفكري ، ومع هذا فله مدونات علمية في اللغة والفقه وبعض القصائد الشعرية منها أرجوزة في نسبه .منها هذه الأبيات :

فمن سليلها محمد ابن سليمان   ابن أحمد الزكي ابن المداني

نجل محمد الولي الصــالح     والده محمد ابن السايــح

ابن محمد الكبير ابن  محمد      بالسائحي يدعى نجل أحمد

و له بعض القصائد الشعرية لم نعثر عليها.

     ومن الشعراء الوكيل الشرعي التجاني حقي ،الذي قال العديد من القصائد الشعرية في المناسبات،وله كتاب مخطوط في التاريخ المحلي تحدث فيه عن واحة تقرت وضواحيها.    

ومنهم الأعلام النابهين  محمد الصغير بحة التماسيني الذي عانق نظم الشعر  الوطني الذي يحفز النفوس ويدعو الشباب إلى طلب العلا  ومن شعره هذه الأبيات التي قالها في بداية الأربعينات رواها لنا الطالب علي بوخزة أحد تلاميذته الأوفياء:

يا  شباب  الجـزائر     أنت خير الـذخائر

حيث مـا أنت سائر    تـحي عهد الجدود

يا شباب العــرب     أقبلـــن للأدب

للمــنى و الطلب     والمقام السعيــد

هذا   عصـر الجمال     و العلا و الجـلال

قل  كما الله قــال     فيه هـل من مزيد

لا  تكن  في  الثـرى     يا  شبــاباً درى

إن   خيـر الـورى     من يُرى في صعود

وفي قصيدة أخرى يقول:

ياليلة الأنس عــودي    بما يسر فــؤادي

يبدو نجــم صعودي     على سمـاء بلادي

ومن الأعلام الذين كان لهم خضور علمي بوادي ريغ الشيخ أحمد بن أعظامو، اشتغل بالتعليم والتدريس و وقدكانت له جولات في قول الشعر لكن مع الأسف لم نعثر على شيء من شعره، و من الصفات العلمية التي لزمته في حياته ، أنه مرح كثير النكت العلمية والنوادر الأدبية حتى أنه جعل النكتة النادرة لازمة من لازماته ، و وسيلة من وسائل التعليم ، ولغزارة قاموسه اللغوي وسعة حفظه للشعر العربي، إن كل كلمة غريبة في القرآن أو في السنة إلا و يستشهد على معناه في بيت من الشعر العربي القديم الذي يفسره، فتخاله أبا علي القالي في أماليه أو ابن سلاَّم في طبقاته أو أبا تمام في حماسته.

 ولشدة حرصه على سلامة اللفظ، والحفاظ على نطقه، ومخارج حروفه  يصحح للناس منطقهم و يصوب لغتهم خصوصا المتعلمين، فإذا تكلم أمامه شخص متعلم بكلمة محرفة استوقفه، وصحح له النطق بها وراجعه وأعطاه الأوجه المشتركة في معانيها وهذه من الأمور شاهدتها بنفسي وأنا في طور الطلب.

فمن تلك المواقف، إنني كنت أسير مع أحد الزملاء المعلمين الذين يدعون معرفة واسعة باللغة ، و يتفاصحون أمام المتعلمين، فرأى الشيخ أحمد بن أعظامو جالسا على كرسي أمام إحدى المتاجر بجامعة، وحوله جمع من الناس _ ولم أكن أعرفه _ فقال لي الزميل ها هو الشيخ أحمد جالسا، تعال نسلم عليه فتقدمنا للسلام عليه فقال الزميل: السلام عليك يا " سِيدِي" بكسر السين والدال وإهمال الياء فرد عليه الشيخ: لست سيدك يا ابني فإذا كنت تريد توقيري فقل "سَيِّدِي" بفتح السين و تحريك الياء المكسورة المشددة لأن السيد بكسر السين وإهمال الياء تعني الذئب في لغة العرب و أنا لست ذئبا و أنشد قائلا مستشهدا :

ولي دونكم أهلون سِِِِِِـيدٌ عَمَلَّسٌ    وأرقـط زهلول وعرفاء جيأل

و قد احمرَّ وجه الزميل وخجل من نفسه، ومن يومها عرفت الفرق بين سِيدي وسَيدي، وإذا كان  لهذا معنى فإن للشيخ باع في فقه اللغة ، كما كان شيخنا مولعا بالألغاز الفقهية والنحوية وغريب اللغة .      

وكانت الموعظة  _ رحمه الله _ لا تفارق شفتيه فكلما جلس في مجلس أو مر بجماعة جلوس أو حضر حفلة زفاف أو شهد جنازة أو عاد مريضا،إلا كان فيها واعظا و مرشدا وناصحا وموجها.

     ومن الأعلام الشيخ إبراهيم قادري الراشدي النسب والخليلي المسكن ، أخذ على الشيخ أحمد بن أعظامو مباديء النحو و الصرف ثم جلس بسيدي خليل للشيخ أحمد البسطامي لمدة أربع سنوات فأخذ عليه شرح بن عقيل و المكودي على االألفية ، ومفتاح العلوم للسكاكي وشروحه  وسيدي خليل في الفقه و شروح بعض المتون العلمية المقررة و قد أجازه للتدريس.

 كتب مجموعة من المقالات في الدين والاجتماع، و كتاب في التفسيرالكوني سماه "اقتران الأرض بالسماء في القرآن الكريم "ومجموعة من الخطب الجمعية، وله بعض القصائد الشعرية في الوصف والرثاء، ضاع أكثرها ولم يبق منها إلا النـزر القليل.

منها هذا المقطع من قصيدة طويلة يرثي فيها قرية سيدي راشد مسقط رأسه بعد الحالة التي آلت إليها، من هجر أهلها وموت نخيلها، وغور مياهها، متحسرا  فأنشد يقول :

أبيت حليف النجم في ظلم الدجـى ***   أفكر في ليلى وأيام صبوتــي

وعهدي مع ليلى مضى عقب الصبا  *** فما كنت أخفيه على أصفى أحبتي

عمدت لتجوال في ربا دارهـــا  *** وجدت خلو الدار سبب وحشتي

تخالفت   الأرواح تعفـي رسومها   ***  وجاءت دعاص الرمل تملأ تربتي

فصارت مراع للظبا أمينــــة  ***  وفيها مراد الوحش يرقب غفلتي

    منها هذه القصيدة التي  قالها عن فلسطين عام 1948 منها هذه الأبيات:

بكيت بوحش سلبت سعاد      وحاسبت نفسي عما  يجب

إذ  ليلى تنادي  الشيـاب      يا آل هــاشم ويا تغلب

الوغد  يدوس كــرامتها      ودمعها على خدها يسكب

 قــم واستجب للنــدا      وعرف بليـلى لمن تنسب

واحم حمـــى دارهـا       ممن حقـــده  لا ينضبب

فليس جبانـا قلته  الوفاة        و تلقى شجاعا  لها يطلب

فلسطـين يا عبرة الأزمنة       لك في الأساطيرمايكتـب

ويقول في قصيدة أخرى ينتقد فيها تصرفات بعض الشباب منها:

يفاخـر بـروسو و زاكــو    و  ينسى  رسول الأمــــم

وراح يزاحم اختها زج الحـجا     و  ذر غبار و  تلويث فـــم

و هام بجيلات وماري و شبههما     وقال لسلمى ما أنت لي ابنة عـم.

وفي وصيته إلى أبنائه في مرض موته  قال:

قد هام قلبي و همهمت شفــتيو    دمـع عيني سال كوابـل المطر

مما  أعاني  من  تذكـر صبيــة     لا يجدون حنان الأم في  البشـر

و  في مغيبي كيف حال أفئدتهـم     يلتفتون حيـارى خـافتي النظر

الأم تحت الثرى و الأب في مرض     رهن الفـراش يعاني شدة الضرر

أولادي عنكم راض مثل خط أبي      ما دمت حيا أو وسدت في الحفر

الحكم  لله وحده فـرد  صمـد      و كلنا يابنيَّ في  رحمـة  القـدر

نماذج من نثــــره:

   1 – يقول في كراس من كراسته،عن علاقة السماء بالأرض وحياة الإنسان بينهما :

ً إن الإنسان جزء من طين الأرض ، في جزئه المادي،كونه متكون من المعادن التي تحويها تربة الأرض، وهو هيولي سماوي في جزئه الروحي الذي لا يعرف كنهه إلا الله خالق الإنسان، وفي هذا يشير ابن سينا إلى طبيعة النفس الإنسانية فيقول:

هبطت إليك من  المحل الأرفــع     ورقاء ذات تعـزز وتمنـــع

وصلت على كره إليك ،وربمــا    كرهت فراقك وهي ذات تفجع

فالإنسان يتحرك على الأرض بجزئه المادي ، يمشي في مناكبها ويتدبر عيشه بجزئه المادي فيأكل ويشرب من رزق الله الذي أودعه في الأرض ،   والسماء هي السبب المباشر في إحياء الأرض بواسطة الأمطار التي تنزل منها، وفي ذات الوقت بها يتعرف الإنسان على الوقت وتعاقب الأيام وأوقات العبادة التي تربط جزءه الروحي بالسماء، بواسطة الشمس والقمر والنجوم". 

2 – وهذا جزء من رسالة بعث بها إلى الوالي العام الفرنسي سنة 1935م يعارض فيها استيلاء المعمرين على الأراضي الفلاحية عن طريق البيع من الأهالي الضعفاء، عنونها أرض سيدي راشد أرض عروشية لا سلطة للأفراد عليها

" ما هذه المحاولات؟ وماذا يراد منا أو لنا من الخير أو الشر ؟ كانت واحة سيدي راشد من أزهى وأغنى  الواحات في وادي ريغ، وكان أهلها ذو حظ عظيم في جنوب عمالة قسنطينة، ولكن لقرب موقعها من قرية السفاو الأثرية انهالت عليها كتائب الرمال المتراكمة كالجبال ، وعجز أهلها عن مقاومة ذلك الطوفان الترابي، مع عدم عناية الحكومة ، بوسائل وقاية العيون من الضياع ، وإن الرمال لخطر على مياه وادي ريغ ،لملازمته منابعها تحت الأرض، فكيف بها إذا كانت من فوق ومن تحت؟

   وكثيرا ما صرخنا واستنجدنا بالحكومة، وأرض سيدي راشد في نقص متتابع، حتى غاض كل مائها ويبس نخيلها ، وارتحل منها أهلها فأصبحت معدومة الحدود ، مجهولة المعالم ، مطموسة الرسوم، ورغم تكرار الشكوى للحكومة ، وما من وال على أرض تقرت، إلا ويعد أهل سيدي راشد برفع قضيتهم إلى الولاية العامة، ،وإصلاح حالهم ، ولكنها مواعيد عرقوب "

3 – وهذه فقرة من خطبة جمعة أيام الثورة ، يعظ فيها المصلين ،ويحثهم على الوحدة والتعاون، والتماسك :

" أيها الناس لا تكونوا ، كالذين تفرقوا واختلفوا ، بالمراء والجدال والخصام ، واتباع الهوى ، وطاعة شياطين البشر من أجل حطام الدنيا، فإن الدنيا زائلة والحفاظ على الشرف هو طريق الخلود، وإياكم والخروج على جماعة المسلمين ، واحذروا أن يستقل كل برأيه ،إنكم تسمعون كل جمعة عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:  قال رسول الله r: " من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"  و روى البغوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول اللهr: " من سره أن يسكن بحبوحة  من الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ" فواجبكم أن تتعاونوا يساند بعضكم بعضا، وقووا أنفسكم بالوحدة، فبالوحدة تتغلبوا على من سواكم، تعاونوا بالمال وبما استطعتم ولو بالكلمة والطيبة وعدم التشهير، وإلا تفعلوا فقد تسكنون بحبوحة من النار و يصدق عليكم قوله تعالى] تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى[

من الأعلام الذين كان لهم نشاط علمي و اشتغال بالأدب الأستاذ علي كافي، الذي  تعلم في الكتاب على يد الطالب عنانو وأتم حفظ القرآن على يد الطالب بابا ، ثم جلس إلى حلقة الشيخ الطاهر العبيدي بالمسجد الكبير ، وفي عام 1947 ألتحق بجامع الزيتونة مع مجموعة من أبناء تقرت فقضى فيها سبع سنوات فتخرج بشهادة التحصيل ، وعندما عاد إلى الوطن التحق بمدرسة الفلاح التي أسسها الحشاني بن العمري وبعد الستقلاا اشتغل استاذا ثم مديرا إلى أن أحيل على العطلة الرسمية. 

تسمعه عام 1952 في مدينة باتنة أما جمع من الشباب بمسجد عبد القادر السائحي، ويحضور الشاعر الكبير محمد الأخضر السائحي والشاعر الأستاذ أحمد بن الطيب معاش ، بمناسبة إحياء ليلة القدر فلا يأبى إلا أن يخلدها بهذه الأبيات فينشد مخاطبا شباب الجزائر ليحرك فيهم الهمم وكأنه يناديهم ليوم عظيم أوشك أن يهل هلاله فيقول :

سر والمعالي فليس النصر أحــلاما    أيا شباب العلا قم حيِّ أعـلاما

وصف لهم كيف كان الدين مزدهرا    واقصص عليهم من التاريخ أياما

أيام عز رعــاها الله قـد ذهبت     وأصبحت في عيون الناس أوهاما

شباب بــاتنة  من  للبـلاد إذا      إذا تنكر الجيل للأوطان أو نامـا

فأنتَ في نظر الأوطان منقذهــا      فكن طموحا إلى العلياء مقدامـا

يا ليلة القدر و الأحكام  جـائرة      فهل ستمضي  ليالي العمر آلامـا

يا ليلة القدر وقد أقبلتِ مغرفـة       و الفجر أقبل بالآمال بسـامـا

إليكم سادتي كالمسك عــاطرة      تحية  من  فتى  بالشعر قد هـاما

 تسمعه في السجن عندما ألقي عليه القبض، وقد سلطت عليه زبانية العذاب جام غضبها، وأذاقته أنواع العذاب، يقول ويتحدى زنزانة السجن و خزنتها القائمين عليها ، متمثلا المثل الشعبي الذي يحدد معيار الرجولة في أيام المحن " الحبس للرجال" ومستمدا ثقته من قوله تعالى: ] وقل جاء الحق وزهق الباطل  إنَ الباطل كان زهوقا  [  فيقول:

أيها السجن ســـلاما      قد دخلناك كرامـــا

لم  نكن قط  لئامـــا      أيها السجن المهـــول

قد دخلناك بفخـــر       و صبرنا صبر حــــر

رفض  الذل لكفـــر      وأبى  العيش  الذليـــل

إيهٍ يا  أرض  الجزائــر      قد  تركت الخصم حائـر

كل فرد فيك ثائـــر      يطرد  الجيش  الدخيــل

ضيَّقوا عنِّي الخنـــاقا      ضربوا  حولي   نطــاقا

أَبْعَدوا  عني  الرفاقــا       كي يفوزوا  بدليــــل

يا أخي سر قدمـــا       نحو تحرير  الحمــــى

أصبِغِ  الأرض دمــا       ترعب الخصم  الجهــول

يا عدوا لبـــلادي       عد إلى نهج الــــرشاد

قد دعا داعي الجهـاد        فتأهيأ  للـــــرحيل

أيها  الأعداء صولـوا       في  زمان لا يــــطول

سنة الكون تقــول        دولة الظلم تـــــزول

وعندما أشتد لهيب الثورة، وعلا صوت الجزائر الحرة يدوي على لسان عيسى مسعودي، وهو يحفز الشباب للبذل والعطاء ، ويدعوهم أن يتأسوا برسول الله r في جهاده ودعوته حتى النصر ، ويشيد بكفاح الأبطال في الجبال ، ويبشر بالنصر القريب، أبى علي كافي إلا أن يعبر عن أحاسيسه ومشاعره ويخلد هذا الصوت في قصيدة طويلة نقتطف منها هذا المقطع:

رددي يا جبال صوت الرعـود     وانشدي للأنام لحن الخلـــود

و ارفعي راية  الكـفاح للشعب    عاش دهـــرا مكبلا  بالقيـود

يا ملاذ الأحرار في كـل  وقت     أنت آمـــالنا لـعهد  جـديد

فابعثي بالأسود من  كل صوب     وارحمي يا جـــبال   كل شهيد

لك في القلب يا جبال جسـور     ذكــرتنا بثورة   التـــوحيد

حين ضاق الكفار  بالدين ذرعا      و  تنادوا  بالشـر و  التهديــد

فأقـام الرسول  في  غـار ثور     و انبرى للجهاد دون حـــدود

فعسى الله أن يجـود بــنصر     لبــلادي و ليس ذا ببعيـــد

واسمعه يتألم عندما لا يسمع الجديد من شعر أستاذه محمد الأخضر السائحي، و يتأثر أن يحتجب عنه صوته الشادي، فيبعث إليه بهذه الأبيات، بعد غياب طويل ، واشتياق لدعاباته الأدبية، ومسامراته الفكرية، وقراءاته الشعرية، يرجوه فيها ألا يحرمهم من جميل شعره ، ويعود بهم إلى أيام الشباب ، ويبعث فيهم الذكريات الجميلة التي عاشوها معه فيقول:

بلبل الشعب من قـوافيك  هات     قد ظمئنا لتلكــم الصدحات

هـاتها روضة تـطاول  حسـنا      وجه حسناء ضاحك القسمات

هــاتها  في جـمالها  عــلنا      نـذكر ما كان بيننا من صلات

صد  ذاك  الجمال عنا  فلــم       يبق سوى لــوعة تثير شكاتي

وفي الوقت الذي كانت فيه المعارك الفكرية والثقافية في  أوجها بين الزيتونيين والصادقيين، يتعايرون، فالصادقيون يرمون الزيتونيين بالرجعية والعقم الفكري، وينعتونهم بالتخلف عن الحضارة العصرية ، والانغلاق على أنفسهم ، والاكتفاء بترديد الماضي، بينما الزيتونيون يرمون الصادقيين بالانسلاخ عن الذات ، والتنكر لقيم أمتهم، و الذوبان في الثقافة الغربية التي أبعدتهم عن شعوبهم، فلم تفته هذه المواجهة ليسجل موقفه ورأيه في قصيدة ،قالها في حفل انتظم في شهر جوان عام 1952 بالمدرسة اليوسفية يرد فيها على الصادقيين، ومعتزا بانتمائه إلى الزيتونيين؛ فقال مفتخرا بأفضال الزيتونة على الأمة :

حمتك السماء زيتونة العز أشـرقي      وطيري بأجواء الحياة و حـلقي

و دوسي يد الأعـداء لا تعبئي بها      شبابك أقـدار على  كل مارق

و رثت عن الأسلاف كـل فضيلة      نبات ابن حبحاب و وثبة طارق

فأنت على مر  الـزمان منــارة      تؤمن للسـاري  اجتياز المضائق

إذا ذكرو الخضراء كنت   جمـالها      فأنت سام الفخـر  دون تملـق

و لكن خفافيش  الظلام  تجمعـوا       يكيدون للإسلام كيـد  منافق

ويوم تعالت في المساجد  صيحـة        منادية يا   خيـل  عقبة سابقي

فكان  لها  وقع  السهام  على العدا      ورد على كيـد العـدو  بمنطق

فيا أيها  الحفل الكــريم  تحيـة        أخاطبكم فيها بلهجـة واثـق

فلا ركنوا فالذل   ليس   بشيمـة       لمن هو موصول بـرب الخلائق

و كونوا حماة للثقافة و   الهــدى      وربكم للمــرء خير مـوفق

ولم يرقه أن يسمع هيام يونس وهي تترنم بأغنيتها الرقيقة، التي تهز بها مشاعر الشابات و الشبان وتثير فيهم رغبة الوصال

ما باله لايرحـــم       كأنه لا يعلـــم

يمر خلف بيتـــنا       يمضي ولا يكلِّــم

يظن أني طفلـــة       صغيرة  لا تفهــم

فها أنا كزهـــرة      فيها الشذى و البرعم

فيعارض الأبيات على نفس الوزن والقافية، و يرد عليها  باسم الفتاة العربية الشريفة العفيفة فيقول:

ما باله لايفهـــم     كأنه لا يعلــــم

غدا سيلقى  ربــه     بذنبه و ينــــدم

يظن أني طفلـــة     تنحط فيها  القيــم

لكنني لا ارتضــي     بشرفي    يهـــدم

حريتي في شرفــي     و ليس فيما زعمـوا

إنَّ الذي فطرنــي     أدرى  بنفعي منهـم

يا قومُ هل  من غيرة      أليس فيكم مسلـم؟

يذود عن  حياضها       حتى تصان  الحـرم

علي كافي متصوفا :في هذه الأبيات يحدد علي كافي مذهبه ورأيه في التصوف عموما فيقول:

من ضيع الخلق في درب المتاهات      و  أبعد الناس عن نهج الرسالات

سوى زنادقة أخفوا مبــادئهم       تحت التصوف  خوف الاتهامات

أهـل الحلول نصارى في مبادئهم       أم أنهم أوليـــاء في المقامات

و الاتحاد الذي  ينأى  بصـاحبه       ليصبح العبد  ربا بالسخافـات

و وحدة  لوجود من  يصـورها       ويجمع الكفر والإيمـان في ذات

إني برئت من الإلحاد متجـها        لفاطر الأرض حقا والسمـوات

   علي كافي إعلاميا:

      عندما فتحت إذاعة الواحات أمواجها الأثيرية عام 1956، كان الشيخ علي وقتئذ مديرا لمدرسة الفلاح العربية الحرة، فأراد أن يبلغ رسالته القومية عن طريقها ، ويصل صوت الوطنية إلى أذان المستمعين بطريقته الخاصة وبتوريته الذكية، فكون من بعض التلاميذ والتلميذات مجموعة صوتية، يقدمون نشاطات إذاعية ثقافية متنوعة ، على غرار حصة الحديقة الساحرة ، والبيت السعيد ، وأعد للمجموعة برنامجا خاصا سماه " حصة الخميس، وو ضع للجنيريك أنشودة ، لحنها الأستاذ المكي العمري هذا نصها:

حصـــة الخميس      حــصة طـــريفة

بالــدرس النفيس       و الـروح  الخفيفــة

أيهــا  الصغـار       في كـل   الديـــار

قد حفظنـا العهود       وبذلنا الجهـــــود

فابعثــوا بالردود       لحـــصة الخميـس

         وامتدت هذه الحصة حتى بعد الاستقلال ولكن في ثوب جديد وهدف جديد، وقد لاقت هذه الحصة نجاحا باهرا ، وبإمكان القائمين الآن على الإذاعة الوطنية ، أن يبحثوا في إرشيف الإذاعة القديم، فسيجدون تسجيلات هذه الحصة .

مميزات شعره:

      يتميز شعر الشيخ على كافي من ناحية الشكل بسلاسة اللفظ ووضوح المعنى، يستعمل الألفاظ البسيطة السهلة المستعملة ، حتى لا يتعب القارئ في فهم ما يقرأ ، ولا يضطره إلى استعمال القاموس لفهم الألفاظ ، كما أنه يطوٍّع الوزنَ فلا يجد القارئ في شعره تعقيدا في تركيبه، ولا غموضا في جمله، أما قوافيه أكثرها ذات جرس موسيقي خفيف على الأذن تساعد الملحنين على تلحينها ،و يسهل على الأطفال والمنشدين إنشادها في المناسبات

        وهذه البساطة في الألفاظ ، والمرونة في الوزن ، والوضوح في المعنى لم تمنعه من استخدام الاستعارات المكنية والتشبيهات البليغة خصوصا في قصائده الغزلية .

      أما مضامينه الشعرية فتهيمن عليها الموضوعات الوطنية، والغزل الرمزي ، مع شيء قليل من الرثاء بمفهومه الحديث الذي ينصب على مدح الأفعال وذكر جليل الأعمال، ولم نعثر له عن قصيدة مدح بها مسئولا أو شخصية ذات جاه ، وإذا مدح يمدح أهل العلم من أساتذته ورجال الإصلاح .

الشيخ علي نـــاثرا:

      للشيخ علي نثر مرسل غزير مخطوط في أوراق متفرقة، وكنانيش مدسوسة بين كتبه، تحتاج إلى جمع وترتيب وتبويب، يغلب على مضامينها الموضوعات الدينية من خطب جمعية، ودروس في التفسير والحديث ، يغلب على نثره أسلوب الوعظ والإرشاد والتعليم بأسلوب إنشائي، والمفارقة العجيبة التي تميز علي كافي في كتاباته ، أن أسلوبه في النثر أصعب في الفهم ،من أسلوبه في الشعر، لأن القارئ يجد في نثره التعقيد اللفظي فيقدم ويؤخر، ويستخدم الجمل الطويلة، وأعتقد أن السبب هو توظيف اللغة الشفوية المباشرة المعتمدة على الارتجال أحيانا من جهة ، ومن جهة أخرى ربما تأثر بأسلوب شراح المتون الفقهية.

علي كافي مؤلفـــا:

       لم يتفرغ الأستاذ علي كافي للتأليف، ولم يحترف الكتابة، لاشتغاله بالتربية والتعليم ، إدارتها طوال حياته العملية، وتفرغه للوعظ والإرشاد في المساجد ، وتوجيه وتعبئة الشباب بمحاضراته في الثانويات ودور الشباب، شأنه شأن أساتذته في الحركة الإصلاحية الذين وهبوا وقتهم لبناء العقول وتربية النفوس،  ومع ذلك لو جُمِعَ ما قدمه من دروس، وكتبه من محاضرات ودونه من خطب في شتى الموضوعات، لوجدنا كما هائلا من النصوص تشكل تأليفا كاملا يستحق النشر والتوزيع تستفيد منه الأجيال، وتطلع من خلاله على مرحلة من مراحل تطور ثقافتنا الوطنية.

      وفضلا عن ذلك فقد وجدنا في مكتبته تألفين قيمين :

مجموعة من المسودات والرسائل المختصرة في الحديث والتفسير والعقيدة وحلقات مترابطة في تاريخ مدينة تقرت.

رسالة قيمة في المواريث أصلها دروس كان يلقيها على طلبة الحلقات المسجدية المهتمين بالثقافة الإسلامية والعلوم الشرعية، نأمل إن شاء الله أن نقدمها للطبع.

ومن الشخصيات الذين كان لهم جضور ثقافي بمدينة تقرت الأستاذ محمد كافي الذي أفنى عمره في التعليم حتى صار التعليم جزءا من حياته ، فمن نظمه  وشعره التعليمي هذه القصيدة في إعراب الاستثناء يقول:

إن لم تجد نفيا فانصبه دائمــا    كقولي غاب القوم إلا عالمــا

و إن وجدت نفيا قم بما  يلـي     أحذف أداة  الاستثناء و  اسأل

هل   الكـلام وقع فيه خطـأ     أو بقيت بنيته مرتبــــطة

وإن وجدت قولك  صحيحـا     اتبع أداة الاستثنــاء مستريحا

وإن وجدت قولك قد انكسـر    أنصب أو اتبع مستثنى ولا ضرر

ويقول في مطابقة العد للمعدود:

العددان واحد واثنـــان    مع المعدود دائما متفقــان

ثلاث مع تسع و بينهــما    مع  المعدود دائما خالفهمـا

وعشرة منفردة  مخالفــة    وإن أتت مع  غيرها موافقـة

أما المئات والألاف والعقود    شبيهة بجبهة  الصمـــود[11]

ويقول في تمييز العدد:

ثلاث مع تسع تمييــزها  أتى    جاء مجرورا بالإضافة يـا فتى

تسع وتسعون  إلى الحادي عشر    أنصبه  بمفـرد فلا ضــرر

تمييز الألـف و المئات إن أتـى   تجره مفـردا  و مجرورا يا فتى



[1]- الشيخ عبد المجيد بن حبة السلمي.

[2]- العياشي الرحلة ماء الموائد

[3]- بعض المؤرخين ومنهم يوسف سليمان بن داوود،  يقولون أن محمد بن بكر هو نفسه سيدي محمد السايح جد أولاد السايح ، وذلك لتشابه الاسم  و وحدة المكان ،و صفة السياحة.

[4]- الدكتور خليفة النامي محاضرة ألقاها في ملتقى الفكر الإسلامي بورقلة عام 1977.

[5]- أبو العباس الدرجيني كتاب الطبقات تحقيق وتقديم محمد طلاي لجزء الثاني ط/البعث1972. ص/509ا

[6]- أبو العباس الدرجيني  المصدر نفسه.

[7]- إبراهيم بن محمد الساسي العوامري الصروف

[8]- سعد الله دراسات في الشعر الجزائري ص/ 34دار الملايين بيروت 1966

[9]- الهادي السنوسي شعراء الجزائر  في العصر الحاضر

[10]-- الهادي السنوسي شعراء الجزائر  في العصر الحاضر

[11] - جهة الصمود هي الدول العربية التي وقفت موحدة واتخذت قرارا واحدة ضدة التطبيع مع إسرائيل فشبه الناظم تمييز المئة و الألف و العقود أنها دائمة واحدة على الإفراد.