العلامة الشيخ "محمد بن الحاج عيسى" الورجلاني وأبرز مآثره

            الأستاذ الشيخ علي خويلدpdf

د.محمد الأمين خويلد

1ـ توطئة:

     

        سنحاول –من خلال هذه البحث- التعريف بشخصية الإمام الرباني والعلامة الصوفي الشيخ "محمد بن عيسى" الورجلاني. وإن الكتابة حول سير العلماء , ومناقب أهل الفضل أمر جلل, ولكنه في الوقت ذاته شرف عظيم وواجب ينبغي أن يؤدى , لأن سيرتهم تعد مثالا ينبغي أن يحتذى , لما ضربوه من الروائع في التضحية وطلب العلم ونشره بعد ذلك . ومن العلماء الذين يعتز بهم القطر الجزائري عامة ومدينة ورقلة على وجه الخصوص, العلامة الشيخ محمد بن الحاج عيسى وفيما يلي موجز عن حياة هذا العلم.(1) 

2 ـ مولـده و نشأتـه:

        هو العالم الفقيه المفتي الشيخ محمد بن علال مسروق الشطي نسبة لقرية الشط, بمدينة ورقلة، و أمه الزهرة بنت محمد,و قد ولد سنة 1892,من أبويين صالحين ينتميان إلى عائلتين عريقتين في الشرف و العلم و ينتسب من جهة والده للقبيلة المسماة (المشايخ),أكبر قبيلة في الشط التي كانت قبل سيدي بلخير,و قد حرص أبواه على تعليمه و تربيته أحسن تربية,و تنشأته على الأخلاق الفاضلة,حيث أدخله إلى الكتاب لحفظ القرآن الكريم و هو ابن أربع   سنوات،  توفي والده وهو ابن ست سنوات,فتولت أمه أعباء تربيته و تعليمه,و كانت تحثه على طلب العلم,و توقظه قبل الفجر بساعات ليذهب إلى المسجد الجامع,لينهل مما أفاء الله عليه من علم و قراءة القرآن .

3ـ طلبه  للعلم و أبرز مشائخه:

       دخل الشيخ الكتاب وسنه لا يتجاوز الأربع سنوات , لدى الشيخ بلخير باعمر أولا،ثم الإمام الحاج عبد القادر ثانيا و عليه أكمل حفظ القرآن ,  و تمكن من حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة و انصرف بعد ذلك إلى تلقي مختلف العلوم, و كانت البداية على أيدي علماء الممنطقة . فأخذ عن شيوخ المنطقة مبادىء الوعظ و الإرشاد, ومبادئ الفقه, و علوم القرآن, و من فضل الله عليه أن جعل نخبة من العلماء والمشائخ -الذين تتلمذ عليهم- يقصدون مدينة ورقلة، إلى درجة أن أحدهم قال له ذات يوم: " ما سبب مجاورتي لمدينة ورقلة إلا أنت " وهو العالم الجليل عبد الله الشنقيطي, الآتي من شنقيط من موريطانيا,  و قد تتلمذ أيضا على الشيخ محمد السكوتي , و عن هذين الأخيرين أخذ اللغة و علومها و علم التوحيد ,  والمنطق, و أصول الشريعة، وكانت له اتصالات بالشيخ الطاهر العبيدي, و الشيخ الطاهر بن عاشور , و الشيخ الهاشمي الشريف الحسني صاحب الطريقة القادرية , و غيرهم من علماء  اليمن, والحجاز , ومصر , وفلسطين  الذين التقى بهم أثناء رحلاته الثمانية إلى الحج , والتي كانت أولها عام 1928.

       وبعدما أجازه شيوخه , وسارت بأخبار علمه الركبان , انبرى لتبليغ علمه جاعلا من مدرسته بالشط منارة علمية , ينطلق منها إلى ربوع ورقلة واعظا مرشدا, وقد أدرك الشيخ محمد بعمق عظم هذه الرسالة , فقام يبلغها ويؤديها إلى آخر يوم من أيام حياته .

4ـ أبرز صفاته:

          كان الشيخ محمد -رحمه الله- ذا موهبة إلهية عظيمة إذ رزقه الله قوة الحافظة واتقاد الذكاء, و سرعة البديهة, و حضور الحجة، فضلا عما خص به من كرم في الأخلاق , و رحابة في الصدر , و بعد في النظر ,وسداد في الرأي...   .

        و قد عرف الشيخ بزهده وورعه و كثرة عبادته, و لم يشغله أداء رسالة العلم عن كسب قوته بنفسه من عمله فيما تركه له والده من النخيل, و هو من دانت له الرقاب , ضاربا أروع الأمثلة في الاعتماد على النفس و التواضع , و كان سباقا إلى إقامة الصلح بين العروش و القبائل إذا ما سرى بينها خلاف .

        و ثبت أن أمارات الفضل و خلال النباهة و صفات العلم والمروءة , تجلت فيه مذ كان صبيا , و قد أذكى فيه هذه المواهب, المحيط الصالح الذي نشأ فيه , والعائلة الكريمة التي ترعرع في أحضانها ,

            و كان شغله الشاغل طلب العلم و نشره و التعمق فيه, متجنبا للقيل و القال, مبتعدا عن الغيبة وما يسف بالمروءة .

        و كان في إفتائه يترك الأقوال الضعيفة و الشاذة, ولا يتكلم إلا بالمعتمد من الأقوال الراجحة أو المشهورة . وكان شديد الحرص على ضرورة التثبت فيما يأخذ عنه, فلا ينبغي أن ينقل الناقل عنه مسألة هو منها في شك.

5 ـ الشيخ و رسالة العلمـاء:

      لقد تمكن للشيخ  حوالي سبعة عشر فنا, تندرج تحت علم الكلام , و علوم الفقه , وأصول الشريعة, و علوم اللغة , وعلوم القرآن , و غيرها من العلوم التي كان يؤمها الطلبة و الدارسون من كل حدب و صوب , حتى أصبحت الشط توصف في ذلك الوقت بفاس الصغرى .

         و قد اعتنى الشيخ اعتناء خاصا بالحديث النبوي الشريف بالاعتماد على صحيح البخاري سردا للمتن , ووقوفا عند أبرز المعاني, و قد بقي هذا العمل الحميد متواصلا بعده , و كان قصده من بث حديث المصطفى و نشره إنارة العقول و تطهير النفوس من براثين الخرافة و أدران البدع و الشوائب التي علقت بها , يحذوه في ذلك قوله تعالى بعد بسم الله الرحمان الرحيم : "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر ". و كان يدرك كل الإدراك أن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها .

        ومما لا مراء فيه أن تركيزه على حديث المصطفى يحمل من الأبعاد و الغايات الإصلاحية الشيء الكثير, من توسيع لدائرة العلم , و حث على اقتفاء آثار الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم , و الإكثار من الصلاة عليه , و التبرك بذكره وبحديثه صلى الله عليه و سلم , و لا يخفى مدى ما تعكسه هذه الأمور من نور في النهى  والألباب ,  فينشأ بذلك جيل ينبذ البدع و الخرافات و الترهات و الأباطيل , جيل يعمل جادا بكل ما أوتي من قوة على اقتفاء أثر السلف الصالح , و السير على هديهم , وعلى رأسهم أستاذهم الأكبر و مرشدهم الأول و إمامهم الأعظم النبي صلى الله عليه و سلم,  وكأن الشيخ  – وهو يركز على الحديث الشريف – كان يتمثل قول الله عز و جل ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).وقوله "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"

       وقد أقام بمسلك العلم الذي اختاره حربا شعواء على البدع والخرافات التي عمل الاستعـمار على ترسيـخها في العقـول وتوريثـها جيلا بعد جيـل , فانبـرى علما جليـلا  – وزمرة من علماء الجهة – يعيد معالم الدين إلى صورتها الطاهرة التي تتسم بالصفاء , مستنكرا الابتداع السيئ , مثبتا عرى الدين, منيرا العقول, مطهرا النفوس من براثين الخرافة وأدران البدع التي علقت بها .

        و قد كان له اتصالات حثيثة بمن حضروا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين , عن طريق بعض الذين انخرطوا فيها من أبناء المنطقة , ومن بينهم تلميذه المقرب الطالب حمزة خضران , الذي انخرط في صفوفها و كان عضوا فعالا فيها ابتداء من سنة 1944.

        هذا عن مساره الإصلاحي , أما عن موقفه من ثورة التحرير و الجهاد فقد كان كغيره من العلماء العاملين, شغوفا بحب وطنه , و الدفاع عن حياض عروبته  وإسلامه, و قد رأى أن جهـاده يكمن في إنارة العقول , و تهيئة النفوس للأمور الجسام.

        و حدث أن زاره يوما بعض المجاهدين , فقام فيهم خطيبا بكلمات ألهبت مشاعرهم , وأججت جذوة الجهاد في نفوسهم , وقد سجل ذلك في قصيدة رائعة تعكس مدى حبه لوطنه , و تمسكه بحقوق بلده و أمته , يمدح فيها الثورة و يشيد بانتصاراتها على الجيش الفرنسي الظالم . مطلعها :

            يا زهرة برزت أنـــوارها و زهت

                                     إذ لاحت أعلامها في الكون و انتشرت

       و قد ضايقته السلطات الفرنسية كثيرا , متهمة إياه بإشعال فتيل الحرب ضدها , و جمع السلاح لذلك , و لم يتنفس الشيخ الصعداء إلا بعدما أشرقت شمس الاستقلال , و رفرفت رايتها , حيث كثر عطاؤه , و سما نجمه , و صار الفقيه الحجة , الذي تشد إليه الرحال. 

 6 ـ وفاته :

        بعد مسيرة طويلة من النضال والكفاح , وبعد حياة حافلة بالتعليم والعطاء , وفي ليلة الجمعة من شعبان سنة 1396 هـ الموافق لـ 29 جويلية 1976 م انتقلت روح الشيخ الطاهرة إلى بارئها , و ودعت ورقلة في يوم مشهود فقيهها وعالمها الذي عاش لها ولأهـلها , مفتاح بر ورحمة , آمرا بالمعروف , وناهيا عن المنـكر, وداعيا إلى الخير...   .

         هذا بعض ما يمكن أن يقال عن العلامة محمد بن الحاج عيسى, وعن مآثره و مواقفه, التي أشرقت بجلالها فكان بها إماما للتربية الروحية, وصارت مضربا للأمثال, وأسوة يقـتدى بها, فرحـم الله شيخنا, وجميع المشائخ والعلماء وأسكنهم فسيح جنانه.     – آمين-  

7 ـ نماذج من شعره :

         إن شعر الشيخ يتجه –عموما- نحو الوعظ و الإرشاد , و قد استمد معانيه من القرآن الكريم , و الحديث الشريف , و الثقافة الإسلامية عامة , و الثقافة الصوفية خاصة .

   و من أشهر قصائد الشيــخ قصيدة ( الإشادة بالثورة ), و هذه نماذج منها:                    

             يا زهرة برزت أنوارها و زهت

                                     إذ لاحت أعلامها في الكون و انتشرت

             يا جبهة الأسد مدي الذراع إلى

                                     نيل المواهب من مولاك إذ بسطت

             يا جبهة الأسد يا جيش تحريرنا

                                    بشر ببشرى من الرحمان قد ظهرت

            تحقيق إيماننا بنصر خالقنا

                                     يا حبذا بجزيل نعمة عظمت

            إذ هي في الروم بعد العنكبوت بدت

                                     أنوارها في جميع الأفق قد سطعت

            فطالع السعد في الآفاق قد ظهر

                                     و نادى بالنصر و الفتح المبين ثبت

            جمعت شملا لأمة بها لعبت

                                     عراقيل الكفر و الأنذال إذ جمعت

            فخيب الله سعي الكافرين و كم        

                                     من أمة هلكت إذ للشرور سعت

            فنحمد الله جل قدره و علا

                                     فنحن من أمة المختار إذ نصرت

           إذ حقق الله نصر المؤمنين كما

                                    قد جاء في الذكر و الآيات قد ظهرت

            يا جيشنا حمدت مسعاك أقطارنا

                                     فاعشوشبت أرضنا من بعدما جدبت

          فته دلالا على الأكوان حيث رضا

                                    واشكر لنعمة المولى التي عظمت

       من خلال هذه القصيدة تتجلى روعة الإسلام في إيمان المتصوفة الذين كانوا فاعلين في الأمة ، حين جمعوا بين العلم والعمل، وجسدوا اقتداءهم بالنبي الأكرم –صلى الله عليه وسلم- الذي جمع بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر. وهذا منهج الأنبياء، يقول تعالى :" ولقد آتينا داود وسليمان علما ، وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين".(النمل15) يقول علماء التفسير " آتيناهما علما ، فعملا به وعلماه ، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله ....".(2)

         ونلمح من خلال هذه  القراءة السريعة لهذه القصيدة أثر القرآن الكريم في أفكار الشاعر وأسلوبه, فقد أنزل الله –تعالى- القرآن الكريم معجزة لغوية وبيانية وعلمية، فكان له ابلغ الأثر في قلوب "الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله "، فكان لهم نبراسا وإيمانا وخلقا وشفاء، اقتداء منهم بالنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

      

        وقد تضمن القرآن أغراضا دينيّة شتّى, و اتّخذ من الجمال الفنّي أداةً لتحقيق هذه الأغراض(3), و يقوم هذا المنهج على أروع مظـاهر الجمـال الفـنّي و الإشراق البياني، ولذلك اتخذه عديد الشعراء نورا ومنهاجا، نقف على ذلك جليا في أدب الشيخ وفكره، ومنهجه  في الحياة، كان إماما في الدين والدنيا،  لذلك كان  -وسيظل- مصدر إلهام للشعراء والخطباء، كيف لا و«القرآن يحيل الجمال الفنّي أداة للتأثير الوجداني, حين يخاطب حاسّة الوجدان الدّينية بلغة الجمال الفنّية»(4).

        و قد ترك ديوانا شعريا يضم عشرات القصائد أغلبها في مجال التصوف, والوعظ و الرقائق. والكثير من المخطوطات في شتى المجالات,

      والشعر عنده ما كان صادحا بالحكمة , ميالا نحوها , عازفا عن المجون  وضروب الخلاعة , وخواء المعاني و انحطاطها, فالشعر من منظور العلماء رسالة ناطقة بالحق , ذابة عن عرينه , ذائدة عن حماه , باعثة لعراه , مؤصلة لمعالمه.  وهكذا كان الشعر الذي كان يقرضه الشيخ , ناطقا بالحق مستمدا معانيه من المعارف الإسلامية, ومن القرآن الكريم و السنة النبوية , شعر وعظ و إرشاد , و تذكير و تنبيه, يربط المؤمن دوما بعقيدته , و يذكره بمولاه , شعر إيمان و إصلاح , و انتصار للحق كما حددت معالمه آي الذكر الحكيم , و السنة المطهرة .

الهوامش:

1 – بحث من إعداد الأستاذ:محمد الأمين خويلد والشيخ علي خويلد الذكرى الخامسة و العشرين لوفاة الشيخ العلامة محمد بن الحاج عيسى مسروق . الشط- ورقلة01 جمادى الأولى 1412 الموافق لـ:22 جويلية 2001

2 – د محمود السيد . من أسرار البلاغة في القرآن ص 40

3 – محمّد سعيد رمضان البوطي, "من روائع القرآن", تأمّلات علمية و أدبية في كتاب الله, مؤسّسة الرسالة, بيروت,, 1416هـ- 1996م, ص 195. 

4 – عبد العظيم المطعي, "خصائص التعبير القرآني", ج2,  ص 78.