صفحات مشرقة من حياة الشيخ الطالب عبد الحميد عقال

من أعلام النزلة تقرت – رحمه الله-

            د. عمر بن طريةpdf

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

كلية الآداب واللغات

قسم اللغة والأدب العربي

ملخص المداخلة:    

         من أرخ عظيما فكأنما أحياه و أحيا أمة وجيلا ومن هذا المنطلق تحتفي الشعوب والأمم الراقية التي تنشد الاستمرارية والتواصل فيما بين أبنائها بالتأريخ لعظمائها وشيوخها الأجلاء وعلمائها الأفاضل ، لأنهم المشكاة التي يشع منها النور الذي تسير على هديه الأجيال وتشمخ به الأمم.

ومما لاشك فيه أن العلماء والمفكرين والشيوخ في أية أمة ، وفي أي زمان ومكان ساهموا بقدر ، أو بأخر في التعبير عن التحول الحضاري ، كل في مجاله وميدانه ، وصولا إلى ممارسة الفكر، أو الإصلاح ،أو الرقي بأمتهم ، وكان منطقهم يتوق إلى غد أفضل ، دون أن يغفلوا حركة المجتمع في متغيراتها الأساسية ، أو أن ينعزلوا عن الحركة اليومية.

ومن ثمة ، فإن:" هؤلاء العظماء كالأشجار ، يموتون واقفين ، وإذا ماتوا جاء موتهم عند قمتهم "1

ومن هنا جاءت هذه المداخلة المتواضعة لتسلط الأضواء الكاشفة على  أحد الأعلام البارزين في منطقة وادي ريغ ، الذي  ناضل وأعطى مجتمعه أكثر مما أخذ منه ، وهو صاحب ثورة بكل حمولاتها  الدلالية ، وبالثورة أسهم في رقي مجتمعه وأمته. ذلكم هو الشيخ العلم الطالب عبد الحميد عقال   من أبرز أعلام النزلة دائرة  تقرث.

وتتأسس هذه المداخلة على العناصر التالية:

- توطئة

- حياته وتعلمه

- شهادته العلمية

- صفاته وأخلاقه

- نضاله

- أعماله ومناصبه

- وفاته

- خاتمة

توطئة:

لاشك وأن الحديث عن العظماء حديث ذو شجون  وذو إمتاع ومؤانسة ، واستلهام للعظات والعبر ، ومنارة للأجيال والأمم ، ولا تسمو الأمم ولا ترتقي إلا إذا خلدت شيوخها وعلماءها وعظماءها ؛ كتابة وتأريخا وتمجيدا وتكريما وتبجيلا وتشريفا . ومن ثمة أدرك القاصي والداني ما لسير العظماء وتراجمهم من أهمية بالغة في الحياة ؛ " وتراجم العظماء معرض لأصناف عالية من الحياة القوية البارزة" 2 ولن نكون أمة قوية مهابة الجانب ما لم نمد جسور التواصل بيننا وبين أسلافنا من الرعيل الماضي الأموات منهم والأحياء ، للسير على محجتهم ، والاقتداء بصالح أعمالهم وفاضل أخلاقهم.

وعليه جاءت هذه المداخلة لتتحدث عن شخصية من الشخصيات الهامة في منطقة وادي ريغ

تلكم الشخصية هي شخصية  العلم عبد الحميد عقال الذي حارب الجهل بكل أشكاله ، كما ناصب العداء للاحتلال الفرنسي ، وانبرى محاربا إياه باليراع واللسان، وبكل ما أوتي من غزارة علم ، وقوة في الفكر.

فالشيخ عبد الحميد عقال قل نظيره في زماننا هذا ؛ لأنه كان رمزا للمثقف الحقيقي الذي جعل علمه وثقافته وعمله وقفا لخدمة وطنه وأمته  ، كما وهب حياته فداء لهما.  وهو من الوجوه البارزة في المقاومة الوطنية بوادي ريغ ، ورائد من رواد الحركة الوطنية السياسية في تقرث.

حياته وتعلمه : 

من هو الشيخ عبد الحميد عقال ؟

هو عقال عبد الحميد بن محمد بن الحاج عباس بن الأخضر من مواليد النزلة دائرة تقرث ولاية ورقلة  سنة 1347هـ الموافق لسنة 1928م 3

ينحدر من أسرة متواضعة الحال ؛ فحالها كحال  السواد الأعظم من الأسر الجزائرية آنذاك ، فهي أسرة تدين بالإسلام، وسمتها المحافظة ، وغلبة التدين والصلاح . وفي هذا المقام يقول الباحث أحمد حسيني :" نشأ في أحضان عائلته المتواضعة شأنها شأن غالبية الأسر الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي"4

تعلمه:

أدخله والده كتاب النزلة في سن مبكرة ، أين حفظ القرآن ، وهو مازال يافعا على يد الشيخ بن عثمان الجمعي بمسجد سيدي المخفي بالنزلة 5

رحلاته في طلب العلم :

إن الحالة الاجتماعية التي نشأ عليها الشيخ عبد الحميد عقال  كانت دافعا قويا ، لأن يشق دربه إلى قمم العلم ومسالك النبوغ ،  ولكن همة الرجل السامقة لم تكتف بما حصله في الكتاب ،بل راح يعب من العلوم والمعارف ويستزيد منها دون ملل أو كلل .فوجدناه يختلف إلى حلق العلم والمعرفة والطلب فألفيناه كما قال أستاذنا أحمد حسيني ييمم شطر وجهه: " في سنة 1364هـ الموافق لسنة 1945 م - وعمره 17 عاما - هاجر إلى تونس ، والتحق بجامع الزيتونة" 6 ويومها كان جامع الزيتونة يمور بالحركة والنشاط ،  ويحفل بالعلماء ، ويزدان بالأدباء، ويزدحم برجالات العلم ، كما كان يزخر بمكتبة بها كتب قيمة في مختلف العلوم وشتى أصناف المعارف .          

وما فتئ عبد الحميد عقال  ينتظم في حلقات الدروس حتى لاحت عليه أمارات  النجابة وسيما النبوغ والتفوق . تتلمذ على أيدي شيوخ الزيتونة- بتونس الخضراء-  الجهابذة وقتئذ ، فلازمهم رغم الحالة الاجتماعية التي كانت تحياها عائلته، وكللت جهوده المضنية بنيله الشهادة العليا من جامع الزيتونة ، وهي شهادة التطويع ، وهي من أعلى الشهادات التي كان يمنحها الجامع آنذاك 

وفي هذا الصدد يقول أحمد حسيني واصفا الحالة التي كان عليها الشيخ حين التحق بالزيتونة : " وهناك وجد ضالته حيث تفتحت أمامه أبواب العلم ، فأقبل على الدروس والتحصيل بكل جدية وعزم دون فتور أو ملل إلى أن نال شهادة التخرج من جامع الزيتونة"7

شهادته العلمية:

شهادة التطويع من الزيتونة بتونس

             شهادة الليسانس في اللغة العربية بالجزائر

شهادة التفتيش في التربية والتعليم بالجزائر

صفاته وأخلاقه :

كان منذ نعومة أظفاره يتسم برهافة الحس ، مرح الطبع ، متوقد الذهن ، جاد في كل ما يفعله ويقوله .

له قدرة فائقة في مجال التوجيه والتكوين ،منشأها رحابة الصدر، والتواضع  ، والعطف على الكبير والتحنان على الصغير ،والكلام بلغة بسيطة يفهمها الجميع  ، ضف إلى ذلك التحلي بالروح القوية كما  يمتاز بالحيوية الدافئة ، والحماس الفعال مما جعل منه  شخصية محترمة تستميل إليها النفوس، أحبها كل من عرفها .

 يقول أحمد حسيني : كان " ... صدره رحبا ، متواضعا ، كان يعطف على الكبير ، ويحن على الصغير، يتكلم بلغة بسيطة، يفهمه كل من يستمع إليه..." 8

و التواضع بلا شك سمة من سمات الصالحين  التي ذكرها المولى عز وجل في محكم تنزيله : "﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ 9

  فكان الشيخ عقال متواضعا للناس خافض الجناح للمؤمنين ، ولا يتكبر ولا يستعلي إلا على الاستعمار الغاصب الغاشم.

من مواقف التواضع التي حضرها الشيخ محمد بن طبة أن الشيخ عبد الحميد عقال اجتمع في مجلسه لفيف من الشيوخ للاستزادة من علمه ، فكانوا يسألونه ، ولما حضر محمد بن طبة ورفاقه من أجل الاستفادة من هذا المجلس، قال الشيخ عبد الحميد عقال للحاضرين أسألوا هؤلاء الشباب نحن لا علم لنا.10

ومما سبق ذكره نخلص إلى أن الشيخ عبد الحميد عقال  منذ صغره أكب على العلم والفضيلة ومجاهدة النفس حتى بلغ شأوا بعيدا ، فكان عالما فاضلا ، زاهد ، ورعا متنكبا عن بهرج الدنيا وأطماعها ، بل تركها لعشاقها والمتكالبين عليها ، والطامعين فيها  والمتهالكين على متاعها الزائل  ولذاتها الزائفة ، كان راضيا بالقليل ، والعيش الكفيف  فغذت حياته كلها ورعا ، ومجاهدة للنفس ، وتقللا من الدنيا ومتاعها.

نضاله :

وهو في تونس طالبا ، أتيحت له فرصة الاحتكاك بالمناضلين مما جعله أكثر إيمانا بقضيته الوطنية ، وتشبع بروح النضال ، وهذا ما عمق وعيه السياسي .ولما آب  إلى أرض الوطن ، انخرط في صفوف حزب الشعب ، ثم في حركة انتصار الحريات الديمقراطية الذي تأسست سنة 1946

فأسندت له عدة مسؤوليات منها : ممثلا جهويا للناحية الصحراوية .

وفي سنة 1948 تكونت حركة الحزب الوطني بتقرت .كان الشيخ عبد الحميد عقال من أبرز المناضلين بها إلى جانب صديقه بن هدية المدني .

وفي سنة 1949 شن الاستعمار الفرنسي حملة اعتقالات في صفوف الحركة ، وقبض على أهم العناصر بتقرت وأودعوا السجن .

وبعد خروجه من السجن استأنف النضال السياسي تحضيرا للثورة المجيدة وذلك بمدينة قسنطينة .

وإبان حرب التحرير تكونت بتقرت لجنة ثورية مدنية تحت قيادة الشيخ عبد الحميد عقال . وهدفها جمع الأسلحة والأموال و التبرعات لفائدة الثورة المسلحة وتوعية الشعب من سنة 1955 إلى 1956.

وفي 1956 وحدت اللجان وأسندت الأعمال خلال الاجتماع الذي وقع بمنزله بالنزلة .

ومابين 1957 إلى 1962 كان عمله النضالي جمع الأموال ، شراء الأسلحة تبليغ المعلومات وقتل الخونة  ، وهذا النشاط بقي مستمرا إلى غاية الاستقلال . هذا ما كان واضحا للعيان .

  أما التضحيات والأعمال السرية فهي كثيرة ولا يعلمها إلا الله ومنفذيها. 11

أعماله ومناصبه :

عمل  الشيخ عبد الحميد عقال  بمدرسة الفلاح ؛ وهي أول مدرسة بتقرت درس فيها اللغة العربية فكان مثالا للمربي الناجح  الذي بنى علاقته مع تلاميذه على الأخوة ، والصحبة ، والمودة  ، والاحترام .

 ثم انتقل إلى مدينة الجسور ، وعين مدرسا للغة العربية بالمدرسة الكتابية ، أين مثل  وادي ريغ خير تمثيل ، وكان خير سفير صحراوي في قسنطينة .

وبعدها انتقل إلى عاصمة الزيبان أين اشتغل في منصب معلم بمدرسة من مدارس مدينة بسكرة.

ثم التحق بالجزائر العاصمة ، وعلم في التعليم الرسمي بإحدى مدارسها، كما أسند له منصب مستشار تربوي بمدينة قالمة .

وبعدها عين في مدينة سوق أهراس ، فكان الشيخ عبد الحميد عقال المعلم المثالي الذي يقتدى به في الأوساط التربوية وعند عامة الناس .ومنها انتقل ودرس في مدينة عنابة .

إن الشيخ عبد الحميد تقلد عدة مناصب في سلك التربية والتعليم . فكان يترقى من منصب إلى آخر، وكأنه يصعد على سلم الرقي والنجاح.

وبعد جولته التربوية في شتى المدن الجزائرية ، عين الشيخ مفتشا للتربية والتعليم الابتدائي بمقاطعة تقرت الكبرى . فكان الأب الحنون ، و المرشد الصادق ، والمفقد الناصح .

ومنها شد الرحال إلى العاصمة فكان عضوا في مجلس تأليف الكتاب المدرسي بوزارة التربية الوطنية فشهد له كل من بالمجلس بالجدية والانضباط .

وبعد المهمة التي أداها على أحسن وجه وبكل أمانة شرفته وشرفت كل ربوع الولاية ، عين مديرا  للمعهد التكنولوجي للتربية لولاية المدية .

ومنها مدير التربية لولاية  تمنراست ، الهقار .

كما تطوع في منصب إمام وخطيب بمسجد الطالب الساسي  بتقرت ، وآخر منصب شغله وأنهى  به مساره المهني هو منصب مدير الشؤون الدينية لولاية ورقلة.

استطاع الشيخ عبد الحميد عقال بفضل إخلاصه لمهنته ، ونشاطه الدؤوب أن يحدث تحولا ملموسا في هذه المديرية ، فنظم ومنح الحقوق ، ووظف  ، وشجع ، وكرم  مواظفيها حتى اعتبروه الأب ، و المسؤول المنقد.12

روى شيخنا محمد بن طبة: أن الشيخ عقال كان حين ينهي اجتماعاته بمديرية الشؤون الدينية يقول : فاتحة ويرفع يديه.13

ومحصلة القول : أن الشيخ عبد الحميد عقال أفنى عمره في التربية والإصلاح والتوجيه ، وفي هذا الصدد يقول الباحث عبد الحميد قادري : " قضى جل حياته في تعليم الأجيال ، وتوجيه المربين في أكثر من منطقة من مناطق الجزائر "14

 وفاة الشيخ عبد الحميد عقال :

         بعد مسيرة علمية زاخرة بالعطاء ، والثراء الفكري والعمل الجاد الدؤوب والاجتهاد المتواصل في مجال التربية والتعليم ، والإصلاح الديني ، توالت عليه الأمراض المزمنة التي أدت إلى تدهور حالته الصحية ، وعلى الرغم من ذلك واصل درب العمل والإصلاح إلى أن أقعده المرض بالمستشفى بالجزائر العاصمة ، أين وافته المنية هناك في 08 أوت 1999م.

 يقول أحمد حسيني : " ... وعندما استفحل داؤه أدخل المستشفى بالجزائر العاصمة أين وافاه الأجل المحتوم ، وذلك في تاريخ 08 أوت 1999م وعمره آنذاك يقارب الواحد والسبعين " 15  ونقل جثمان المغفور له إلى مدينة تقرث مسقط رأسه ، ودفن بمقبرة النزلة.

وبذلك انطفأت شمعة من شموع أعلام وادي ريغ ، تاركة وراءها قبسا يتوهج على مر العصور والأحقاب و الأزمان ، يهتدي به الحيارى في غياهب الجهل وظلماته،وتتزود منه الأجيال ، وتتخذ منه خير ظهير على مواجهة معترك الحياة .

الخاتمة

وبعد هذه الرحلة الممتعة والشيقة بمعية علم من أعلام وادي ريغ ، والتي استوقفتنا من خلالها محطات بارزة في حياة الشيخ عبد الحميد عقال ، تمكن من استخلاص النتائج الآتية:

- سير الأعلام محجة بيضاء وجب علينا الاهتداء بها ، والسير على نهجها. 

- الأمم لا تتطور ولا تزدهر إلا بإحياء أعلامها وشيوخها الأجلاء.

- العمل الجاد ، والتفاني في طلب العلم طريق للخير والصلاح والإصلاح.

- الظروف الصعبة لا تقف حجرة عثرة في سبيل طلب العلم ، وتحقيق الغايات ، إذا تحلينا بالتوكل على الله ، والصبر، والإرادة القوية.

ليس من الوفاء أن نجافيهم ونضيعهم في عالم النسيان ؛ لأن أعمالهم وأقوالهم ستبقى عرائس من الشموع تنير الدروب للأجيال على مر الدهور والأحقاب  تاركة  أخاديد شاهدة  على صفحات التاريخ .

الإحالات والهوامش

1_ أنيس منصور، على رفات العباد ، دار الشروق ، بيروت ، ط1، 1983، ص 9

2_  العقاد عباس محمود ، أنا ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ،ط 2، 1971م ،ص 17

 3_ أحمد حسيني ، تاريخ تقرث ووادي ريغ ، مخطوط ، ص 287

4_ ن م ،ص 287

5_ ن م ،ص 287

6_ ن م ، ص 287

7_ ن م ، ص 287

8_ ن م ، ص 290

9_ القصص ، الآية : 83

10_حوار مع الشيخ محمد بن طبة

11_  ن م ، ص 288_ 289

12_  م  ن ، ص 290

 13_  ألف الباحث أحمد حسيني مخطوطا عنونه بـــ  تاريخ تقرث ووادي ريغ ، وهذا الأخير كان عمدة لهذه المداخلة ،

بالإضافة إلى ما جادت به قريحة صاحب المداخلة ، وأراء بعض من عاصروا الشيخ رحمه الله

14_ عبد الحميد قادري ، تقرث البهجة  قراءة تاريخية واجتماعية ، مطبعة الإ سكندر ، قسنطينة ، ط1، 2011، ص 127