الشراكة النصية عند أمبرتو إيكوpdf

-مقاربة معرفية لدراسة الاستراتيجية النصية-

أ . نادية بوشفرة

جامعة عبد الحميد بن باديسمستغانم) الجزائر(

   الملخص:

   يعدّ النص الكائن الجامع بين مرسله و متلقيه، إنه أداة للتواصل الفعال بينهما..تواصل يتأتى بفعل إخضاعه إلى برمجة عملية من قبل المتلقي، ذلك لأن المؤلف يقدّم جهدا استثنائيا يحتكم إلى بعض المسوغات البنائية و الجمالية و المعجمية و الفكرية، المصرح بها أو الملمح إليها، بغية استدعاء مشاركة القارئ وفق ما تقتضيه مقصدية النص من شراكة بناءة و مؤسسة بين الطرفين.ببساطة، الأول ينتج هذا النص "المنتوج" ليعيد القارئ إنتاجه من جديد.إنها الشراكة النصية عند أمبرتو إيكو التي تجد أن النص ما هو إلا نسيج من العلامات، و هو نص مفتوح لأجل تأويله و فك سننه.

الكلمات المفتاحية: النص، التأويل، القصدية، الاستراتيجية النصية، القارئ النموذجي، القارئ التجريبي، التأويل المغالي، الموسوعة.

Résumé :

Le texte est un etre qui unit le destinateur et son destinataire.C’est un moyen de communicatition entre les deux.Une telle communication se réalise en soumettant une programation pragmatique de la part de son récepteur, étant donné que l’auteur lui fournit un effort exceptionnel, de telle sorte qu’il lui présente des justifications structuraux, esthétiques, léxicaux et intelectuelles, explicites ou bien implicites, éxigeant sa participation pour obtenir l’intentionnalité du texte. C’est la participation textuelle chez Emberto Eco qui trouve que le texte n’est que cette texture de signes, et que c’est un texte ouvert afin de l’interpréter et de le décoder.

Les mots clés :le texte, l’interprétation, l’intentionnalité, la stratégie textuelle, le lecteur modele, le lecteur empirique, la surinterprétation, l’encyclopédie.

Abstract .

The text is regarded as a being gathering between its sender and recipient . Its a tool for effective communication resulting from its subjecting to programming process by the receiver ; that is because the Author offers an effort to invoke exceptional structural grounds ;aesthetic ;lexical ;and intellectual either declared or hinted in order to invite the reader to participate through the text as a constructive partnership between the two parties . It is a textual partnership for Umberto Eco which find the text open as a mere tissue of sings .It is an open text for interpretation and for decoding his ways .

Keywords : text. interpretation . intentional . strategic text. typical reader .the reader demo .exaggerated interpretations .encyclopaedia.

تقديم:

ما من نص إلا و له مؤلفه، خالقه الذي بعثه و أحياه، ليكون له أثرا يخلده بعد مماته، و هذا التخليد لن يتأتى إلا بوجود قارئ –أو مجموعة من القراء- يعمل على تحريك المعطيات المعرفية و تقليبها بالحفر في دهاليز ذلك النص، حيث الدلالة منبثقة داخل المضامين و حيث التأويل يعمل على تفتيقها.

تبحث نظرية الشراكة النصية لأمبرتو إيكو في هذه الوضعيات السردية Les instances narratives، لتجعل من القارئ جزءً أساسيا و فعالا في إدراك مركب الدلالة، هذا من جهة     و من جهة أخرى، فإن النص يبني قارئا نموذجيا، قادرا على تحيين مضامين الدلالة المتعددة، عن طريق فك شفرات العوالم الممكنة للمحكي.يقوم هذا القارئ بملء مختلف بياضات النص، التي عادة ما لا يصرّح بها و ذلك من خلال تقديم استدلالات ألسنية لطروحات أكثر تعقيدا، تمتدّ إلى المحكي برمّته.

بحث في الأصول:

استوحى أمبرتو إيكو نظرية القارئ النموذجي من مفهوم السيميوزيس غير المحدود الذي طرحه "شارل سندرس بيرس"، حينما أبرز أن مؤول العلامة يصبح علامة بدوره و هذا إلى ما لا نهاية، و السيميوزيس كما يعرفه المعجم المعقلن لنظرية الكلام:"هو العملية التي تنشؤها علاقة الافتراض المتبادلة ما بين شكل التعبير و شكل المحتوى (حسب اصطلاح هيلمسليف)-أو ما بين الدال و المدلول (ف.دي سوسير)و المسؤولة عن إنتاج العلامات: في هذا المعنى، كل فعل للكلام،-مثلا، يفترض سيميوزيسا-.هذا اللفظ هو رديف الوظيفة السيميائية"(1).إذن، هو الفعل المؤدي إلى إنتاج الدلالات وفق تتبع لسلسلة من الإحالات المرجعية، التي تبرز سيرورة من العلامات ما يعني أن العلامة لا تشتغل أو لا تفهم في معزل عن علامات أخر، و إنما تتدارك هذه و تتداول من خلال فعل التأويل.

النظرية حسب إيكو:

يعتبر النص نسيجا من العلامات، فهو نص مفتوح بحكم قابليته للتأويل، شريطة أن يتم النظر إليه في شموليته المتجانسة و في ترابطه المنطقي.النص عند إيكو هو:"منتوج حيث ينبغي أن يكون مصيره التأويلي جزءا منتميا لآليته التوليدية الخالصة"(2).

النص هو الذي يقوم ببناء قارئه النموذجي، حيث يبث المؤلف مرسلاته (نصوصه)، ليقوم القارئ باستخراج معانيها و فك سننها.يحرك المؤلف القارئ من خلال هذا النص، الذي يعتبر كما يقول إيكو:"آلة كسولة تفرض على القارئ عمل شراكة مضن لملء فضاءات المسكوت عنه أو ذلك الذي قيل في شكل "بياضات""(3).

القارئ هو المرسل إليه الذي يستوجب عليه ممارسة حكم سيميائي لأجل فهم معنى النص، خاصة إذا كان هذا الأخير منغلقا، لا يفصح بصريح العبارات إنما يلمح أو يشير إلى ما يصبو إليه باعتماد الأساليب غير المباشرة، التي تحتّم على القارئ "الواعي"، ضرورة القيام بعمل مركب الشراكة التأويلية"(4).

من انغلاق النص إلى انفتاحه:

عالج إيكو هذه المسألة لأول مرة في مؤلف "الأثر المفتوح"، حينما بحث في قضايا علم الجمال و طرح إشكالية النص الجمالي و قصده من الحركة الجدلية بين "الانغلاق"الذي يحدده شكل النص و بين "حرية" تأويله، و تساءل: "إلى أي مدى يستطيع الأثر أن يصل إلى ذروة غموضه و يصير خاضعا للتدخل الفعال للمستهلك، دون أن يفقد بالمرة نوعيته كأثر"(5).

للإجابة على هذا الإشكال، قدّم مصطلح "النموذج"، هذا الذي سيسمح بفك التعارض بين انغلاق النص و حرية تأويله.ففكرة النموذج تعود في بحوثه لنجدها مبأرة أكثر على نظرية النص:القارئ في الحكاية(ترجم إلى الفرنسية سنة1979) و حدود التأويل (ترجم سنة 1990)، حيث يتحدث عن "القارئ النموذجي" و "الكاتب النموذجي"لا ليشير إلى الصور التجريبية أو المثالية لدى المؤلف و القارئ، إنما على العكس من ذلك، هو يبتغي الإشارة إلى "الاستراتيجية النصية المسجلة في النص".

انفتاح النص و التأويل:

ليس النص عالما ممكنا، إنه يحتوي بعضا من العالم الواقعي الممزوج بالعوالم الممكنة، بل إنه الجهاز القادر على إنتاج تلك العوالم الممكنة (6)من قصّ للمتخيل و لشخوصه و لتنبؤات القارئ أيضا.انفتاح النص متعلق بقابلية تأويله، ذلك لأن جميع التأويلات محتملة إلى ما لا نهاية-و بصفة غير محدودة-لكن، كل فعل تأويل ليس هو بالضرورة، تأويل سليم و موفق من القارئ.

يفهم من التأويل أنه "تحيين دلالي لكل ما للنص من استراتيجية، يريد قولها من خلال شراكة قارئه النموذجي"(7).على هذا الأساس، يطالبنا كل نص بشكل تأويلي، يحقق له استراتيجية لدلالة تنظمه.يسمي إيكو هذه الاستراتيجية للدلالة بالعملية القصدية.

العملية القصدية:قصدية المؤلف أم قصدية القارئ أم قصدية النص؟:

تسمح العملية القصدية بالتمييز بين تأويل النص و استعماله.نؤول النص لما نحاول معرفة "العملية القصدية"و تحيينها.

لا يمكن أن تختزل "العملية القصدية" في قصدية المؤلف (ما كان المؤلف يرغب في بثه من دلالات في النص)، لأن بإمكان هذه العملية حين القيام بتوليد النص و بحكم تركيبته أن تنتج لنا ضروبا مختلفة عن تلك التي كان يتوقعها المؤلف.و ليست هي قصدية القارئ (ما يستخلصه القارئ كتأويل للنص)ذلك لأن هذا القارئ سيوظفه لأغراضه الخاصة و أذواقه و خياراته، إنما المعني في العملية القصدية هو قصدية النص بتقفي الأنظمة الدلالية فيه و ما له من آليات داخلية تسمح بقولها.

حسب إيكو، قد تحدث حالات يكون فيها:"القارئ و هو يتعرف على البنيات العميقة، يلقي الضوء على أمر ما لم يستطع المؤلف أن يقوله، على الرغم من أن النص يظهره بمنتهى الضياء"(8).

و لهذا السبب، نجد إيكو يعترف في قوله:"إننا نكتب لقارئ و من يدّعي أنه يكتب لنفسه، فإنه لا يكذب فحسب، إنه كافر بشكل مفزع، حتى من وجهة نظر علمانية.إن الذي لا يعرف كيف يتوجه إلى قارئ مستقبلي فهو إنسان تعيس و يائس"(9).

التمييز بين القارئ التجريبي و القارئ النموذجي:

القارئ التجريبي هو "الفاعل المجرد لأفعال الشراكة النصية، فهو يطرح صورة نموذجية لشيء ما   و الذي سبق التدقيق فيه كفعل للتلفظ و أصبح حاضرا نصيا كملفوظ"(10).

ببساطة، هو هذا القارئ الذي يفكر في النص بطريقة براغماتية.يتحرّى البحث، مثلا، عن المكان الذي وصفه الكاتب في روايته، أو هو قارئ معجب بشخصية من شخصيات المؤلف، فيحاول البحث عنها مستعينا بسيرة الكاتب الذاتية.

أما القارئ النموذجي، فهو ذلك الذي يمتلك القدرة على ملء بياضات النص، و الذي يستطيع استنطاق العلامات الصامتة لهذا النص، من افتراضات و مضمرات، هي في نهاية الأمر"ما يقوله هو   و لا يقوله النص"من خلال عرض معرفته و توظيف متاعه الاجتماعي و الثقافي و الموسوعي.

لن يغيب هذا القارئ النموذجي عن ذهن المؤلف، لأنه سيتنبأ بوجوده شريكا له في تحيين نصه،   و بالطريقة التي فكّر بها المؤلف نفسه و سيعمل هذا القارئ على التحريك التأويلي كما حرّكه في أثناء كتابته، و هكذا يأتي التوليد داخل إنتاج النص (11).

الشراكة التأويلية:

يبنى القارئ النموذجي بواسطة النص، لذلك فهو مطالب بالقيام بانتقالات أفقية و عمودية للتصريح عن كل ما هو ضمني، بالعودة إلى المعلومات النسقية و السياقية له، بغية إدراك قصدية النص دون أن يعارضه لاستعمالاته الشخصية.

كما أن النص يستطيع أن يتوقع قارئا نموذجيا من خلال محاولة تقديم عدة تأويلات، نص يوجد فيه القارئ وجها لوجه مع عدة محكيات أو عوالم ممكنة.لهذا يكوّن هذا القارئ "مجموع شروط النجاح أو السعادة المحققة نصيا، و التي ينبغي أن تكون ملباة لأجل أن يحيّن النص كلية في محتواه المحتمل"(12).

و ما بين المعطى النصي و تأويل القارئ النموذجي، تتأسس الشراكة التأويلية وفق استراتيجية نصية بغية مقاربتها، و ترتبط بمركب القراءة بعيدا عن المقاربات المسجلة عن البنيوية و المعنية بالدراسة الشمولية.

التأويل و التأويل المغالي عند إيكو Interprétation et surinterprétation:

التأويل هو نتاج إعادة بناء النص، بتتبع تطوراته و رد فعل القارئ إزاء علامات النص الصامتة   و إغراءاته، تبيان حدوده و افتراضاته كما فرضياته و انفعالاته و إشاراته...فما إن تختتم قراءة النص، حتى تأخذ دلالته شكلا و بنينة عامة، مؤسسة أصلا من الأثر بالكامل.

"فالتأويل ليس من شأن المبدع، و هو في جميع الحالات أمر يرفضه الكتبة و المبتدئون، أحرى أن يقبل به سيميائي مهنته هي التأويل و أسراره.فالرواية، كما هو حال كل نص إبداعي، آلة مولدة للتأويلات لذا على الروائي أن يموت لكي لا يشوش على مصير نصه. و بناءً عليه، فإن هذه النصوص لا يمكن أن تكون تطفلا من المبدع على عالم التأويل و ليست توجيها للقارئ من أجل إنتاج قراءة بعينها، بل هو سرد لسيرورة فعل إبداعي لا نعرف عنه سوى وجهه المتحقق"(13).

و تظل الصياغة العامة للمعنى المذكور سابقا، هي على كل حال مشروطة بوجود حركات و فرضيات و تحريات، يقوم بها القارئ على مدار النص، كما النزهات التي أشار إليها إيكو في استعارة فنية "للنزهات الست في غابة الرواية"، لأجل استقراء النظرية النصية لديه، لاحظ أن النص كما الغابة، ينبغي الولوج إليها بمتاهاتها المختلفة، التي تتطلب في كل مرة خيارات لمسارات معقدة، حيث الدروب الضيقة متشعبة، سيكون المرور على هذه الغابة بمثابة النزهة التي تتنزل في مرتبة الحتمية-حتمية الاكتشاف-، هي أقل أو أكثر خطورة، هي أقل أو أكثر خطية.يمكننا دائما التقدم إلى الأمام، أو العودة نحو الخلف، من خلال صياغة فرضيات متناوبة لتقديم معنى لما هو ملاحظ.و كلما رسمنا حدود الغابة و وصلنا إلى نهايتها، كلما توصلنا و تمكناّ من وصف التنظيمة الكلية لها.

في نهاية الأمر، ينبغي التأكيد على أن شراكة القارئ هي الكفيلة بفتح مغالق النص، ذلك لأن المعنى لا يحيا إلاّ إذا كان محيّنا.

بيد أنّ التأويل لدى القارئ قد يتجاوز حدوده، و عوض أن يكون مركزا و هادفا، يصير تأويلا مغاليا و منبوذا، لذلك يعارض إيكو كل من يريد أن يقوّل النص ما لا يقوله، بتحميله ما لا يطيق من تأويلات في غير محلها.

إن القراءات المختلفة تنشأ عنها تأويلات مغال فيها، و ذلك ناتج عن عدم تقدير أهمية الإشارات   و السنن الواردة في النص.

عادة ما نصادف نماذج أو عينات من التأويل المغالي، في حالات ما قبل القراءة، لما يحمل القارئ قصدا معينا، يظل محتفظا به و مقتنعا بأنه تأويل سليم، على الرغم من أنه لا يخدم ماهية التأويل و لا موضوعه، إنما هو إساءة و تقصير في فهم و إدراك "قصدية النص".

يقدّم إيكو في هذا الشأن مثالا عن طبيب يستقبل ثلاثة مرضى يعانون من التليف الكبدي، الأول يقول أنه يشرب الويسكي-صودا و الثاني يشرب جين-صودا و الثالث كونياك-صودا، فإذا أولينا أهمية كبرى للعناصر الظاهرة، سيكون سبب المرض هو الصودا عوض الكحول(14).

تعالق الدلالة بالتأويل:

لا تفترق أقطاب الدلالة عن أقطاب التأويل عند إيكو و هذا ما يذكرنا بالإرهاصات البيرسية للنظرية السيميائية لإيكو.

في قلب السيميوزيس-كما عرّفناه سابقا-و تحديدا في تشكيل العلامة ذاتها، يكمن مبدأ التأويل الذي يعمل على توظيف العلامة و كأنها إحالة على علامات أخر، في سلسلة غير منقطعة لإحالات تمنح السيميوزيس حيويته و نشاطه.علاقة مغلقة ما بين الشكل و المحتوى أو نقول هي توليفة صلبة بين الدال و المدلول، التي لا توجد لا على مستوى العلامة و لا على مستوى النص، بل توجد ضرورة بنائية للحركة التأويلية و للثالوث* في جميع مستويات السيميوزيس، للإشارة إلى تحيين الشكل بفضل وساطة سلسلة من المؤولين.

لهذا يمكن القول أن سلسلة الإحالات بمقدورها أن تمنح الحياة لانزلاق دائم للدلالة.تأتي لاختتامها كما تأتي لتثبيت التأويلات، بحيث ينظر إليها لا على أنها فكرة "جامدة للسنن (توليفة ما بين التعبير و المحتوى) و لكن على أنها فكرة براغماتية للتفاوض، تلعب دور الوساطة بين حقوق النص و بين إلهامات مؤوله.

كنّا قد ألمعنا الذكر بأنّ النص هو عملية قصدية، يمنح للقارئ نتوءات و جبهات للمقاومة.إذا ما أراد القارئ تأويله –طبعا، ليس باستعمله لأغراضه الشخصية-ينبغي عليه إدراك هذه النتوءات و التعرف على تلك الجبهات.

النص كما يؤكد إيكو هو في صراع مع التفكيكية، لأنه يحتمل تأويلات عديدة.لكنه، ليس في مقدوره تبريرها جميعا.كل نص، في حثّه على عدد من مسارات القراءة، يقدّم معاني محظورة، مدرجة بواسطة تنظيمة داخلية.