مقاربة النصوص في النقد العربي المعاصرpdf

بين قسر التطبيق وسذاجة النتائج.

أ- علي محدادي

أ.د- أحمد موساوي

جامعة قاصدي مرباح، ورقلة (الجزائر)

Summary:

This article ,in two examples ,tries to stand for the main mistakes and traps made in today's approaches in which they range from the compulsion of application (text selection, to be subjected to the critics' own reference ) and the simplicity of results (due to the chosen text, linked to the critics' paint of view) a lot of statistics and data without accurate summary, generality and ambiguity )

Résumé :

            Cet article tente ; à partir de deux exemples ; de montrer les fautes et les pièges les plus importants trouvés dans les approches contemporaines, selon ce titre : Entre une obligation de pratique (choix des textes, l’obéissance à la référence du critique,...) et la naïveté des résultats (selon le texte choisi, le tour autour du critique, plusieurs statistiques et des données sans aboutir à un résultat exact, la généralité, l’ambiguïté,...)

ملخص:

تحاول هذه المقالة من خلال مثالين، أن تقف على أهم الأخطاء والفخاخ التي وقعت فيها المقاربات المعاصرة، وهي تتراوح حسب العنوان بين قسر في التطبيق (اختيار النص، إخضاعه لمرجعية الناقد...) وبين سذاجة في النتائج (بحكم النص المختار، الدوران في فلك الناقد، إحصاءات وبيانات كثيرة دون خلاصة دقيقة، العموم، الغموض...).

تمهيد:

رغم الجهود الطيبة في مقاربة النصوص على ضوء المناهج النقدية المعاصرة، ورغم الوعود المبشرة بالفتح في المجال، إلا أن كثيراً من تلك المقاربات لم تتمكن من الوصول إلى ما تبشر به، وما استطاعت التخلص مما تنفر منه، ووقعت في فخاخ كثيرة لا تتفق وتصوراتها.

مدخل:

قد يتبادر إلى الذهن أننا، بهذا العنوان، نحاول نسف منجزات النقد العربي المعاصر، والحال أن المنجزات لا تنكر، ولا نغفلها، لكن الانشغال الرئيس -كما يرى سعد البازعي- في حركة النقد الأدبي، هو في "التحديات والمشكلات إذ تبدو أكبر وأكثر من المنجزات لا سيما في ميدان التفاعل مع الغرب"[1] ، وقد اكتشف-من خلال مهامه وأدواره التي قام بها- "أن كثيرا من النقد العربي الذي [اطلع] عليه وتمثل في بعض أشهر أقطابه يقوم على الكثير من التهالك على النظريات والمناهج الغربية والاستعجال في تمثلها"[2].

لسنا بصدد تقييم حركة النقد العربي في الإفادة من النقد الغربي؛ لأن ذلك محل سجال كبير[3]، وهو ليس بالأمر الشاذ بقدر ما هو أمر متوقع. لكننا نحاول من خلال هذه المداخلة أن نقف على أهم الأخطاء والفخاخ التي وقعت فيها المقاربات المعاصرة، وهي تتراوح حسب العنوان بين قسر في التطبيق (اختيار النص، إخضاعه لمرجعية الناقد...)، وبين سذاجة في النتائج (بحكم النص المختار، الدوران في فلك الناقد، إحصاءات وبيانات كثيرة دون خلاصة دقيقة، العموم، الغموض...).

ويتم ذلك من خلال مثالين: الأول عبارة عن دراسة لمحمد يحياتن بعنوان: الأصالة في نظر رضا مالك، تحليل الخطاب من خلال نظرية الحديث أو التلفظ. أما الثاني فبعض المقاربات التي تعرضت لأنشودة المطر (حسن ناظم،وعثمان حشلافتحديداً).

المثال الأول: دراسة لمحمد يحياتن بعنوان: الأصالة في نظر رضا مالك،

-تحليل الخطاب من خلال نظرية الحديث أو التلفظ.

سعى محمد يحياتن صاحب المقال "إلى تطبيق بعض المفاهيم والأدوات الإجرائية التي تمخضت عن النظرية اللسانية المعروفة بنظرية الEnonciationأو بنظرية الحديث أوالتلفّظ التي بلورها اللساني الفرنسي إميل بنفنست E.Benveniste، على خطاب أو نص عربي هو عبارة عن مقالة للسيد رضا مالك نشرها في جريدة الخبر يومي 16-17 ديسمبر1997 بعنوان «حول الأصالة»"[4].

يقع المقال في إحدى عشرة صفحة، استهلك الجانب النظري منها ثلاث صفحات، والأصالة وما إليها صفحتين، أما الدراسة التطبيقية فتقع في ثلاث صفحات ونصف.

  يِؤكد الدارس على أن الأصالة الحقيقية هي التي ينتجها الخطاب وليست التي تفترضها القواميس، ويصل في النهاية إلى ما لخصه بقوله إن "لكل أصالته "[5]، ثم يتورط في مقابلة بين مفهوم الأصالة عند رضا مالك وعند سابقيه، وتحديدا[6] :

- الإخوان المسلمون(مصر) (العشرينات من [القرن العشرين]).

- العلماء المسلمون (ابن باديس) (الثلاثينات).

- زعماء الإصلاح (محمد عبده..).

والطريف أن تلك المقابلة/الموازنة لا تعتمد على خطاب هؤلاء وإنما تعتمد على خطاب رضا مالك نفسه؛ إذ يحدد مفهوم الأصالة عندهم من ردوده عليهم والتي ينصص عليها بأقواله: "ليست الأصالة كذا وكذا وإنما هي كذا ..."[7]، ثم يأتي-تمثيلا لتلك الموازنة- بالخطاطة التالية[8]:

الراهن المؤرق

الوعي الشقي بهذا الراهن

المستقبل المنظور

-الأصالة التي ينادي بها الاصلاحيون هي ذات طبيعة أخرى ...

-  ولكن هذه الأصالة ليست الأصالة التي نهفو إليها والتي يقتضيها العصر...

-  لا شك أن الإنسان في هذا المستوى يعيش هذه الأصالة في شكلها الأكثر سلبية أي رفض كلما ينعت بصفة الجديد والنفور من كل ما يخرج عن المعتاد.

- ومما لا شك فيه أن هذه المميزات كلها عبارة عن سذاجات رجعية وخزعبلات تعود إلى القرون الوسطى...

-  "إن المشروع الحداثي الذي يحاول بكل صبر وجهد أن يشق طريقا له في الذهنيات يجد نفسه حائرا محرفا ومدحوضا، وذلك رغم تفوقه التاريخي"

- الحداثة هي أن نجعل الإنسان راشدا قادرا على أن يسير نفسه أخلاقيا بالاعتماد على معيار ضميره وحده. سوف يقوم عندئذ بواجبه لا لأنه مجبر على ذلك أو لأنه ينتظر جزاء ما بل لأن الأمر أولا وقبل كل شيء مسألة نزاهة تجاه نفسه وأمانة وإخلاص تجاه الله والمجتمع".

- "فإذا لم تتوفر هذه الشروط التي تضمن بروز الفرد على الساحة التاريخية، فما معنى الديمقراطية التي نادى بها"(...)

ليخلص منها إلى هذه النتائج[9]:

أصالة المخاطبين

-          عاطفة بلا مضمون ولا تبصر

-          تقديس الماضي

-          سراب مبالغ فيه

-          الحنين إلى الماضي

-          النمط الموحد الذي هو من

-          صفات الحضارت المتجمدة.  

أصالة مزيفة

أصالة رضا مالك

-          التفتح على العالم وعلى الموضوعية

-          الاجتهاد الذاتي من أجل إدراج ما هو مختلف

-          صلة المتفرد بالكوني

-          إندراج الخصوصي في الكوني

أصالة حقيقية

قد وصل الدارس إلى أن أصالة رضا مالك هي أصالة حقيقية، أما أصالة المخاطبين (الإصلاحيين) -بمن فيهم محمد عبده وابن باديس (ذكرا بالاسم)- فهي أصالة مزيفة !!.

لست أستعجل شيئا عندما أؤكد أن هذه النتيجة ساذجة لا تنطلي، وهذه الطريقة في الحكم والتعبير هي من أكثر الفخاخ التي تقع فيها المقاربات المعاصرة، فهي تستهلك الزمن والمساحة والقارئ، لتصل إلى نتيجة محددة سلفا، ولا أجدني مضطرا للحديث عن ابن باديس وغيره من السابقين، والدارس أيضا لم يلجأ إلى ذلك، ولكنه اضطر إلى الحديث عن رضا مالك بقدرٍ مهيِّـئٍ لاستقبال تلك النتيجة، وبما لا ترضاه المقاربات المعاصرة؛ فنجده ينخرط في هذه الثنـاءات[10]:

- رجل سياسي محنك.

- ذو تكوين فلسفي، ودراية واسعة بالتراث العربي الإسلامي.

- كتابه يزخر بالإحالات على المصادر والمراجع الفلسفية وأمهات الكتب التراثية.

- يؤهله ذلك (تلك الأوصاف) أن يخاطب غيره (من سبق) من موقع المساواة.

- يجلّـي السيد رضا مالك نفسه في خطابه باستخدام ضمير (نحن).

ليس الاعتراض في هذه الدراسة على أي شيء معزولا، ولكن الاعتراض على أن يكون هذا النص، المكتوب في الأصل باللغة الفرنسية، وهو لسياسي ندرك فشله في خطابه حتى السياسي –إذا أمكن لنا إخراج بعض خطابه من هذه الدائرة– حجة في فهم الأصالة مقابل خطاب الإصلاحيين ممن سبق ذكرهم، والحال أن علاقتهم بالمسألة ونجاحهم -أو على الأقل ما كان لهم من دور أو تأثير- معروف لا ينكر.

يبدو أن الدارس أوقع نفسه في فخ الاختيار، بما يثيره من استفهامات حول الموضوعية والأدلجة، ومن ثم حول النزاهة والعلمية. وأوقع الدارس نفسه في فخ توظيف المنهج (نظرية الحديث أو التلفظ) ليخلع على النص نوعا من المصداقية، ومن ثم مباركة مفاهيمه.

وعلى كلٍّ فإن الدارس إما أن يكون انطلق من حكم مسبق ورأي مشكّل، حول الأصالة أو الإصلاحيين، سعى لإثباته –أكثر من سعيه لتطبيق النظرية- وهذا تسخير للمنهج والتحليل، يتعارض مع روح النقد المعاصر المحتبي بالعلمية، والمحتفي بالموضوعية. وإما أن يكون بريئا، اتبع خطوات علمية وصلت به إلى تلك النتيجة الساذجة. فأي منهج ذاك الذي يصل بنا إلى تلك النتيجة؟!.

لقد عسا الدارس أكثر حين راح يمارس تقديسا للنص، حتى ليسمي ذلك الخطاب بالخطاب المالكي، وكأنه من القداسة والسمو أو من التناسق والانسجام بمكان يعلو بكعبه عن التفاوت واختلاف المستوى، فهو أبدا نص واحد بمميزات ثابتة ونسق لا يتخلخل، لاتصح معه النسبة بالإضافة وإنما بالنسبة المباشرة وصفا.

المثال الثاني: أنشودة المطرللسياب في بعض المقاربات المعاصرة.

إن أغلب المقاربات التي تناولت أنشودة المطر، التي اطلعت عليها على الأقل، كرّست في ذهني صورة تستدعي لدي آية كريمة: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ ...}[11]؛ فقد أتوا أنشودة المطر-في أحايين كثيرة- مصداقا للفظ تتمة الآية؛ على كل ضامر ومن كل فجٍّ تأبى صفته المحذوفة إلا القلب.

ربما يرجع السبب الأكبر في التهافت على القصيدة الواحدة، إلى شهرتها أو إلى ثرائها حتى ليتبادر إلى الذهن أنها لا تخيّب تطبيقا لدارس، ومن ثم تصير متكأً أرضا لا تُمحِل ومرعًى لا يُجدِب، فيتنفس فيها الدارسون مناهجهم وتطبيقاتهم، وينقلب معها مصدر الشرعية والمصداقية إليها، فعوض أن يكسبوهاها فإنها تكسبهموها. وفي فورة هذا التهافت نرى عجبا في المقاربة أو ما يفترض أنه إنارة للنص؛ إذ بقدر ما تجلّي من مسائل غامضة فإنها تقف عند أخرى جلية فتعمِّـيَها، وأخرى بسيطة فتسجدَ عندها أو لها، وكأن همها المخالفة.

وهذا النوع من الأخطاء والفخاخ لا تسلم منه حتى دراسات متميزة لنقاد متمكنين، وهنا أمثل بدراسة حسن ناظم في كتابه: البنى الأسلوبية، دراسة في أنشودة المطر للسياب.

         تقع الدراسة في 240 صفحة، استهلك منها الجانب النظري ثلثها (80 صفحة)، واستغرقت الدراسة الفعلية الثلثين (180 صفحة)، أما الخاتمة فلا أدري كيف أنسبها إلى الحجم فهي في ثلاث صفحات فقط.

لم يتمكن الكاتب أن يضع خاتمة قيمة لدراسته، والقارئ الذي يفترض أن هذا النوع من الدراسات يجنح للدقة، ويتوقع أن لا أيسر من أن تكون النتائج كذلك أو أكثر، يفاجأ بأن ثلاثة الصفحات تلك، التي لا تتناسب مع حجم الدراسة وقيمتها، قد أهدر منها الدارس-شعورا منه بالتقصير- جزءا هاما في الاعتذار والتأكيد على عسر تلخيص النتائج، فقرةً في بداية الخاتمة وفقرتين في نهايتها، وكان أحرى به استثمار ذلك في إظهار النتائج.

وهي –بحجمها ولغتها- لا تستوفي الدراسة ولا الطاقة المبذولة على مدار 180 صفحة في بحث تجليات التحليل الأسلوبي في أنشودة المطر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يسلم الدارس من الوقوع في التعميم والسطحية مما تنفر منه توجهات الدارس ذاته، فهو مثلا يقول في النتائج:

- "كشف التحليل الأسلوبي للنعوت في النص السيابي عن نعوت شاذة تشعر بالتناقض، والغرابة وممارسة تحويلات دلالية عبر توظيفها، الأمر الذي أدى إلى أن يكون توظيف النعوت في النص الشعري لدى السياب متخذا سمة أسلوبية خاصة وفريدة كانت جديرة بالدراسة."[12]

فهذا التعبير المُكرِّس للتفرّد في نص الشاعر السياب يمكن أن يقال في أي نص وظف صاحبه نعوتا شاذة أو تشعر بالتناقض أو هما معا، أم أنه من المعقول في مساحة الشعر العربي كله أن يكون السياب هو الوحيد الذي فعل ذلك.

لقد وقع الدارس – كما مر بنا من قبل وكغيره الكثير- في فخ نسبة النص، والحال أن السياب نفسه لم يسلم من التغير فكيف بنصه؛ فها هو يتراجع عن الالتزام كمبدأ وبلغة أقرب إلى الخذلان والتولي، حين يقول في رسالة إلى عاصم الجندي: " لا أكتب هذه الأيام إلا شعرا ذاتيا خالصا، لم أعد ملتزما. ماذا جنيت من الالتزام؟ هذا المرض وهذا الفقر؟ لعلّي أعيش هذه الأيام آخر أيام حياتي" [13].

سنتجاوز تلك اللغة في الحديث عن النص إلى أمثلة نقف فيها مع بعض ما وقف عنده الدارس؛ فنقف معه عند مناقشته للمقطع الشهير من قصيدة أنشودة المطر وهو المقطع الأول، الذي يقول فيه السياب[14]:

عيـناك غابتـا نخيل ساعة السـحر

أو شرفتان راح ينـأى عنهما القـمر

عيـناك حين تبسـمان تورق الكروم

وترقص الأضواء ...كالأقمار في نهر

يرجه المجداف وهـنا ساعة السـحر

كأنما تبض في غوريهـما النجوم...

يقول الدارس: "وعبر هذه السلسلة من الأوصاف يلتئم شمل النص بوصفه «وصلا ممتدا»، ويتحقق انسجام النص الذي لم تستطع البنية الاستطرادية الظاهرية أن تلغيَه أو -على الأقل- تشوشه، فهي ليست مجرد تكرار حشوي يثقل النص، بل هي بمثابة بناء كلي يحاول أن يحيط بتفصيلات الموضوع فيضع مسندا إليه واحدا (عيناك) لتتعلق به مسانيد عدة "[15].

ولست هنا في حاجة إلى القسم أن هذه اللغة، بلفظها لا بمعناها، كانت ستقصم ظهر النص لو لم يكن مرضيا عنه، أو لم يحظ بالهالة المسبقة على الأقل. فينعت بألفاظ:( سلسلة من الأوصاف- الاستطرادية – تشوشه- مجرد- تكرار- حشوي- يثقل النص). ومع ذلك فإن الدارس يفاجئنا فور ذلك بأن يكتشف، في ذهول يدين به لإحسان عباس، أن ذلك الحشد من الأوصاف فيه استذكار باطني لأشياء حميمة ومواقف تحن إليها النفس[16]، ومتقابلات "تسترسل –كما المطر- من طبيعة الموقف كله" [17]، مما يدفع إلى التساؤل حول حرفة الدارس التي صارت تشتبه بالتقريض، الذي آل إليه أمر الإنارة.

وفي مكان آخر من الدراسة، يقف بنا الدارس عند أسطر من قصيدة أغنية في شهر آب، من ديوان أنشودة المطر، حيث يقول السياب:

. . . . . ، والظلماء

نقالة إسعاف سوداء[18]

فيرى أن هذا التعبير "يتطلب جرأة كبيرة، وهي الجرأة التي بددت شمل تراثنا الشعري الذي تحتضنه (خيمة) يرفعها (عمود الشعر)، وإذا ما بدا هذا القول –الآن وبعد أن قطعت الحداثة الشعرية شوطا كبيرا-لا يحمل تلك الجرأة الكبيرة، فإن ذلك يسقطنا في أحكام مطلقة...لقد كان السياب مستكشفا مغامرا من الطراز الأول، وبجرأته المنقطعة النظير استطاع أن يقول:

. . . . . ، والظلماء

نقالة إسعاف سوداء

وكأن الليل قطيع نساء:

كحل وعباءات سود

الليل خباء.

الليل نهار مسدود "[19].

لا أدري لم كل هذا الاعتداد ولغة الطقطقة أمام عبارة قالها شاعر نحترمه، قصد أم لم يقصد ما حمّلها الدارس وأضفى عليها. ثم لا أدري هل هذا الكيل والمدح سببه معرفة ضليعة بالشعر –اطلاعا وخبرة- أم أن للأمر علاقة بشعور القدرة لدى الدارس المتخفي خلف براعة النص. لكنني أدري أنه من الاستحالة بمكان أن يكون هذا الدارس قد وقف وقفته، أو جلس جِلسته تلك مع كل التراكيب التي في كل الشعر الذي قيل حتى زمن العبارة تلك، ثم ما هي العبارة؟ تشبيه الظلماء بنقالة إسعاف ثم إنها سوداء !!!.

ويذهب الدارس أكثر حين يصطنع الحيرة أو يحاول إيهامنا بها فيتساءل: "كيف تسنّى للنص السيابي أن يقدم مثل هذه الاستعارة؟ "[20]، ليجيب بأن " هوس التجريب أدى بالنصوص الشعرية إلى بلوغ ذروة شاهقة شكلت قطيعة صارمة عن الإرث الضخم الذي [تنوء] به ذاكرة السياب. إن الشروع بتصوير (الظلماء) بوصفها (نقالة إسعاف سوداء)، لم يكن ممكنا إلا في ضوء نزعة تجريبية طاغية من جهة أولى، وفي ضوء صهر الأسطورة في قالب جديد من جهة ثانية.."[21].

استسمح الدارس في أن أقول إن هذا التشبيه –الذي سماه استعارة- لا يعدو تعبيرا، يمارسه حتى الأطفال، له علاقة بصورة المسمّى في الذهن، وقولنا هذا ليس تقليلا من شأنه ولا هو هدفنا، إنما لِما يتضمّن من رد على زعمه القطيعة الصارمة عن الإرث الضخم الذي تنوء به ذاكرة السياب؛ فما أكثر ما تكلم السياب من ذاكرة الطفل فيه.

هذا الإبعاد عن التراث والإرث مورس بقوة –بل بعنف أحيانا-على نصوص السياب؛ فقد جال الدارسون، وقالوا ما قالوا عند المقطع الشهير:

عيـناك غابتـا نخيل ساعة السـحر

أو شرفتان راح ينـأى عنهما القـمر

عيـناك حين تبسـمان تورق الكروم

وترقص الأضواء ...كالأقمار في نهر

يرجه المجداف وهـنا ساعة السـحر

كأنما تبض في غوريهـما النجوم...

حتى قالوا إنها عشتار، وأتعبوا أنفسهم في فهمه، فهذا عثمان حشلاف يرىأنه "إذا كان من عادة الشعراء العرب القدماء أن يشبهوا عيني الحبيبة بعيون الغزلان، أو عيون النرجس أو نحو ذلك مما هو قريب المأخذ سهل الإدراك، فإن الشاعر السياب يذهب بعيدا في مناطق النفس الإنسانية حيث تتجمع في انسجام تلك الأشياء التي تبدو ظاهرا متباعدة " [22]. وكل ذلك بسبب حمّى المعاصرة، وفخ تطبيق المنهج، والانطلاق من مرجعية النقد والناقد لا الشاعر ولا حتى النص.

ففي قول الشاعر غابتا نخيل تشبيه جلي –ما أكثر ما عمّوه- يراد به أن العينين سوداوان واسعتان وإن شئنا الدقة فخضراوان إلى سواد؛ فالسياب يستخدم لغة عربية تُفهم في ضوء تراثها الضخم الذي يتجاوزه حتى هو، وقد تكلم القرآن بهذا اللسان الذي يمتح منه السياب، حين قال تعالى[23] : ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ¤ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ¤ مُدْهَامَّتَانِ ¤ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؛ إذ الادهمام في اللغة، وكما ورد في كتب التفسير، هو خضرة إلى سواد، وذلك بسبب الكثافة، والشاعر أكد على السواد أكثر حين قال (ساعة السحر).

فقبل أن نذهب إلى عشتار وآلهة الخصب والنماء، علينا أن نبحث في دائرة الشاعر ونصه في اللغة العربية وتراثها. أيعقل –مهما كانت الحجج- أن نقفز على ذلك، حتى لو سلمنا جدلا أن الشاعر خلا ذهنه من سورة الرحمن، ولو أثناء القول، فإن لغته بما وصلت إليه لا يخلو ذهنها. أم يعقل أن الدارسين مشدودون إلى المرجعيات النقدية أكثر من مراعاتهم لدائرة الشاعر أو نصه.

قد لا يسمح لنا المقام أن نورد أمثلة أكثر، لكن حسبنا مما قدمنا أنه يمكّننا من التأكيد على بعض الملاحظات المآخذ التي تتصل بالعنوان، ونلخص ذلك فيما يلي:

1- من أكثر الفخاخ التي تقع فيها المقاربات المعاصرة، أنها تستهلك الزمن والمساحة والقارئ، لتصل إلى نتيجة: إما أن تكون صائبة يسهل الوصول إليها بالبداهة أو مستوى متواضع من الفهم، أو تكون مجانبة تلجأ لإيهامنا بصوابها بما تستغرق من تحليل لا طائل من ورائه.

2- إذا كان من عذر للكاتب والمبدع في أن يخدم فكرته وخطه بما يراه، فإنه ما من عذر للدارس كي ينطلق من تلك النصوص في زعم منهجي، وشكل يدعي أنه موضوعي ليقول ما يريد.

3- إن الإخلاص للنص المدروس، بالقدر الذي تُـقرن فيه براعته –بشكل يُخفَّى- ببراعة الدارس ليس مندوحة عن الإخلاص للنقد والدرس في جانب الحقيقة.

4- تقوم كثير من المقاربات المعاصرة بالاتكاء على النص: إما سُوءا لتقول ما تريد (حيث تخضع النص لبغيتها)، أو حسنا لتكسب من شرعيته الإبداعية شرعية نقدية: تطبيقية أو منهجية.

5- يفترض في المقاربات أنها تنير النص وتضيئه، وحتى المبدع كتجربة، لكنها تأبى –في أحايين كثيرة- إلا أن تنير الناقد والمنهج"، وكأنها تفهم الاقتراب فهما حادا فهي تقترب في كثير، لكنها لا تلج إلا في يسير.

6- تحولت بعض المقاربات، التي يفترض أنها تنير النقد والناقد ومرجعيتهما، إلى مغاربات بمعنييها: الإغراب والتغريب.

7- تعاني كثير من المقاربات المعاصرة، حتى القيّمة منها أحيانا، من بساطة في النتائج بل من سذاجة حقا.

الهـوامـش والإحــالات:


- سعد البازعي: استقبال الآخر، الغرب في النقد العربي الحديث، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2004، ص5.

- المرجع نفسه، ص7.

- ينظر في ذلك مثلا: عبد العزيز حمودة: المرايا المحدبة، من البنيوية إلى التفكيك، عدد 232، سلسلة عالم المعرفة، مطابع الرسالة، الكويت، ط1، أبريل1998. حيث استغرق السجال كامل الصفحات، وخاصة 13-64.

والمرايا المقعرة، نحو نظرية نقدية عربية، عدد272، سلسلة عالم المعرفة، مطابع الوطن، الكويت، ط1، أغسطس2001، ص17-162.

- محمد يحياتن: مقال موسوم ب: الأصالة في نظر رضا مالك، تحليل الخطاب من خلال نظرية الحديث أو التلفظ، مجلة اللغة والأدب، ملتقى علم النص، معهد اللغة العربية وآدابها جامعة الجزائر، دار الحكمة، الجزائر، العدد 14، ديسمبر 1999، ص335.

- والمقالة هذه في فصل من كتاب سبق لرضا مالك نشره بعنوان: Tradition et révolution: le véritable enjeu (التراث والثورة: الرهان الحقيقي) عن دار بوشان، الجزائر، 1991.

- المصدر نفسه، ص339.

- المصدر نفسه، ص340.

- المصدر نفسه، ص341.

- المصدر نفسه، ص342.

- المصدر نفسه، ص343.

- المصدر نفسه، ص340.

- الآية:{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }الحج27.

- حسن ناظم: البنى الأسلوبية، دراسة في أنشودة المطر للسياب، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2002، ص250.

- ماجد صالح السامرّائي: رسائل السياب، دار الطليعة، بيروت، 1975، ص177. نقلا عن: سيد البحراوي: الإيقاع في شعر السياب، نوارة للترجمة والنشر، القاهرة، ط1، 1996، ص202.

- ديوان بدر شاكر السياب، مج 1، ص 474. وانظر: حسن ناظم: مصدر سابق، ص150.

- حسن ناظم: مصدر سابق، ص154.

- ينظر: حسن ناظم: نفسه.

- إحسان عباس: بدر شاكر السياب، ص212، نقلا عن: حسن ناظم، ص154.

- حسن ناظم: مصدر سابق، ص224.

- المصدر نفسه، ص225.

- نفسه.

- نفسه.

- عثمان حشلاف: التراث التجديد في شعر السياب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986، ص104-105.

- سورة الرحمن، الآيات 62-65.