الأسس الفلسفية لأرخنة النصّ: رؤية نقدية في المقولةpdf

 

د. عماد أحمد الزبن

جامعة الزيتونة الأردنية – كلية الآداب - قسم اللغة العربية وآدابها ( الأردن )

الملخص

تحاول هذه الدراسة أن تجليَ مفهوم الأرخنة (أو تأريخية النصّ) في البناء النصيّ، من خلال تفكيك العناصر البنيوية لهذه المقولة النصانية، وتقرر أنها استراتيجية تستند إلى برغماتية نصية من جهة، وبرغماتية فكرية من جهة أخرى، وتظهر البرغماتية النصية من خلال تقرير عوامل زائدة في ماهية النصّ تستند إليها حقائق النصّ التي تنداح دوائرها بتعدد هذه العوامل وتباينها، وهذه العوامل ترجع في مجموعها إلى سلطان الواقع المتشكّل من البنى التحتية للنص، أو قل: سياقات التشكّل الأولى التي تفرز المعنى النصيّ، الذي يستحيل بدوره بناءً فوقياً يشتبك مع المعطيات الخارجية؛ مشكّلاً واقعاً جديداً في ديالكتيك نصيّ دائم التصارع والتباين.

وبالاستتباع الكشفي، تحاول الدراسة أن تتعدى النظر التقليدي في تصوير المقولات، إلى النظر الناقد التحليلي من خلال الكشف عن الأسس الفلسفية التي تعتمد هذه المقولة عليها، ومن أبرزها المقولات الماركسية في البناء التحتي والفوقي وما يبرزه تشابكهما من ديالكتيك وجودي فكري، ثمّ الكشف عن أثر سائر المذاهب الفلسفية في تشكيل المقولات البنائية للأرخنة.

ثم تقدم الدراسة نقداً لهذه المقولة من خلال محاكمة أسسها البنائية: الفلسفية والمعرفية بثقاف العقل النقدي وليس مجرد العقل الأيديولوجي البرغماتي، وتحاول الكشف عن العناصر البرغماتية والتيولوجية (الخارج نصية) التي تحكم تسيار هذه المقولة عند أبرز الدعاة إليها، والمنافحين عن جرثومتها، وما ينبني على اعتبار شموليتها من مفاسد نصية ونصانية وفكرية .

كلمات مفتاحية:

  1. أرخنة     2. نصانيّة       3. البرغماتية  4. ديالكتيك     5. التيولوجية

The philosophical bases of Text Historicism: a critical view of the ideology

Dr. Emad Ahmad AL-Zabin

Al Zaytoonah University- Faculty of Arts- Arabic Literature Department

Abstract

This study aims at explicating the concept of Historicism (or Text Historicism) in the textual structure, through the deconstruction of the structural elements of the textual statement, and stating that it is a strategy dependant on textual pragmatism on one hand, and conceptual pragmatism on the other. The textual pragmatism manifests itself in stating extra-textual elements on which depend the truths of the text, which in turn multiplies as much as these elements vary and contrast. These elements in turn are ultimately traced back to the authority of the reality constructed in the substructures of the text, or rather: the elementary contexts of construction which produce the textual meaning, which turns into an ultra-construct that becomes intertwined with the outside facts, forming a new reality within a textual dialectic in a constant struggle and disparity.

By way of investigative analysis this study endeavors to go beyond the traditional method of viewing statements, and to adopt an analytic critical method through unveiling the philosophical basis on which the statement depends, specifically the Marxist views regarding the substructure and ultra-structure and the existential and conceptual dialectic resulting from interaction between them, and then revealing the impact of all the philosophical schools on forming the structural ideologies of historicism.

The study presents a critique for this ideology through assessing its philosophical and epistemological structural bases, depending on a critical methodology instead of merely an ideological pragmatic methodology. The study also tries to reveal the pragmatic and theological (extra-textual) elements which govern the movement of this ideology in the mind of its advocates and defendants, and exposing, considering its inclusiveness, the text, textual and conceptual corruptions.

1. Historicism 2.textual statement

3. pragmatism   4.dialectic

5. theological

Les bases philosophiques de l’hestoricisme de textes: Une vue critique de l’idéologie

Dr. Emad Ahmad Al-Zabin

L’Université d’Al-Zaytouna

La Faculté des Arts

Le Département de littérature arabe

Résumé

Cette étude a pour but d’expliquer le concept d’Histricisme (ou bien l’Hestoricisme de textes) dans la structure d’un texte, à travers la déconstruction des éléments structuraux de l’énoncé textuel, et de dire qu’il s’agit d’une stratégie qui dépend du pragmatisme textuel d’un côté, et du pragmatisme conceptuel de l’autre côté. Le pragmatisme textuel se manifeste en précisant les éléments extra-textuels desquels dépendent les vérités du texte qui à leur tour se multiplient autant que ces éléments varient et diffèrent.

Ces éléments renvoient à l’autorité de la réalité construite dans les infrastructures des textes, dire, les contextes élémentaires de la structure qui produisent le sens textuel, formant ainsi une nouvelle réalité dans une dialectique textuelle en conflit et en inégalité constants.

Au moyen d’analyse d’inverstigation, cette étude tente d’aller au-delà des méthodes traditionnelle de voir les énoncés, et d’adopter une méthode critique et analytique en dévoilant les bases philosophiques desquels dépend l’énoncé, surtout les opinions marxistes concernant l’infrastructure et l’ultrastructure et la dialectique existentielle et concetuelle qui résulte de leur interaction, et de révéler l’impact de toutes les doctrines philosophiques sur la formation de l’idéologie structurale de l’historicisme.

Cette étude présente une critique de cette idéologie en évaluant ses bases structurale, philosophique et epistemologique tout en s’appuyant sur une méthodologie critique au lieu d’une simple méthodologie pragmatique. L’étude essaie aussi de révéler les éléments pargmatiques et théologiques (extra-textuels) qui gouvernent le mouvement de cette ideology dans la pensée de ses avocats et de ses partisants. Elle veut aussi révéler les corruptions textuelles et conceptuelles du texte.

  1. Historicisme.
  2. Enoncé textuelle
  3. Pragmatisme
  4. Dialectique
  5. Thé.


المــقدمة

تنطلق هذه الدراسة من رؤية نقدية علمية في مقولة أرخنة النصّ، التي باتت تسيطر على كثير من البصائر النقدية الحديثة، لذلك جهدتُ فيها للكشف عن الحدود البنائية للمقولة، وجمع العناصر الشارحة لها، من خلال الوقوف على مقولاتها الفرعية البنائية، ثمّ محاولة الكشف عن أسسها الفلسفية التي تستند هذه المقولة في بنائها المعرفي والإبستمولوجي إليها؛ بغية الوصول إلى رؤية نقدية واضحة، تُصنّف هذه المقولة بها تصنيفاً معرفياً منهجياً منتمياً إلى الأعراف العلمية.

وقد حرصت على اتّباع عقلين في تسيار الكشف: العقل الوصفي؛ أجلَ الكشف عن حقيقة المقولة، من غير تزيّد عليها، أو حيدة عن مرادها، وهذا العقل يفرض الموضوعية في الكشف من خلال الرجوع إلى مظانّ المقولة، وليس مجرّد النقل عن رافضيها أو مؤيّديها، والعقل النقدي؛ أجل تقديم بصائر كشفية نقدية من خلال تحليل علمي منهجي لعناصر هذه المقولة، ومآلاتها وغاياتها، وعللها الحاكمة والمسيطرة، فهي محاولة للوقوف على علل المقولة: المادية والصورية و الغائية؛ بغية تصنيفها في جداول الفكر الإنسانيّ، وتقديم محاكمة معرفية قد تفتح المشهد على تبصّر مستحدث أمام المتحمسين لقبولها أو لرفضها.

وكنت مصراً في دراستي على ربط مقولة الأرخنة بمقولة التفكيك، وهو أمر فرضه على تفكيري معطى التساوق المعرفي بين المقولتين، ولكنّني على ذُكر من مخاطر المقارنة، وعسر المأخذ، لذلك جهَدتُ في فرز معطيات التوافق، وعناصر التساوق بينهما، من خلال دراسة أثر فلسفة التفكيك في مقولة الأرخنة، وهذا أباح لي بعدُ، أن أتلمّس الحدود البنائية للأرخنة في الحدود البنائية للتفكيكية، وغاية تقديري أنني لم أبعد النّجعة في عملي هذا، وحاولت أن ألتزم حدود التبصّر العلمي؛ أجلَ الوصول إلى نتائج علمية منتمية، تفتح مغاليق الفهم لعناصر مقولة، توفّرت عليها عقول النقاد والمفكرين في محيطنا العربيّ: بين مصفق ومنسّق، ومعلّق ومفسّق، وقد غمضت مقولاتها على كثيرين، فكثر في كشفها التجاول، وفي تبيانها التشاجر، فكان لا معدى عن كشف حقائقها، وإضاءة دياجيرها بمصباح التبصّر العلمي المتقوّم بالموضوعية، والمنتمي إلى المنهج العلمي العدل.

الكشف عن المقولة

تأتي مقولة أرخنة النصّ ( أو تأريخية النصّ) استجابة لمكتسب فكري عند أكثر المتحمسين لها من دعاة التنوير الفكري في العقل العربي الحديث، لأنّها تحقّق حالة انفتاح في النصّ، هذه الحالة تضمن نفي الدوغماتية في مفهومية النصّ، أو قل: وحدة المفهومية في النصّ، وتجعل الرقعة النصية مستجيبة لكثير من التأويلات والقراءات، وهذا مزاج فكري يسمح بالتطوّر وعدم التجمّد عند فكرة واحدة أو حقيقة ثابتة تستجيب لها العقول بنسبة ثابتة، إذن؛ هي تحقّق للنّسبانية النصيّة التي تعدّ أبرز مقولات ما بعد الحداثة، وكسر لطوق التحجّر الفكري الذي تدعو إليه الميتافيزيقيات الكلاسيكية، لذلك فقد تقرّرت هذه الصياغة في قراءة النصّ عند دعاة التنوير الفكري أو العلمنة الفكرية، بوصفها الحلّ الملائم لمشكلات العقل العربي المرتبط بمقولات تيولوجية ماضوية مسوّرة بسور القداسة والتعالي.

وقد لحظ هذا النفر من المفكرين إلى أنّ تقرير مقولة أرخنة النصّ يقلل من رقعة اللامفكّر فيه في التراث، ويكسر حجب التعالي التي يغلّف بها التراثُ ومقولاتُه، ويقلل الحالة (السيكولاستيكية) التي تقوم على اجترار مفاعيل ماضوية جاهزة وثابتة، يراد لها أن تشتبك مع الظرف المعاصر بالنسبة عينها التي اشتبكت فيها مع ظرف تشكّلها الأول، ولما كان النصّ هو الحاكي للوعي، والمَظهرَ للمخيال الجمعي، وحاملَ رسائل تخترق طبقات ظرفية وسياقية وتاريخية، كان لا بدّ من اختيار طريقة مناسبة لقراءة هذا النصّ، لأننا بقراءة النصّ إنما نقرر حالة الوعي التي يعكسها هذا النصّ، بوصفه مُنتَجاً ثقافيا ومُنتِجا ( بالفاعل) للثقافة، أوقل: بوصفه مُنتَجاً للوعي ومُنتِجا ( بالفاعل) للوعي.

فالأرخنة ( أو التأريخية) تفترض في بداءة النظر التفريق بين الحدث التاريخي من حيث وجوده الأنطولوجيّ الواقعي، وما يعتلق به من مقولات أيديولوجية أو دعائية أو ميتافيزيقية، ولا بدّ من أن ننظر إلى النصّ بوصفه محلاً قابلاً للأمرين معاً في حال القراءة الناقدة([1]).

فالأرخنة تقرّر أنّ النصّ ينتمي إلى الثقافة التي تنتجه، وينتمي إلى سياقه التاريخي، ويرتبط بحالة الوعي التي تسيطر على العقل الماثل في الرقعة التاريخية، فإذا انتقل من هذه الرقعة صار قابلاً لتشكلّات مفهومية جديدة، بفعل أثر الواقع الجديد أو التاريخ الجديد أو الوعي الجديد، وهذا المقصود بكونه منفتحاً على ثقافات متعدّدة، من خلال استراتيجيات التأويل التي ترتبط بهذه المعطيات المشكّلة للحقيقة النصّية، لذلك يرى نصر حامد أبو زيد في تاريخية النصّ: أنها حالة انتمائه إلى الثقافة، وانفتاحه على التأويل في ثقافات مختلفة([2]).

فهذه المقولة ( الأرخنة) تقوم على افتراض مركزيّ يجعل من الواقع مكوّناً أساساً من مكوّنات إنيّة النصّ، والواقع هنا بمعنى الظرف التاريخي المادي وغير الماديّ، أو قل: السياق التاريخي والمعطى الثقافي واستراتيجيات الحسّ، وكونها من مكوّنات إنيّة النصّ، فلا معدى عن تطلابها في الكشف عن الرسالة التي يحملها النصّ، فإذا أردنا أن نفهم رسالة النصّ فنحن ملزمون باستعادة السياق التاريخي لهذا النصّ، كما يقول نصر حامد([3])، ذلك لأنّ هذا السياق مكونٌ مركزيّ من مكوّنات إنيّة النصّ، فلا تفهم رسالة النصّ إلا باعتباره.

والأرخنة لا تفترض أنّ النصّ يجب أن يعيش محنّطاً في سياقه التاريخيّ، أو أنّه غير قادر على مخاطبة أفراد الوعي المباين لظرف تشكّله الأول([4])، بل هي تنفي وحدة الحقيقة النصية، وتفترض تكثّر الحقائق النصية بتكثر العناصر الإنية المتغيرة، أقصد السياق التاريخي والوعي، وهنا تظهر معادلة الأرخنة في قراءة النصّ:

انتماء النص إلى ظروف تشكّله الأول + انفتاحه على التأويل بفعل تعدد السياقات الثقافية= أرخنة النصّ

وعليه فالأرخنة تأخذ بالتفكيك النصيّ متى انفصل عن سياق التشكّل الأول، كما سيأتي في الأسس الفلسفية لهذه المقولة، لأنها تقرر النسبانية في الحقيقة النصية.

وتفرّق الأرخنة بين محمولات النصّ الشواهدية والمحمولات الدلالية، بفعل الواقعية التاريخية، فهذه المقولة تفترض أن هناك أجزاء من النصّ سقطت بحكم الحراك التاريخيّ، وأصبحت شواهد تاريخية، أي أنّها في ظرف التشكّل الأول كانت مكوّناً دلالياً في النصّ، ثمّ استحالت بحراك النصّ في السياقات الثقافية والطبقات التاريخية، إلى مجرّد، شواهد تاريخية، ولم تعدّ مكوّناً دلالياً مباشراً، لأنّ السياق الثقافي الجديد سيكون المكوّنَ الدلاليّ الحيّ الجديد في عملية البثّ النصيّ، يضرب نصر حامد أبو زيد مثالاً لذلك من آيات الرقّ في القرآن الكريم، التي استحالت شاهداً تاريخياً بعد زوال نظام الرقّ، وعليه فيجب أن تخضع من حيث الدلالة إلى سياقها الجديد، وتبقى قراءة الرقّ من حيث دلالة الرقّ تُشدّ إلى سياق تاريخي سابق، والقراءة بهذه الاعتبارات تعدّ عملية اختراق للوعي بحسب نصر حامد([5]).

والمحصّل أنّ مقولة الأرخنة تفترض أنّ النصّ يخضع في تشكّله لسياقات ثقافية وتاريخية وسياقات وعي جمعية وفردية، وأنّ هذه السياقات تعدّ عناصر مركزية في إنيّة النصّ، فلا بدّ من اعتبارها في عملية قراءة النصّ، لذلك فالأرخنة لا تقول بأنّ النصوص غير قابلة للقراءة إذا زايلت ظرف تشكّلها الأول، لكنّ الحقيقة النصية التي أنتجتها سياقات التشكل الأولى، لا تثبت بمزايلة هذه السياقات، وإذا زايل النص هذه السياقات التاريخية، خضع لما يشبه التفكيك والتقويض النصيّ، فينفتح على سياقات تشكّل جديدة تفرض حقائق متكثّرة ونسبانية، أو قل قراءات متعدّدة بفعل انفتاحه على تأويلات تفرضها هذه السياقات المكوّنة لإنيات متكثرة في النص.

المقولات البنائيّة لأرخنة النصّ

من تمام الكشف عن الأرخنة، الجهد في إظهار مقولاتها البنائيّة، وأقصد المقولات التي تعدّ أركاناً تُبتنى عليها هذه المقولة الكبرى، وأبرز ما يجب النصّ عليه من هذه المقولات الفرعية، مقولة اعتبار الظرف التاريخيّ للنصّ، فالطبقة التاريخية للنصّ تمثل عنصراً مركزياً من إنيّة النصّ، والحقيقة النصيّة تتقوّم باعتباره، وعزل النصّ عن الظرف الزماني والمكاني يفقده بالضرورة الحقيقة التي تحاول رسالة النصّ أن تبثّها([6])، فإذا أردنا أن نفهم محمولات الرسالة النصيّة، فإنّه يلزمنا اعتبار هذا الواقع النصيّ المتمثّل بالسياق التاريخي. يقول حسن حنفي: لا بدّ من تطويع اللغة في نشأتها واختيار ألفاظها إلى متطلبات الواقع([7]). ولذلك اقترح محمد أركون لفهم النصّ القرآني أن يظلّ في ضمن سياقه التاريخي، وظروف تشكّله، وجعل فهمه مرتبطاً باعتبار هذه السياقات التاريخية، يقول: " ينبغي أن يستيقظ المسلمون، أن يفتحوا عيونهم، أن يقرأوا القرآن بعيون جديدة، أن يتموضعوا في عصره وبيئته لكي يفهموه على حقيقته، وعندئذ لا يعودون يسقطون عليه أفكار عصرهم وهمومه أو نظرياته وأيديولوجياته"([8]). وهذه دعوة صريحة من أركون إلى القراءة التزامنية التي تشدّ إلى اعتبار السياق التاريخيّ، وهو ،كما ترى، لم يراعِ خصوصية النصّ القرآني، بل أخضع مفهوميّته، كما هو حال باقي النصوص، لاعتبار السياق التاريخي، وظروف الوعي التي يحكمها الواقع والثقافة.

بل إنّ إخضاع النصّ القرآنيّ لمقولات الأرخنة، هو الأساس التنويريّ الذي أقام عليه أصحاب هذه المقولة أفكارهم في إطار مفهوميّة القرآن الكريم، يقول حسن حنفي: إنّ فكرة الوحي عينها مبنية على الواقع، وتتغيّر وتتكيّف بناء عليه، وأصول التشريع في جوهرها عملية تعقيل لهذا الواقع وتنظير له([9]). ويرفض نصر حامد أبو زيد ترك تحكيم السياقات في مفهومية النصّ الدينيّ، ويرفض مقولة شمولية النصّ الديني، لأنّ هذه المقولة تؤدي، بزعمه، إلى ترسيخ الاعتقاد باحتواء الكتاب المقدس على كلّ ما توصل إليه الإنسان، أو يمكن أن يتوصّل إليه، وهذا مَصير إلى مصادرة إنجازات العقل البشري في جميع مجالات المعرفة، واختزالها في قوالب نصيّة صيغت منذ خمسة عشر قرنا هجرياً، وهذا من شأنه ترسيخ سلطة الماضي([10]) .  

ثمّ تأتي مقولة مركزية أخرى، يمكن أن أسمّيها مقولة الجدل النصّي، والجدل هنا حاصل بين النصّ والواقع، إنها محاولة اكتشاف لقانون التشارك الإنّيّ بين النص والواقع، أو قل: النصّ والثقافة والوعي، فالنصّ في تشكّله الأول يخضع لسلطة الثقافة، وتكون هذه الثقافة، أو طبقة الوعي الجمعي، عنصراً مركزياً في إنتاج هذه النصّ، ثمّ يندمج النص في نسيج الوعي الجمعي والطبقة الثقافية ليستحيل بدوره عنصراً من عناصر الثقافة، وهكذا تتكامل حلقات الديالكتيك النصيّ من خلال دوران النصّ بين طبقة الإنتاج بالفاعلية، وطبقة الإنتاج بالانفعال، يقول نصر حامد أبو زيد: النصّ مُنتَج ( بالمفعولية) ثقافيّ، يمثّل بالنسبة للقرآن مرحلة التكوين والاكتمال، ، وهي مرحلة صار النصّ بعدها مُنتِجاً ( بالفاعلية) للثقافة، بمعنى أنّ النصّ يصير مهيمناً على باقي النصوص، وصار المعطى الذي تقاس عليه النصوص الأخرى، وتتحدّد به مشروعيّتها، والفارق بين المرحلتين في تاريخ النصّ هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها، وبين إمداده للثقافة وتغييره لها([11]).

ومن هذه المقولات الفرعية لأرخنة النصّ تبرز مقولةٌ، أحبُّ أن أطلق عليها النِّسبانية النصيّة، وهذه المقولة تتعلّق بنظرة أصحابها إلى نسبية الحقيقة ونفي إطلاقها، فالنصّ لا يملك حقيقة مطلقة، بل هناك حقائق متكثّرة نسبية، وإنما جاء تكثّر الحقائق في هذه المقولة، من جراء اعتبار السياق التاريخي والظرف الثقافي في إنيّة النصّ، أو قل: من جراء اعتبار سياق القراءة في إنتاج مفهومية النصّ، وهذا يؤدي حتماً إلى نفي وحدة المفهومية، وتكثّر قراءات النصّ وتكثّر حقائقه، بسبب تكثّر القراء وتكثّر سياقاتهم واستراتيجيات قراءاتهم للنصّ، فكل حقيقة نصيّة ترتبط بسياق قراءة ثابت، وإذا تغير هذا السياق تغيرت حقيقة النصّ، يقول نصر حامد أبو زيد: تتعدّد مستويات القراءة بتعدّد أحوال القارئ الواحد، وتتعدّد ثانياً بتعدّد القرّاء بسبب تعدّد خلفياتهم الفكرية والأيديولوجية، فتتعدّد طبقاً لذلك مرجعيات التفسير والتقييم على حد سواء، وتتعدّد تلك المستويات بتعدّد المراحل والحقب التاريخية التي تحدّد منظور القراءة معرفياً للعصر والمرحلة، وتزداد درجات التعدد والتعقيد بالانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية([12]). ويرى نصر حامد في موضع آخر، أنّ خضوع الأصول التراثية والنصية للواقع، هو السرّ في انفتاح هذه الأصول على التعددية في القراءة، فليست الأصول التراثية أو النصية، نظريات أو عقائد ثابتة لا تقبل التجدد في القراءة، بل هي مجموع تحقّقات هذه النظريات في ظرف معيّن، وفي موقف تاريخي محدّد، وعند جماعة خاصة تصنع رؤيتها، وتكوّن تصوّراتها للعالم([13]).

والأرخنة وهي تنفي الحقيقة النصية المطلقة، تعترف بأنّ كلّ حقيقة هي مطلقة بالنسبة إلى ثقافتها، أي في حدود الدائرة الضيّقة للثقافة، لكنّنا إذا خرجنا من هذه الدائرة الثقافية الضيّقة، سنرى تكثّراً في الحقائق ينفي حكمنا بإطلاق الحقيقة التي نملكها بفعل وعينا أو طبقاتنا التاريخية والثقافية([14]).

وترتبط بمقولة النسبانية النصية، ما أسميه مقولة المحل القابل، وأقصد بها أنّ النصّ يكون محلاً قابلاً لجميع القراءات، ورقعة منفتحة لقبول عناصر التشكّل الجديدة التي يفرضها تعدّد الطبقات التاريخية والأحوال الثقافية، واستراتيجيات الحسّ للقارئ، فهي حالة نفي للمعيارية التي تفرضها وحدة المفهومية النصية، وثباتُ الحقائق النصية التي تُشدّ إلى مبدأ إحالة تقليديّ، وبهذا فكل قراءة للنصّ هي قراءة سيّئة بمصطلح التفكيكيّين، أي قراءة قابلة للتقويض بقراءة جديدة، وكلها قراءات مقبولة، لأنها تشدّ إلى نصّ من مرجعياته السماح بهذا التعدّد، والقراءة السيّئة بعكس ما توحي به من منافرة الحقيقة، تشير إلى قبول كلّ قراءة، فليست القراءة الجديدة المحكومة بسلطة الثقافة الجديدة، تعني خطأ القراءات التي تُشدّ إلى ثقافات سابقة أو مباينة. يقول نصر حامد:" إنّ حركة النصّ في الزمان والمكان، ليست إلا حركة من واقع حي متطور، واكتشاف دلالات جديدة للنصوص، لا يعني إسقاط الدلالات التي اكتشفت قبل ذلك من هذه النصوص"([15]). وفي الإطار نفسه يقول حسن حنفي: فالتراث يمكن قراءته بمنظورات متعدّدة كلّها ممكنة، والتجديد هو إعادة قراءة التراث بمنظور العصر، وليس معنى ذلك أن القراءات القديمة له خاطئة، وأنّ القراءات المستقبلية له غير واردة، بل كلها صحيحة، ولكن الخطأ هو قراءة التراث من المعاصرين بمنظور غير عصري، وهنا يكمن خطأ عدم المعاصرة([16]).

ومن مقولات الأرخنة التفريقبين الخطابية والنصية، فالخطاب الشفاهي تتلقّى حقائقه في موقف واحد، لكنّه عندما يتحول إلى نصّ، فإنّه يخضع لظروف تاريخية، وسياقات ثقافية تدخل دخولاً أوليّاً في الاعتبار عند القراءة، ويرى محمد أركون أنّ هذه الظروف التاريخية يجب أن تتعرّض للنقد والتحقّق التاريخيّ([17]). ولكنني لا أجد فرقاً في التلقي بين الخطابية والنصيّة، إذا أخذنا في الاعتبار السياق الخارجي والداخلي للمتلقي في الخطابية، وهو سياق معتبر في الأرخنة، لذلك يجب أن يكون تعدد المتلقين كتعدد القرّاء، ولو كان ذلك في الموقف الواحد الذي تفرضه الخطابية، فالكلام الخطابي في النهاية هو حالة تحقق اللغة عند المتلقي، كما يرى سوسير، والكتابة في النهاية لا تضيف شيئاً لظاهرة الكلام، كما يرى بول ريكور([18]). ولا يفهم من هذا الإيراد سبق الموافقة مني على المقولة، ولكنه محاولة تقرير انسجام داخلي لها فقط.

ومن المقولات التي تلزم المنادين بالأرخنة، مقولة غياب المؤلف أو موته، وهذه المقولة من لوازم الانتظام الفلسفيّ لنظرية الأرخنة التي تلتقي مع التفكيكية البارتية فيها، فتعددّ القراءات وصحة القبول، ونفي المعيارية بنفي مبدأ إحالة تقليدي( Logo centrism)، ورفض وحدة المفهومية النصية، كلها مقولات تفضي إلى عدم اعتبار قصدية الفاعل المشكّل في النصّ، ونظرية موت المؤلف ترجع إلى أساس فلسفيّ نيتشيّ سأبيّنه لاحقاً، ثمّ كان قد أثار كولر فكرة إهمال القارئ لشخصية المبدع، وضرورة الاهتمام بالعملية اللغوية التي أنجزها، وبما نتج عن هذه العملية من نصوص، وهذا المبدأ تلقّفه رولان بارت متأثّراً بفلسفة نيتشة، وترجمه عمليّاً فأعلن عن موت المؤلف، في أثناء تحليله لأعمال كاتبه المفضل مارسيل بروست، فالنصّ برأيه من تأليف شخصيات متعددة وليس شخصية واحدة([19]). لقد أضحى المؤلف، أو قل: الفاعل الحقيقيّ مفهوما أسطورياً، لا يمكن اعتبار قصديته في إطار المفهومية، ولا يشكّل في النصية مرجع إحالة، يمكن أن نستبين به الحقيقة النصية([20])، بل صار موت المؤلف في التفكيكية البارتية أساساً في ولادة القارئ المبدع، أو الفاعل الجديد، وهذا يعني أنّ نفي المبدع بالفعل يُحدث المبدع بالقوّة، أو قل: يحقّقه أو يؤصّله مُحَقّقاً([21]). ويبقى دور المؤلف مجرد الاحتكاك بالنصّ([22])، ويستحيل واحداً من المقرّرين لماهية النصّ، ولا تعتبر قصديته، ولضمان هذا الأمر، يجب تقرّر موته أو غيبته بمرةٍ، وهذه المقولة لا شكّ في أنها من لوازم نظرية الأرخنة، لضمان انسجام قوانينها المفضية إلى انفتاح النصّ وتعدد قراءاته.

ويحفل مؤيّدو الأرخنة بالواقعية النصيّة، ولا يميلون إلى اعتبار الميتافيزيقيات في الفضاء النصيّ، أو ربما يطالبون بفرز هذا المعطيات الماورائية في فهم الأحداث التي يعبر عنها النصّ، فعملية فرز المعطى التاريخي الوضعي عن الحجب الماورائية التي يفرضها المخيال الجمعي، في عملية القراءة، يعدّ مرتكز قراءة نصيّ ، يمكن به أن نقرأ النصّ قراءة منتمية إلى سياقه وظرفه الحقيقي، بعيدا عن الميتافيزيقيات المضللة، وهذا يشبه اجتراح حالة قراءة بريئة، ترجع بنا إلى الحقيقة النصية بحسب عوامل تشكّلها المؤثرة، وبحسب عملية تطهير نصيّ نطرد بها العوامل الماورائية التي يفرضها تعاقب الطبقات التاريخية والثقافية([23]).

المقولات الفلسفية لأرخنة النصّ

         تستند مقولة أرخنة النصّ إلى أساسين فلسفيين كبيرين: الأول بعض مقولات الفلسفة الماركسية، والثاني الفلسفة التفكيكية، وسأحاول تجلية أثر هذين الأساسين في بنود هذه المقولة؛ بغية تقديم رؤية واضحة نبتني عليها نقداً منتمياً إلى هذه المقولة.

أولاً- أثر الفلسفة الماركسية:

أبدأ بالفلسفة الماركسية نظراً إلى نسبة مثول هذه الفلسفة في هذه المقولة، فأثر الفلسفة الماركسية في هذه المقولة، يجعلها من الدعائم الرئيسة، التي ابتنت الأرخنة مقولاتها عليها، ومن الموارد المركزية التي استقت منها الأرخنة مقولاتها الكبرى، والماركسية في فلسفتها العامة قدّمت بحثاً خاصاً في نظرتها إلى التاريخ والأفكار والجدل، وهذه عناوين مركزية تواجهنا عندما نحاكم مقولات الأرخنة.

وأبرز ما تؤكده الفلسفة الماركسية ثنائيّة الأساس والبناء الفوقي في المجتمع، والأساس بمقصودهم هو المعطى المادي أو الطبيعة أو العالم الأنطولوجي، هو مجموعة البنى الاقتصادية والمادية المحرّكة في البناء الاجتماعي، والبناء الفوقي ( Superstructure ): هو حياة المجتمع الفكرية، أو النظريات والنظرات السياسية والقانونية والمؤسسات السياسية والقانونية، فالبناء الفوقي يمثّل الأفكار السائدة: السياسية والتشريعية والفلسفية والدينية، التي تمثّل الوعي الجمعي. وهذا البناء الفوقي يتولّد من الأساس، ويكون معبّراً عنه، ويسير في سبيله نشأة وزوالاً، فأفكار المجتمع تتولد أصلاً من هذا البناء الأساس، أو قل: إنّ الأساس يقوم بصياغة الوعي والأفكار في المجتمع([24]).

فالعالم المادي هو الواقع الموضوعي الذي يستقل وجوده عن وعي الإنسان، بينما الوعي هو انعكاس لهذا الواقع الموضوعي، يتشكّل من تطور تاريخيّ، أو إنتاج وتطور تاريخيّ([25])، وينهد هنا سؤال مركزي عن علاقة البناء الفوقي بالأساس، هل هو مجرّد منفعل بالأساس، مُستَحصل به، أو أنّ له دوراً فاعلاً في الأساس؟

تفترض الفلسفة الماركسية وجود تشارك في حيّز الفاعلية بين الطرفين، فالوجود المادي الأنطولوجي أو الموضوعي يُحدث البناء الفوقي أو الوعي، والوعي بدوره يحدث تغييراً في الأساس أو الوجود الموضوعي، ويشارك في إعادة صياغته، فالبناء الفوقي الذي يتولّد عن الأساس، يقوم بخدمته ومساعدته بنشاط كي يتبلور، ويناضل من أجل تصفية هذا الأساس القديم البالي، وهو ينتقل من موقف المدافع إلى موقف المغيِّر له، فالأفكار ( البناء الفوقي)، تظل قوة نشيطة عاملة، تستحيل عنصراً عاملاً في الأساس الذي أحدثها([26])، وهذه الأفكار نتيجة التطور المادي للمجتمع تصبح لها قوة وحاكمية، بمعنى أنّ هذه الأفكار تمتلك شرعيتها من الجماهير لأنها تشكّل وعيهم، وعندها تصبح قوة مادية مؤثرة، تنتج عنها تغييرات جذرية وبراديغمات مستحدثة على أنقاض الأساس القديم الذي أنشأها، وهذا التفاعل الانتظامي المشترك بين الأساس والبناء والفوقي، وهو الديالكتيك الماركسيّ، والجدل القائم بين الأساس وبنائه الفوقيّ([27]).

ويبدو أثر هذه الفلسفة الماركسية جلياً في أرخنة النصّ، من حيث إنّ الأرخنة تجعل النصّ انعكاساً للظرف التاريخيّ ناشئاً عنه، فالحقائق النصية هي بناء فوقي ينعكس عن الظرف التاريخي والثقافي الذي يمثّل الأساس، وهذا البناء الفوقي بدوره يتشارك معه في ديالكتيك كشفيّ، بمعنى أنّ النصّ يستحيل منتجِاً للثقافة، بعد أن كان منتَجاً لها، وقد مرّ هذا الديالكتيك النصيّ جلياً في رحلة الكشف الآنفة عن المقولات البنائية للأرخنة، فالحقائق النصية هي انعكاس عن الوجود الموضوعي للسياقات التاريخية والثقافية، لذلك فهي تتعدد بتعددها، فتكون بحسب نصر حامد أبو زيد منتَجاً ( بالمفعولية) ثقافياً، لأنها منفعلة بهذه الثقافة، ثمّ تتحول هذه الحقائق النصية إلى ما أسمته الماركسية القوة المادية المؤثرة، فتؤثر باستراتيجية الديالكتيك، وتحدث براديغمات ثوروية جذرية في الواقع الثقافي الموضوعي، وبهذا تستحيل عاملاً مُنتِجاً ( بالفاعلية) للواقع الموضوعي، أو قل: للثقافة.

وتنبّه الفلسفة الماركسية أيضاً إلى ضرورة ربط الأفكار بالواقع الموضوعي، فيحدث أن تنتقل الأفكار من جيل إلى جيل مع تغيّر الظروف التي ولّدتها، وهذا يُحدث تناقضاً بين الأفكار والعالم الموضوعي الجديد، ينحلّ عادة لصالح العالم الماديّ([28]). وهذه الدعوة الماركسية تلقّفها دعاة الأرخنة العرب، وبنوا عليها المرتكز المعرفي لمقولتهم، فدعوا إلى تموضع النصوص في ظرفها التاريخيّ لضمان الوقوف على حقائقها، وضرورة تعدد قراءاتها بتعدّد السياقات الأساس المؤثرة، وفرّقوا، كما مرّ، بين محمولات النصّ الشواهدية والمحمولات الدلالية، بفعل التاريخية الوضعية، لأنّ المحمولات الشواهدية استحالت شاهداً لظرف تاريخيّ قد تغيّر، وهذا يؤدي إلى تناقض، ينحل لصالح الواقع الموضوعي الجديد، وقد مرّ أن الأرخنة تفترض أن هناك أجزاء من النصّ سقطت بحكم الحراك التاريخيّ، وأصبحت شواهد تاريخية، أي أنّها في ظرف التشكّل الأول كانت مكوّناً دلالياً في النصّ، ثمّ استحالت بحراك النصّ في السياقات الثقافية والطبقات التاريخية، إلى مجرّد، شواهد تاريخية، ولم تعدّ مكوّناً دلالياً مباشراً، لأنّ السياق الثقافي الجديد سيكون المكوّنَ الدلاليّ الحيّ الجديد في عملية البثّ النصيّ، وهذا يمثل سلطة الواقع الجديد على الأفكار أو الحقائق النصية.

وبهذا يظهر جليّاً أنّ مقولة أرخنة النصّ، تستند بدعائم قوية إلى مقولات الفلسفة الماركسية، وربما لا أبالغ إذا قلت: إنّها في تطبيقاتها الكبرى لا تعدو أن تكون نسخاً للأفكار الفلسفية الماركسية، ولصقاً لها في صورة قراءة نصانية، وهذا الإجراء إنما يجيء لتقرير المكتسبات الفكرية التي يريد أصحاب الأرخنة تحقيقها، وهذا التحقيق يحصل من خلال تطويع النصوص المعبرة عن الوعي والثقافة لهذه المكتسبات الفكرية.

ثانيا- الفلسفة التفكيكية:

أنظر إلى التفكيكية هنا بوصفها طريقة قراءة نصانية فلسفية، وليست مجرّد مُتّجه أدبي بريء في تفسير النصوص؛ ذلك أنّ النظر إلى التفكيكية بعيداً عن أصلها الفلسفيّ، يفضي إلى تقويض المقولة برمّتها، وحرمانها من معطياتها المقرّرة لوجودها في المشهد المعرفيّ، والأرخنة تتوافق مع التفكيكية في مرحلة رحلة النصّ عن المعطى الظرفيّ لتشكّله الأول، لأنّها تفترض، كما مرّ، أنّ السياقات الظرفية والثقافية والتاريخية مكونات مركزية في ماهية النصّ، فإذا انفصل النصّ عن هذه المكونات تعرّض لتشكّلات لا منتهية بحسب ما يطرأ عليه من مكوّنات ماهوية جديدة، وبهذا فالنصّ يخضع لقراءات لا متناهية بحسب ظروف الزمان والمكان وسياقات القراءة والقارئ، وهذه الحالة تصنّف في جداول النصانية التفكيكية، فإذا ثبت هذا الطّرح، فمن المقتضى العلمي في الكشف عن الأسس الفلسفية لأرخنة النصّ، الكشف عن الأسس الفلسفية للتفكيكية لأنها جزء مركزي في عملية الكشف عن الأسس الفلسفية لمقولة الأرخنة، وسأبحث الآن في هذه الأسس الفلسفية للتفكيكية التي تُعدّ مرتكزاتٍ فلسفيةً جوهرية في مقولة الأرخنة.

  والأرخنة، كما التفكيكية، تتّصل بسبب وثيق بمذهب التعالية ( Transcendentalism) إلا أّنها تُحدث تغييراً جذرياً في جوهر مقولته، لأنّ أصل مقولته: اعتبار الفكر المجرّد أو الميتافيزيقي؛ استناداً إلى فلسفة كانط، وأخصّ مذهبه القائل بوجود عناصر فطرية في الذهن تسبق الخبرات الحسية، فهي تتعالى على الخبرة الحسية لا على المعرفة، فهذا المذهب يتّصل بالكشف عن الحقيقة من خلال العمليات الفكرية، لا من خلال الخبرات الحسيّة، لكنّ التفكيكيين وأصحاب الأرخنة وإن آمنوا بالتعالي، ولكنّهم وجّهوا عناصر التعالي إلى الواقع والسياقات الظرفية والثقافية، وظروف القراءة والقارئ المشكّلة للحقيقة النصية المؤقتة، القابلة للتقويض بطروّ سياقات جديدة أو ظروف قراءة جديدة، فهم آمنوا بوجود عناصر (خارج نصيّة) وخارج بنية اللغة تحدّد معانيها([29]).

ولذلك فأصحاب الأرخنة آمنوا بمبدأ الاختلاف في الفلسفة التفكيكية، هذا المبدأ الذي جاء لينقض سلطة الميتافيزيقيات في الحقيقة النصية، وقام على أنقاض الفلسفة الظواهرية ( الفينومينولوجية) التي افترضت وجود علاقة بين الأنا المتعالية، أي مقولات الميتافيزيقيا، وبين الأنا الحية، أي الذات القارئة، وهذه العلاقة هي علاقة تطابق بنظر الفينومينولوجيا، مما يجعل جميع التفسيرات والقراءات النصية والتأويلات والحقائق النصانية نابعة من هذه الميتافيزيقيات، لكن دريدا (Derrida) نقض هذه الفلسفة المقرّرة لسلطة الميتافيزيقيا، وقرّر مبدأ الاختلاف، الذي من شأنه أن يزيد المسافة بين الدال والمدلول، ويحيل على الكثرة والتعدّد والزيادة والتأويل، ويجعل التعالي لظروف القراءة التي تستوعبها اللغة بانفتاحها الدائم نتيجة مبدأ الاختلاف([30] وكذلك فعل أصحاب مقولة الأرخنة، فدعوا إلى تجريد النصّ من عناصر التعالي الميتافيزيقي، والالتجاء إلى الواقع المشكّل للنصّ الذي يُعدّ العنصر المتعالي الوحيد المتحكم في الحقائق النصيّة.

وترى الأرخنة أنّ القارئ المنتج هو الذي يتقن عملية التجريد هذه، فلا ينخدع بتضليل الاعتلاقات النصية الماورائية، بل يستطيع تجريد النصّ وفرز جواهره عن أعراضه القريبة والبعيدة؛ بغية قراءة النصّ قراءة منتمية إلى العناصر المتعالية في تقرير حقيقته، وأقصد بها الواقع الذي يفضي إلى تحديد: الطبقة التاريخية ( زمكان)، والظرف السياقي، وبالمحصّل: سياقات القراءة والقارئ، وهذا هو مبدأ الاختلاف الدريدي الذي تحمّس له أصحاب الأرخنة.

وتتّصل مقولة الأرخنة بأساس فلسفيّ مركزيّ، وهو الفلسفة الظواهريّة ( الفينومينولوجية)، فالأرخنة كالتفكيكية رفضت سلطة الثابت والحضور الدائم لعناصر تحّكم نصيّ، وأخضعت النصّ للعناصر الغائبة عن ظرف تشكّله في حال قراءته بعد تشكّله الأول، لذلك فهي عارضت وجود مبدأ إحالة تقليديّ يتحكم في تقرير الحقائق النصية في كلّ ظرف وسياق، فهي، إلى حدّ ما، تعتمد فلسفة الغياب، أو الفلسفة الظواهرية( لهوسرل)، التي تقرّر في رؤيتها: أنّ القراءة عملية تفاعل بين موضوع النصّ والوعي الفرديّ([31])، وهذا الوعي يتشكّل بدوره من الأساس، بتعبير الماركسية، أو الواقع الأنطولوجيّ بعناصره المتعالية عند المتحمسين للأرخنة، وهذه العناصر الأساس متكثّرة ومتعدّدة وغير متعدّية إلى ظروف أخرى، فلا يعايش ظرفُ التشكّل الأول ظرفَ التشكّل الثاني، فعناصر التشكّل الأولى مرهونة بتاريخها، وما يحضر في التشكلات اللاحقة إلا وعي القارئ المبتنى على واقعه القابل للتقويض بواقع جديد، وهكذا يخضع النصّ لتفسيرات لامتناهية بسبب فلسفة الغياب هذه، ولا يخضع لحضور مبدأ إحالة تقليدي دائم يُعدّ مرجعية دائمة وحاضرة وثابتة في المفهومية النصيّة.

وتتّصل الأرخنة ببعض المبادئ الفلسفية للفيلسوف الألماني نيتشه، من جهة ما ألزمتها به من القول بموت المؤلف أو غيابه، وهي فكرة تحمّست لها التفكيكية البارتية، كما قدمتُ، وغياب المؤلف في الأرخنة ضرورة في انسجامها أركان مقولتها، وهي فكرة ترجع أساساً إلى فلسفة نيتشه، هذه الفلسفة التي قامت على تقويض الحقائق والحتميات والعقائد والميتافيزيقيات، وتحت هذا الإجراء الفلسفيّ نادى نيتشه بمبدأ موت الإله؛ بغية إطلاق الحرية للإنسان لتحقيق مقولة إنسانيته من غير تحكم وسلطة معارضة، فهذه الفكرة تعني عند نيتشه: إعطاء الأولوية للإرادة الإنسانية، وإطلاق العنان للذات لتبحث عن كلّ ما هو خفيّ وغامض، إنها حالة من زحزحة الغيبيات والميتافيزيقيات؛ فلا تعترض عملية انبعاث الإنسان، فالحقيقة، بعد موت الإله، هي ما يستطيعه الإنسان، وما يمكن أن يكون في طوقه وفي متناول يده، وما عدا ذلك فهو خرافة وأساطير، أو قل: هو شيء ميّت([32]).

وهذا ما دعت إليه أرخنة النصّ، كما فعلت التفكيكية من قبل، عزلت النصّ عن قصدية المؤلف، ولم تربط الحقيقة النصية بها، فنادت بغيابه وأثبتت مكانه الواقع بسلطته وسلطانه، وجعلت قصدية المؤلف وقصدية النصّ في تشكّله الأول خاضعة لظروف ذلك التشكّل، ومتى عُزل عن أطر هذه السياقات، تموت قصدية المؤلف فيه، لأنه يخضع لسياقات قراءة جديدة، فموت المؤلف في الأرخنة هو عملية انتقال النصّ من ظرف مكوِّن إلى ظرف آخر.

وإنك واجد كذلك في مقولة الأرخنة تأثّراً واضحاً بفلسفة الوجوديين، وعلى رأسهم جون بول سارتر، الذي رفض سيادة جميع القيم المسبقة، ولم يعترف إلا بقيمة الحرية، وهذا أساس في الأرخنة، كما هو أساس عند دريدا من قبل، فهؤلاء نقضوا كلّ قراءة تؤسس لسلطة المرجعيّات الثابتة والحاضرة، المفضية لوحدة مفهومية النصّ مع تعدّد الواقع المتعالي، واعترفوا فقط بسلطة الواقع المشكّل لمفهومية النصّ، فالواقع عندهم يشكل قيمة الحرية عند الوجودي سارتر، الحرية التي ارتبطت بظرف القراءة وسلطة القارئ، هذه السلطة التي تمدّه بشرعية فتح النصّ، واستكناه غوامضه، والقفز عن حجب الظواهر الماورائية المتمثلة بسلطان المؤلف وتحكم قصديّته([33]).

ولا يخفى أنّ مقولة الأرخنة تصل بمنتهى رؤيتها الفلسفية إلى نقض الحقائق والثبوت والحضور، وتقرير مقولة النسبانية التي تُعدّ من أهم مقولات ما بعد الحداثة، لأنّ النص يمتلك حقائق مؤقتة قابلة للتقويض مع كل ظرف قراءة جديدة، وهذا يعني عدم وجود حقيقة تمثل سلطة على جميع الفهوم المتوفرة للنصّ، وهذه الحالة في الأرخنة تمثّل استجابة واضحة لمبادئ الفلاسفة الوجوديين والمثاليين، وعلى رأسهم: هايديجر ونيتشه، فقد رفضوا التسليم بوجود حقائق مطلقة، أو أية معتقدات أو مسمّيات فكرية يمكن أن تسيطر على الإبداع الإنسانيّ في عصوره وظروفه وسياقاته المتعددة والمختلفة([34]).

ثالثا- أصول كلامية في مقولة الأرخنة:

بعيداً عن الأصول الفلسفية فقد لحظت عند دعاة الأرخنة العرب، حالة من الاعتماد على بعض الأصول الكلامية (التيولوجية) التي تمثّل مكتسباً منهجياً لهم، يقرّر فصول مقولاتهم من وجهين: الأول وجه ثقافي يرتبط بخطاب أيديولوجي دعائيّ، يصل به منظّر الأرخنة إلى إقناع الجماهير بتوافق فصول نظر العقل الإسلامي والعربي مع مفاعيل مقولة الأرخنة، وهذا يضمن جمهوراً قابلاً وداعماً، من خلال نفي الشعور بغربة هذه الأنظار عن العقل المتقبّل عند هذه الجماهير، والثاني وجه معرفيّ يدعم فصول هذه المقولة ويثبت أركانها عند المنافحة عنها، والمناظرة عن جدواها، ويدفع عن تَسيارها حواجز المعتقدات الموروثة والسيكولاستيكية ( بحسب محمد أركون) التي ما تزال ماثلة في العقل العربي الحاضر، بزعمهم. وعليه فهو توسّل لعلاج العوائق النفسية الحاجزة، والعلائق المعرفية المانعة، وتقريرٌ من داخل الثقافة لعناصر فلسفية مختلطة وهجينة ووافدة، يراد بالتحايل التيولوجي أن يتقبلها العقل الدوغماتي المتكوّن من سلطة الموروثات الفكرية.

ومثال ذلك محاولة نصر حامد أبو زيد الانتصار لرأي المعتزلة، في كون القرآن الكريم صفةَ فعل لا صفة ذات، فإذا كان كذلك فهو حادث، وكل حادث فهو تاريخيّ لأنه زمانيّ([35])، وبهذا فالنصّ القرآني يخضع أيضاً لسلطة الأرخنة والتفكيك، وهذا توسّل بمبدأ كلاميّ يفرّق في درس صفات الله تعالى بين صفة الفعل وصفة الذات، يحاول هذا المتحمس لأرخنة النص أن يثبت قواعد مقولته به، وإذا ثبت هذا على النصّ القرآني، ثبت لما عداه بلا مثنوية.

بصائر في نقد المقولة

أول ما يمكن مناقشته مع أصحاب مقولة الأرخنة، الركن المركزيّ المصحح لهذه المقولة، فقد صنّفت الأرخنة الواقع تصنيفاً ماهوياً، أي جعلته من ماهية النصّ، وجعلته العامل المتعالي في تقرير الحقيقة النصية والمعاني اللغوية، ولا يُنكر أثر الواقع في المعاني النصيّة، ولكن هذا الأثر لا يجعل من الواقع جزءاً من ماهية النصّ كما ذهبت إليه الأرخنة؛ إذ إنّ الطبقة الإبلاغية من النص تعتمد في المقام الأول على قانون المواضعة، أو قل: قانون التلازم بين الدال والمدلول، وهذا ما جهَدت الأرخنة في نفيه، من خلال الاعتراض على مبدأ الإحالة التقليدي، فالظاهرة اللغوية أصلاً تقوم على مبدأ وحدة المفهومية، وإلا لرفع الأمان عن دلالات اللغة، وما عاد لها مطلق حقائق، وهذا مَصير إلى نفي الظاهرة اللغوية برمتها، فهناك طبقة لغوية إبلاغية في النصّ تعتمد على الوحدة في المفهومية، والمقصود بالوحدة هنا ضمان تطابق التلازم بين الدال والمدلول عند المتلقي كما هو عند المرسِل، وهذا لا يحصل بمبدأ الواقع ضرورة، وإنما يحصل بضمان قانون المواضعة الذي ينتج الدلالة، والدلالة إنما تنتج من تطابق الدال مع المدلول بشرط حصول التلازم بينهما، والتلازم إنما يحصل بالتداول في رقعة أفراد الجماعة اللغوية، فإذا دخل الواقع والسياقات في إنتاج الدلالة لزم ثبات أثر الواقع لأنه جزء من الدلالة، فيستمر أثر الواقع مرافقاً للدلالة، لذلك تجد حرص المشرعين على نقل أسباب النزول مع بعض النصوص القرآنية مثلاً، ولكن العدد الذي نقلوه قليلبالنسبة إلى الآيات التي لم يذكر معها سبب نزول([36])، وهذا يؤكد ما قلته من أنّ تدخل الواقع في الدلالة تدخل طارئ، وليس أساساً في إنتاج الدلالة، إذاً؛ أثر الواقع لا يجعل منه جزءاً من ماهية الطبقة الإبلاغية في النصّ، وقد بالغت الأرخنة عندما ساوقت الأفكار الماركسية، وجعلت التعالي في المعاني النصية للواقع، وتناست تماماً سلطة الظاهرة اللغوية، وحاكمية قانون المواضعة الذي من شأنه تقرير الأمان في الظاهرة اللغوية.

والأنكى من ذلك، أنّ الأرخنة جعلت جميع النصوص في ميزان واحد، فكانت رؤيتها عامة وكليّة، ولم تفرّق بين النصّ الإبلاغي والنص البلاغي في مقامات الأولوية الوظيفية، ولم تفرّق بين النصّ الذي يخاطب المتلقي المطلق، وبتعبير المناطقة المتلقي من غير شرط، أي من حيث هو قادر على التلقي فقط كالنصّ القرآنيّ، وبين النصّ الذي يخاطب المتلقي المقيّد بواقعه أو سياق قراءته، أو قل: المتلقي بشرط شيء، بتعبير المناطقة، وينهد هنا سؤال: هل الطاقة الإبلاغية في النصّ تصلح ليكون في محلّ خطاب المتلقي المطلق؟ والحق أنه لا يوجد مانع لسانيّ من كون النصّ البشري صالحاً لذلك، بله النصَّ القرآنيّ، إنما الاعتراض الذي يصحّ للأرخنة فيما لو افترضنا أنّ الواقع في نصّ ما كان له أثر في تكوين الدلالة النصية، ثمّ انتقل النصّ من غير هذا الأثر الواقعي، وهذا لا يكون في كل نصّ؛ لنجعل من الواقع جزءاً من ماهية مطلق النصّ، لذلك فإنّ الأرخنة لا تستطيع الحصول على شرعية لسانية مهما اجتهدت في ذلك.

وإذا أردت أن أترك التجريد إلى مثال موضّح للطرح الآنف، فأقف عند قاعدة أصولية مركزية في محدّدات قراءة النص عند علماء الأصول، وهي: العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهي مقولة أكثر العلماء، قال الإمام الشافعيّ: " ولا يصنع السبب شيئاً، إنما تصنعه الألفاظ، لأنّ السبب: قد يكون، ويحدث الكلام على غير السبب؛ ولا يكون مبتدأ الكلام الذي له حكم فيقع؛ فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئاً، لم يصنعه بما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم إذا قيل"([37])، وهذا كلام دقيق لا بدّ من تأمّله طويلاً، فالإمام الشافعيّ يدفع تعالي الواقع أو السبب على الظاهرة اللغوية بمبدأ التخلّف، لأنّ السبب قد يوجد ولا يوجد الكلام، وقد يوجد ويوجد الكلام على مقتضى غيره، فإذا كان الواقع في نفسه لم ينتج نصاً، أو نتج النصّ مع وفوره على مقتضى غيره، فكيف يقال بعد ذلك: إنّ الواقع علّة لازمة في النصّ، وعليه فلا يصدق إلا أن العبرة باللفظ ومقتضاه، لا بالواقع والسبب وخصوصه، والسبب الجليّ في هذه القاعدة: أنّه يتقرر إمكان إعمال اللفظ بمقتضى عمومه مثلاً في السبب وغيره([38])، فإذا أمكن إعمال النصّ بمقتضى الواقع، وإعماله بمقتضى واقع آخر، فأية علّة لسانية أو عقلية تفرض تغيّر الدلالة؟ وهذا هو الأساس الإبستومولوجيّ الذي قامت عليه مقولة أرخنة النصّ، لأنّها تورطت معرفياً فجعلت الواقع جزءاً من ماهية النصّ، وفرضت له، بآمر البصائر الماركسيّة، التعالي في إنتاج الحقائق النصيّة.

ويؤخذ على الأرخنة أنّها تنهي دور الإنسان في منتهى تطبيقها، وتجعل التعالي للواقع في إنتاج القراءة، لأنّ كلّ قراءة ينتجها الإنسان هي قراءة سيئة ( بمصطلح التفكيك) قابلة للتقويض بقراءة أخرى يفرضها واقع آخر، وهذا كما قال إدوارد سعيد: تذويب للإنسان، وتحويل له في النهاية إلى مجرّد ضمير متكلم لغويّ([39])،وقد يتوهم أصحاب هذه المقولة أنّهم إنما فعّلوا عقل الإنسان، وحوّلوه من مجرد مستهلك للنصّ إلى منتج للحقائق النصيّة، وهذا لا يُسلّم بهذا الإطلاق، لأنّ تعالي الذات الإنسانية يكون أيضاً في تقرير دوام إنتاجيته، وفي قدرة قارئه على محاورة عقله الماثل في نصه، ثمّ يأتي دور الإنتاج في الكتابة على الكتابة، أو في التناصيّة بين عقلين توفّرا على النصّ، أما أن نخضع النصّ للواقع على الدوام، ونجعل مقاصده وحقائقه مرتبطة في تأصّلها بهذا الواقع المتغيّر والمتعدّد، فهذا اغتيال للمعنى الإنسانيّ في النصّ، وتأبين للذات المبدعة ومرثية للتعالي الإنسانيّ([40]).

ثمّ إنّ أرخنة النصّ انتسفت في سورتها المسلمات والحقائق، كما فعلت التفكيكية التي كان دريدا يرى فيها طريقة فريدة تحدّت جميع مناهج تفسير النصوص التي تستند إلى مفاهيم قارّة في النفس الإنسانية([41])، وكذلك الأرخنة سعت تحت عنوان محاربة الميتافيزيقيات، والدعائية الأيديولوجية، إلى هدم الحقائق الثابتة، والمسلمات القارّة في النفس الإنسانية، وجعلت السلطة المطلقة للواقع المادي المؤسِّس للبناء العقلي والفكري الفوقيّ، وهذا مَصِير إلى محادّة العقل الإنساني، الذي أبرز أداة من أدواته قاعدة البديهيات والمسلمات، التي لا يلزم أن تكون دائماً في إطار المؤصّلات الحسية، فالمسلمات تمثّل للعقل قنطرة الانطلاق لكشف ما وراءها، وهدم هذه القنطرة يشتت العقل ويضلل مسعاه، ويجعله يخبط في متاهات السفسطة والنسبانية والشكوكية وغياب الحقائق بالتأجيل الدائم، واستعملت مع الأرخنة كلمة ( التأجيل)، لأنّ الحقائق مرتبطة بمتغير دائم التغيّر، وهذا يعني تغير الحقائق وتعددها، فحقيقة النصّ مؤجلة، وكل حقيقة قائمة هي مؤقتة، ولا يوجد حقيقة مطلقة ثابتة تتلقاها العقول بنسبة مفهومية ثابتة([42]).

والذي أميل إليه أنّ الأرخنة لم تتكوّن من بصائر بريئة في تحليل عناصر الظاهرة اللغوية والنصيّة، وإنّما جاءت استجابة للعصر ومقتضياته الفكرية، هذه المقتضيات التي تنداح دوائرها في فضاء من الظلام والشكّ واللاثابت واللامعقول والنسبانية، إنّه العصر الذي " استحالت معه المعرفة اليقينية، وفقد العالم محور ارتكازه"([43])، وقد تعاملت الأرخنة مع النصّ تعاملاً وصولياً منفعياً؛ أجلَ تحقيق مكاسب فكرية محضة، وهي لا تخدع الناقد الناضج بما تقدمه من براءة في معالجة النصوص، ولذلك فإنّك عند مطالعتها تلحظ إلى خليط غريب ومتناقض أحياناً من مناهج التبصّر النقدي، ومثال ذلك([44]):

T210301

وهذا المزج بين مناهج النقد والفكر المتعددة، دليل على أنها لم تقم على رؤية نقدية واضحة، بمقدار ما قامت على مكتسب فكري أحوج أصحابها إلى هذا التعدد والمزج بين البصائر النقدية المتباينة، أو بتعبير عبد العزيز حمودة الخلط "بين استراتيجيات نقدية مختلفة، بل متعارضة أحياناً، وهو التعارض الذي ينتج عن الجمع بين الحداثة وما بعد الحداثة، أو البنيوية وما بعد البنيوية والتفكيك تحت مظلة واحدة"([45]).

ومن المآخذ العلمية على الأرخنة أنّها تفتح العلاقة بين الدال والمدلول، وهذا من شأنه أن ينتسف الوظيفة الإبلاغية للغة، وهذا كلّه من جرّاء التأثر بالتفكيك البارتي، فدعت الأرخنة، كما فعل رولان بارت، إلى تحرّر الكتابة من سلطة المواضعات التي يفرضها النظام اللغوي، وتفرضها الأدبيات السابقة، للوصول إلى الكتابة في درجة الصفر([46])، وهذا ما دندن نصر حامد أبوزيد حوله، عندما تكلم على الفرق بين أن نمتلك كلاماً نقوله من خلال اللغة، أو أن نخضع للغة محنطة تقول هي ما تشاء([47])، فالتعالي على المواضعات المرجعية بنظر هؤلاء يحدث تغييراً في اللغة وتطويراً؛ يقرّر سمة البراغماتية في الظاهرة اللغوية، ولكنّ التبصّر العلمي الذي لا يخضع لبريق المصطلحات وخليط النظريات، يسلمنا إلى حقيقة عاصفة يقرّرها هذا الطرح، ومفادها: أنّ نفي مبدأ إحالة تقليدي (Logo centrism)، وعدم تحديد الدلالة ونهائيتها، وخضوعها لواقع نسبيّ ومتغيّر ومتعدّد، وعدم تقرير وحدة المفهومية فيها من خلال بنود قانون المواضعة، أمور تُسلم إلى انتفاء العلامة برمتها، وكأنّي بــ ( John Ellis) كان يردّ على أصحاب مقولة الأرخنة بقوله: " إنّ العلامة التي تمّ تمييزها كأي شيء يجب أن يكون لها شكل مميّز، ووظيفة مميزة تجعلها تختلف بشكل واضح عن العلامات الأخرى، فالقول بالعلامة التي تلعب إلى ما لا نهاية وبلا حدود ضد العلامات الأخرى، يعني تخيّل علامة ليس لها صفة محدّدة على الإطلاق، أي علامة ليس لها شكل ولا أوظيفة خاصة بها، إنّ هذا لا ينتج معنى أكثر وثراء أكثر، كما يحلو للمدافعين عن هذا الموقف أن يعتقدوا، بل لا معنى على الإطلاق، إنّ علامة لا يمكن تحديدها بشيء معيّن، لا تدلّ على شيء على الإطلاق، إنّ الغموض في العلامات يولد اختزالاً للمعنى وليس زيادته، والغموض الكامل واللاتحديد الكامل للتدليل، هو النقطة التي نصل عندها إلى صفر الدلالة"([48]).ولا يستطيع دعاة الأرخنة الهروب من هذا الإلزام، لأنّهم أخضعوا النصّ للواقع وليس لقانون المواضعة، وفتحوا النص لقراءات متعددة يقتضيها آمر الواقع، وهذا الفتح لا يكون إلا بهدم المرجع (اللوغوس) اللغوي، أو المرجع التلازمي بين الدال والمدلول.

الخـــاتمة

حاولت في هذه الدراسة أن أقدّم رؤية نقدية لمقولة أرخنة النصّ التي باتت تسيطر على كثير من الرؤى النقدية الحديثة، وحرصت على اتّباع المنهج العلميّ، فقدمت تصويراً للمقولة، وجمعت حدود هذا التصوير، من خلال جمع مقولاتها المركزية، ثمّ جهَدتُ في كشف الغطاء عن المقولات الفلسفية التي تستند هذه المقولة إليها، بقصد تقديم تبصّر نقديّ منتمٍ إلى الحدود البنائية، والمقولات المعرّفة لها، فتحصّل من جراء هذا الكشف النقديّ، هذه النتائج المعرفية:

  1. تعتمد مقولة الأرخنة على الفلسفة الماركسية في المقام الأول، لا سيما في تقرير هذه الأخيرة لمفهوم الواقع المادي، والجدل بين الأساس والبناء الفوقيّ.
  2. تعتمد مقولة الأرخنة على بعض الأفكار الفلسفية التي قدمّها الفلاسفة الوجوديون والمثاليون.
  3. تستند الأرخنة في مقولاتها الكلية إلى إستراتيجية التفكيك، لا سيما في مقولات غياب المؤلف، وتعدد القراءات، ولا نهاية التفسير، وانتفاء الحقائق النصية المطلقة.
  4. كشفت الدراسة عن المكتسب الفكريّ الذي تجهد الأرخنة في تحقيقه، من خلال تأثّرها بمقتضيات عصرها الفكرية، القائمة على النسبانية واللانهائية واللامحدودية وانتفاء الحقائق المطلقة، وأنّها، من حيث هي، لا تقدّم بصائر جديدة في قراءة النصّ وتلقّيه.
  5. كشفت الدراسة عن أنّ الأرخنة في منتهاها، مصير إلى نفي الحقائق النصية، ونفي مقتضيات الظاهرة اللغوية، من خلال تقويض المرجعيات اللغوية، والمواضعات الحاكمة في تكوين الطبقة الإبلاغية للنصّ، ومن خلال الإرجاء والانفتاح والتعدّد غير المنضبط بمرجع الإحالة اللغويّ.

هوامش الدراسة



([1]) يقول محمد أركون عن التاريخية: إنّها تعني أنّ حدثاً قد حصل بالفعل، وليس مجرّد تصوّر ذهني، كما هو الحال في الأساطير أو القصص الخيالية أو التركيبات الأيديولوجية. ينظر: أركون، محمد (2001م)، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينيّ، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت. ص48

([2]) في لقاء معه أجراه محمد على أتاسي، الحوار المتمدن ( 2002م)، العدد ( 3056) الموقع الرسمي لمؤسسة الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp

([3]) ينظر: أبو زيد، نصر حامد ( 2004م)، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، ط3، المركز الثقافي العربي، بيروت. ص11

([4]) يقول نصر حامد أبو زيد: "هم يفهمون تاريخية النصوص على أساس أنها غير قادرة على مخاطبة الناس بعد عصر نزولها ...تلك دائرة العجز عن الفهم، وذلك لآفة مستعصية في العقول" . نصر حامد(2006م)، النصّ والسلطة والحقيقة، ط5، المركز الثقافي العربي، بيروت. ص89

([5]) ينظر: الحوار الذي أجراه معه محمد على أتاسي، الحوار المتمدن ( 2002م)، العدد ( 3056) الموقع الرسمي لمؤسسة الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp

([6]) يتحدث نصر حامد أبو زيد عن سياق القراءة، ويجعله جزءاً من منظومة السياق، وبه فهو جزء من بنية النصّ. ينظر: النصّ والسلطة والحقيقة، ص 112

([7]) حنفي، حسن ( 1992م)، التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم، ط4، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ص119

([8]) أركون، محمد، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ص285

([9]) التراث والتجديد، ص57- 58. وينظر كلامه على علاقة الوحي بالواقع في الكتاب نفسه، ص135

([10]) نصر حامد أبو زيد، النصّ والسلطة والحقيقة، ص142

([11]) أبو زيد، نصر حامد ( 2000م)، مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن، ط5، المركز الثقافي العربي، بيروت، ص24. وينظر له: النصّ والسلطة والحقيقة، ص 86-87

([12]) النص والسلطة والحقيقة، ص112

([13]) مفهوم النصّ، ص16، 240. ولأجل هذه النظرة يحاول نصر حامد أن يربط فهم القرآن بكمال الله وإطلاقه، وبه فإننا لن نصل إلى المعنى الموضوعي للقرآن، لأنّه ليس في طوق البشر بمحدوديتهم ونقصهم أن يصلوا إلى القصد الإلهي بكماله وإطلاقه. ينظر: نصر حامد ( 2005م)، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ط7، المركز الثقافي العربي، بيروت، ص15. وهذه مغالطة واضحة، للفرق بين كمال الله تعالى، وإرادته تبليغ قصده لخلقه، بل إن من مقتضى كماله القدرة على تبليغ قصوده إلى خلقه مع ما فطرهم عليه من النقص. ينظر في الرد على هذه المغالطة: الزبن، عماد أحمد ( 2014م)، التفكير اللساني عند علماء العقليات المسلمين: العضد الإيجيّ، والسعد التفتازانيّ، والشريف الجرجانيّ، نماذج، ط1، دار النور المبين، عمان، ص497

([14]) ينظر: نصر حامد، مفهوم النصّ، ص18

([15]) مفهوم النص، ص 240

([16]) التراث والتجديد: ص132

([17]) أركون، محمد (2007م)، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ط4، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ص81

([18]) ريكور، بول (2001م) من النص إلى الفعل: أبحاث التأويل، ط1، ترجمة: محمد برادة وحسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، ص 105. ويقول في ص 106-107: الكتابة تسجيل للكلام يضمن ديمومته بواسطة خاصية النقش الدائمة.

([19]) من تحليل جون هال ( John Hall) ينظر: خليل، إبراهيم ( 1986م)، مقالات ضد البنيوية، ط1، دار الكرمل، عمان، ص15

([20]) وصلت الحدّة في التعبير عن هذه المقولة إلى ربطها بمقولة موت الإله التي نادى بها نيتشة، فالمؤلف في نظرهم صار مفهوماً أسطورياً كمفهوم الإله. ينظر مثلاً:

Selden. Roman( 1996), The Theory of Criticism, Longman. P 305

([21]) للتوسع في العلاقة بين موت المؤلف وحياة القارئ عند بارت ينظر:

Keith Green and Jill Lebihan ( 1997). Critical Theory and Practice, Rout ledge. P 206

([22]) ينظر: فضل، صلاح ( 1996م)، بلاغة الخطاب وعلم النصّ، ط1، الشركة المصرية العالمية للنشر، القاهرة، ص297. و عبد الحميد، محمد ( 2001م)، النص الأدبي بين إشكالية الأحادية والرؤية التكاملية، دار الوفاء، الإسكندرية، ص63

([23]) ينظر مثلا: أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينيّ، ص 50

([24]) ينظر للتوسع: بوليتزر، جورج و بيس، جي وكافين موريس، أصول الفلسفة الماركسية، تعريب: شعبان بركات، المكتبة العصرية، بيروت. ج1، ص 230، و ج2، ص71 و 74و 75

([25]) المرجع نفسه، ج1، ص 184 و ص230

([26]) المرجع نفسه، ج2، ص 78-79

([27]) المرجع نفسه، ج1، ص 256. ويستفاد هنا من محاضرة للدكتور عدنان إبراهيم في تاريخية النص، موقع: http://www.youtube.com/watch?v=J78avs

([28]) بوليتزر، أصول الفلسفة الماركسية، ج1، ص 251

([29]) ينظر: كولينز، جيف و مايبلين، بيل (2005م)، أقدّم لك دريدا،ط1، ترجمة: حمدي الجابري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ص 12، والهامشة رقم 1.

([30]) ينظر: تاوريريت، بشير و راجح، سامية ( 2010م)، التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، دار رسلان، دمشق، ص53

([31]) تاوريريت، التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، ص15

([32]) ينظر: إبراهيم، عبد الحميد ( 1415هـ)، نقاد الحداثة وموت القارئ، ط1، مطبوعات نادي القصيم الأدبي، مكتبة الملك فهد الوطنية، ص7. وينظر: تاوريريت، التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، ص19 -20

([33]) ينظر: تاوريريت، التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، ص 24

([34]) ينظر: المرجع نفسه، ص 17

([35]) ينظر: نصر حامد، النصّ والسلطة والحقيقة، ص 70- 75

([36]) يستفاد هنا من محاضرة الدكتور عدنان إبراهيم في تاريخية النص. الموقع: http://www.youtube.com/watch?v=J78avs

([37]) الأسنوي، عبد الرحيم بن الحسن ( ت 685هـ)، نهاية السول في شرح منهاج الوصول، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، ط1، دار ابن حزم، بيروت، 1999، ج1، ص540

([38]) المصدر نفسه، ج1، ص539

([39]) ينظر: تاوريريت، التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، ص 96

([40]) تاوريريت ، التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، ص 96

([41]) Habib,M.A ( 2008), A History of Literary: Criticism and Theory, Blackwell. P 649                              

([42]) يستفاد في هذه الإطار من معالجات سامر إسلامبولي ( 2002م)، ظاهرة النصّ القرآني: تاريخ ومعاصرة، ط1، دار الأوائل، دمشق، ص80 وما بعدها .

([43]) حمودة، عبد العزيز ( 1998م)، المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيكية، سلسلة عالم المعرفة، العدد     ( 232)، الكويت. ص 337

([44]) استعنتُ في هذا الجدول بما قدّمه عزّ الدين إسماعيل ينظر: إسماعيل، عز الدين (1991م)، جدلية الإبداع والموقف النقدي، مجلة فصول، المجلد العاشر، العددان (1-2)، ص 145-146. وبما قدّمه عبد العزيز حمودة في نقد التفكيكية في كتابه: المرايا المحدبة، ص334

([45]) المرايا المحدبة، ص 335

([46]) حمودة، المرايا المحدبة، ص 345

([47]) النصّ والسلطة والحقيقة، ص 86- 87

([48]) ينظر اعتراضات جون إليس (John Ellis) على التفكيكية في: حمودة، المرايا المحدبة، ص404

ثبَت المصادر والمراجع

أ‌.        المصادر العربية

* الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن ( ت 685هـ)، نهاية السول في شرح منهاج الوصول، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، ط1، دار ابن حزم، بيروت، 1999م.

ب. المراجع العربية والمترجمة إلى العربية

* إبراهيم، عبد الحميد ( 1415هـ)، نقاد الحداثة وموت القارئ، ط1، مطبوعات نادي القصيم الأدبي، مكتبة الملك فهد الوطنية.

* أركون، محمد (2007م)، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ط4، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت.

* ـ (2001م)، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينيّ، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت.

* ، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت.

* بوليتزر، جورج و بيس، جي وكافين موريس، أصول الفلسفة الماركسية، تعريب: شعبان بركات، المكتبة العصرية، بيروت.

* تاوريريت، بشير و راجح، سامية ( 2010م)، التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، دار رسلان، دمشق.

* حمودة، عبد العزيز ( 1998م)، المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيكية، سلسلة عالم المعرفة، العدد( 232)، الكويت.

* حنفي، حسن ( 1992م)، التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم، ط4، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.

* خليل، إبراهيم ( 1986م)، مقالات ضد البنيوية، ط1، دار الكرمل، عمان.

* ريكور، بول (2001م)، من النص إلى الفعل: أبحاث التأويل، ط1، ترجمة: محمد برادة وحسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة.

* الزبن، عماد أحمد ( 2014م)، التفكير اللساني عند علماء العقليات المسلمين: العضد الإيجيّ، والسعد التفتازانيّ، والشريف الجرجانيّ، نماذج، ط1، دار النور المبين، عمان.

* أبو زيد، نصر حامد ( 2005م)، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ط7، المركز الثقافي العربي، بيروت.

* ــ ( 2004م)، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، ط3، المركز الثقافي العربي، بيروت.

* ـ ( 2000م)، مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن، ط5، المركز الثقافي العربي، بيروت.

* ـ (2006م)، النصّ والسلطة والحقيقة، ط5، المركز الثقافي العربي، بيروت.

* سامر إسلامبولي ( 2002م)، ظاهرة النصّ القرآني: تاريخ ومعاصرة، ط1، دار الأوائل، دمشق.

* عبد الحميد، محمد ( 2001م)، النص الأدبي بين إشكالية الأحادية والرؤية التكاملية، دار الوفاء، الإسكندرية.

* فضل، صلاح ( 1996م)، بلاغة الخطاب وعلم النصّ، ط1، الشركة المصرية العالمية للنشر، القاهرة.

* كولينز، جيف و مايبلين، بيل (2005م)، أقدّم لك دريدا،ط1، ترجمة: حمدي الجابري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

ج. المراجع الأجنبية

* Habib,M.A ( 2008), A History of Literary: Criticism and Theory,

Blackwell.

* Keith Green and Jill Lebihan ( 1997). Critical Theory and Practice,

Rout ledge.

* Selden. Roman( 1996), The Theory of Criticism, Longman.

د. الدوريات العلمية

* إسماعيل، عز الدين (1991م)، جدلية الإبداع والموقف النقدي، مجلة فصول، المجلد العاشر، العددان   (1-2).

هـ. المواقع العلمية

* الحوار المتمدن ( 2002م)، العدد ( 3056) الموقع الرسمي لمؤسسة الحوار المتمدن:

     *http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp

     *http://www.youtube.com/watch?v=J78avs

بطاقة التعريف

د. عماد أحمد سليمان الزبن

أستاذ النحو واللسانيات المساعد في جامعة الزيتونة الأردنية

الأردن – عمان: 130 عمان 11733 الأردن جامعة الزيتونة كلية الآداب.