عمود الشعر، النشأة والتطورpdf

أ‌.أحمد بزيو

جامعة باتنة (الجزائر)

ملخص:

تهدف هذه الدراسة إلى تحديد مفهوم عمود الشعر ودوره في بناء القصيدة العربية العمودية، على أسس معيّنة ، تمثل طريقة العرب في النظم ،فتعرّف الدراسة بعمود الشعر وتبيّن كيف تطور تدريجيا ليتحدّد في معايير معيّنة يجب مراعاتها وتوفّرها في القصيدة العربية القديمة، كما توضح الدراسة كيف ظهر المصطلح ومع من بالتحديد برز واشتهر، لتُختم بعرض أهمية هذه القضية في الشعر العربي الموزون المقفى.

Abstract :

This study aims to define the concept of the hair shaft and its role in building the Arabic poem vertical, on certain grounds, representing the way the Arabs in the systems, defines the study column hair and show how gradually evolved to be determined in certain criteria must be observed and provided in Arabic poem of old, as study shows how the back Although the term has emerged from precisely known and, to seal the offer importance of this issue in the weighted rhymed poetry.

Resumé :

Cette étude vise à définir le concept de la tige du cheveu et son rôle dans la construction du poème arabe verticale, pour certains motifs, soit la façon dont les Arabes dans les systèmes, définit les cheveux de la colonne de l'étude et de montrer comment a évolué progressivement à déterminer certains critères doivent être respectés et fourni dans le poème arabe de la vieille, que l'étude montre comment l'arrière Bien que le terme a émergé précisément connue et, pour sceller l'offre importance de cette question dans la poésie rimée pondérée.

مقدمة:

لا جرم أن الشعر العربي الموزون المقفى ، هو ما يصطلح عليه اليوم بالشعر العمودي كونه يضم جملة من الخصائص والأركان التي يبنى عليها كما يبنى البيت العربي(الخيمة) قائما على عمود وسط الخيمة يستند عليه، فإن اهتز العمود اهتزّ بيت الشَّعر ، وكذلك بناء القصيدة، فلعلّ التسمية اشتملت على شيء من التشبيه الضمني هنا، لتتطور القضية وتظهر تسمية ّعمود الشعر" بما تحويه من أركان تقوم عليها القصيدة التقليدية العربية، وهو ماسنعكف على توضيحه من خلال قضية عمود الشعر.

العمود في اللغة: عمود البيت وهو الخشبة القائمةفي وسط الخباء، والجمع أعمدة وعمد، قِوامه الذي لا يستقيم إلا به، والعميد السيد المعتمد عليه في الأمور أو المعمود إليه: وعمود الأمر ما يقوم به.

وفي الاصطلاح: هو طريقة العرب في نظم الشعر لا ما أحدثه المولدون والمتأخرون، أو هي القواعد الكلاسيكية للشعر العربي التي يجب على الشاعر أن يأخذ بها، فيحكم له أو عليه بمقتضاها
ويُعرَّف كذلك: بأنه هو مجموعة الخصائص الفنية المتوفرة في قصائد فحول الشعراء، والتي ينبغي أن تتوفر في الشعر ليكون جيدًا.

ويُعرَّف: بأنه التقاليد الشعرية المتوارثة أو السنن المتبعة عند شعراء العربية، فمن سار على هذه السنن، وراعى تلك التقاليد قيل عنه إنّه التزم عمود الشعر، واتبع طريقة العرب ، ومن حاد عن تلك التقاليد، وعدل عن تلك السنن قيل عنه إنه قد خرج على عمود الشعر، وخالف طريقة العرب.

يلاحظ في المعنى المُعجمي أنه لم يُذكر ارتباط كلمة العمود بالشعر كما هو الأمر في المعنى الاصطلاحي، إلا أن هذا لا ينفي أن يكون المعنى الاصطلاحي مستوحىً من المعنى اللغوي، فكما أن خشبة بيت الشَعر هي الأساس الذي يقوم عليه ذلك البيت، فإن أصول الشعر العربي وعناصره التي يُشير إليها المعنى الاصطلاحي تُعدُّ أيضًا بمثابة الدعامة والركيزة الأساسية التي لا يقوم نظم الشعر الجيد الصحيح إلا عليها.

المراد بعمود الشعر قوامه الذي لا يستقيم إلا به، وبما أن هذا التعبير مجمل ومبهم، فقد دفع النقاد إلى شرحه. فمتى استخدم هذا التعبير أول مرة؟ ومن تصدى له من النقاد الأولين؟ وماذا قيل في شرحه؟

إن أقدم استخدام لعبارة (عمود الشعر) ورد في كتاب الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (370 ه-981م) فقد استخدم الآمدي هذا التعبير ثلاث مرات في كتابه، لم يعوزه إلى أحد في إحداها وعزاه مرة إلى البحتري، وأخرى إلى من سماه صاحب البحتري.

قال مرة في المهملة: «وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة...وإنهما لمختلفان، لأن البحتري أعرابي...وما فارق عمود الشعر»([1]). وقال في الثانية : «والذي أرويه عن أبي علي بن العلاء السجستاني...وكان صديق البحتري انه قال: سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام فقال: كان أغوص على المعاني مني، وأنا أقوم بعمود الشعر منه» ([2]). وقال في الثالثة: «قال صاحب البحتري:...حصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر... »([3]). إذن عبارة عمود الشعر بعد هذا عرفت وشاعت في القرن الرابع، وسجلت للمرة الأولى في الموازنة.

وإذا كان الآمدي أول من دوّن عبارة عمود الشعر في كتابه، فما مدلولها عنده؟، أي كيف كان يتصور الشعر الذي لا يستقيم إلا به؟

إذا عدنا إلى أقوال الآمدي، وجدناه يقول في إحدى المرات: «البحتري أعرابي الشعر، مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام». ويقول في الثانية:«حصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما نجده كثيرا في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة، وانفرد بحس العبارة وحلاوة الألفاظ، وصحة المعانين حتى وقع الاجماع على استحسان شعره واستجادته.

واضح أن الآمدي لم يقصد مباشرة إل تحديد عمود الشعر، لكننا نستطيع أن نعتمد على ما قاله ونتخذ منه قرائن تؤدي بنا إلى التعرف على تصوره له، وأول ما نخرج به من أقواله أن عمود الشعر هو طريقته المعهودة، أو مذهب الأوائل، وقد يدفعنا هذا القول إلى الظن بأن الآمدي يثير من جديد الخصومة بين القديم والحديث في الشعر (القرن الثاني وبعض من الثالث، التاسع ميلادي تقريبا) ونظن الآمدي متفقا مع ابن قتيبة في وجود تقاليد فنية يجب التمسك بها كما قال الأخير بصدد أقسام القصيدة العربية: «وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام»([4]).

ولكن هذه الظنون غير صحيحة، فأبو تمام المتهم بالخروج على مذهب القدامى حين ننظر إلى الهيكل العام لقصائده نجده تقليديا، حتى قال فيه الدكتور شوقي ضيف: «والمديح أهم الأغراض التي تتجلى فيها خصائصه، وهو في كثير منهن بل في جمهوره يحتفظ بالمقدمة الطللية وما يتصل بها من التشبيب والنسيب...وكان أبو تمام يضيف إلى نسيبه أحيانا وصفا لبعيره مستعينا من معاني القدامى في هذا الوصف، ومضيفا طرائفه الحديثة»([5]). إذن ما أراد الآمدي بمذهب الأوائل؟

إن الإجابة الصريحة موجودة في الموازنة في قول أبي تمام: «شعره لا يشبه أشعار الأوائل، ولا طريقتهم: لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة»([6]). يقفنا الآمدي هنا على ظاهرتين يُعلن أنّهما باعدتا بين أبي تمام وقدامى الشعراء، فخرجتا به عن عمود الشعر.

فالاستعارة عند الآمدي لا بد أن تقوم على تشبيه، لأنها أصلا تشبيه بليغ، ويؤدي هذا إلى المبدأ الذي شاع بين الأدباء والنقاد العرب، ويرى أنه كلما كانت العلاقة بين المشبه والمشبه به قريبة وواضحة، كان التشبيه والاستعارة-تبعا له-جيدة. ويمكن ألا تقوم الاستعارة على التشبيه عند الآمدي، ولكنه يشترط أن يكون في اللفظة المستعارة ما يصلح للمستعار له ويناسبه مثل ليل نائم أي ينام فيه. ولا يقبل الآمدي الاستعارة التي تفتقد هذين الشرطين، ويحكم عليها بالشذوذ حتى لو جاء في شعر القدامى. وحقا ذم أبا تمام باتباع هذا النادر الضعيف من قول القدامى فقال:«إنما رأى أبو تمام أشياء يسيرة من بعيد الاستعارات متفرقة في أشعار القدامى...لا تنتهي في البعد إلى المنزلة فاحتذاها، وأحب الإبداع والإغراب بإيراد أمثالها فاحتطب واستكثر منها»([7]).

و يعدم أبو تمام من دافع عنه من القدامى وأعجب ببعض استعاراته البعيدة، ولكن نقاد العصر الحديث هم الذين كشفوا عن أسرارها ورأوا أنها لون من التجسيم والتشخيص، فأشادوا بها ورموا من ذمها بعدم الفهم والتذوق. وقد لخص الدكتور شوقي ضيف أقوالهم في قوله «أدخل الآمدي في حيز الاستعارة ما سماه العرب بالستعارة المكنية...وتسميه البلاغة العربية الحديثة باسم التشخيص، وهو ينفصل عن الاستعارة القائمة على التشبيه، إذ هو جعل وخلق وتجسيد لعناصر الطبيعة وللمعاني من عالمها إلى العالم الحي المتحرك. ولا بد أن نلاحظ أن أبا تمام صاحب مذهب جديد، وأن من حقه أن يخرج على التقاليد السابقة في الاستعارة. إذا كان القدامى لم يكثروا مثله من التشخيص، فمن حقه أن يكثر منه كما شاءت له ملكته التصويرية، وليس من حق النقاد أمثال الآمدي وابن المعتز أن يأخذوا على يده»([8]).

أما الظاهرة الثانية التي أبعدت أبا تمام عن الأوائل فأخرجته عن عمود الشعر فهي معانيه المولدة، فقد كانت ثمرة ثقافته الواسعة والعميقة التي كشفت عنها الدكتورة ابتسام مرهون الصفار. فقد أحاط إحاطة طيبة بالمنطق وعلم الكلام والفلسفة والملل والنحل، إضافة إلى التراث العربي القديم وخاصة الشعري منه، فأثر ذلك في شعره تأثيرا بالغا دفع دارسيه إلى رصده وإبانة أبعاده. فقد زودته هذه الثقافة بكثير من الأفكار الجديدة، وإلى عدم القناعة بما يمنحه خاطره، وتوليد المعاني القديمة، واستقصاء الجديدة والتدقيق فيها، مما أضفى عليها قدرا متفاوتا من الغموض، ودفعته ثقافته إلى استخدام الأدلة المنطقية والاتكاء على عقله، فأثر ذلك في ألفاظه التي نالها أحيانا شيء من الإهمال، وعبارته التي اقتربت من لغة النثر إذ اعتراها في بعض المواضع، ومن الطبيعي أن يسرع النقاد إلى التقاط كل هذه الظواهر، والتلويح بها أمام عيني أبي تمام معيرين. قال أبو الفرج الأصفهاني مصورا أبا تمام في هذا المجال: «شاعر...لطيف الفطنة، دقيق المعانين غواص على ما يستصعب فيها، ويعسر متناوله على غيره»([9]).

غير أن الآمدي يكاد يحرم أبا تمام شاعريته إذ يقول: «والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني، والإغراق في الوصف، وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني وأخذ العفو منها كما كانت الأوائل تفعل، مع جودة السبك، وقرب المأتى))([10])، فيؤكد ابتعاد القدامى عن استقصاء المعاني وتدقيقها.

وما أكثر اتهامات الآمدي لأبي تمام بالتعقيد والاستكراه والبحث عن الغريب الوحشي من الألفاظ، والثناء على البحتري وحلاوة لفظه، وحسن تأليفه، وجودة سبكه، وجمال عبارته، وكثرة مائه ورونقه...إلى آخر ما منحه من عبارات الإعجاب. قال: «أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، ثم أتبعه أبو تمام، واستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من هذه الأوصاف، فسلك طريقا وعرا، واستكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه»([11]).

الناقد الثاني الذي ذكر عمود الشعر هو القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (392ه-1001م) في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه. سلك الجرجاني مسلك الآمدي، فلا يحدد عناصر تصوره لعمود الشعر تحديدا صريحا، وإنما يدعنا نتلمس السبيل إلى ذلك. فقد ذكره في كتابه مرة واحدة قال فيها: «كانت العرب، إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن: بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه وقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله، وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة، إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض»([12]).

وقد خرج الدارسون من هذا النص بعناصر ستة رأوا أن الجرجاني يعدها مكونات عمود الشعر هي:

-شرف المعنى وصحته

-جزالة اللفظ واستقامته

-المقاربة في التشبيه

-الغزارة في البديهة

-كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة

وجلي أن الجرجاني يتفق مع الآمدي في وضوح العلاقة في التشبيه، وإن كان ثانيهما أورد ذلك في تضاعيف حديثه عن الاستعارة التي استبعدها الجرجاني من العمود سواء كانت قريبة أو بعيدة.

وواضح أيضا أنه تحدث عن عنصرين لم يتعرض لهما الآمدي قبله وهما إصابة الوصف، وكثرة الأمثال... والعنصر الأول لا يختلف فيه اثنان، ويعتمد العنصر الثاني على طبيعة القصيدة العربية التي تتخذ من البيت وحدة فنية، وعلى الطبيعة العربية التي تعجب بالبيت الشارد، وتفضل صاحبه. ويبدو أن الجرجاني تأثر فيه أيضا بطبيعة شعر المتنبي الذي يعتمد على الحكمة اعتمادا كبيرا، وتكثر فيه أمثال هذه هذه الأبيات، حتى أفرد لها الأدباء كتبا مستقلة مثل الصاحب بن عباد في (أمثال المتنبي).

أما العناصر الثلاثة الباقية فقد اتفق الرجلان على الحديث عنها، فقد أطال الآمدي الحديث عن صحة المعنى، غير أنه لم يذكر شرفه، وعن حسن اللفظ، واتفق الجرجان أنه أرحبي مع الآمدي في النفور من المعاني البعيدة والغامضة المعتمدة على الفلسفة، قال: «والشعر لا يحبب إلى النفوس بالنظر والمحاجة، ولا يحلى في الصدور بالجدال والمقايسة، وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة»([13]). ولكنه لم يسرف في الحديث عنها، ولا في الاعتماد عليها لعيب أبي تمام أو المتنبي، بل يتضح من الوساطة أنه أرحب صدرا في قبول كثير منها، واغتفار شيء منها، ولا عيب إلا ما أدى إلى اعتساف واقتسار.

ويتبادر إلى الذهن أنه أراد بالعنصر الباقي سخاء الموهبة، وغزارة الإنتاج، ومواتاة الطبع وهذا العنصر من إضافة الجرجاني. ولكن الظن أنه أراد به الشعر المطبوع، أي غير المتكلف، والدليل على ذلك بقية عبارته التي تدل على عدم المبالاة، إضافة إلى أن الجرجاني يذم البديع المتعمد جهرا في أكثر من موضع من كتابه. قال مثلا: «ومع التكلف المقت، وللنفس عن التصنع نفرة، وفي مفارقة الطبع قلة الحلاوة، وذهاب الرونق، وأخلاق الديباجة. وربما كان ذلك سببا لطمس المحاسن، كالذي نجده كثيرا في شعر أبي تمام، فإنه حاول من بين المحدثين الاقتداء بالأوائل في كثير من ألفاظه، فحصل منه على توعير اللفظ، فقبح في غير موضع من شعره...ثم لم يرض بذلك حتى أضاف إليه طلب البديع، فتجمله من كل وجه، وتوصل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفية، فاحتمل فيها كل غث ثقيل، وأرصد لها الأفكار بكل سبيل.. »([14]).

ويتضح من هذا أن الجرجاني اطلع على الموازنة وتأثر بها في تصوره لعمود الشعر تأثرا جليا، ولكنه اختلف مع الآمدي في نظرته إلى المعاني، فلم يرفض كل ما اعتمد على الثقافة منها كما فعل سابقه، ولم يذهب إلى أن هذا الاعتماد مؤد إلى الغموض لا محالة، لذلك رحب صدره للمعاني الحضارية ولم ينغلق على المعاني البدوية، فصار عمود الشعر عنده أفسح مجالا، يضم الشعر البدوي وغير البدوي، بل الشعر القديم والحديث أيضا، وقد أتاه ذلك من إعجابه بالمتنبي فاتخذ من شعره مقياسا لعمود الشعر عنده.

ونصل إلى قمة التحديد عند علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي (421ه/1030م) فهو أول من أحس بضرورة تحديد عمود الشعر وقصد إلى هذا قصدا، وكشه عن الدوافع التي ساقته إلى ذلك في قوله: «فالواجب أن يتبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب، لتمييز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نظام القريض من الحديث، ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه، ومراسم أقدام المزيفين على ما زيفوه، ويعلم أيضا فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضيلة الآتي السمح على الأبي الصعب»([15]).

وإذا قارنا عناصر عمود الشعر عند الجرجاني بعناصره عند المرزوقي وجدنا أربعة مشتركة عند الرجلين، وجدنا الثاني عبر عنها بنفس عبارة الأول وهي:

-شرف المعنى وصحته

-جزالة اللفظ واستقامته

-الإصابة في الوصف

-المقاربة في التشبيه

واستغنى المرزوقي عن ذكر كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة، لأنه رأى أن ذلك يتحقق من اجتماع العناصر الثلاثة الأولى، فلا تحتاج إلى أن تذكر.

كذلك لم يذكر المرزوقي غزارة البديهة لا صراحة ولا ضمنا في عناصر العمود، واستعاض عن هذين العنصرين بثلاثة عناصر لم يذكرها الجرجاني صراحة وهي:

- التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن

- مناسبة المستعار منه للمستعار له

- مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما

وواضح أن المرزوقي فصل التشبيه عن الاستعارة، على حين أن السابقين عليه ربطا بينهما، وعدا قرب العلاقة فيهما عنصرا واحدا. وبالنظر إلى العناصر التي أضافها يتبين أنه استخلصها من أقوال النقاد السابقين وعلى رأسهم قدامة بن جعفر وابن طباطبا.

ويجدر بالذكر أن المرزوقي لا يلزم الشعر أن يضم العناصر السبعة كلها، بل يعترف بما ضم منها عددا وأهمل عددا، وأنه اتخذ منها معيارا للجودة. قال: « فهذه الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها فهو عندهم المغلق المعظم والمحسن المقدم، ومن لم يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن»([16]).

وعلى هذا الأساس لاحظ الدكتور إحسان عباس أن المرزوقي لا يخرج شاعرا عن عمود الشعر، وإنما يخرج القصيدة الواحدة أو الأبيات المعينة لإخلالها بكل العناصر. وإذن فتصوره رحب لا يضيق صدره إلا عن الغث المرذول. وطبيعي أن هذا التصور يختلف كل الاختلاف عن تصور الآمدي، كما جعل المرزوقي لكل واحد من العناصر السبعة عيارا يستطيع الشاعر أو الناقد أن يحتكم إليه فيبين جودته أو رداءته.

فعيار المعنى العقل الصحيح والفهم الثاقب.

وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال.

وعيار الوصف الذكاء وحسن التميز.

وعيار التشبيه الفطنة وحسن التقدير.

وعيار الاستعارة الذهن والفطنة.

وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى طول الدربة ودوام المدارسة.

وجلي أن المعايير عنده متداخلة، وكثير من الألفاظ مترادفة، بحيث يمكن القول أن المعايير عنده هي العقل والطبع والرواية والإستعمال. ولم يقف المرزوقي عند هذا الحد بل رأى للشعراء ثلاثة مذاهب في الوفاء بكل واحد من هذه العناصر، فمنهم من يلزم الصدق، ومنهم من ينساق مع الغلو، ومنهم من يقتصد بينهما.

وعلى هذا النحو يتم النظر وتتكامل الرؤية وينتهي العرض، فلا يقدم أحد من المتأخرين على الخوض في قضية عمود الشعر، ليقدم وجهة جديدة، أو نظرة مستقلة، وصار كل من أراد شيئا على صلة بها يرجع حتما إليه، حتى أنه غطى على سالفيه، ووارى ما قدما له من فوائد، إلى أن نقب عنها العصر الحديث وأبرزها للأبصار.

الهوامـــش:



([1])الآمدي: الموازنة بين أبي تمام والبحتري، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، 1961، ص 6.

([2])المصدر نفسه، ص12.

([3])المصدر نفسه، ص18.

([4]) ابن قتيبة: الشعر والشعراء، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، مصر، ط2، ص .

([5]) شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي،العصر العباسي الأول، دار المعارف، مصر، ط3، ص:279-280.

([6])الآمدي: الموازنة بين أبي تمام والبحتري، ص6.

([7]) المصدر نفسه، ص256

([8]) شوقي ضيف: البلاغة وتطور التاريخ، دار المعارف المصرية، مصر، ص:131

([9])الأصبهاني: الأغاني، الجزء 16، ص383.

([10])الآمدي: الموازنة بين أبي تمام والبحتري، ص494.

([11])المصدر نفسه، ص18.

([12]) القاضي الجرجاني:الوساطة بين المتنبي وخصومه، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ط3، ص:33

([13]) المصدر نفسه، ص:100.

([14]) المصدر نفسه، ص:18.

([15]) المرزوقي: شرح ديوان الحماسة، تحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون، مطبعة لجنة التأليف والنشر، مصر، 1951، ص:81.

([16]) المصدر نفسه، ص:81.