جمالية المبالغة في ديوان "اللهب المقدس"pdf

 

أ . إبراهيم طبشي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة ( الجزائر)

The Summary :

"elmoubalagha" is a stylistic rhetorical phenomen on and a point of disagreement between poets in it's usage now and in the past , Moufdi Zakaria was one of the contemporary poets that used it too much and exploited this technical language in various contexts including the glorification of the Algerian revolution especially in his work "El ELlahabMoukadis .

Keywords : aesthetic,elmoubalagha, poems : ellahab elmoukaddas

Le résumé :

« Elmoubalagha » est un phénomène de rhétorique et stylistique, sur lequel les poètes, aussi bien actuellement que dans le passé, n’étaient pas d’accord sur son emploi. Parmi les poètes contemporains qui l’on utilisée en abondance, Moufdi Zakaria, a exploité cette technique langagière dans divers contextes dont celui de la glorification de la révolution algérienne notamment dans son œuvre « ELlahab El Moukadis ».

Mots-clés : esthétique,elmoubalagha ,poèmes :ellahab elmoukaddas

الملخص :

" المبالغة " ظاهرة بلاغية أسلوبية اختلف الشعراء في توظيفها قديما وحديثا ، ومن الشعراء المحدثين الذين أكثروا من استعمالها الشاعر الجزائري مفدي زكريا الذي استغل هذه التقنية اللغوية في سياقات مختلفة لعل من أبرزها تمجيد الثورة الجزائرية وتعظيمها وبخاصة في ديوانه "اللهب المقدس". ويأتي هذا المقال مساهمة في تجلية هذه الظاهرة البلاغية والكشف عن أنماطها وصورها وبعض الجوانب الجمالية فيها.

الكلمات المفتاحية : جمالية ـ المبالغة ـ ديوان:اللهب المقدس

قبل الشروع في الوقوف على جماليات المبالغة في خطاب "مفدي زكريا" في ديوانه "اللهب المقدس" يجدر بنا استعراض بعض تعريفات هذه الظاهرة البلاغية عند علمائنا القدامى.

يعرف أبو هلال العسكري المبالغة بقوله : "المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته وأبعد نهاياته، ولا تقتصر في العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه ." 1 ويمثل لذلك من القرآن والشعر ، فمن القرآن قوله تعالى : " يوم تذهلُ كلُّ مرضعةٍ عمَّا أرضعتْ وتضع كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها وترى الناسَ سكارى وما هم بسكارى " فيقول مبينا وجه المبالغة : " ولو قال تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة ، وإنما خصّ المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها ، وأشغف به لقربه منها ولزومه لها ، لا يفارقها ليلا ولا نهارا ، وعلى حسب القرب تكون المحبة والإلف." 2 ومن الشعر يذكر قول عمير بن الأهتم التغلبي :

                       ونكرِمُ جارَنا ما دام فينا          ونتبعُه الكرامةَ حيث مالا

فيقول موضحا : " فإكرامهم الجارَ مادام فيهم مكرمة ، وإتباعهم إياه الكرامةَ حيث مال من المبالغة " 3

أما ابن رشيق فيذكر في " العمدة " أنها ضروب كثيرة وأن الناس مختلفون بشأنها ، فمنهم من يؤثرها ويقول بتفضيلها ، ويراها الغاية القصوى في الجودة ومنهم من يراها عيبا وهجنة في الكلام" 4 وبعد أن يفصل في وجهة نظر الفريق الثاني يورد أنواع المبالغة ويبدأها بما يسميه التقصي وهو بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن من وصف الشيء ، ثم يثنّي بنوع آخر يسميه ترادف الصفات ، ثم يأتي بالنوع الثالث وهو الغلو . ويبدو أن النوع الأخير قد اختلف فيه ، ولذلك يردّ ابن رشيق على الرافضين له بقوله : "ولو بطلت المبالغة كلها وعيبت لبطل التشبيه وعيبت الاستعارة إلى كثير من محاسن الكلام " 5 وفي هذا الرد ما يوضح العلاقة الوطيدة بين هذه الظاهرة الأسلوبية والصورة الشعرية ذلك أن المبالغة كثيرا ما تتكئ على الصورة وهو ما كان يدعوه القدامى بحسن التخييل كما سنتبين ذلك في هذا المقال .      

وممن اعتنى بهذه الظاهرة اللغوية والأسلوبية أيضا "الرماني" الذي جعلها ستة أضرب :

الضرب الأول: وهو الصفة المعدولة عن الجارية كفعلان وفعّال وفعول ومفعل ومفعال .

الضرب الثاني : المبالغة بالصيغة العامة في موقع الخاصة كقوله تعالى : "خالق كل شيء" وكقول القائل: "أتاني الناس" ولعله لا يكون أتاه إلا خمسة فاستكثرهم وبالغ في العبارة عنهم.

الضرب الثالث: إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة كقول القائل : جاء الملك إذا جاء جيش عظيم له ، ومنه قوله عز وجل :" وجاء ربُّك والملكُ صفّا صفّا " فجعل مجيء دلائل الآيات مجيئا له على المبالغة في الكلام .

الضرب الرابع : إخراج الممكن إلى الممتنع للمبالغة في قوله تعالى : " ولا يدخلون الجنةَ حتى يلجَ الجمَلُ في سمِّ الخياط".

الضرب الخامس :إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل والمظاهرة في الحجاج ، فمن ذلك " وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ".

الضرب السادس : حذف الأجوبة للمبالغة كقوله تعالى: " ولو ترى إذ وُقِفوا على النار " "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ".

أما القزويني فيقسم المبالغة إلى ثلاثة أقسام :التبليغ والإغراق والغلو، وهو يعتبر القسمين الأول والثاني مقبولين أما الثالث وهو الغلو فمنه المرفوض ومنه المقبول ، ويشترط في المقبول شروطا هي:

1 ـ أن يدخل عليه ما يقربه إلى الصحة ، نحو لفظة يكاد في قوله تعالى " يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار".

2 ـ أن يتضمن نوعا حسنا من التخييل كقول أي الطيب :

                    عقدتْ سنابكها عليها عِثْيَرا         لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا

3 ـ أن يخرج مخرج الهزل والخلاعة كقول أحدهم :

                       أسْكرُ إن عزمتُ على الشر     ب غدا إنّ ذا من العجب 7

هذه بعض التعريفات التي قدمها علماء البلاغة والنقاد العرب وشرحوا من خلالها فهمهم لظاهرة المبالغة ، فإلى أيّ مدى كان توظيف مفدي زكريا لها ؟ وما الذي تعكسه من شعره ؟ وما غاياتها الفنية والجمالية؟

الحق أن المبالغة ليست ظاهرة معزولة في الخطاب الشعري عند مفدي زكريا بل إن المتأمل لشعره يدرك أن هذه الظاهرة ليست إلا مظهرا أساسيا من مظاهر شعريته ، فهي من جانب تكشف عن جوانب من نفسية الشاعر وموقفه ورؤاه ، وهي من جانب آخر تمثل أداة لتحقيق غايات فنية وجمالية .

لقد اتخذت المبالغة في ديوان "اللهب المقدس" مظاهر شتى تجلت من خلالها ، ولعل أهم هذه المظاهر:

1ـ حسن التخييل :

يجد المتفحص لظاهرة المبالغة في هذا الديوان أنها قد اقترنت بحسن التخييل ، ومن ذلك مثلا حديثه عن تضحيات الجزائريين إبان الثورة التحريرية إذ يقول :

وقــالوا منالُ المجد فــوق مشانـــقٍ       فرحْنا لنيل المجد نستعجـــلُ الشنقا

وقــالوا انعتاق الشعب فــوق مقاصلٍ         فقمنا على أعـوادها ننشد العتـــقا

وعليها صَعدْنا نطلبُ العـــزّ في السما         ونتّخذ من الهامات للمنتهى مَرْقى

لقد استهدف الجزائريون من خلال الثورة التي فجروها نيل المجد والذكر الحسن والانعتاق من نير المستعمر واسترجاع عزتهم المفقودة ، ولكن الشاعر قدّم هذه المعاني في صور جميلة تعتمد على كثير من المبالغة ، فنيل المجد لا يكون إلا فوق المشانق ، ومن ثم اندفعوا يستعجلون الشنق ! وهم قد رأوا بأن الانعتاق لا يتحقق إلا عبر المقاصل فقاموا على أعوادها ينشدون تحقيق هذا الهدف ! وعلى هذه المقاصل أيضا ارتقوا لتحقيق عزتهم جاعلين من هاماتهم سلّما لبلوغ أقصى الغايات! واضح إذن من خلال هذه الأبيات أن الشاعر اعتمد على الاستعارة وحسن التصوير، ولولا ذلك لما تأتت له هذه المبالغات الجميلة.

ويتحدث مفدي عما عاناه المجاهدون من الجوع أثناء الكفاح المسلح فيقول :

تقمّصَ "غاندي" في عروق شبابنا      وعِفْنا رغيفَ الذل من يد جوعان

نذرْنا نصومُ الدهر أو يطهرَ الحمى   وتنصفَ في التاريخ ثورةُ مقراني

وتُسْمِنُنا الأحجــارُ نقضمُ صخرَها    ونبلعُ إن جُعنا شعــاليلَ نـيران 9

يقدم الشاعر صورة للإملاق الشديد الذي كان يعانيه شباب الثورة التحريرية فلا يجد خيرا من المبالغة لتصوير هذا المعنى والإيحاء به فهؤلاء الثوار قد نذروا أن يصوموا الدهر إلى أن تطهر الجزائر من رجس الاستعمار وتنصف ثورتهم المجيدة ، ولعلهم إذا اشتد بهم الجوع ولم يجدوا طعاما يتخذون من الحجارة والصخور مادة للغذاء! بل ربما يبتلعون النيران لسد رمقهم! لقد اتخذ الشاعر إذن من الاستعارة مادة لحسن التصوير ولولا ذلك لما بلغ هذه الإجادة والروعة في المبالغة.

ويفتخر بالجزائر فيقول :

وقُل الجزائر واصغ إن ذُكر اسمُها      تجد الجبــابرَ ساجديـن وركــعا

إن الجزائر في الوجود رسالــة       الشعب حـــررها وربـــك وقعا

إن الجزائـر قطعــة قدسيــة         في الكون لحنها الرصاص ووقعا

وقصيــدة أزليـة أبيـــاتها          حمــراء كان لها نفمبــر مطلعا

نظمت قوافيها الجماجم في الوغى     وسقى النجيعُ رويَّــها فتدفّــعا 10

لقد منحت الثورة للجزائر مكانة جديدة في العالم فمجرد ذكر اسمها أصبح يثير الهلع في نفوس الجبابرة فيجبرهم على السجود والركوع ! وما ذلك إلا لأنها تحولت إلى رسالة تشيع روح التحرر والانعتاق في نفوس المستضعفين. يلاحظ أن الشاعر اعتمد في صياغة مبالغاته على أنواع من التصوير كالكناية في قوله "تجد الجبابر ساجدين وركعا" والتشبيه البليغ في "إن الجزائر في الوجود رسالة" وفي "إن الجزائر قطعة قدسية" كما اعتمد على المجاز العقلي في " نظمت قوافيها الجماجم في الوغى".

ويفتخر بشعره فيقول :

كم صفّقتْ لأناشيدي مدافعُنا         وأطرقتْ لتسابيحي نواديـــنا

فكان شعري والرشاشُ في مرح         هذا يغني وذا يزجي التلاحينا

وكان للجيش تنزيلا يرتلـه          وقد تنزل يفتك المياديـــنا 11

ليس الثوار هم وحدهم المعجبين بشعر مفدي بل أصبحت المدافع تصفق لأناشيده ! أو لعل شعره والرشاش قد انخرطا في لقاءات ودّ ومرح فكان الأول يغني والثاني يفصّل له التلاحين! هكذا تفعل المبالغة فعلها اعتمادا على الخيال والتصوير فالمدافع والشعر والرشاش تحوّلت إلى كائنات حية تتفاعل وتطرب ويكون منها الشعور بالإعجاب . ولا يكتفي مفدي بهذا المستوى من المبالغة بل يسترسل فيجعل من الثوار قد استعذبوا هذا الشعر فأخذوا يرتلونه كما يرتلون الآيات من القرآن ! هكذا إذن نجد الشاعر قد نجح من خلال حسن التخيل والمبالغة في تقديم صورة جميلة للمكانة التي يحتلها شعره في مناصرة الثورة .

وفي السياق نفسه يقول :

غنّى بثورتها الرهيبة شاعرٌ         وشدا يخلّد في العصور قتالــــها

واشتقّ من نبضاتها أوزانه         واختار من لون الدماء جمالها 12

لقد ابتغى الشاعر لنفسه أن يكون ناطقا باسم الثورة مخلدا لانتصاراتها عبر العصور، وهذا أمر ممكن سائغ ، ولكن العجيب أن يكون مفدي مقتبسا لأوزانه من أزيز مدافعها ورشاشاتها ! والأعجب أن يكون قد اختار من لون الدماء ما يكون عنوانا على الجمال ! إن النفوس ـــ كما هو معلوم ـــ قد جُبلت على النفور من الحروب والدماء ولكن الشاعر قد جانف هذه الحقيقة معتمدا على المبالغة وحسن التخييل ترغيبا في الكفاح المسلح وإيمانا منه بأنه الطريق الأوحد للاستقلال .

ويصف مفدي استشهاد أحمد زبانا فيقول:

قام يختالُ كالمسيـــح وئيــدا       يتهادَى نشوانَ يتلُو النشيدا

باسمَ الثغر كالملائك أو كالطـ     فـلِ يستقبلُ الصباح الجديدا

شامخا أنفُـه جلالا وتـــيها      رافعا رأسَه يناجـي الخلودا

رافلا في خلاخل زغردت تمــ       لأ من لحنها الفضاء البعيدا

حالما كالمسيح كلّمه المجـ         ــدُ فشدّ الحبال يبغي الصعودا 13

يبدو الشاعر معجبا بالشهيد "زبانا" ، وهو يصف اللحظات الأخيرة قبل استشهاده فيبالغ في هذا الوصف ويشبهه بالسيد المسيح عليه السلام . إنها في نظره لحظة من اللحظات التي لا تدلّ على ضعفه أو انكساره فهو نشوانُ باسم الثغر شامخُ الأنف رافلٌ في خلاخل العز ، يبغي الصعود إلى الأعلى . ويؤكد مفدي على هذا المعنى ويصرّ على هذا التشبيه فيقول:

زعموا قتلَــه وما صلبوه          ليس في الخالدين عيسى الوحيدا

لفّه جبرئيل تحت جناحيـــه   إلى المنتهــى رضيا شهيــدا 14

إن مفدي مقتنع بأن زبانا لم يمت وإن زعموا قتله تماما كما زعموا قتل السيد المسيح ، بل يزيد المبالغة تأكيدا إذ يقول بأن عيسى ليس هو الحالة الوحيدة وأن جبريل قد لفّه تحت جناحيه إلى الملأ الأعلى . لقد اعتمد الشاعر إذن على المبالغة والتشبيه من أجل إبراز المكانة السامية التي يحتلها الشهيد زبانا.

ويمجد الشاعر نوفمبر الذي هو عنوان الثورة التحريرية فيقول :

دعا التاريخُ ليلَك فاستجـــابا         نوفمبرُ هل وفّيتَ لنا النصابا؟

وهل سمعَ المجيبُ نداء شعب         فكانت ليلةُ القــدر الجــوابا؟

تبارك ليلُكَ الميمونُ نجما            وجلّ جــلاله هتــك الحجــابا

زكتْ وثباتُه عن ألفِ شهــر          قضاها الشعبُ يلتحـق السرابا 15

يبدو مفدي في هذه الأبيات كما هو في أشعاره كلها مقدسا لنوفمبر مضفيا عليه أوصافا قد لا تليق إلا بجلال الله تعالى أو بما هو ديني مقدس ، فهو هنا يطلق عليــــه وصف "ليلــــة القدر" ويعظّمه بفعلين لا يستعملان في العادة إلا لتعظيم الله تعالى وهما " تبارك " و"جلّ جلاله" ، وما ذلك إلا لسلوكه مسلك المبالغة إبرازا لما آمن به واعتقده وأحس به .

ويعتمد الشاعر المبالغة نفسها في تقديس الرشاش فيقول :

وتكلم الرشاشُ جلّ جلاله            فاهتــزّت الدنيا وضجّ النيرُ

وتنزّلت آياتُــه لهّابـــة           لوّاحة أصغى لها المستهتــرُ 16

إن الرشاش عند مفدي مقدس باعتباره مظهرا من مظاهر الثورة ووسيلةً من وسائل دحر المستعمر ، وهو لذلك يعظمه بعبارة " جل جلاله " بل يجعل له آيات متنزلة !

   ويصف عنف الثورة التحريرية في القصيدة نفسها فيقول :

أجهنّمُ هــذي التي أفواهها          من كـلّ فــجّ نقمة تتفجــر؟

أم أرض ربِّك زلزلت زلزالها           لما طغى في أرضه المستعمر؟ 17

يبالغ مفدي وهو يصف عنف الثورة واشتداد لهيبها فيصفها بجهنم التي فتحت أفواهها في كل مكان انتقاما من المستعمرين الظالمين ، ثم يضع احتمالا آخر لما يقع فيشبهه بالزلزال العنيف الذي سلطه الله على المستعمر لطغيانه وجبروته .

ويعظم الثورة ووصية الشهداء فيقول :

فاذكروا الثورة في أقسامكم       إن ساحات الوغى كالمعهد

واقرأوا فيها كتــــاب الشهدا         فهو وحيُ الله في معتقدي 18

ينصح الشاعر الطلبة الجزائريين بالاهتمام بالثورة وعدم الغفلة عنها لأن ساحات المعارك في نظره لا تقل أهمية عن أفنية المعاهد ، ويبالغ كعادته فيما له علاقة بنوفمبر والشهداء فيعدّ وصية الشهداء في مرتبة الوحي ومن ثمّ يطالب الطلبة بقراءتها والتمعن فيها.

2 ـ أسلوب الشرط :

من المظاهر التي تجلت من خلالها المبالغة أسلوب الشرط ، فهذا الأسلوب من شأنه أن يتيح للشاعر وضع الاحتمال الذي يريده والذهاب بالمعنى إلى أبعد مدى ممكن ، وقد وظف مفدي هذا الأسلوب في سياقات مختلفة ، من ذلك مثلا حديثه عن التحالفات التي تعقدها الجزائرية إذ يقول :

ساءها أن نميل للشرق لما         أن وجدنا شعوبَها أعــوانا

ما ارتضينا للشـرقِ يوما ولا         للغرب فينا النفوذَ والسلطانا

في سبيل استقلالنا نحن قـومٌ       لا نبـالي بمن يلبي نــدانا

لو وجدنا الشيطان يوما نصيرا       لذهبنا نحــالف الشيـطانا 19

يردّ الشاعر على الدول الغربية التي ساءها أن يتجه الجزائريون في طلب المعونة إلى الشرق ، فيقول لهم بأننا لا نقبل التدخل في شؤوننا من أي طرف من الشرق أو الغرب ، وأننا مستعدون في سبيل استقلالنا أن نتحالف مع أي جهة ، ولو كان هذا التحالف مع الشيطان ! واضح إذن من خلال البيت الأخير أنه تضمن مبالغة ساقها الشاعر في أسلوب شرط .

وفي السياق ذاته يقول :

إذا كان هذا الغـربُ للظلم معقـلا       فلا تعتبوا المظلومَ أن يقصد الشرقا

وإن نحن في الشيطان نلقَى مناصرا       كتبنا مع الشيطان في حربِـنا رقّا 20

     يسوق الشاعر المبالغة ذاتها التي كان ذكرها في الأبيات السابقة وهي أن الجزائريين ونتيجة للظلم الواقع عليهم مستعدون ـــــ لو وجدوا في الشيطان مناصرا ــــ أن يعقدوا تحالفا معه!

ويعبر عن تمسك الجزائريين بوطنهم وأنهم لا يساومون على أي جزء منه فيقول :

وجئنا بالخوارقِ معجــزاتٍ         فلم نتركْ لناكـِـرِنا ارتيابا

وخضناها ثلاثَ سنين دأبا           فأصبحنا من التحرير قابا

فلا نرضى مساومـةً وغَبْنًا       ولا نرضى لسلطتنا اقتضابا

ولن نرضى شريكا في حمانا          ولو قسمت لنا الدنيا منابا 21

يرد الشاعر على الاستعمار الفرنسي الذي بدأ ينوء تحت ضربات الجزائريين وانتصارات الثورة التحريرية وأخذ يساوم على أجزاء من الوطن ، فيقول بأن الجزائريين لا يمكنهم أن يقبلوا بسيادة منقوصة ، ويذهب إلى أبعد من ذلك مستخدما المبالغة فيقول بأنهم لا يرضون بأن يشاركهم أحد في بلادهم ولو كان العوض عن ذلك هو الدنيا بأسرها !

وفي السياق نفسه يقول :

نرى استقلالنا عدلا وحـــقّا        فرنسا لم تزل فيه تَمَارَى

له فوق الجماجم قد صعدنا         وفي تحقيقه خُضنا الغمارا

فلا نرضى به أبـدا بديلا       نعيمَ الخلد لو نعطى الخيارا 22

يتعرض الشاعر في هذه الأبيات إلى مساومات فرنسا ومماراتها في استقلال الجزائر، فيؤكد بأن الجزائريين قد ضحّوا بأرواحهم من أجل الاستقلال ، وأنه لا يمكنهم أن يفرطوا في هذا الحق ، ويندفع الشاعر إلى المبالغة فيقول بأنهم لن يرضوا بعوض عنه ولو كان ذلك جنة الخلد نفسها !

   وفي السياق ذاته يعبر عن تمسك الجزائريين بالاستقلال وتقرير المصير فيقول :

السلمُ نحــن رجالُـها، لكنـنا         شجعان يا ديغول لا نستسلم

إنْ كان في طيّ السلام مذلة         فالموت أشرف للكرام وأسلم

     أو كان تقرير المصير خديعة          فلنعم تقرير المصير جهنــــم 23

يرد الشاعر على "ديغول " فيؤكد بأن الجزائريين أهل سلام ، ولكن ذلك لا يعني أنهم جبناء ، بل الحقيقة أنهم يرفضون المذلة ، ويرون بأن الموت أشرف للكرام من حياة هانئة مع الذل ، ثم يقدم مفدي تمسك الجزائريين بتقرير المصير في صورة من المبالغة فيقول بأنهم متمسكون بهذا الحق ولو أدى بهم إلى جهنم !

   ويقول في رثاء الملك محمد الخامس:

يا نزيلَ الخلود لو كان يجدي         لسألنــا إلهَـــكَ الانتظـارا

ولو أن الفــداء يبقيك فيــنا         لجعلنــا فداءك الأعمـارا

وأقمنا الأرواح دونك ســدا         لو ملكنا في أمرك الاختيارا 24

   يخاطب الشاعر الملك الراحل فيقول على لسان المغاربة بأنهم كانوا على استعداد لافتدائه بأرواحهم ، وأنه لو أمكنهم لأقاموا أرواحهم دون روحه ! ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يفترض أنه لو كان مجديا لسألوا الله الانتظار! ولا ريب أن لجوء الشاعر إلى هذه المبالغات لا يمكن أن يفهم إلا في إطار الولاء للملك والأسرة الحاكمة .

ويقول في رثاء الأستاذ العربي الكبادي :

يا كَبَادي لو استطعنا جعلنا        ذوبَ أكبــادنا أمامـك سـدا

ولو أن الخيـار ملك يدينا           لافتديناك يوم أزمعتَ صدا 25

   يخاطب الشاعر هنا الراحل " الكبادي " بأنه لو كان في الإمكان لجعل محبّوه أكبادهم وأرواحهم دون روحه ! وأنهم لو ملكوا الاختيار لافتدوه بأعمارهم !

ويعبر مفدي عن إعجابه الشديد بغوطة دمشق فيقول :

والغوطتان رأيت الله عنــدهما       وما تعبــدتُ دون الله أوثــانا

لولا التقى لحسبتُ الخلد دونهما       حُسْنا وسمّيتُ قاسيونَ رضوانا 26

   لقد آمن الشاعر بعظمة الخالق حين رأى في حسن الغوطتين وسحرهما ما يدل على جماله سبحانه ، ولكن مفدي لا يقف عند هذا المعنى بل يلجأ إلى المبالغة ذاكرا بأن التقوى هي التي تردعه فلا يعدّ جنةَ الخلد أقلَّ جمالا من الغوطتين ! وأنه لولاها لاعتبر جبل "قاسيون" هو الخازن لهذه الجنة !

ويعبر عن تقديسه لرسالة الشعر فيقول :

رسالةُ الشعر في الدنيا مقدسةٌ         لولا النبوءةُ كان الشعــرُ قرآنا 27

يسمو الشاعر برسالة الشعر إلى درجة التقديس ، ثم لا يقف عند هذا المعنى بل يعتبر أن النبوءة هي التي تمنع الناس من أن يعدّوا الشعر قرآنا ! وفي ذلك من المبالغة ما لا يخفى .

3 ـ أسلوب الشك :

قد يلجأ شاعر ما إلى أسلوب الشك من أجل المبالغة ، وهو إذ يفعل ذلك يعدد الصور التي يمكن أن يحتملها المعنى ، ومن هذه الصور ما يكون بعيدا مبالغا فيه . وبعد التأمل في ديوان اللهب المقدس وجدنا "مفدي" قد استغل هذه التقنية اللغوية في إحداث بعض مبالغاته .

يقول في رثاء" مصطفى فروخي" الذي احترق في الطائرة حين كان متجها إلى الصين ليكون سفيرا للجزائر هناك :

أيُّ صقر في السماوات اختفى؟       أيّ نجم في النهايات انطفا؟

أسفيرا نحـو أملاك السـما؟       أم " لبيكين " بعثتم مصطفى؟

أم رأى في الأفق ما قد راعـه ؟       في بـلاد الصين نبـلا فهفا؟

أم هما في ناظـريه اشتبـها؟       ظن أن الأفق "صينا "* فاكتفى؟

أم رأى الخلـد قريبـا فدنـا؟       ورأى أمثـاله فانعطـفا ؟

راود العـزةَ في الأرض فهل       واعدتـه في السما فانصرفا ؟

أم رآه الشهـدا نحوهــم         يتسامـى فدعــوه للوفـا ؟

لم يشأ أن يتفانى وحـده        في الوفا فاختار آلَ مصطفى 28

يصوغ الشاعر رثاءه في شكل استفهامات ويعتمد على الشك في عرض مبالغاته ، فبينما يستفهم عن وجهة مصطفى أكانت نحو الملائكة في السماء أم نحو بيكين في الصين؟ يستفهم أيضا عن هاتين الوجهتين ولعلهما اشتبها في نظره ! بل لعله رأى الخلد والشهداء أقرب إليه فآثرهم عن الوجهة الأولى ! لقد كان "مصطفى" حريصا على معانقة العزة بجهاده ونضاله فهل وجد في هذه المناسبة ما يحقق هدفه فعجّل بالانصراف إليها؟! وأخيرا لعل الشهداء هم الذين رأوه متساميا إلى الأعلى فدعوه لأن يكون وفيا بالانضمام إليهم !

وفي رثاء الملك محمد الخامس يقول :

أفي السماوات عرشٌ أنتَ تنشدُه         فرحتَ تسأل في الفردوس "جبرينا"؟

أم هل سمعتَ بأقمـار مزيفة        تغزو الفضاء فسفّهتَ المجانينـا؟

أم أن قانون أهل الأرض مصطنع         فرحـتَ تشـرع في الخلد القوانين ؟

أم تمّ ما كنتَ تبنيه وتصنـعه       فرحتَ تنقل للعليـا مبانيــنا ؟ 29

يصوغ الشاعر مبالغاته في ثوب من الشك ويبدأ برحيل الملك ، فهل كان من أجل أن يتبوأ عرشا في السماء ؟! أم كان من أجل تفنيد مزاعم بوجود أقمار مزيفة ؟! ولعله رأى من جانب آخر أن القانون الأرضي مصطنع فآثر أن يشرع القوانين في السماء ! ولعله أخيرا قد أتمّ ما كان يصنعه ويبنيه فراح يكمل مهمته في العلياء !        

   ويقول في وصف بيروت :

بيروت ما أنت ؟ أفي محشر           شادتْ مبانيكِ يدُ الصانعِ ؟

   هم بشرٌ أهلوكِ ؟ أم جِنّةٌ           تصخب في جمهوركِ الفارعِ؟ 30

يتعجب الشاعر من صخب بيروت وكثرة ضجيجها ، فهل هي في حالة المحشر؟! وهل أهلها حقيقة من البشر؟! أم إن الجن هم الفاعلون في جمهورها ! يلاحظ إذن أن الشاعر يلجأ إلى تشبيه صخب بيروت بالمحشر وحالة أهلها بالجن ، وفي ذلك مالا يخفى من المبالغة الجميلة .

4 ـ عقد المقارنات :

يلجأ مفدي في بعض الأحيان إلى عقد المقارنات سبيلا إلى المبالغة ، ومن ذلك قوله :

وَرثْنا عصا موسى فجدّدَ صنعـها     حِجانا فراحتْ تلقفُ النار لا السّحرا

وكلّمَ موسى اللهُ في "الطور" خفية     وفي "الأطلس الجبار" كلمنا جهـرا

وأنطق عيسى الإنسَ بعد وفاتهم       فألهمنا في الحرب أن نُنْطق الصخرا

وكانت لإبراهيم بـردا جهـنمٌ       فعلمنا في الخطب أن نمضغ الجمرا 31

يتحدث الشاعر عن الآيات والخوارق التي جاءت بها حرب التحرير، ويبالغ في عرض هذه الآيات من خلال مقارنتها بمعجزات بعض الرسل السابقين ، من ذلك مثلا العصا التي كان يستخدمها موسى في تَلقُّف السحر فقد أصبحت في حرب التحرير تلقف النار! ومن ذلك تكليم الله موسى خفية في الطور، وقد اختلف الأمر مع المجاهدين إذ كلمهم الله تعالى جهرة في الأطلس الجبار! ومن ذلك أن عيسى كان يستطيع أن ينطق الموتى أما المجاهدون فقد استطاعوا أن ينطقوا الصخر! ومن ذلك أيضا أن النار كانت بردا وسلاما على إبراهيم في حين أن المجاهدين كانوا يمضغون الجمر في الحرب !

ويقارن بين ما يُقدَّم ليوم النحر وما يُقدَّم للأوطان فيقول:

إن كان عيدُ النحر عيدَ ضحية       عيدُ الضحايا حُـــقَّ كل نهار

الشاةُ أخلصتِ الفـداءَ لواحد         وفِدَا البلادِ جماجمُ الأحرار32

من المعلوم أن المسلمين يأخذون بسنة أبي الأنبياء "إبراهيم" فيضحّون في يوم النحر بشاة ، ولكن التضحية في الحرب ـــ كما يقرر الشاعرـــ لا تكون بالشياه والخرفان بل بالنفوس، ولا يقتصر الأمر على نفس واحدة بل يتعداها إلى الآلاف والملايين!

وأخيرا فإنه ليس من غرضنا أن نتتبع كل صور المبالغة الواردة في اللهب المقدس، وإنما كان الهدف من وراء هذا المقال لفت الانتباه إلى وجود هذه الظاهرة الأسلوبية بل واضطرادها واحتفاء "مفدي" بها وتوظيفها في سياقات مختلفة وتحقيقا لغايات متعددة ، ولعل أهم تلك السياقات ــــ كما تبين من خلال استعراضنا السابق ـــ سياق تعظيم الثورة وتمجيدها وتقديسها ، وهو ما يدل على أن الثورة تملكت الشاعر وسكنت فؤاده فلم يعد ينظر إلى العالم والأشياء والأحداث إلا من منظارها فليس غريبا إذن أن يبالغ ويغالي في المبالغة إرضاءً لنفسه من جانب ودعوة للآخرين بأن يسلكوا مسلكه في تبني الثورة والإيمان بها من جانب آخر.

الإحالات والهوامش :

1 ـ كتاب الصناعتين ، أبو هلال العسكري ، المكتبة العصرية صيدا ـ بيروت ، طبعة 2004 ص 365

2 ـ المرجع نفسه ص 365

3 ـ المرجع نفسه ص 366

4 ـ انظر العمدة ، ابن رشيق القيرواني ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، دار الجيل بيروت لبنان، الطبعة الخامسة 1981 ، ص 53

5 ـ انظر المرجع نفسه ص 55

6 ـ انظر رسالة الرماني في إعجاز القرآن من كتاب : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام ، دار المعارف بمصر ط3 ( د ت ) ص 104 ـ 105

7 ـ انظر الإيضاح في علوم البلاغة ، القزويني ، تحقيق عبد المنعم خفاجي وعبد العزيز شرف ، دار الكتاب المصري واللبناني ، طبعة 1999 ، ص 529 ، 531

8 ـ اللهب المقدس ، مفدي زكريا ، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر ، الطبعة الثالثة 1991 ص 199 ـ 200

9 ـ المصدر نفسه ص 326

10 ـ المصدر نفسه ص 58

11 ـ المصدر نفسه ص 227

12 ـ المصدر نفسه ص 131

13 ـ المصدر نفسه ص 9

14 ـ المصدر نفسه ص 11

15 ـ المصدر نفسه ص 30

16 ـ المصدر نفسه ص 134

17 ـ المصدر نفسه ص 133 ـ 134

18 ـ المصدر نفسه ص 197

19 ـ المصدر نفسه ص 178 ـ 179

20 ـ المصدر نفسه ص 203

21 ـ المصدر نفسه ص 41

22 ـ المصدر نفسه ص 155

23 ـ المصدر نفسه ص 145

24 ـ المصدر نفسه ص 230 ـ 231

25 ـ المصدر نفسه ص 218

26 ـ المصدر نفسه ص 289

27 ـ المصدر نفسه ص 290

  • الصواب نحويا هو: ظنّ أن الأفق صينٌ بالضم لا بالفتح.

28 ـ المصدر نفسه ص 192 ـ 193

29 ـ المصدر نفسه ص 222

30 ـ المصدر نفسه ص 333

31 ـ المصدر نفسه ص 306

32 المصدر نفسه ص 117