شعرية القبح في رواية "التفكك" لرشيد بوجدرةpdf

-دراسة تحليلية

أ.ليلي بوعكاز

جامعة جيلالي اليابس

جامعة سيدي بلعباس ) الجزائر(

Abstract:

       This study aims to shed light on one of the most important creative experiences in Algeria.       Lt is the experience of Rachid Boudjedra, the contemporary who was known as the French writer name after editing a series of theatrical performances in the French language that presence in the the theatrical Dismantling piece in 1982.

Résume :

         Cette étude vise à jeter la lumière sur l’une de plus importantes expériences créatives en Algérie, c’est l’expérience de Rachid boujedra ce dramaturge contemporain que a été conne le nom d’écrivain francophone après avoir édité un ensemble de pièces théâtrales en langue française qui la renie après son retour à langue maternelle L’ARABE pour marquer sa présence dans la pièce théâtrale LE DEMANTEMENT en 1982.

الملخص:                                                           

تسعى هذه الدراسة لتسليط الضوء على واحدة من أهم التجارب الإبداعية في مجال الكتابة الروائية في الجزائر، إنها تجربة "رشيد بوجدرة" هذا الروائي المخضرم الذي مارس الكتابة باللغة العربية إذ عرف بالكاتب الفرانكفوني بعد إصداره روايات باللغة الفرنسية من ليرتد عنها ويعود إلى اللغة الأم ليسجل أول حضور له بالغة العربية في رواية التفكك عام 1982م

فهدف هذا البحث هو التنقيب على شعرية القبح في اللفظ والتصوير من خلال الأماكن والشخوص، لبيان أبعادها الجمالية والفنية والكشف عن الدلالات التي تمخضت عنها.         

01- ملخص الرواية

ترسم هذه الرواية لحظات تحول الإنسان في علاقته بآلة الدولة، و أثر هذه التحولات في تشويه كيان الإنسان و إرجاعه إلى نسخ يعيش أوهامه و تصوراته البائسة ليدخل إلى عالم البله الكامل من خلال شخوص هو محركها،يتكلم من ورائها حينا، وأحيانا أخرى يدع بطله الطاهر الغمري الذي ''يجوبالمدينةطولاوعرضاعاملاعلىمحوماضيهخائفامن حاضره،ضاربامستقبلهبتأشيرةاللامبالاة "1، أما سالمة فهي الفتاة التي تعيش بعقلية البرجوازية الصغيرة مشتتة الفكر بين الماضي والحاضر بين ثورتها النفسية الداخلية وسعيها من اجل البحث عن الحقيقة التاريخية، من خلال اتصالاتها وعلاقتها مع "الطاهر الغمري" الذي يمثل فكرا وتاريخا محددين، فصلتها به تتم عبر زياراته لغرفته القصديرية. واللافت للنظر أن هذه البرجوازية الصغيرة يظهر تأثيرها على "الطاهر" بشكل واضح، وقد تعمد بوجدرة وضعها منذ البداية طريقة لإخراج بطله من انطوائه وعزلته ليندمج في الحياة الجديدة، ومعنى ذلك أن الكتابة الروائية تكتب التحولات في منطق العلاقات الروائية أي تكتب الواقع في شكله الفني الملائم، والشكل هنا ساخر يعتمد على الحوار الداخلي تارة والحوار الخارجي تارة أخرى،فهو ينهض على لسان المتكلم و ينبني على دائرية القول المحكوم بذات إنسانية مغلقة.

ومن هنا كان السؤال الذي لا مناص من طرحه، والذي نتخذه عتبة نلج من خلالها عالما روائيا رحبا للكاتب رشيد بوجدرة هو: -كيف يمكن أن يكون القبح موضوعا للإبداع لديه ؟ وكيف تجسد في رواية التفكك ؟

2- مظاهر جماليات القبح في رواية التفكك:

2-1-شعرية القبح في اللفظ:

إن اللغة الشعرية كما نعرف لا تقتصر على الألفاظ وحدها، إنما هناك أمور أخرى تشترك مع الألفاظ لإحداث لــغة صالحة للبناء الفني الروائي وأول هذه الأمور هو طريقة تركيب هذه الألفاظ ووضعها في نظام معين بحيث تؤدي الفكرة التي يرمي إليها الأديب، وبذلك تصبح الكتابة الروائية كتابة شعرية تضفي على اللغة الروائية طابعا جماليا فتنتقل اللغة من وظيفتها التوصيلية إلى مجال الرمز والإيحاء، وتعطي اللغة الشعرية قوة غامضة لبعض الكلمات وبعض التراكيب، فتسبب استثارة الخيال، وتنفذ إلى صميم القلب، ومن هنا تتسع مــدلولات الألفاظ فتجنح إلى التلميح الذي هو أبلغ من التصريح، وهذا ما عمد إليه "رشيد بوجدرة" حيث قام بتخير ألفاظ خاصة ووضعها في النسق الذي يوضح فكرته ويحقق غرضه بعيدا عن المألوف والمعهود في الروايات التقليدية، تحت لواء "جمالية القبح"، "فتعددت السجلات اللغوية، والأجناس التعبيرية، وطرائق التشخيص، والصيغ والتقنيات الأسلوبية المفتوحة على تيار الوعي، فأصبحت الإشارة اللغوية تحمل الغياب الذي يحتم الحضور والغياب هو اللغة المسكوت عنها، فاستجلاب الغياب يتم من خلال الحضور"2

فقد استخدم "بوجدرة" الأسلوب الحر المباشر في روايته ليمنح شخصياته حرية التعبير والقول والإفصاح عما في داخلها، فكان السارد ناقلا لهذه الملفوظات كما هي دون تدخل منه في مدلولاتها وتراكيبها، ليقدم لنا هذه الملفوظات كما صاغتها الشخصيات من خلال الحوارات وهذه الطريقة في السرد تجعلنا نستنتج أن "بوجــدرة" يمتـازبثروة أسلوبية ولغوية في كتاباته، حيث نجد جملا تمتاز بمعجمها الفصيح ونأخذ على سبيل المثال وليس الحصر قوله هـــذا: «ويغرس الشمعة كقضيـب فخم مستطيل».3

إن اللغة التي يستخدمها "بوجـدرة" رغم كونها لغة فجة استثارت القبيح على اللفظ الرقيق إلا أنها تستمد شعريتها من واقع نفسي يندرج تحت الذات الإنسانية الداخلية، فهو عندما يستعين بلفظة "القضيب" والتي تحـمل عدة معـــاني في لسان الـعرب:4

قابض وقضاب ومقضب: فهي من السيوف اللطيف الدقيق .

ويقال القضيب وهو القوس المصنوعة من القضم، أما القضيب فهي الإبل التي ركبت والتي لم ترضي.

والقضيب أيضا: ذكر الإنسان و غيره من الحيوان.

فكلمة قضيب عند الرجل ليس مجـرد عضو ذكري يـؤدي وظيفته البيولوجية، إنما هو ما يشكل منه ذات الرجل وما يهيئ له عالمه النفسي قبل عالمه العضوي، فيغرس الشمعة هنا تستمد معانيها من القوة الذكورية التي تزحف بالقضيب الذكري إلى حالة الاعتزاز والفخر بانتمائه إلى الجنس الذكري على حساب الأنثوي.

- وقوله أيضا: «ويشعر بقلبه يذوب مرحا وغمرة لا سيما إذا ما راح المطر ينكح الأرض وتغشى الضبابة أرصفة الميناء».5

إن هذا التوظيف اللغوي ما هو إلا دلالة على الانبهار والإعجاب، "فـالظاهر" عندما يتأمل نزول المطر وسقوط تلك الحبات على الأرض، هو منظر يثير فيه شعورا بالمتعة شبه هذه المتعة "نكاح المطر للأرض" بنكاح الرجل للمرأة ، فلفظة النكاح جاءت في لسان العرب تحمل دلالات عديدة نذكر منها:6

نكح فلان امرأة بمعنى تزوجها، ونكحها ينكحها أي مباضعها، ومعنى النكاح هنا هو الوطء، فالمعنى "الزاني لا يطأ إلا زانية، والزانية لا تطأ إلا زان" وأصل النكاح في كلام العرب الوطء.

وقيل التزوج نكاح لأنه سبب للوطء المباح.

ويقال نكحها ونكحت هي أي تزوجت.

ويقال نكح المطر الأرض أي اعتمد عليها، ونكح النعاس عينه.

ونـاك المطر الأرض، ونـاك النعاس عينه.

فالكاتب هنا يحاول أن يحصر هذا اللفظ فيفرض عليه نمطا معينا من الرؤية ليجعل منه صورة حية تتفاعل فيها مكنونات نفسية وعضوية ليسقطها في مسار شعري يلغي قبحها ويفجر فيها نوعا من الشعرية التي تخلق لنا صورة بيانية تتجاوز فيها اللفظة العادية إلى لفظة المجازية، فالنكاح هو التقاء الذي ينجم عنه ثمرة، ونكـاح المطر للأرض يؤدي إلى ثمرة، وهي ثمرة رائــــحة التراب بالماء،أو ثمرة الاخضرار الذي يكسو الأرض بعد ذلك، فالنكـاح لا يوظف هنا توظيفا "سلبيا" وليس من باب الاستعمال المباح بين (الرجل وزوجه)، بل يعلو النكـاح هنا إلى مرتبة النماء والاستمرارية والخير.

-ويقول أيضا: «وهي تتساءل بين طيات نفسها (وأنا لست مسؤولة)، هل التاريخ عبارة عن خرقة تستخدم لتشرب هدر حيض الإنسانية».7

فالحيض في حد ذاته لا يمكن اعتباره من القبح، وإنما تستمد هذه اللفظة قبحها من الخرقة على حد تعبير الروائي، هذه الخرقة التي تمتص الحيض، أي الدم الفاسد من حاجة المرأة، أو البويضة الفاسدة من رحمها والتي لم تلقح فينتج عنها فساد، فتنزل على شكل دم فاسد تمتصه الخرقة، فالروائي يشبه التاريخ بهذه الخرقة لأن التاريخ هنا هو ما يمتص الفساد ويبقى عالقا به كما يعلق الدم بالخرقة، كذلك التاريخ يحتوي على هذا الفساد لأنه منه يبدأ. وحيض الإنسانية تدل على قبح اجتماعي وهي ثورة الروائي على العقليات الجامدة ومخلفات الاستعمار وعلى الإقطاعية والبرجوازية المتعفنة التي تسعى لإشباع فضولها بعيدة عن قضايا الشعب الكادح المسحوق تحت أقدام الرجعية والانتهازية، لكن شعرية هذا التعبير لا تكمن في تمرد الروائي فحسب، بل هو يحاول أن ينقل لنا الألم عبر هذا المعطى اللغوي ويضفي على نصه شعرية أكبر، كما أن له مقصدا إيديولوجيا يحاول تغطيته بهذا المعطى اللغوي.

-وقوله أيضا: «تريد الرجوع إلى دار أبيها حيث يهرع الأطفال الأربعة إلى الغرفة بعد أن لفظتهم أمهم من فرجـها وغسلت يـديها بماء اللامبالاة».8

فقوله "لفظتهم أمهم من فرجها" بمعنى ولدتهم، لأن المرأة هي من تحمل وهي من تضع أولادها، ولم يعمد إلى قوله لفظهم والدهم، لأن هنا تأكيد على أن الأم هي الأقرب من الأب بحكم مراحل حملها، فتكون الأكثر عطفا وقربا من أولادها، والمقصود هنا ليس لفظة الفرج الذي خرجوا منه، بل المقصود هو المكان الذي كانوا فيه والانتماء الأصلي لهم، وغسل الأم بيدها باللامبالاة يلغي ما سبق، يلغي كينونة الأم يلغي مزيج المشاعر والحب الذي تكنه كل أم لأبنائها، فالقبح هنا قبح نفسي يصور الشذوذ النفسي الذي تعاني منه أم "سالمة". لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا أية أم يقصد الكاتب؟ من أي جنس ومن أي نوع؟ فهل يقصد الأم من جنس البشر، أم الأم من جنس الحيوان؟ أم يقصد الأم الوطن؟؟؟ أي كان جنسها تبقى الإشـارة إلى مفهومها أعمـق من هذا.

بوجدرة يعتني باللفظة وبالكلمة التي تؤدي وظيفتها في السياق الـروائي داخل الفضاء الزماني والمكـاني، وهكذا يعطى لخطابه جمالية سردية وفنية، كما أن "بوجدرة" لا يكتب للقارئ البسيط بل يكتب للنخبة وللقارئ الذي يبذل جهدا في عملية القراءة، لذا فهو يستعين بلغة حوشية والمليئة بالألفاظ الغربية، قليلة التداول في الأدب الحديث، فلغته أقرب إلى المقامات الحريرية ولغة الرافعي.

ومن أمثلة ذلك قوله: «فهو يتساءل عن سر وجود مثل هذه الطيور المتكرشة في المدينة».9

وهي لغة فصيحة جاءت في لسان العرب تحمل معاني منها:10

كـرش، الكرش: بمنزلة المعدة وتؤنثها العرب كرش وكرش فنقول كرش الشاة وكرش الظباء والأرانب، فيستكرش يعني يعظم بطنه، والمتكرشة من طعام البادية التي انتفخت.

-وقـوله أيضا: «وهو لا يفهم منها شيئا فـينبجس من بين ظلوعه كرب».11

بجس، البجس وهو الانشقاق في القربة أو الحجر أو الأرض فينبع منه الماء، فإن لم ينبع فليس بالانبجاس.

بجسته، أبجسته أي فجرته، وانبجس أي تفجر، والمطر ينبجس، والسحاب ينبجس أي انفجر بالماء 12

وقوله أيضا: «هرب وينفلت مني عندما أقرأ ما كتبه أخي قبل أن يموت، يتـسربل بالليل ويـهرع نحو المدينة».13

سربل، السـربال: هو القميص والدرع، وقيل كل ما لبس فهو سربال، وقيل سرابيل تقي الحر فهو القميص الذي يقي الحر والبرد، أما السربلة فهي الثريد كثير الدسم 14

-وقوله أيضا: «يهصهص ويكرهه ويلعنه ويبتسـم».15

هص، يهص:فهو مهصوص، هصهصت الشيء أي غمرته، فهو زخيخ النار وبريقها، وهصهص الرجل إذ برق عينه16

-وقوله أيضا: «هسهسة المطـر على سطح الـدار».17

هسس، هس، هسا حدث نفسه وهـس الكلام بمعنى أخفاه، والـهسيس والـهساس الكلام الذي لا يفهم، والهساهس من الوسواس، والهسهسة كل شيء له صوت خافت18

-وقوله أيضا: «مثل عجوز مبهرجـة بأوشام وقـحة تتهاطل عليها أشكال من الرقاقات».19

هبرج، الهبرج وهي الحسنة من الضياء، والهدرجة اختلاط في المشي، والهرج المختال الذيال طويل الذنب20

وهكذا حاول بوجدرة جاهدا حشد أكبر عدد ممكن من الألفاظ المعجمية حتى أنها أصبحت تشكل عقبة للقارئ فلا تسمح له بأن يتابع حرارة التداعي في سير الأحداث فينهمك في البحث عن معاني الألفاظ بالرجوع إلى القواميس .

واللافت للنظر في هذه الرواية استعمال العبارات العامية والتي دلت بحق على قدرة الكاتب في توفيق بين الفصحى والعامية، وهذه الظاهرة موجودة في كل اللغات ولا يقتصر وجودها على اللغة العربية فقط،كما وجد "بوجدرة"في العامية أيضا ملاذا للتعبير والتصريح دون رقابة ذاتية ولا اجتماعيه محاولا تجسيد الواقع بين السطور وأحضان الحروف، ليرسمه كما هو بخيرة وشره ولكن هذه المرة جاءت بصورة بارودية كشفت عن خلفيات اجتماعية والتي صورتها الشخصيات:

«على عكس العجوز الشمطاء فقد راحت تهدد السماء بقبضة يدها ولا ترحم الطيور التي تحاول الالتجاء داخل المنزل، أبناء القحبة (...) وتأخذ في شتم الأطفال "قلت لكم آه أولاد القحبة».21

«وبعد العمل كانت تذهب إلى المستشفى، تعبر المدينة وشهوة الذكور المتراصين يمينا ويسارا، محاولين قنصها وقد حسبوها فريسة سهلة، فتستفزهم وتشتمهم وترشقهم بالكلمات الغليظة: ما كمش أرجال !جبناء ! مخصيين ! قضبان لا أكثر...».22

«أستاذ التاريخ يغضب عندما يرانا نكتب على أوراق الامتحان البسملة بل نزخرفها ويقول هكذا بنات القحبة... ما دخل بسم الله في درس التاريخ (...) كل من تبسملت أدفع لها الصفر...».23

"فبوجدرة" يؤمن بأن «الرواية التي لا تكشف جزءا من الوجود ما يزال مجهولا هي رواية لا أخلاقية، فالمعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة».24

2-2 شعرية القبح في رسم المكان:

يقول صلاح صالح: «إن رسم المكان بواسطة اللغة هو السبيل الأكثر انتشارا في الفن الروائي، وإن روائيين كثيرين استنكروا استبدال وصف الأمكنة ووصف الأشخاص بصورة فوتوغرافية أو مرسومة بأي فنانين تشكيلين، أو بواسطة الفن السينمائي، وبقيت اللغة السبيل الوحيد الذي اعتمده الروائيون في بناء أمكنتهم وفي وصفها أيضا».25

فالمكان الروائي يقدم بواسطة الوصف في الغالب الأعم، لأن هذا الوصف هو وسيلة اللغة في جعل المكان مدركا لدى القارئ وهذا ما قام به "بوجدرة" حين رسم لنا صورة بصرية منفرة للمكان الذي يعيش فيه بطل الرواية "الطاهر الغمري"، فإن هذا الوصف كان مجرد تمهيد لاختراق الشخصية الروائية وكيفية تفاعلها مع الأحداث بواسطة اللغة والتي أضفت على الرواية شعرية وجمالا وصورة واقعية.

وهنا اختار "بوجدرة" أماكن مغلقة وأخرى مفتوحة كميدان لحركة شخصياته الرئيسية وهي:

أ- الأماكن المغلقة:

1-البيت: «إن البيت هو ركن في العالم فهو كوننا الأول، كون حقيقي لكل ما للكلمة من معنى».26

إنما غرفة "الطاهر الغمري" القصديرية:

«حجرته القصديرية وغضارة الحبق والشمعة المستطيلة المغروسة في التربة الخصبة، وشظية مرآته المستطيلة التي أمرها السوس والتي يستعملها لحلق ذقنه، وبعض الأشياء الأخرى التي لا شأن لها، باستثناء الغلاية فهي لم تفارقه منذ أن كان مدرس قرآن وفلاحا فقيرا، في دوار العشبة، والحشرات: (الناموس، القمل، الذباب والبق، والنمل والصئبان الخ) والخزعبلات إنما لا تحصى».27

إن هذه الغرفة القصديرية والتي اتخذها البطل كملجأ له تمثل الحيز الذي ينعم فيه بلحظات الأمان بعيدا عن واقعه، وهو الحيز الذي يتم فيه إشباع رغباته الجنسية من خلال ممارسته "للعادة السرية"، وهو المكان الشاهد على زيف الواقع والدليل القاطع على الخيانة واغتصاب حق الفقراء والمظلومين، فهو من شارك في الثورة ولم يلوثه الطمع بعد الاستقلال فعان من الغبن والتهميش، ومنطلق الكتابة هاهنا هو البحث عن رد اعتبار للفئة المجتمعية المهمشة والكادحة كما يحمل المكان أبعادا سياسية وتاريخية من خلال لقاءات "الطاهر" و" سالمة" واسترجاعه لذكريات الحرب التحريرية ونقده للأحزاب الشيوعية والإسلامية.

«ويحدث أن دخلت سالمة بيته القصديري ذات مساء وهو نائم (...) يأكلها حب الإطلاع (...) فيستيقظ فيجدها جالسة وراء المنضدة على الكرسي الأعرج (...) يخالها أحد ابنتاه (حليمة أو حميدة) فكنت تكتب إذن (...) ثم تترك الكتابة وتنخرط في جمعية العلماء... ».28

2- أما المكان المغلق الثاني فهو زاوية "سيدي عبد الرحمان " والتي اعتاد "الطاهر" الذهاب إليها حيث:

«اكتظت بالنساء المطلقات اللواتي جئن من أجل التبرك بالولي الصالح والتضرع إليه فيعود الزوج المارد، كما أنها اكتظت بالعذارى اللواتي أتين لقضاء العشية دردشة وثرثرة فتسيل فروجهن لعابا بنفسجيا يزيد من عتمة زغب الحرمان ولوعة العزلة، وقد اعتاد هو الإتيان إلى هنا من حين إلى آخر، يسترق النظر ويلتقط صورة ذهنية لأحد الفتيات أجملهن، أو أحد النساء المطلقات أسمنهن ذوات النهدين المهفهفين».29

وهي صورة كاريكاتورية تعكس لنا جانبا من الواقع الحي، واقع الجزائر الذي يتخبط في عاداته الكريهة التي ألفها الناس وورثوها أبا عن جد، "فالطاهر الغمري" رغم وعيه البسيط إلا انه النافذة المطلة على قبح هذا العالم، وقد يكون هذا الاختيار من الكاتب مقصودا، حين القي المسؤولية على عاتق الرؤية العفوية الشاهدة على فظاعة ما يقترفه الآخرون يجهلهم وقلة وعيهم، وكذا كان لرؤية "الطاهر" العبء الأكبر في إعادة تجسيم صورة العالم الواقعي الحي للزاوية هذا من جهة. ومن جهة أخرى فالمكان يعكس لنا فقدان "الطاهر الغمري" إحساسه بواقعه غير قادر على استرجاع إنسانيته، وكأنه يهرب من مواجهة الواقع وينسحب منه لينصهر في فضاء الزاوية المحدودة باعتبارها الواقع النقيض للمجتمع وبمجرد عودته إلى غرفته يستحضر صور تلك النساء ويقوم بممارسة "عادته".

ب - الأماكن المفتوحة:

يأتي الشارع في مقدمة هذه الأماكن، فهو المكان الذي يلتقي فيه أنواع من البشر، والذي يزخر بأشكال متنوعة من الحركة، والذي كان له الحظ الأوفر من الوصف في هذه الرواية «فالشارع يشكل في الأدب والفن والحياة،فهو فضاء مفتوحا تكتنفه الأسرار العلنية، كما يتجاوز الشارع كمفهوم للمكان بعده الجغرافي الهندسي ليصبح ذا أبعاد رمزية دلالية».30 والذي رصده "رشيد بوجدرة" رصدا يظهر بشاعة على المستوى الاجتماعي، جعل الصورة فريدة ومدهشة مستوحاة من واقع معيش دال على هذا الزمن في قبحه وضراوة أخلاقياته من خلال تلك المضايقات التي تتعرض لها سالمة من الرجال «تمر سيارة فخمة محشوة بسائقيها، يتمهل ويقف أحدهم سيارته يفتح الباب من جهتها...أين ذاهبة ؟ من الممكـــن اصطحابك إلى دارك...تفضلي لا تخافي...إني متزوج...فلا ترد عليه تسرع (قضبان...قضبان...مطهرة....مخنثة ..ولمجرد هذا القضيب تحسب أني..».31

إن قراءتنا لخطاب "رشيد بوجدرة" تستوقفنا جوانب متعددة متعلقة بتقنية السرد عند هذا الأخير، وخاصة رؤيته الفكرية والثقافية والدينية وحتى السياسية، من خلال رسمه للأمكنة التي تتحرك فيها شخوصه، ليعكس لنا صورة حية عن واقع مرير عان منه الكثير أمثال"الطاهر الغمري".

2-3 شعرية القبح في التصوير:

بما أن "بوجدرة" كاتب فرنكوفونيا فقد تأثر بالكتابات الغربية ويظهر جليا من خلال هذه المقاطع السردية والتي رسمت الحياة السرية الداخلية "للطاهر الغمري"، حين يلجأ إلى غرفته القصديرية لممارسة أفعاله القبيحة: « ويؤلمه ذكره فيأخذه بين أصابع يده اليمنى وبدأ عملية الذهاب والإياب، حتى يكتظ جسمه بحليبه الثخن، وتتفجر فوهة بين الرغوة والزبد فيأخذه الدوار، وتدور الحجرة من حوله، وكأنه أصبح ملتقى النقاط، أو محور العالم بهندسية الوردية (...) ويخرج إلى عتبة حجرته يتقيأ صفراءه التي راحت تزرورق ازروراقا...».32

وهي نفس الصورة التي رسمها لشخصية "سالمة" حيث كان توظيف الجسد قوي الحضور وبأدق التفاصيل الذاتية حين قال: « تعري جسدها تقف أمام المرآة تمرر أنامل أصابعها العشر على خصرها ونهديها تنحته نحتا، وكأنه قربان من الفخار الأرمد (...) وتتنامى القشعريرة على بشرتها الناعمة، دونها كلل كما تتنامى الفسائل في الأرض البور (...) تجلس على الفراش ترفع فخذيها وهي تنظر في جسمها في المرايا، وتدخل خنصرها في ثلمتها، وتأخذ في الذهاب والإياب والخروج والدخول والولوج والبلوج، تمارس بدورها العادة السرية، لكنها لا تشعر بأي لذة أو متعة، تصرخ، تستمر، تلهث ترهق نفسها، تعرق تسيل (...) تتوقف سالمة من عمليتها، تتصاعد دموع الأسى والغيظ، يتصاعد الغثيان، يبدأ القيء تخرج عارية نحو الحمام (...) وتأخذها نوبة من الضحك».33

ما بين الجميل والقبيح يترنح "بوجدرة" ويتعهر في جرأة عظيمة وهو يرسم بقلمه صورة ممارسة "الطاهر الغمري" و"سالمة" "للجنس"أو "العادة السرية" بصورة شهوانية تعبر عن وقائع بعينها أو عن شخصية بذاتها، ليشل حركتنا الفكرية، فهو يسعى لكي تكون تجريدا لمغزى أوسع بكثير، ولقضية أخطر وأكبر، هي قضية حرية الإنسان، لينسل ببطء إلى داخله، حتى يصل إلى قمة القبح الواقعي بصورة لا نستطيع أن نتخيلها، لأنها تكشف عن مدى عبقرية التخيل عند هذا الأخير، وهكذا تأتي دقة التصوير ومجازات التعبير في الرواية لتضعك في فم الحدث، وتجعلك تشاهد بأم عينك ما يحدث، ومن هنا تغدو اللغة في يد "بوجدرة" « تشبه الماء بارد ولا طعم لها على حد رأي "والتر هيلتون" walterhiltim فهي حين تتشكل بملكة المبدع عبر نسق تعبيري ثم يتشكل هذا النسق ونظائره نظاما قوليا له وظيفة خاصة، وله سماته المائزة في العمل الأدبي، حينذاك يغدو ما كان باردا ولا طعم له عامرا بالدفء والحرارة، متميزا اللون والرائحة والمذاق، إنها مفارقة البديعة بين اللغة في محيطها الاستهلاكي الدارج وفي نسقها الإبداعي الروائي».34

وهكذا يجمل "بوجدرة" كل قبيح من خلال ذكر الأماكن الحساسة التي لا تستطيع أحد أن يطرقها، لأن ذاك المكان محظور ولأن"بوجدرة" لا يؤمن بالمحظورات، فهو يصر على ذكر السمات الجسدية ليطفو إلى عوالم الجمال فكأنه ينظر إلى الجنس أو هذه الممارسات الجنسية كلغة إنسانية فهو لا يمارس من أجل شهوة فقط، وإنما من الممكن أن تمارس من أجل إظهار أحاسيس جميلة وأحيانا يمارس من أجل السيطرة أو كنوع من العقاب أو تفريغ التوتر. فلم يسبق لكاتب أن صور بهذه الدقة جل هذه البشعات الواقعية الاجتماعية وبهذا المنظر الساحر، ونادرا ما نقرأ تعبيرات فنية بشعة تحت باب "جمالية القبح" أو "فنية القبح". وغايته هو الغوص في أعماق الشخصيات دون رقابة ذاتية، بطريقة فنية عالية، ونبرة خافتة ذكية، ليس لإظهار الفعل فقط، ولكن كتعبير فلسفي عن معنى الشخصيات وشكل مراعاتها، وذكره "الجنس" واحدة من الجوانب المهمة في الحياة، وتصوير هذه الحياة بوجوهها المتنوعة وجوانبها المعقدة، وهنا تنصل واضح من قيم وأخلاقيات المجتمع وتمرد صارخ على الواقع المعيش، بالتركيز على خرق قيمة الجنس بوصفها الشيء المقدس لا يتحدث عنه بالالتواء والتلميح. وعلى هذا الأساس كان تعويله واضح على تقنية الوصف الحي والتي أدخلتنا كهف الذات الإنسانية لدى "الطاهر" و"سالمة".

فالجمال الذي ينطلق من القبح فهو لا يحمله فقط بل يجعل منه مادة جميلة وفريدة من نوعها، و"بوجدرة" نموذج إبداعيا، يقدم لنا دليلا على أن القبح يمكن أن يكون موضوعا للجمال، بإقحام أقبح الموضوعات وأشهدها نفورا.

وهذا ما أطلق عليه "أرسطو" فن المحاكاة حيث يتحول النظر إلى موضوعاتها في الواقع ونقلها من مستوى الواقع إلى مستوى الفن بسحر المحاكاة.

2-4-شعرية القبح في رسم شخصيات الرواية:

تشكل الشخصيات الرئيسية نواة الخطاب السردي الواقعي، لذا يمنحها السارد أسماء توحي بدلالات اجتماعية لأن الشخصية المحورية هي التي تنظم الفضـاء الإيديولوجي للمحكي، إذ تمر عبره أيديولوجية السارد أو المؤلف.

-"الطاهر الغمري" هو اسم بطل "بوجدرة" في رواية "التفكك" قد بعث الكاتب فيها الروح من جديد باعتبارها نفاية حرب إنه « الطاهر الغمري 50 سنة، من مواليد دوار العشبة بمنطقة سبد، (...) إنه فلاح فقير، كان يعلم أطفال القرية القرآن عندما يعض الشتاء اليابس ويغطي الجليد ».35 فالمظهر الخارجي للشخصية في هيأتها وسلوكها تختزل رؤيتها الخاصة للحياة وموقفها الاجتماعي الذاتي وهو أسلوب كثيرا ما يلجأ إليه السارد في عرضه للشخصية والتي تعبر عن واقعها من خلال ارتباطها بثلاث علاقات أساسية:

- فالعلاقة الأولى: تظهر ارتباط "الطاهر الغمري "بجسده، حيث نراه يقضي حاجاته في أقبح الأوضاع وأشدها نفورا: «ويمارس العادة السرية قابضا على فحله».36

«ويؤلمه ذكره فيأخذه بين أصابع يده اليمنى ويبدأ في عملية الذهاب والإياب».37

-أما العلاقة الثانية: فتربطه بالمكان وهي غرفته القصديرية «بعد اللجوء إلى غرفته القصديرية، والتي كان قد خططها بأسلاك حديدية وحبال بحرية مقرنطة ».38

-أما العلاقة الثالثة: فتربطه بالزمان، فلم يعد ذلك المناضل الذي «يعمل على نصب الكمين للجيش الأجنبي بدون أمر من السلطة أو استشارة أحد، وما أن ينقصه السلاح حتى يهاجم الدوريات، ويروح يخزن تحت الأرض البنادق والقنابل، فلا يتورع عن استعمالها، ضد أولئك الذين اختلسها منهم، قائلا في نفسه إنني أنا من الذين يسددون ديونهم، حتى إذا افتقر إلى العتاد الحربي صنع هو منه بيديه ما يكفيه لتحطيم فيالق العدو».39

إن هذا النموذج الذكوري الشهواني العنيف، هو خلاصة الحرب القاسية وخبرتها في تشويه الذات والروح الإنسانية والتدني به إلى المرتبة الحيوانية. وهو على وجه التحديد ما ترسمه ريشة سردية إبداعية وما ينتظر منه إلا أن يكون على علم بعالمه الداخلي فأي مفارقة أقوى من هذه وأي جسارة يمتلكها هذا الروائي، ليدخل كهف الذات الإنسانية ويعري قبحها الشنيع. فالشخصية/النموذج الذي تقدمه هذه الرواية بالغ القسوة، لأنه لا يكتفي بتصوير التشوهات المادية والروحية للإنسان بعد الحرب على الصعيد الفردي، بل يتحاور ذلك طرحها على المستوى الجماعي العام. فالشخصية الروائية هي وجه للشخصية في الواقع أو معادلة لها، مع اختلاف في الناحية الفنية التي توضح معالم الشخصية للقارئ، والروائي الماهر هو الذي يصور العالم الداخلي لشخصياته إلى جانب عالمها الخارجي، لأن الصراع الداخلي ما هو إلا رد فعل لها يحدث في العالم الخارجي، ومن هنا تصبح الرواية عملا فنيا وفكريا يتطلب جهدا خاصا من الكاتب، ومن ثم جهدا متميزا من القارئ، والذي أصبح لزاما عليه أن يقرا وهو يفكر، وأن يتأنى في قراءته حتى يتمكن من متابعة الصورة التي يرسمها الكاتب للشخصية والتي تتميز بفردية لم يسبق لها نظير والتي تولد إحساسا بالإعجاب بتصوير القبح والاستمتاع العميق بقدرة الفن على الاكتشاف.

فالرواية تصور لنا هموم الذات "الطاهر الغمري" وهي خارجة من دهاليز الثورة وجحيمها، هذه الثورة التي أفقدته زوجته وابنتيه « لقد فقد كل شيء منذ سنة 1954م بعد المجازر وقد أبيدت قريته عن بكرة أبيها بما فيها زوجته وابنتيه ».40وما صعوده للجبل والالتحاق بصفوف الثوار والمناضلين إلا انتقاما من قتلة أسرته « إنه أصبح منذ ذلك اليوم من سنة 1945 مايو غير قادر على الحب، فاهتز لهذا الاعتقاد كله وتفاقم مرضه، ذلك أنه أصبح مقتنعا من أنه كائن غير قادر على الحب، وانه كان يمشي بجانب حذائه طيلة حياته ويناضل ويمارس السياسة لا حب في الفقراء وإنما كراهية فيمن بقروا زوجته وابنتيه».41 فانطوى على نفسه و انعكف في غرفته القصديرية رافضا المكان والعالم والوجود، فلم يجد سوى "زاوية سيدي عبد الرحمن" ملاذا لتكسير الروتين اليومي الذي يعيش فيه، ليسترق النظر إلى الفتيات والنساء اللواتي جئن من اجل التبرك، وعند عودته يستحضر صورهن ويقوم بممارسة "العادة السرية"وهكذا يتم التلذذ ببشاعة الماضي في الحاضر، حيث أن هذا المشهد يرصد لنا حركة الزمن المشروط بمراحله وخبراته وتجاربه والتشوهات التي تصبغ بها حياة الناس حتى يبدو أنه لا فكاك لهم من أسر الماضي، فممارسة "الطاهر الغمري" لعادته ما هو إلا دليل على وفائه لزوجته. فالروائي كالرسام يحتاج إلى مهارات في التعامل مع الألوان والخيوط لشبع فضول القارئ وإقناعه، وذلك بنقل الشخصية الروائية من الواقع الحقيقي إلى الواقع الروائي الذي يتلاءم معها، فشخصية "الطاهر الغمري" وممارساته اللأخلاقية « تحمل دلالات سياسية أعمق، وتتصل بماضي الحزب الشيوعي وحاضره، ولكن أكبر الظن عند القارئ العادي، سيتخذ من هذه الظاهرة حجة لتكريس الاعتقاد السائد -خطأ- عن كون الإنسان الشيوعي شخصا إباحيا ضعيف الأخلاق».42

أما "سالمة" والتي تشتغل في المكتبة الوطنية محافظة الخزانة العامة، تعرف القراءة بين الأسطر، والحبر السري يعرفها، وهذا ما يؤهلها للبحث عن الحقيقة وإدراكها تقص على الطاهر الغمري حياتها بتفاصيلها «وهكذا تمضي الأيام، فتغيرت حياتها، وخف تيهها وأخذت تتزلج على ثلوج ذاكرة الوعي السياسي، وتدخل الحزب وتطرح الأسئلة وتناقش الأمور وتخوض بحر السياسة».43 فالكتب السياسية التي كانت تقرأها أعطت لهذه المرأة المجابهة حيث أعلنت الثورة على الرجل/التاريخ ومن هنا تصبح للمعرفة التاريخية مكانة في ذات المرأة.

استطاعت "سالمة" من خلال خوضها نقاشات حادة مع "الطاهر" أن تقنعه بنظرتها للتاريخ والحياة «إن الكلام تجاوز مفهومه للتاريخ فكان من واجبه ليس فقط إعادة النظر في التاريخ، بل وإعادة النظر في أجزاء حياته ومعيشته وكيفية عزلته، وهو يعلم أن عليه الآن إعادة ترميم الأحداث من جديد، وأن يشكلها بطريقة أخرى وأن يصورها بصورة أخري وأن ينفض عنه غبار الموت والانتحار والزولان والخوف وأن يتخلص من كوابيس الدم والأمعاء والمجاري».44

فقد ألغت "سالمة" فكرة الموت والانتحار التي كانت تراود "الطاهر الغمري" ربما هو الخوف من الذبح وهو الذي ضخم في نفسه إحساسا بالإحباط خاصة إذا علمنا أنه قد حكم عليه بالإعدام غيابيا لانتمائه إلى الشيوعية «وقد علم حكم عليه بالموت ذبحا لأنه يعتز بعقيدته45 وكأنه يعاقب نفسه لأنه لم يستطع أن يقدم شيئا لأصدقائه ولم تبق منهم سوى صورتهم التي رسمت تجاعيد في جبينه. فالطابع العام لبناء الشخصيات الروائية هو التناقض والتنوع والتــطور، و"الطاهر الغمري" عبارة عن النموذج الإنساني كشف من خلاله الروائي عن قدرة الإنسان وإمكانيته على التحول والتغير حسب الظروف. «فبمقدار ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية إلى معرفة كل الخيوط الداخلة في نسيجها الاجتماعي والثقافي وتكويناتها النفسية والأنثروبولوجية، بقدر ما تتخمر فيها خبرات جمالية بالحياة، وتتفجر طاقات شعرية في اكتشافها، مهما كانت الظواهر المعروضة مفعمة بالقبح ومغرقة في البشاعة، لأن هذا هو السبيل الوحيد لاكتساب المعرفة الحقيقية بالذات القومية، ولإدراك الصحيح لإمكانات تتجاوز شرطها التاريخي، ومن هنا فإن الأخلاقية السائدة تصبح ستارا حاجبا يجب تنحيته برفق كي تتكشف جماليات جديدة نابعة من حقيقة الوجود المقاوم للنسيان».46

وفي الختام نقف عند قول "جيلاني خلاص" في آخر رواية "التفكك":

«كتب بوجدرة بالفرنسية فأبدع، حتى اعتبره الكثير من النقاد من أكبر المجددين في الأدب الجزائري المعاصر، بيد أن جمهرة من النقاد ظلوا واثقين من أن قدرة بوجدرة الإبداعية تكمن في اطلاعه الواسع على التراث العربي ودرايته المتينة بأساليب اللغة العربية .ولا ريب أنهم لم يخطئوا !

-هذه الرواية (التفكك) الأولى التي يكتبها بالعربية، مباشرة، فذة، جريئة.

-ثورة في الأسلوب، قوة في الطرح وتفجير لواقع طالما أرهب طرقه الكثيرين من مبدعينا.

- رواية التفكك، كاسرة الجليد أسطورية تشق كتلا من الصغر الأصم في بحر الصحراء القاحلة التي تحاصر واقعنا المرير».47

الهوامش:

قائمة المصادر والمراجع:

1-     رشيد بوجدرة: التفكك، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،الجزائر،1982م، ص06.

2-     ناصر يعقوب: اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية (1980، 2000)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الأردن، ط1، 2004م، ص24.

3-     رشيد بوجدرة: التفكك، ص08.

4-     ابن الفيصل جمال الدين ابن منظور: لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، (مج 5) ط3 1997م (مـادة قضض)،ص275.

5-     التفكك: المصدر السابق، ص 08.

6-     ابن منظور : المصدر السابق، (مادة نكح ) مج7، ص 253.

7-     التفكك: المصدر السابق، ص102.

8-     المصدر نفسه، ص 17.

9-     المصدر نفسه، ص 05.

10-    ابن منظور:المصدر السابق، ( مادة كرش )، مج 5، ص392

11-    التفكك: المصدر السابق، ص09.

12-    ابن منظور: المصدر السابق، (مج1)، (مادة بجس)، ص 163

13-    التفكك: المصدر السابق، ص 40.

14-    ابن منظور: المصدر السابق، (مج3)، (مادة سرب)، ص 271.

15-    التفكك: المصدر السابق، ص 32.

16-    ابن منظور: المصدر السابق،، (مج7)، (مادة هص)، ص 167.

17-    التفكك: المصدر السابق، ص 131.

18-    ابن منظور: المصدر السابق، (مادة هس)، ص 65.

19-    التفكك: المصدر السابق، ص 06.

20-    ابن منظور : المصدر السابق، (مادة هبرج)، ص 67.

21-    التفكك: المصدر السابق، ص 126.

22-    المصدر نفسه، ص 166.

23-    المصدر نفسه، ص 215.

24-    ميلان كونديرا: فن الرواية: تر: بدر الدين عكرودي، الأهالي للطباعة والنشر، ط1، 1999م، ص 13.

25-    صلاح صالح: قضايا المكان الروائي، دار الشرقيات للنشر والتوزيع، (د ط)، 1998م، ص 61.

26-    ينظر: غاستون باشلار: جماليات المكان، تر: غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع بيروت، ط2، 1984م.ص61.

27-    التفكك: المصدر السابق، ص 12.

28-    المصدر نفسه، ص 73.

29-    المصدر نفسه، ص07 .

30-    عبد المالك مرتاض: قراءات نقدية في القصيدة المعاصرة، المكتبة الوطنية –الجزائر- (د.ط)، 1990، ص 364.

31-    التفكك: المصدر السابق، ص 07.

32-    المصدر نفسه، ص 19.

33-    المصدر نفسه، ص07 .

34-    محمد فتوح احمد: مفارقات شعرية، دار الغريب للطباعة والنشر، القاهرة د.ط، 2006، ص 143 .

35-    التفكك: المصدر السابق، ص 14.

36-    المصدر نفسه، ص 08 .

37-    المصدر نفسه، ص 13.

38-    المصدر نفسه، ص 07 .

39-    المصدر نفسه، ص 10.

40-    المصدر نفسه،ص165.

41-    المصدر نفسه،ص193 .

42-    عامر مخلوف: الرواية والتحولات في الجزائر (دراسة نقدية في مضمون الرواية المكتوبة بالعربية)، اتحاد كتاب العرب للنشر، دمشق، (د ط) 2000 ص54.

43-    التفكك:المصدر السابق، ص 185.

44-    المصدر نفسه،ص.217

45-    المصدر نفسه، ص 218 .

46-    صلاح فضل:"تحليل شعرية السرد"، دار الكتاب اللبناني للنشر والتوزيع، بيروت - لبنان-ط1، 2002م، ص ­156.

47-    التفكك: المصدر السابق، ص 282.