واقع اللغة العربية في عصر العولمةpdf

 

أ.زكرياء مخلوفي

جامعة الطـارف -كلية الآداب و اللغات ) الجزائر )

Abstract

The thinking of the Arabic language future is very important issue in the Arabic Contemporary Islamic thought, which is closely related to the sovereignty of Arab and Islamic culture and ideology. In the comprehensive sense, language is not just linguistic and cultural issue, but it develops as a result of development that fall, and the variables that occur; consequently, language gets stronger or weaker. This rule expels at all times and applies to all languages and successive civilizations known to man.

The Key Words: language, Arabic language, ideology, culture, civilization.

Résumé

La pensée à l'avenir de la langue arabe, une question très importante dans la pensée Islamique Contemporaine Arabe, étroitement liée à la souveraineté de la nation arabe et islamique de la culture et de l'idéologie.Ce n'est pas seulement la question de la diversité linguistique et culturelle, mais est soumis aux aléas du temps en raison de l'évolution qui tombent, et les variables qui se produisent, on effet, est plus fort ou affaiblir. On expulser cette règle en tout temps, et s'appliquent à toutes les langues et civilisations successives connues de l'homme.

Les Mots Clés : la langue, langue Arabe, idéologie, culture, civilisation.

الملخص

إن التفكير في مستقبل اللغة العربية قضية بالغة الأهمية في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، لها صلة وثيقة بسيادة الأمة العربية الإسلامية على ثقافتها وفكرها. فبالمعنى الشامل ليست اللغة مجرد قضية لغوية و أدبية و ثقافية فقط، بل تخضع لتقلبات الزمن نتيجةً للتطورات التي تقع، وللمتغيّرات التي تحدث، وهي تقوى أو تضعف، حين يقوون أو يضعفون. و اللغة عنصر فاعل في الحضارة، وعامل مؤثر في النهضة، فكلما قامت حضارة و نما فرعها و أينعت، ازدهرت اللغة و اغتنت، و امتدَّ إشعاعها و انتشرت وتطَّردُ هذه القاعدة في كل العصور، وتسري على جميع اللغات و الحضارات المتعاقبة التي عرفها الإنسان. 

الكلمات المفتاحية: اللغة، اللغة العربية، المرجعية الفكرية، الثقافة، الحضارة.

توطئة:

إن التفكير في مستقبل اللغة العربية قضية بالغة الأهمية في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، لها صلة وثيقة بسيادة الأمة العربية الإسلامية على ثقافتها وفكرها، وعلى كيانها الحضاري، وعلى حاضرها ومستقبلها. فهذه (قضية سيادة) بالمعنى الشامل، وليست مجرد قضية لغوية وأدبية وثقافية، فاللغة كالكائن حيّ، يعتريه ما يعتري أيّ كائن من عوارض، ويخضع لتقلبات الزمن نتيجةً للتطورات التي تقع، وللمتغيّرات التي تحدث، وللمستجدات التي تطرأ. وحياة اللغة من حياة أبنائها، وهي تقوى أو تضعف، حين يقوون أو يضعفون. واللغة عنصر فاعل في الحضارة، وعامل مؤثر في النهضة، فكلما قامت حضارة و نما فرعها و أينعت شجرتها وأثمرت، ازدهرت اللغة واغتنت، وامتدَّ إشعاعها وانتشرت. وتطَّردُ هذه القاعدة في كل العصور، وتسري على جميع اللغات و الحضارات المتعاقبة التي عرفها الإنسان. 

ولا يطعن أحد من الباحثين المتتبعين لمسار اللغات، في صحة هذه القاعدة التي يحقّ لنا أن نعتمدها في الحكم على حالة اللغة العربية في هذا العصر، وفي فهم ظاهرة تراجع اللغة العربية والضعف الذي اعتراها والمشكلات التي تعانيها. فواقع هذه اللغة هو انعكاس للوضع الذي وصلت إليه الأمة، وهو صورة للحالة التي توجد عليها. ولذلك كان الاهتمام بمعالجة مشكلات اللغة، وبحث قضاياها للخروج بها من الدائرة التي تتراجع فيها أهميتها لدى فئات واسعة من أبنائها، جزءاً لا يتجزأ من الاهتمام بقضايا البناء الحضاري للعالم العربي الإسلامي.

تعريف العولمة ومفهومها:

إن الأمر الذي لا يغرب عن أحد هو أن العولمة مصطلح أخذ يغزو الأوساط كافة، بكل ما يحمله من أشواك مدمية وورود مغرية، وبكل ما يثيره من ألفة و رغبة فيه و غربة و رهبة منه، بكل الاختلافات في تعريفه، فهذا تعريف من منظور سياسي، وثانٍ اقتصادي، وآخر اجتماعي، ورابع ثقافي، وهذا تعريف مؤيد، وآخر معارض، وثالث يقف بين البَيْنَيْن. ويمكن القول إن أول إشكاليات العولمة تبدأ من تعريفها ذاته، لأن الذين يستهدفون ترويجها يضعون لها التعريفات التي تقرن بينها وبين العالمية حتى تبدو وكأنها شيء مفروض لا مجال للخيار فيه.

ويذهب الرافضون إلى أنها تعبير دعائي لما انتهت إليه الليبرالية المتأخرة، وكما يقول المفكر المصري السيد ياسين (إن صياغة تعريف دقيق تبدو مسألة شاقة نظراً لتعدد تعريفاتها التي تتأثر أساساً بانحيازات الباحثين الأيديولوجية واتجاهاتهم إزاء العولمة رفضاً أو قبولاً.وهناك عقبة أخرى تقف في وجه تعريف محدد للعولمة وهي اتساع ميدانها حتى شملت نواحي الحياة المختلفة)(1)، فالمرحلة التي تعيشها البشرية اليوم (لا تنحصر في الشأن الاتصالي والإعلامي والتقني فحسب، بل تتعدى ذلك وتصل إلى حقول التكنولوجيا والاقتصاد والتجارة والمال والسياسة والثقافة والاجتماع؛ فهي باختصار منعطف بشري ضخم أحدث تحولات كبرى وما زال على صعد الحياة المختلفة)(2). ولا نكاد نجافي الحقيقة إذا قلنا إن تعريفات العولمة تتعدد بتعدد الذين كتبوا في هذا الموضوع، تماماً كما يقول سيار جميل (لم تزل العولمة مصطلحاً ومضموناً في طور من الغرابة ولم تعرف بعد الاستقرار)(3). أما إذا كان لا بد مما ليس منه بد، فإننا نبدأ بالتعرف على المعنى اللغوي للعولمة.

(تعود لفظة عولمة في أصلها إلى الكلمة الإنجليزية (Global) التي تعني: عالمي أو كروي، وترتبط في أحيان كثيرة بالقرية، ويصبح معنى المصطلح: القرية العالمية (Global village) أي أن العالم عبارة عن قرية كونية واحدة، أما المصطلح الإنجليزي (Globalization)، فيترجم إلى الكوكبة أو الكونية أو العولمة)(4).وبالرجوع إلى قاموس وبسترز (websters) نجد أن تعريف العولمة (Globalization) هو: إكساب الشيء طابع العالمية وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميًّا.(5)

ويرى الدكتور عبد الصبور شاهين أن أصل كلمة (عولمة) هو (عالَم) ويفترض لها فعلاً هو: عَوْلَـمَ يُعَوْلِـمُ عَوْلَـمَةً وذلك بالتوليد القياسي من المصدر الصناعي (عَولمية) (6). وليست عالمية، لأن العالمية منسوبة إلى العالم وهو عبارة عما يُعلم به الشيء كما يقول الجرجاني(7).

أما العولمة فتتضمن معنى الإحداث والإضافة (8)والفرض والإلزام, وبعبارة أخرى فإن: (العالمية رؤية وأمل وتطلع إلى نقل الخاص إلى المستوى العالمي، أما العولمة فهي احتواء للعالم)(9).ويعترض بعض الباحثين على استخدام كلمة (عولمة) باعتبارها نشازًا في اللغة، ويفضلون استخدام مصطلحات أخرى مثل: كوكبة وكونية.لكن مجموعة أخرى من الباحثين لا يرون بأسًا من استعمال كلمة (العولمة) فالوزن الصرفي فوعل من أبنية الموازين الصرفية كحوقل بمعنى ضعف ومصدره السماعي حيقال, فما جرى على كلام العرب فهو من كلام العرب.(10)

وثمة إشكالية يواجهها كل باحث عن تعريف العولمة تتعلق بالتباين الشديد، وعدم وجود تعريف متفق عليه بين الباحثين، واختلاف التعريف باختلاف توجهات المعرِّفين ومفهومهم الشخصي للعولمة (11)،و على الرغم من كون هذا المصطلح جديدًا حيث أشار قاموس( إكسفورد) للكلمات الإنجليزية الجديدة إلى مفهوم العولمة للمرة الأولى عام 1991م ووصفه بأنه من الكلمات الجديدة التي ظهرت خلال التسعينات إلا أن لكل باحث لهذا الموضوع تقريبًا تعريفًا خاصًّا به.(12)

وقد أحصى أحد الباحثين حتى عام 2001م (434) دراسة تحمل في عنوانها اسم: العولمة على قائمة شركة (أمازون) والتي تعد الآن أكبر مكتبة في العالم لبيع الكتب من خلال الإنترنت.(13)

فإذا أضفنا لذلك الكم الكبير من الدراسات التي ظهرت عن العولمة بعد ذلك التاريخ وميل كثير من الباحثين إلى ابتداع تعريف جديد للعولمة في دراساتهم، فإننا ندرك حينئذٍ حجم الإشكالية التي يواجهها الباحث عن تحديد تعريف دقيق للعولمة.

ومن أبرز تعريفات العولمة ما يلي:

1- إخضاع العالم لقوانين مشتركة تضع حدًّا فيه لكل أنواع السيادة .

2- صياغة جديدة لخطوات إطارية قديمة غرضها الباقي المستمر هو تكريس الهيمنة الثقافية والاقتصادية والسياسية للقوى وتوطيدها.

3- سيادة النمط الغربي في الثقافة والاقتصاد والحكم والسياسة في المجتمعات البشرية كلها.

4- استعمار جديد أقل تكلفة من سابقه.

5- صيرورة العالم واحدًا.(14)

ويلاحظ من خلال التعريفات السابقة التركيز على معنى الهيمنة والإخضاع عند المنتقدين للعولمة بناء على خلفيتهم الثقافية، إلا أن بعض التعريفات نحت منحى آخر يركز على جوانب التفاعل والتقارب بين الأمم والشعوب، ومن أمثلة ذلك:

1- التبادل الثقافي والتجاري وغيرها للتقارب والاستفادة المتبادلة .

2- سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني.

3- دمج سكان العالم اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا في مجتمع عالمي واحد بحيث يصبح كل من على كوكب الأرض جيرانًا في عالم واحد.

ويبدو أن هذه المجموعة الأخيرة من التعريفات مالت إلى الجانب النظري والشعارات المعلنة لمسيري العولمة اليوم، ونظرت بطريقة مثالية غير واقعية، لأن هذا التبادل الثقافي والتجاري والدمج العادل بين سكان العالم لا يحصل إلا بين الأنداد المتقاربين في القوة فإنهم حينئذٍ يمتلكون القدرة على الاختيار والانتقاء، أو الرفض والإباء.

أما المجموعة الأولى من التعريفات فقد غلبت الجانب الواقعي الذي نعيشه اليوم للعولمة، لأن الأقوياء فقط - وهم قلة - يختارون ما يفرضونه على الضعفاء وهم كثرة، فيفرضون التبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية.

الفرق بين العولمة والعالمية:

لا بد من الإشارة إلى أن العولمة شيء، والعالمية شيء آخر، ففي حين أن العالمية تعني الانفتاح على الآخر مع الاحتفاظ بالاختلاف الأيديولوجي، فإن العولمة نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل التنوع الفكري الذي يسهم في إغناء الحضارات البشرية. يقول الجابري :(نجد أن العالمية في المجال الثقافي، كما في غيره من المجالات، طموح مشروع ورغبة في الأخذ والعطاء في التعارف والحوار و التلاقح، إنها طريق "الأنا" في التعامل مع الآخر بوصفه "أنا ثانية"، طريق إلى جعل الإيثار يحل محل الأثرة، أما العولمة فهي طموح، بل إرادة لاختراق "الآخر" وسلبه خصوصيته، وبالتالي نفيه من "العالم"، العالمية إغناء للهوية الثقافية، أما العولمة فهي اختراق لها وتمييع".(15)

اللغة العربية بين الألفة و الاغتراب:

نردد كثيراً مقولة (اللغة وعاء الفكر)، فما دمت تغرف أفكارك من وعاء نظيف ونبع صافٍ، فلا بد من أن ينعكس ذلك على أفكارك صفاءً ونقاءً والعكس صحيح، ولذلك فلا نستغرب الأفكار والأطروحات الملوثة التي تطل علينا بين الفينة والأخرى برؤوسها الشيطانية، فإذا بحثت عن أصحابها وجدتهم من أولئك الذين إذا ما ألقي إليهم (بالعلف الثقافي) تسابقوا إليه يلوكونه دون تحليل محتواه، وقد أصبنا بالعديد من حالات التسمم - وللأسف - دون أن نتعلم بعد، ولا نجد تفسيراً لذلك سوى مقولة ابن خلدون ( المغلوب مولع بتقليد الغالب) .

وعلى صعيد اللغة، أصبحنا نسمع العجب العجاب، ويمكن تتبع تلك الأخطاء في الكتب التي تعالج هذا الموضوع، فمن الأساليب التعبيرية الركيكة والمصطلحات الفظة، إلى الترجمة الحرفية غير السليمة التي توصل المعنى مشوهاً، إلى استعارة أساليب الفرنسية في التعبير وتطبيقها على العربية، إضافة إلى دس كلمات دخيلة في سياقات فصيحة مع وجود البديل العربي أو المعرب، فإذا به كالثوب المرقع ( يبدو أن لذلك ما يبرره لاسيما أن ترقيع الثياب الجديدة أصبح تقليداً مقبولاً، فالجنون - كما يقولون- فنون) .(16)

إن الجزع مما يحدث للغة العربية لا ينطوي بالضرورة على موقف رجعي متخلف يدعو إلى التقوقع على الذات ورفض كل وارد جديد من المصطلحات وغيرها، فظاهرة الاقتراض اللغوي موجودة في كل اللغات، والثابت علمياً وتاريخياً أن العربية أقرضت أكثر بكثير مما اقترضت، ولكن يجب أن يكون الأخذ بقدر الحاجة والضرورة فقط، ويمكن القول إن محنة العربية لا تتمثل في جيوش الألفاظ والمصطلحات الوافدة من عالم الحضارة المعاصرة إلى عالمها النامي فحسب، بل إن محنتها الحقيقية تتمثل في انهزام أبنائها نفسياً أمام الزحف اللغوي الداهم واستسلامهم -في مجال العلوم بالذات- للغات الأجنبية، بحيث تكونت في العالم العربي جبهة عنيدة تجاهد للإبقاء على العربية بمعزل عن مجال العلوم والتكنولوجيا، فما دامت صفوة المشتغلين في العلوم تعرف الفرنسية والإنجليزية فلا بأس من عزل اللغة العربية بل قتلها!

ولكن إذا (كانت العربية أداة صالحة لكتابة العلوم أكثر من عشرة قرون، وكانت لغة الحضارة في كل هذه المدة، فما بالها تعجز عن هذه المهمات اليوم؟! إنها ليست عاجزة، ولكن أبناءها عاجزون، وإنها ليست قاصرة ولكن أبناءها أكثرهم قاصرون) .(17)

اللغة العربية بين مطرقة الصحافة وسندان العولمة:

لم تعرف اللغة العربية عبر تاريخها الطويل ما تعرفه اليوم من سرعة في النموّ، واندفاع في مواكبة ومسايرة المتغيرات، بحكم عوامل كثيرة ونتيجة لأسباب متعددة، لعلَّ أقواها تأثيراً، النفوذ الواسع الذي تمتلكه وتمارسه وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، والذي يبلغ الدرجة العليا من التأثير على المجتمع، في قيمه ومبادئه، وفي نظمه وسلوكاته، وفي ثقافته ولغته، وعلى النحو الذي يفقد بعض المجتمعات هويتها الحضارية، وينال من خصوصياتها الثقافية، وفي المقدمة منها الخصوصية اللغوية.

إن العلاقة بين اللغة والإعلام لا تسير دائماً في خطوط متوازية، فالطرفان لا يتبادلان التأثير، نظراً إلى انعدام التكافؤ بينهما، لأنّ الإعلام هو الطرف الأقوى، ولذلك يكون تأثيره في اللغة بالغاً إلى الدرجة التي تضعف الخصائص المميزة للغة، وتُلحق بها أضراراً تصل أحياناً إلى تشوّهات تفسد جمالها. (18)

وإذا كان لكلّ علم وفن وكلّ فرع من فروع النشاط الإنساني لغة خاصة به، بمعنى من المعاني، فإن اللغة في الإعلام تختلف، من وجوه كثيرة عنها في تلك الحقول من التخصصات جميعاً، فهي في موقف ضعف أمام قوة الإعلام وجبروته، فقلما تفرض اللغة نفسها على الإعلام، وإنما الإعلام هو الذي يهيمن على اللغة، ويقتحم حرمها، وينال من مكوّناتها ومقوماتها، فتصبح أمام عنفوانه وطغيانه، طيّعة لينة، تسير في ركابه، وتخضع لإرادته، وتخدم أهدافه، ولا تملك إزاءه سلطة ولا نفوذاً.

ولما كانت قوة اللغة مستمدَةً من قوة أهلها، لأن اللغة تقوى وتزدهر وتنتشر، بقدر ما تتقوّى الأمة التي تنتسب إليها وتترقى في مدرج التقدم الثقافي والأدبي والعلمي والازدهار الاجتماعي والسياسي والحضاري، فإن الوضع الذي تعيشه الأمة العربية الإسلامية في هذه المرحلة من التاريخ، لا يوفر للغة العربية حظوظاً أكبر للبروز وامتلاك شروط القوة، مما يترتب عليه ضعف اللغة وعدم قدرتها على فرض الوجود والتحكم في توجّهات الإعلام، والخروج من دائرة سيطرة نفوذه، والفكاك من هيمنة وسائله، بحيث تصير اللغة تابعة للإعلام، متجاوزةً بذلك الفواصل بين الإصلاح والإفساد. 

لقد كان الغيورون على لغة الضاد عند ظهور الصحافة في البلاد العربية في القرن التاسع عشر، يحذرون من انحدار اللغة إلى مستويات متدنية، فتعالت صيحات الكتاب والأدباء في غير ما قطر عربي، داعية إلى الحرص على صحة اللغة وسلامتها، وظهرت عدة كتب تعنى بما اصطلح عليه بلغة الجرائد، تصحح الخطأ، وتقوّم المعوج من أساليب الكتابة، وتردّ الاعتبار إلى اللغة العربية وقد أفلحت الجهود التي بذلها أساطين اللغة والرواد الأُول الحريصون على سلامة اللغة السائدة في الصحافة. (19)

ولكن مع الانتشار الواسع للصحافة الذي تَزَامَنَ مع الازدياد في عدد المتعلمين من خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس، وما استصحب ذلك كلّه من هبوط في المستوى الدراسي بصورة عامة، نتيجة لأسباب وعوامل كثيرة، اقتصادية وسياسية وثقافية، انتهى الأمر إلى ضعف اللغة العربية وهيمنة اللهجات العامية المحلية عليها، وسريان ذلك إلى وسائل الإعلام، على نحو يكاد يكون مطرداً، بعد أن لم تعد تجدي صيحات التحذير التي يطلقها علماء اللغة والغيورون عليها، ولم تعد تنفع القرارات والتوصيات التي تصدر عن المجامع اللغوية، أو تلك التي تصدر عن الندوات والمؤتمرات المختصة.

وقد ترتَّب على هذا الوضع الذي وصلت إليه اللغة العربية، أن دخلت عصر الإعلام الواسع الانتشار، وهي تعاني من ضعف المناعة، مما أدَّى إلى هجوم مكتسح وغزو جارف لما يطلق عليه (لغة الإعلام)، على اللغة الفصحى، فوقع تداخل بين اللغتين الفصيحة والعامية، تولَّدت عنه لغة ثالثة هجينة ما لبثت أن انتشرت على نطاق واسع داخل الأقطار العربية وخارجها حيث يوجد من يعرف اللغة العربية من الجاليات العربية وممن تعلَّم العربية وهي ليست لغته الأم. واللغة الثالثة هذه، والتي صارت لغة الإعلام المعتمدة، هي منزلة بين المنزلتين،فلا هي اللغة الفصيحة في قواعدها ومقاييسها وأبنيتها وأصولها، ولا هي لغة عامية لا تلتزم قيوداً ولا تخضع لقياس ولا تسري عليها أحكام، ولكن ميزة هذه اللغة أنها واسعة الانتشار انتقل بها الحرف العربي إلى آفاق بعيدة، ولكن الخطورة هنا، تكمن في أنها تحل محل الفصحى، وتنتشر بما هي عليه من ضعف وفساد باعتبارها اللغة العربية التي ترقى فوق الشك والريبة. وبذلك تكتسب هذه اللغة الجديدة (مشروعية الاعتماد)، ويخلو لها المجال، فتصير هي لغة الفكر والأدب والفن والإعلام والإدارة، أي لغة الحياة التي لا تزاحمها لغة أخرى من جنسها أو من غير جنسها.

وبحكم التوسّع في وسائل الإعلام وتعدّد قنواته ومنابره ووسائطه، ونظراً إلى التأثير العميق والبالغ الذي يمارسه الإعلام في اللغة، وفي الحياة والمجتمع بصورة عامة، فإن العلاقة بين اللغة العربية والإعلام أضحت تشكل ظاهرة لغوية جديرة بالتأمل، وهي ذات مظهرين اثنين : (20)

أولهما أن اللغة العربية انتشرت وتوسَّع نطاق امتدادها وإشعاعها إلى أبعد المدى، بحيث يمكن القول إن العربية لم تعرف هذا الانتشار والذيوع في أي مرحلة من التاريخ. وهذا مظهر إيجابي، باعتبار أن مكانة اللغة العربية قد تعززت كما لم يسبق من قبل، وأن الإقبال عليها زاد بدرجات فائقة، وأنها أصبحت لغة عالمية بالمعنى الواسع للكلمة.

ثانيهما ويتمثَّل في شيوع الخطأ في اللغة، وفشوّ اللحن على ألسنة الناطقين بها، والتداول الواسع للأقيسة والتراكيب والصيغ والأساليب التي لا تمتّ بصلة إلى الفصحى، والتي تفرض نفسها على الحياة الثقافية والأدبية والإعلامية، فيقتدى بها ويُنسج على منوالها، على حساب الفصحى التي تتوارى وتنعزل إلاَّ في حالات استثنائية. وبذلك تصبح اللغة الهجينة هي القاعدة، واللغة الفصيحة هي الاستثناء. وهذا مظهر سلبي للظاهرة.

وإذا قمنا بالفحص اللغوي  لهذه الظاهرة، لا نجانب الصواب إذا قلنا إن اللغة العربية تعاني في هذه المرحلة من (التلوث) الذي يُلحق أفدح الأضرار بالبيئة اللغوية، ويفسد الفكر، ويشيع ضروباً من الاضطراب والإرباك والقلق في العقول، علاوة على ما يسبّبه هذا الوضع اللغوي غير المستقر، من فساد في الحياة العقلية للأمة، تنتقل عدواه إلى فساد في معظم المجالات، فتختلط المعاني والدلالات والمفاهيم والرموز في لغة الحوار بين الطبقات المثقفة، وبين قيادات المجتمع، فيؤدي ذلك إلى الغموض والالتباس والتداخل في مدلولات الكلمات، مما ينشأ عنه حالة من (الفوضى اللغوية) التي إن عمّت وانتشرت، أفضت إلى فوضى عارمة في الحياة الفكرية والثقافية، وإلى ما هو أعظم خطراً من ذلك كله. 

إن هذا التشخيص للعلاقة بين اللغة والإعلام يمكننا من أن نقف على حقيقة الوضع اللغوي للضاد(لا نقصد هنا الوضع في اللغة، وإنما نقصد الحالة الراهنة للغة، وشتان بين المعنيين ) في هذه المرحلة الحافلة بالمتغيرات الإقليمية والدولية الحاسمة. وليس من المبالغة في شيء،في ضوء ذلك قولنا إن هذا الوضع خطير بالمقاييس جميعاً، وبالمعاني كلها، ومن عدة وجوه، ولكن هذه الخطورة لا تمنع من معالجة الخلل وتطهير البيئة اللغوية من التلوث، وإفساح المجال أمام تنمية لغوية يُعاد فيها الاعتبار إلى الفصحى، وتستقيم فيها حال اللغة، بحيث تقوم العلاقة بينها وبين الإعلام على أساس سليم، فيتبادلان التأثير في اعتدال وفي حدود معقولة، فلا يطغى طرف على آخر، بحيث تبقى اللغة محتفظة بشخصيتها، ويظل الإعلام يؤدي وظيفته في التنوير والتثقيف والترفيه النظيف، فيتكامل الطرفان وينسجمان، فتصبح اللغة في خدمة الإعلام، ويصبح الإعلام داعماً لمركز اللغة.

ولكننا لا نيأس من إصلاح اللغة العربية في المدى القريب، فلقد تحقق اليوم ما يعبر عنه (بالتضخم اللغوي)، أو (التوسّع اللغوي)(21)، وذلك نتيجة لاتساع رقعة الإعلام وتأثيره في المجتمعات، ولانتشار اللغة العربية بوضعها الحالي، على نطاق واسع، وهو الأمر الذي يخدم أحد أغراض التنمية اللغوية بالمعنى الشامل للتنمية المعتمد في الخطاب المعاصر. وليس في التضخم اللغوي خطر على اللغة، كما هو الشأن في الاقتصاد، لأن التضخم هنا توسيع لنطاق استخدام  اللغة، و إغناء لمضامينها ومعانيها، وتلك غاية سامية من الغايات التي تهدف إليها التنمية اللغوية.

وكما أن للتنمية من حيث هي، سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية، قواعد وضوابط ومعايير وأهداف مرسومة، فكذلك هي التنمية اللغوية التي لن يتحقق الغرض منها ما لم تتوافر لها الشروط الموضوعية، ويأتي في مقدمة هذه الشروط التي إن انتفى شرط واحد منها، فقدت التنمية اللغوية الهدف المتوخى منها، ثلاثة شروط، هي: (22)

أولاً : أن تلتزم اللغة القواعد والأبنية والتراكيب والمقاييس المعتمدة والتي بها تكتسب الصحة والسلامة، في غير ما تزمت أو تقعر أو انغلاق مع مراعاة المرونة والتكيّف مع المستجدات التعبيرية، فلا تنصهر، ولكنها تحافظ على طبيعتها وأصالتها ونضارتها.

ثانياً : أن تفي اللغة بحاجات المجتمع، وأن ترتقي إلى المستويات الرفيعة لشتى ألوان التعبير، بحيث تكون لغة متطورة، مسايرة لعصرها، مندمجة في محيطها، معبرة عن ثقافة المجتمع ونهضته وتطوره، مواكبة لأحواله، مترجمة لأشواقه وآماله.

ثالثاً : أن يُحتفظ بمساحات معقولة بين لغة الخطاب اليومي عبر وسائل الإعلام جميعاً، وبين لغة الفكر والأدب والإبداع في مجالاتهما، بحيث يكون هناك دائماً المثل الأعلى في استعمال اللغة، يتطلع إليه المتحدثون والكتاب على اختلاف طبقاتهم، ويسعون إلى الاقتداء به ويجتهدون للارتفاع إليه، فإذا عدم هذا المثل الراقي حلَّ محله مثل أدنى قيمة وأحط درجة، لا يُرَبي ملكة ولا يصقل موهبة ولا يحافظ على اللغة، إن لم يسيء إليها ويفسدها.

والشرط الثالث هو من الأهمية بمكان، لأن انتفاء المثل الأعلى في اللغة يؤدي إلى هبوط حادّ في مستوى التعبير الشفاهي والكتابي على السواء، ويتسبَّب في شيوع اللهجات العامية التي تنازع الفصحى السيادةَ على الفكر واللسان، لدرجة أنها تصبح مثلاً يحتذى به. وتلك هي الخطورة التي تتهدّد شخصية اللغة العربية في الصميم. وهذه هي النتيجة التي يخشى اللغويون العرب من الوصول إليها، لأنها تمثّل خطراً حقيقياً على الفصحى وعلى ما تمثله من قيم ثقافية رفيعة، هي من الخصوصيات الحضارية للأمة العربية الإسلامية.

وهذه الشروط الثلاثة تتمثل اليوم في (الفصحى المعاصرة) التي تجري على سنن اللغات، فتراكيبها وصيغها جميعاً لا تستعصي على التقدم، ولا هي أشياء ثابتة راسخة كالصخر الأصم، بل هي كالكائنات حية مثل أصحابها، فهم في نماء و تغيّر مستمرين من يوم هبوطهم في مهودهم إلى يوم استقرارهم في لحودهم، وكذلك التراكيب والصيغ في اللغة، فهي ما تني تتحرك وتتطور وتتغيّر، وهو جانب واسع جداً في الأسلوب المبسط الجديد لفصاحتنا المعاصرة (23). والفصحى المعاصرة هي خلاصة التطور الذي عرفته اللغة العربية في هذا العصر، وهي اللغة (الوسطى) التي هي أعلى مستوى وأرفع مقاماً من لغة الصحافة الركيكة، فهي لغة عربية تحافظ على خصائصها ومميزاتها وتراكيبها وصيغها، ولكنها لغة عربية معاصرة، بكل ما في المعاصرة من دلالات. ولذلك كانت الفصحى المعاصرة تعيش مرحلة خصبة من جميع الوجوه، إذ وسعت مضامينَ شتى من العلوم والآداب، ونفذت إلى أسلوب ميسر مبسط، من شأنه أن يساعدها على انتشارها في جميع الألسنة، وقد ظفرت بفنون كانت خاصة بالعامية. ولكنا نعرف أن الفصحى المعاصرة استولت منذ القرن الماضي على أكبر ساحة لغوية شعبية في هذا العصر(24).

والفصحى المعاصرة من هذا المنظور، هي الأمل في سير اللغة العربية سيرا سليماً، في هذه المرحلة التي تُهاجم فيها الهوية الثقافية والخصوصية الحضارية للأمم والشعوب، فهي لغة الإعلام والفكر والثقافة والإدارة، وهي لغة لا تنفصل عن الماضي، ولا تتنكر للتراث اللغوي، ولكنها لا تجمد عند مرحلة تاريخية من تطور اللغة، وإنما تساير المستجدات في غير ما اندفاع أو غلوّ أو تطرف، لأن التطرف في اللغة هو الانفلات من القواعد، والانقلاب على التراكيب والصيغ البيانية المقطوع بصحتها وسلامتها.

واستناداً إلى هذه المرتكزات، فنحن نرى أن الفصحى المعاصرة هي لغة الحاضر والمستقبل، وهي الردُّ الموضوعيُّ على الأخطار التي تتهدّد اللغة العربية، وهي إلى ذلك، التطور الطبيعيُّ للفصحى الأصيلة التي ضعف استعمالها في المجتمع نتيجة للأسباب والعوامل التي ذكرناها آنفاً.

وليس في هذا التركيب (الفصحى المعاصرة)، المعنى المجرد الواحد فقط الذي يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى، وإنما فيه معانٍ كثيرة، منها ربط الفصحى بالمعاصرة، بما يستلزمه ذلك من الانخراط في العصر، والاندماج في تحولاته، والاستغراق في تياراته، وهو الأمر الذي يعني في المقام الأول الأخذَ بالنتائج التي انتهى إليها علم اللغة الحديث، والاستفادة من ابتكارات العلوم المرتبطة بفقه اللغة وعلم الأصوات. وبذلك يكون أحد المعاني التي يوحي بها مصطلح (الفصحى المعاصرة)، أنها لغة تلتزم قواعد العلم الحديث.

إن تزايد نفوذ الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، يشكل عاملاً مساعداً لذيوع اللغة العربية وسعة انتشارها ووصولها إلى آفاق بعيدة، تتخطى رقعة الوطن العربي إلى العالم الإسلامي، وإلى مناطق شتى من العالم، خصوصاً وأن الإعلام المرئي و المكتوب يؤدي دوراً بالغ التأثير في تبليغ الرسالة الإعلامية إلى العالم أجمع. وبذلك اتسعت الساحة أمام الضاد على نحو لا عهد لها به من قبل. وفي هذا الامتداد للغة العربية تجديدٌ لها، على نحو من الأنحاء، وتبديدٌ للوهم الذي ساد في فترات سابقة، بأن الضاد لم يعد لها مكان في هذا العصر.

ولئن كان هذا الاتساع المطرد والانتشار المستمر للغة العربية يعبّران عن حالة صحية تبعث على الارتياح، فإن التأمل المتأني في الوجه الثاني لهذه الظاهرة، ينتهي بنا إلى الوقوف على الحجم الحقيقي للمشكلة التي تعاني منها اللغة العربية في هذا العصر، والتي ستتفاقم في المستقبل، ما لم نبادر إلى البحث عن الحلول المناسبة. وبيان ذلك أن ثمة نوعاً من الخداع في الظاهرة موضع البحث، لأن لها مستويين، أولهما إيجابي، وثانيهما سلبي، فالإيجابي يتمثـّل في انتشار اللغة العربية على أوسع نطاق في هذا العصر، والسلبي يكمن في أن الرضا بمستوى اللغة والركون إلى وضعها الحالي، يورثان حالة من الاطمئنان والقبول والتسليم بالأمر الواقع، مما يتسبَّب في العزوف عن تراث اللغة والزهد في رصيدها على النحو الذي قد يؤدي، إذا ما استمرت الحال على ما هي عليه اليوم، إلى ما يشبه القطيعة مع الثقافة العربية الإسلامية في مصادرها وأصولها.

ولتلافي هذه الازدواجية، ولتجاوز هذه السلبية، فإنه لا  مناص لنا من اعتماد المنهج التكاملي في تعاملنا مع اللغة، وقوامُه أن تواكب الجهودُ التي نبذلها على مستوى مجامع اللغة العربية في الوطن العربي وعلى مستويات أخرى في أقسام اللغة العربية بالجامعات العربية، التطورَ الذي تعرفه اللغة بحكم تأثير وسائل الإعلام فيها، وأن يساير هذا العملُ الأكاديميُّ والفني، الوضعَ الحاليَّ للغة العربية، فلا يرتفع عنه، ولا يستهين به، وإنما يتفهمه، ويستوعبه، بحيث لا يتم خارج نطاق الواقع، وإنما يكون جزءاً من هذا الواقع، يتفاعل معه تفاعلاً إيجابياً ينتج عنه ازدهار اللغة العربية وانتشارها، والحفاظ عليها وحمايتها، وتطويرها وتجديدها. إن هذا المنهج الذي ندعو إليه، يلائم عصر العولمة الذي نعيشه، وينسجم مع طبيعة التحديات التي تواجه الضاد، ويتناسب والواقع الثقافي في العالم العربي. (25)

إن لغة الإعلام في عصر العولمة لا تستقر على حال، فهي في تغير مطرد، لا يكون دائماً في خدمة اللغة. ولكننا لا نملك أن نعزل أنفسنا عن تيار العولمة، أو ننأى بلغتنا عن (الإعلام العولمي).

ومهما كان حكمنا على العولمة، ومهما يكن رأينا فيها، فإنها تتيح فرصاً كثيرة لكل من يرغب في تطوير لغته، حيث تقدم الأنترنيت و البريد الإلكتروني و الحاسوب، كل ما يستلزم من عمليات الإحصاء والترتيب والتخزين والاسترجاع والتصحيح، والمستقبل مفتوح لما لا يخطر على البال.

و يعدُّ العمل الذي قام به شوقي ضيف في مجال تيسير اللغة مثالاً يحتذى، فمن جملة الكتب التي أصدرها والتي تعدّ قدوة وأسوة حسنة، كتابه (تيسيرات لغوية) الذي جاء فيه بتيسيرات في جوانب من استعمالات اللغة وقواعد العربية، رأى أن يعرضها على الكتاب والقراء، حتى ينحي عن طريقهم ما قد يظنونه إزاء بعض الصيغ انحرافاً عن جادة العربية وقواعدها السديدة (26).

خاتمة:

إن محنة العربية لا تتمثل في حشود الألفاظ والمصطلحات الوافدة من عالم الحضارة المعاصرة، إلى عالمها الذي يبدو متخلفاً، ليس ذلك فحسب، بل إن محنتها الحقيقية هي في انهزام أبنائها نفسياً أمام الزحف اللغوي الداهم، واستسلامهم في مجال العلوم للغات الأجنبية، بحيث قد تكونت في العالم العربي جبهة عنيدة تجاهد للإبقاء على العربية بمعزل عن مجال العلوم والتكنولوجيا، فما دامت صفوة المشتغلين بالعلوم تعرف الانجليزية أو الفرنسية مثلاً، فلا بأس من عزل العربية، بل وقتلها.

ويمكن لنا أن نقول في ضوء هذا كله، إن العيب في أبناء اللغة وليس في اللغة، وإن التنمية اللغوية مرهونة بالجهد الذي نبذله نحن في الواقع وبين الناس، لا في القراطيس، وإن الآثار الإيجابية للعلاقة بين اللغة والإعلام، لا يكون لها نفع أو جدوى أو فائدة، ما لم نقم، كل في موقعه ومجال تخصصه، بما يجب أن نقوم به، من العمل المدروس والممنهج للحفاظ على صحة اللغة وسلامتها، ولتحقيق المزيد من التنمية اللغوية مستغلين الإمكانات الفنية والتقنية الهائلة التي تتاح لنا اليوم، لتعزيز مكانة لغتنا بالعلم والعمل وتضافر الجهود ووضع الضوابط والتشريعات التي تحول دون انفلات اللغة وتراجعها عن أداء دورها في البناء الحضاري والنماء الاجتماعي.

هوامش البحث:

1-   مبروك، محمد إبراهيم، الإسلام والعولمة، ط1، الدار القومية العربية، ص101.

2-   محفوظ، محمد، العولمة وتحولات العالم، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - المغرب، بيروت - لبنان(2004)، ص5.

3-   جميل، سيار، العرب والعولمة. مركز دراسات الوحدة العربية، ص35.

4-   العولمة وتداعياتها على العالم العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص12.

5-   ينظر: العولمة أرقام وحقائق لعبد سعيد عبد إسماعيل ص 34.

6-   العولمة جريمة تذويب الأصالة ، كتاب المعرفة ، وزارة المعارف السعودية ، العدد السابع ،ص 37.

7-   التعريفات للجرجاني ص 139.

8-   ينظر: دور التربية الإسلامية في مواجهة التحديات الثقافية للعولمة لصلاح الحارثي ص10.

9-   ينظر: العولمة والهوية الثقافية لمحمد عابد الجابري – مقال منشور بمجلة المستقبل العربي، العدد 228 ص17.

10-ينظر: الهوية والعولمة لناصر الدين الأسد كتاب: ندوة العولمة والهوية أكاديمية المملكة المغربية الرباط 1997م ص63.

11- ينظر:في مفهوم العولمة للسيد يسين مقال منشور بمجلة المستقبل العربي العدد 228 ص6.

12-ينظر: العولمة أرقام وحقائق مرجع سابق ص36.

13- ينظر: المرجع نفسه، ص31.

14- ينظر: العولمة توحد وتقسم لجورج طرابيشي، مقال منشور بجريدة الحياة، العدد 12955 بتاريخ 23/8/1998م.

15- العرب و العولمة ، المرجع السابق،ص318.

16- جبر، يحيى عبد الرؤوف، نحو دراسات وأبعاد لغوية جديدة، نابلس، ط1، ص223.

17- مركز دراسات الوحدة العربية،اللغة العربية والوعي القومي، ص178.

18- ينظر: مستقبل اللغة العربية، عبد العزيـز بن عثمان التويجري، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ،2004،ص07.

19- ينظر: المرجع نفسه،ص08.

20- ينظر :المرجع نفسه،ص9-10.

21-يُعطي د. حسن ظاظا في كتابه (كلام العرب، من قضايا اللغة العربية)، ص : 85، مكتبة الدراسات اللغوية، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت، الطبعة الثانية 1990، معنى أكاديمياً لمصطلح (التضخم اللغوي)، وذلك انطلاقاً من أن الأصل في وضع الألفاظ في اللغات المختلفة، أن يكون لكل معنى يجول بالخاطر لفظ يعبر عنه، أي أن يكون للفكرة الواحدة لفظة واحدة، وللكلمة الواحدة معنى واحد أيضاً، ويبدأ الخلط والاضطراب بمجرد أن يوجد لفظان فأكثر لمعنى واحد، أو معنيان فأكثر للفظ واحد، وإن كانت اللغات جميعاً لا تنجو من هذه الإصابة بقدر ما، قل أو كثر. ونحن وإن كنا لا نجادل في صواب هذا التعريف الفني للمصطلح، إلاّ أننا نميل إلى المعنى المباشر الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة، أي المعنى التلقائي الذي يفيد الوفرة والكثرة.

22- ينظر: مستقبل اللغة العربية، عبد العزيـز بن عثمان التويجري،ص12.

23- ينظر:في التراث والشعر واللغة، شوقي ضيف، سلسلة مكتبة الدراسات الأدبية 100، دار المعارف، القاهرة، 1987، ص 242.

24- ينظر المرجع نفسه، ص 242.

25- ينظر: مستقبل اللغة العربية، عبد العزيـز بن عثمان التويجري،ص 15.

26- صدرت الطبعة الأولى من (تيسيرات لغوية) عن دار المعارف بالقاهرة، في 1990. وللمؤلف كتاب ثان حول هذا الموضوع صدر له عن دار المعارف بالقاهرة في 1994 بعنوان (تحريفات العامية للفصحى في القواعد والبنيات والحروف والحركات)، وفي الكتابين فوائد جمة، وقد نحا فيهما المؤلف منحى اجتهادياً في اللغة جديراً بأن يقتدى به.