أنماط إدراك الانفعالات الوجهية وسيرورتها العصبية لدى الأطفال ذوي تناذر أسبرجرpdf

دراسة حالة منفردة بجمعية رعاية الأطفال المضطربين نمائيا

د. بوعافـية خالد

جامعة قاصدي مرباح ورقلة ( الجزائر)

ملخص:

تهدف الدراسة الحالية إلى الكشف عن واحدة من اهم العمليات العقلية المؤسسة للعلاقات الانسانية، وهي ذات علاقة وطيدة بالتعلم بمختلف انواعه، كما تعتبر أيضا احدى النشاطات الذهنية التي تشغل مناطق عديدة من القشرة الدماغية. إن إدراك الانفعالات الوجهية ليس وظيفة بسيطة نستخدمها لنفهم الآخرين حسب، بل هي ابعد من ذلك بكثير اذ ان ما نحتاج اليه لإدراك الانفعالات الوجهية هو التمكن من توظيف مهام نظرية العقل التي تبدأ في النمو من المراحل النمائية الأولى في حياة الفرد.

ان الاختلاف بين أدمغة الأطفال العاديين و نظرائهم من ذوي متلازمة أسبرجر يفرض علينا أن نعيد النظر في طريقة اكتسابهم لهذه الوظيفة الذهنية وأنماط تعاملهم مع الانفعالات والملامح الوجهية، ولذلك جاءت هذه الدراسة النفسية العصبية على حالة الطفل (س.م) منطلقة من التساؤلين التالية: هل يعاني الأطفال ذوو متلازمة أسبرجر من قصور في إدراك الانفعالات الوجهية؟ وكيف تتم لديهم هذه العملية المعرفية؟

ولإنجاز هذه الدراسة تم الاعتماد على منهج دراسة الحالة المنفردة، ولهذ الغرض طبقنا مجموعة الأدوات العيادية تمثلت في المقابلة بما فيها دراسة تاريخ الحالة وجملة من المقاييس والاختبارات المشخصة وهي: النسخة الفرنسية لاستبيان التقمص الوجداني وسلم توني اتوود لتشخيص تناذر اسبرجر وبطارية تقييم الوظائف المعرفية واختبار رسم الرجل والبرنامج المعلوماتي المشخص لاضطراب ادراك الانفعالات الوجهية المصمم في هذه الدراسة.

وتوصلت هذه الدراسة إلى أن الأطفال من ذوي تناذر أسبرجر يدركون الانفعالات الوجهية بأنماط تختلف بشكل كبير عن الأطفال العاديين وهذا للمشاكل التي يعانون منها في توظيف مهام نظرية العقل وادراك الوجوه، كما بينت الدراسة قدرتهم على استغلال السياق الذي وردت فيه الانفعالات الوجهية لفهم المعاني التي تحملها وتم مقارنة هذا التفسير بجملة من الدراسات في الميدان.

الكلمات المفتاحية: إدراك الانفعالات الوجهية، تناذر أسبرجر، القشرة الدماغية، نظرية العقل

Résume

Le but de la présente étude est de détecter un processus mental très important qui a une relation étroite avec les divers types d’apprentissage. Et est également l’une des activités mentales qui occupent de nombreuses régions du cortex cérébral.

La reconnaissance des émotions faciales n’est pas une simple fonction pour comprendre les autres, mais bien aux- delà elle permet le fonctionnement de la théorie de l’esprit, qui commence à se développer dès les premiers stades du développement.

La différence entre le cerveau des enfants normaux et celui des enfants atteints du syndrome d’asperger nous pousse à revoir la manière dont ces derniers acquièrent cette fonction mentale.

Cette étude de cas vise à répondre aux questions suivantes :

-   Est ce que les enfants atteints du syndrome d’Asperger souffrent d’un deficit dans la perception des emotions faciales?

-   De quelle manière acquièrent -t–ils cette opération cognitive?

Nous avons appliqué un éventail d’outils cliniques : l’entretien clinique, y compris l’étude de cas, et un ensemble de tests: la version française de EQ, AQ, SQ, l’échelle de Tony ATWOOD pour le diagnostic du syndrome d’asperger, la BEC, le test du bonhomme et le programme informatisé élaboré dans cette étude qui diagnostique le trouble de la perception des émotions faciales.

Apres l’analyse des données recueillies les résultats ont révélé que les enfants atteints du syndrome d’Asperger perçoivent les émotions faciales d’une manière significativement différente que les enfants normaux, ça est dû aux problèmes dans le fonctionnement de la théorie de l’esprit et dans la perception faciale. L’étude a également montré leur capacité à exploiter le contexte des émotions faciales pour comprendre leurs significations.

Les mots clé: perception des émotions faciales, cortex cérébrale, syndrome d'Asperger, théorie de l'esprit.

Abstract:

The purpose of this study is to detect a very important mental process that has a large relationship with the various types of learning. And is also one of the mental activities that occupy many regions of the cerebral cortex.

The recognition of facial emotions is not a simple function to understand others, but it allows beyond the operation of the theory of mind, which begins to develop in the early stages of development.

The difference between the brains of normal children and the children with asperger syndrome of pushes us to rethink how they acquire this mental function.

This case study aims to answer the following questions:

- Do the children with Asperger syndrome suffer from a deficit in the perception of facial emotions?

- How they acquire this cognitive operation?

We applied a range of clinical tools: clinical interview, including the case study, and a set of tests: the French version of EQ, AQ, SQ, the scale of Tony ATWOOD for the diagnosis of the asperger syndrome, BEC, the test of man and computer program developed in this study that diagnoses the disorder of the perception of facial emotions.

After analyzing data collected the results revealed that children with Asperger syndrome perceive facial emotions in a significantly different manner than normal children, it is due to problems in the functioning of the theory of mind and in facial perception. The study also demonstrated their ability to exploit the context of facial emotions to understand their meanings.

Key words:perception of facial emotions, cerebral cortex, Asperger syndrome, theory of mind.

1 اشكالية الدراسة:

اهتمت معظم دراسات التوحد من نمط أسبرجر بالمنهج التجريبي في شرح نواحيالقصورفي اللغة والتواصل وأثرهفي السلوك والتفاعل الاجتماعي لدى هذه الفئة،وكان من أبرزها دراسة رائدة قام بها كل من بود وجيبارت BEAUD et GUIBERT 2011 بعنوان "معرفة التحذلق في الكلام وخصائصه عند ذوي تناذر أسبرجر"، وقد قامت أغلبها باختبار أدوات تشخيصية، أو التأكد من نجاعة برامج تدريبية وإرشادية وسلوكية لتطوير مهاراتهم التواصلية ضمن الأنشطة المدرسية، وأنشطة الحياة اليومية.

من جهة أخرى أظهرت بحوث أخرى استهدفت تطوير مهارات التواصل غير اللفظي لدى أطفال التوحد من نمط أسبرجر من خلال البحث في مشكلات التواصل العيني لديهم، كدراسة ميرندا وزملاؤهاMirenda et al., 1983والتي استعرضت فيها نتائج بعض الدراسات التي تناولت سمات التحديق بالعين وبالوجه لدى الأطفال التوحديين من نمط أسبرجر والبالغين العاديين، ومقارنة نتائج تلك الدراسات بنتائج الدراسة التي قاموا بها والتي هدفت إلى حساب تكرار ومدة التحديق بالعين والوجه التي يظهرها أطفال التوحّد، إذ تكونت عينة دراستهم من أربعة أطفال عاديين تراوحت أعمارهم ما بين (6-12) سنة، وأربعة أطفال توحديين كانت أعمارهم ما بين (6-15) سنة، كما تم وضع أفراد عينة الدراسة مع شخص بالغ بهدف اشتراكهم معه بحوارات كلامية ومحادثات فردية، وقد خلصت هذه الدراسة إلى وجود فروق بين الأطفال والبالغين العاديين والأطفال والبالغين التوحّديين في التحديق بالعين والوجه، فقد أظهر الأطفال والبالغون العاديون تفاعلا من خلال سلوك التحديق بالعين لفترات طويلة ومتكررة في أثناء الحوارات الكلامية مقارنة بالأطفال والبالغين التوحّديين، في حين أظهر الأطفال والبالغون التوحّديون فقرا جليا في فعالية سلوك التحديق بالعين في أثناء الأحاديث الفردية مقارنة بالأطفال والبالغين العاديين.

وعلى نحو آخر وفي مجال الكفالة بهذه الفئة من الأطفال صدرت عدة أعمال كان أبرزها ما قدمه اندونسون وبور ANDANSON et POURRE 2011 في دراسة بعنوان "فرق التدريب على المهارات الاجتماعية للأطفال والمراهقين ذوو تناذر أسبرجر"، ودراسة بغدادلي وديبوا BAGHDADLI et DUBOIS 2010 بعنوان "المقارنة بين فعالية وسيلتين تدخليتين اجتماعيتين على تطوير قدرات التعرف على تعبيرات الوجوه والمواقف الاجتماعية للأطفال ذوي تناذر أسبرجر أو التوحد من المستوى العالي"، إضافة الى ما قام به كل من موندون وكليمون MONDON ET CLEMENT 2010 بعنوان "خبرة فريق التدريب على الكفاءات الاجتماعية بعد عام من التطبيق مع ثلاث مراهقين حاملين لزملة اسبرجر"، كما أنجزت ناثالي وميليسا NATHALIE et MELISSA 2009 بحثا بعنوان "تناذر أسبرجر وتناذر الاضطراب الوظيفي غير اللفظي الخصائص والتشخيص الفارقي" و يوافقه في التوجه كل من فونسيكا وديرويل FONSECA et DERUELLE 2010 بعنوان "التعرف على الانفعالات و تناذر أسبرجر"

إذ تعتبر كل هذه البحوث وغيرها منطلقا لافتراض أن النظر الفعال للملامح والانفعالات الوجهية ذو أهمية بالغة، فهو يعتبر المنفذ الرئيسي لتنشيط الباحات الدماغية الكفيلة بإنجاح التقمص الوجداني في مختلف الفصوص الدماغية وخاصة الجبهية الحاملة للعصبونات المرآتية التي لا تدرك فقط الخطط المبرمجة للحركات بل وتتعلم إعادة تنفيذها من خلال التفاعل معها أثناء مشاهدتها ثم تسجيلها في الباحات الذاكرية، ويستلزم الحديث عن التقمص ، تناول طرف آخر في معادلة التفاعل الاجتماعي غير اللفظي بين الأفراد وهي مهام نظرية العقل.

كل هذه العوامل تتداخل فيما بينها وتنسجم في نسق جد منظم لإنجاح إدراك الانفعالات الوجهية لذواتنا وللآخرين وهذا لإعطاء التواصل بين الأفراد الدور النفسي الاجتماعي المعرفي الملائم.

  • فهل يعاني الأطفال ذوو متلازمة أسبرجر من قصور في إدراك الانفعالات الوجهية؟
  • وكيف تتم لديهم هذه العملية المعرفية؟

2 منهج الدراسة:

منهج الحالة المنفردة:

تم اعتماد منهج الحالة المنفردة باعتباره أحد المناهج الرئيسة خاصة في الدراسات النفسية، والنفسية العصبية الإكلينيكية، إذ لا تقتصر إجراءاته على وصف وحدات البحث كما هو الحال في المناهج الوصفية أو التاريخية، بل هو من أدق المناهج العلمية وأمتنها، حيث يمكننا من الغوص في تفاصيل الحالة وشرح سيرورتها السيكولوجية والمعرفية بشكل أكثر تفصيلا، وتستخدم دراسة الحالة المنفردة من أجلوصف وتحليل نموذج من مظهر سلوكي أو خبرة ذاتية نادرة وهنا يكون الاهتمام مركزا على دراسة المظاهر الفريدة للسلوك دراسة متعمقة، وهو ما تصبو الدراسة الحالية إلى تحقيقه،أو لإعطاء وصف للأفراد الذين يمكن اعتبارهم ممثلين من الفرد محل الدراسة.

3 أدوات الدراسة واجراءات تطبيقها:

أولا: المقابلة ودراسة تاريخ الحالة:

تعد أداة رئيسية لجمع البيانات في دراسة الأفراد، كما يمكن اعتبارها تقنيا بأنها محادثة موجهة يقوم بها فرد مع آخر أو مع أفراد بهدف حصوله على بيانات يتم استخدامها في بحث علمي أو للاستعانة بها في عمليات التوجيه والتشخيص والعلاج.وضمنيا يمكن القول أنها عبارة عن علاقة دينامية وتبادل لفظي بين شخصين أو أكثر.

ولقد تم التوجه في هذه المقابلة إلى أم الطفل الحالة، نظرا لأهميتها في دراسة تاريخ الحالة، وقد تم التركيز على أسئلة يتناول جانب منها مهارات الاستقلالية والجانب الآخر النمو الحسي الحركي للطفل بهدف توضيح الكثير من الجوانب المتعلقة بمتغيرات البحث.

ثانيا: النسخة الفرنسية لاستبيان تشخيص التوحد ذو المستوى العالي أو تناذر أسبرجر لدى الأطفال والمراهقين: مقياس أطياف التوحد، مقياس التقمص الوجداني، مقياس الآليات التنظيمية: Sandrine Sonié et al 2011

يعتبر هذا الاستبيان أول وسيلة شاملة باللغة الفرنسية من أجل تشخيص اضطرابات أطياف التوحد بدون نقص معرفي "التوحد ذو المستوى العالي" أو تناذر أسبرجر، وهو وسيلة تشخيصية ناجعة للاستخدام الأولي في من طرف الإكلينيكيين، ولقد أنشيء أولا في المملكة المتحدة على يد العالم بارون كوهن BARON COHEN ومجموعة من رفقائه في شكل ثلاث استبيانات لهذا الغرض وهي : مقياس أطياف التوحد QUOTIENT DU SPECTRE DE L'AUTISME (AQ) . مقياس التقمص الوجداني (EQ)QUOTIENT D'EMPATHIE . ومقياس آليات التنظيم (SQ)QUOTIENT DE SYSTEMATISATION، وتم ترجمة هذه الاستبيانات الثلاث إلى اللغة الفرنسية وتقديمها كأداة تشخيصية في فرنسا من طرف Sandrine Sonié et al، وتعتبر الدراسة الحالية الأولى في ترجمة هذا الاستبيان عربيا في حدود معلومات صاحبها.

ثالثا: السلم الاسترالي لتناذر أسبرجر 2007 Échelle Australienne du Syndrome d’Asperger:

أنجز هذا السلم الباحث الاسترالي توني اتوود TONY ATTWOOD وذلك استجابة للاحتياجات الإكلينيكية المتواصلة لأداة يمكنها تقديم مؤشرات فعلية للإصابة بتناذر أسبرجر، والتفريق الجيد بينه وبين ما قد يتقاطع معه من أعراض لاضطرابات نمائية تواصلية، وقد صدرت أول نسخة منه باللغة الانجليزية سنة 1998 ثم تلتها نسخة فرنسية سنة 2003 بعد الترجمة الكاملة للكتاب الذي صدرت فيه باللغة الأولى (الانجليزية): أما النسخة الأخيرة والمنقحة فهي تلك التي وردت سنة 2007 في كتابه الموسوم بـ "الدليل الكامل لتناذر أسبرجر The Complite Guide of Asperger's Syndrome"  

رابعا: اختبار رسم الرجل Le Test Du Bonhomme:

يعتبر اختبار رسم الرجل من الاختبارات غير اللفظية لقياس ذكاء الأطفال فيما بين 3 و15 عاما ويجرى هذا الاختبار بأن يُطلب من الطفل أن يرسم رجلا مستخدما في ذلك قلم رصاص على ورقة بيضاء، ويمكن أن يطبق بطريقة فردية أو جماعية على أن يتأكد الفاحص أن كل طفل يرسم مستقلا دون أن ينقل من رسوم زملائه، لذلك يعتبر هذا الاختبار أداة جيدة في قياس النمو العقلي عند الأطفال العاديين وذوي الاحتياجات الخاصة كالصم والمتخلفين عقليا والذين يعانون من صعوبات النطق والكلام.

خامسا: بطارية تقييم الوظائف المعرفية Batterie d'Evaluation Cognitive 96 Jean Louis Signoret

أنجزها الباحث الفرنسي جون لويس سينيوريه Jean Louis Signoretبعد دراسات معمقة قام بها لتقديم أداة أكثر تفصيلا ودقة وموضوعية وأسهل تطبيقا لتقييم اضطرابات الذاكرة وما يرتبط بها من وظائف معرفية أخرى كالتعلم وحل المشكلات والطلاقة اللفظية وغيرها، وتتكون بالمجموع من ثمانية اختبارات وكل اختبار ينقط على 12، والمجموع بالتالي يحقق 96 نقطــة.

سادسا: البرنامج الحاسوبي المشخّص لاضطرابات التقمص الوجداني:                

تم انشاء هذا البرنامج في الدراسة الحالية باستخدام لغة دالفي Delphi7 للبرمجة على الحاسب، وبالاعتماد على المنهج البنائي، وذلك بهدف تطوير طرق قياس أبعاد التقمص الوجداني للانفعالات الوجهية.

وقد اعتمد الباحث هذا المنهج لبناء البرنامج المحوسب القائم على عرض منتظم ومدروس لمجموعة من الصور المثيرة لعمليات عقلية مختلفة، وذلك في ضوء فرضية التقمص الوجداني إلى جانب نظرية العقل والاستفادة من السياق، وبعض العمليات الإدراكية المعرفية الأخرى، مستفيدين من أهمية تموقع تلك الوظائف قشريا، وبعض الآليات العصبية المتدخلة في إنجاحها وعلى رأسها العصبونات المرآتية.

4 عرض الحالة:

يبلغ الطفل (س.م) من العمر 15 سنة، وهو الابن الثاني لأبوين قريبين، لديه أخت واحدة تكبره سنا، يعمل أبوه حرفيا وأمه ماكثة بالبيت، كادت ولادته أن تكون عادية لولا بعض ظروف الوضع الصعبة التي رافقتها، مع الإشارة أنه لم يصرخ مستهلا، أما الرضاعة فقد كانت طبيعية خلال الثلاث أشهر الأولى، وقد ذكرت الأم تعرضه لبعض النوبات الصرعية الجزئية في عمر الأربع سنوات، وما عداها فليس هناك أمراض أخرى تذكر، كما تذكر أمه أنها كانت شديدة الحماية له.

انضم الطفل (س.م) إلى مركز رعاية الأطفال المتخلفين عقليا عندما بلغ ستة سنوات، يشار إلى أن هذا المركز ذو نشاط خيري جمعوي وليس حكوميا ويضم أطفالا من اضطرابات مختلفة. نتائج الطفل الدراسية اعتبرت حسنة، ومع أنه كان يبدو هادئا إلا أنه تميز بنقص تفاعله مع زملائه في المركز، كما تميز سلوكه اليومي بالتمسك الشديد بالروتين فغالبا ما يجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع التغيرات الطارئة على النشاطات اليومية والأسبوعية والموافقة لتعديلات البرنامج، ونفس الشيء بالنسبة لتغيير المربيات. إلا أنه كان معروفا بطيبته وبعض قدراته العقلية الذاكرية المتفوقة، وقد أشارت مربياته بأنه كسول وبالتالي ليس عدوانيا، وبعد مراجعة أطباء عقليين وبالنظر إلى هذه الأعراض وغيرها شُخِّص بأنه حاملا لمتلازمة أسبرجر.

أ‌-      ملاحظات أخرى حول الحالة:

  • لم تتناول الأم أدوية معينة أثناء الحمل إلا أن هذه المرحلة تخللتها بعض المشكلات الحياتية المنغِّصة استمرت الى ما بعد الميلاد.
  • يكبره أخوان متوفيان بعد الميلاد.
  • كان عمر الأم عند ولادته ثلاثة وعشرين سنة.
  • المستوى الاقتصادي للأسرة: متوسط.
  • لا توجد سوابق مشابهة في العائلة.
  • سن التوجه إلى المركز 06 سنوات وقد تعلم فيه القراءة والعربية الفصيحة مبكرا.
  • العمر الذي لوحظ أن سلوكه غير عادي كان حوالي ثلاث سنوات.

ب‌-       تقرير النمو النفسي الحركي للحالة:

بالنسبة للنشاطات النفسية الحركية التي تتعلق بالمرحلة المبكرة من الطفولة وبالضبط في النصف الأول من السنة الأولى (صفر – 6 شهور) فقد لاحظت الأم أن طفلها كانيحاول الحصول على الأدوات أمامه والقريبة من متناوله بل ويسعى للوصول إلى تلك التي كانت بعيدة عنه بعض الشيء، إضافة إلى أنه كان يتمكن من إمساك يد شخص أو أداة ما لمدة 5 ثواني على الأقل.

وفي النصف الثاني من السنة الأولى (7 – 12 شهراً) وفي السؤال المتعلق بمدى قدرة الطفل على مساعدتها على إلباسه بفتح ذراعية للبس الكم أو دفع قدمه للبس الحذاء فقد كانت إجابتها بـ "لا"، وهي نفس الإجابة عما إذا كان يستطيع الطفل أن يتجول داخل المنزل بدون أن يحتاج للمراقبة باستمرار، كما أنه لم يكن قادرا على أن يشرب من زجاجة أو كوب يحملها شخص آخر.

أما في السن ما بين سنة إلى سنة ونصف ( 13 – 18 شهراً )، فقد كان الطفل يستطيع خلع حذائه بدون مساعدة وبمفرده، إلا أنه لم يفلح بعد في الشرب من كوب صغير بدون مساعدة وبمهارة كافية.

في خلال سنة ونصف إلى سنتين أي (19 – 24 شهراً) صار الطفل يدرك الفرق بين الطعام والأشياء التي لا تؤكل بالرغم من أنه قد يضع شيئاً غير الطعام في فمه إلا أنه لا يمضغه أو يبلعه، كما أنهلا يستطيع خلع معطفه بدون مساعدة ولو كانت الأزرار مفتوحة، وأهم ما لوحظ في هذه الفترة هو غياب تظاهره بالقدرة على أداء بعض المهام أمام الآخرين.

وقد نفت أم الطفل في الفترة من سنتين إلى سنتين ونصف (25 – 30 شهراً) تمكن ابنها من القيام بتنظيف يديه بالورق، وما يسجل باهتمام هو نفيها كذلك لفهم الطفل للأخطار التي يمكن أن تواجهه في السقوط وبالتالي يحترس من ذلك، كما أنه لم يكن في هذه الفترة قادرا على إطعام نفسه بأي أداة كانت.

في مرحلة سنتين ونصف إلى ثلاث سنوات (31 – 36 شهراً) وإلى نهايتها لا يزال الطفل "س.م" عاجزا عن ارتداء معطفه بدون مساعدة، بما في ذلك فك الأزرار الكبيرة، وخيوط أحذيته، إضافة إلى أنه لا يستطيع أن يلبس حذائه بنفسه.

أما من ثلاث سنوات إلى ثلاث سنوات ونصف (37 – 42 شهراً ) فقد أشارت الأم إلى نقطة في غاية الأهمية وهي بداية قيام "س.م" باحتياجاته المرحاضية بدون مساعدة بما فيها الخلع، المسح والارتداء، هذا وقد تخلص من التّبول على نفسه بما في ذلك بعد الاستيقاظ وأثناء النوم، إلا أنه تأخر في اكتساب غسيل وجهه ويديه بطريقة مقبولة وإنشافهم بدون مساعدة.

وفي ثلاث سنوات ونصف إلى أربع سنوات ونصف (43 – 54 شهراً) لم يكن "س.م" يرتدي لباسه بنفسه تماماً ما عدا ربط حذاءه وأشياء أخرى تحتاج إلى أقفال، فضلا عن عجزه عن التحكم بشكل عادي أو بالأزرار في قميصه، وفيما يتعلق باكتسابه للنظام والانضباط فقد لوحظ أنه لم يكن قادرا على إعادة ألعابه بالترتيب عندما يطلب منه، كما أن تنفيذه للأوامر في البيت لم يكن مناسبا.

في المرحلة الموافقة لأربع سنوات ونصف إلى خمس سنوات ونصف (55 – 66 شهراً) لم يكن الطفل "س.م" قادرا على استعمال سكينة طعام للمربى أو الزبدة على الخبز، ولا أن يجيب على الهاتف مخبرا المتكلم الشخص المعلومة الصحيحة مثلا أن يقول "آلو" ويجيب ما إذا كان الشخص المطلوب حاضرا. ولكنه كان قادرا على إحضار شيء يخصه أو يحتاجه، بما في ذلك القدرة على إحضار الطعام الصحيح من الثلاجة أو الخزانة أو سلة الخبز.

ومن خمس سنوات ونصف إلى ست سنوات ونصف (67 – 78 شهر) ما زال "س.م" عاجزا عن استعمال أدوات الطعام بالجودة اللازمة، كما لم يكن قادرا على مشط شعره بعناية كافية بحيث يحتاج مساعدة شخص كبير، ولا حتى القيام بمهمات منزلية لا تحتاج أن تعاد من قبل شخص كبير ولو مرة في الأسبوع.

وفي المرحلة الممتدة من ست سنوات ونصف إلى سبع سنوات ونصف ( 79 – 90 شهر) لم يكن قادرا على بناء شيء للَّعب أو إصلاحه، إلا أنه أصبح قادرا على الاغتسال بشكل مقبول بدون مساعدة، بما في ذلك الاستحمام بالمرش والاغتسال وتنظيف نفسه، كما تمكن من استعمال أدوات الطعام بما يناسب عادات العائلة.

من سبع سنوات ونصف إلى ثمن سنوات ونصف (91 – 102 شهرا) لم يكن يفصل في بعض اختياراته فيما سيرتديه عادة بما في ذلك اختيار الملابس للمناسبات الرسمية واختيار الملابس الخارجية المناسبة للطقس، ولكن بدأ يلاحظ عليه مهمتان على الأقل مثل ترتيب غرفة نومه وملابسه، كما لوحظ أيضا أنه إلى حد هذه المرحلة لم يتمكن من اقتصاد وتوفير المال بصفة جيدة بحيث يُسمح له بشراء بعض الأشياء بنفسه بدون أن يخبره شخص كبير.

من ثماني سنوات ونصف إلى تسع سنوات ونصف (103 – 114 شهراً) أيضا كان يتمكن من شراء بضعة أشياء في وقت واحد يعني هذا أنه يستطيع الذهاب إلى أكثر من محل واحد إذا لم تكن كل الأشياء المطلوبة موجودة في المحل، وذلك دون أن يستطيع حساب المال المصروف والباقي، كما ذكرت الأم أنه لم يكن يستطيع متابعة نبتة منزلية وسقايتها باستمرار، وقد يتطلب ذلك مساعدة شخص كبير.

جـ - عرض نتائج اختبار رسم الرجل:

عند تطبيق اختبار رسم الرجل على الطفل "س.م" تحصل على 43 نقطة وهو ما يقابله عمر عقلي 13 سنة و9 أشهر وهو ما يساوي 165 شهرا علما أن عمره الزمني 15 سنة وهو ما يقدر بـ 180 شهرا، وبعد تطبيق القانون:

معامل الذكاء= العمر العقلي: العمر الزمني*100  

نحصل على 165:180*100=91.66 % وهو ما يقابله ذكاء عادي في حدود المتوسط.

د- عرض نتائج السلم الاسترالي لتشخيص تناذر أسبرجر:

لقد حصل الطفل "س.م" على 103 نقطة على السلم الأسترالي لـ توني اتوود لتشخيص تناذر أسبرجر وإذا وضعنا هذه النقطة في مجال إجمالي النقاط المحصل عليها فإنها ستكون كما هو مبيّن في الجدول الآتي:

جدول رقم (1) يوضح نتائج الحالة على السلم الأسترالي لتشخيص تناذر أسبرجر

مرتفع (احتمال إصابة قوي)

متوسط (احتمال أقل للإصابة)

منخفض (احتمال إصابة منعدم)

من 97 إلى 144

من 49 إلى 96

من 0 إلى 48

ه- عرض نتائج بطارية تقييم الوظائف المعرفية:

تحصل الطفل "س.م" على النقاط التالية على بطارية تقييم الوظائف المعرفية:

جدول رقم (2) يوضح نتائج الحالة على بطارية تقييم الوظائف المعرفية

البند

العلامة

1 الاستدعاء

11

2 التعلم

03

3 التوجه الزماني والمكاني

06

4 التحكم

09

5 حل المشكلات

08

6 الطلاقة اللغوية

07

7 تسمية الأشياء

09

8 البنائية البصرية

08

المجموع

61

نلاحظ من خلال النتائج المبينة في الجدول أن الطفل 'س.م' قد تحصل على العلامة (61) على هذه البطارية وهي نتائج تفوق المتوسط الذي يساوي (48) وهو مؤشر على سلامة العمليات المعرفية للطفل، ورغم أنه لم ينتظم في المدارس العادية إلا أن نتائجه جاءت جيدة، كما تجدر الإشارة إلى البند الأول الذي حصل فيه الطفل على العلامة (11) وهي جيدة وتدل على قدرات ذاكرية مثيرة للانتباه لدى الطفل وهو ما عززته ملاحظات المربيات بتفوقه في كل النشاطات التي تستدعي إعمالا للذاكرة.

و- عرض نتائج استبيان تناذر أسبرجر لبارون كوهن:

حصل الطفل "س.م" على 39 نقطة في البعد الأول وهو الذي يقيس أعراض التوحدية ضمن الاستبيان وهي علامة مرتفعة ومؤشر قوي على الاضطراب في المجال الذي يقيسه هذا البعد في الاستبيان، كما حصل على 29 نقطة في البعد الثاني (التقمص الوجداني) من ذات الاستبيان وهو أيضا مؤشر واضح على الاضطراب في بعد التقمص الوجداني كما يكشف عليه هذا الاستبيان، وحصل إضافة إلى ذلك على 46 نقطة في بعد الآليات العقلية المعرفية لدى التوحديين وهي علامة شديدة الدلالة على الإصابة في هذا الجانب لدى الطفل الحالة، وككل يمكن التأكد من إصابة الطفل الحالة بتناذر أسبرجر فضلا عن اضطراب التقمص الوجداني البادي عليه.

ي- عرض نتائج البرنامج المعلوماتي المشخص لاضطراب ادراك الانفعالات الوجهية:

البنود

1

2

3

4

5

6

المجموع

النتائج

0

0

2

0

1

1

4

جدول رقم (3) يوضح نتائج الحالة في البعد الأول من البرنامج المعلوماتي المصمم

ومجموع نقاطه يساوي: 4 وهي نتيجة ضعيفة بالنسبة لمجموع النتائج الكلية في هذا البعد والتي يجب أن تكون مساوية لـ : 12 أي أن نتائج الطفل أقل من متوسط النتائج في هذا البعد وهي ـ:06

البنود

1

2

3

4

5

6

المجموع

النتائج

0

0

0

2

0

0

2

جدول رقم (4) يوضح نتائج الحالة في البعد الثاني من البرنامج المعلوماتي المصمم

ومجموع نقاطه يساوي: 2 وهي نتيجة ضعيفة جدا بالنسبة لمجموع النتائج الكلية في هذا البعد والتي يجب أن تكون مساوية لـ : 12 أي أن نتائج الطفل أقل بكثير من متوسط النتائج في هي ـ:06

جدول رقم (5) يوضح نتائج الحالة في البعد الثالث من البرنامج المعلوماتي المصمم

البنود

1

2

3

4

5

6

المجموع

النتائج

2

2

2

2

2

2

12

ومجموع نقاطه يساوي: 12 وهي نتيجة كاملة بالنسبة لمجموع النتائج الكلية في هذا البعد والتي يجب أن تكون مساوية لـ : 12 أي أن نتائج الطفل جيدة في هذا البعد ويعود الفضل في هذا النجاح إلى أهمية السياق في إعطاء المصابين بمتلازمة أسبرجر الوضوح الكامل لفهم المواضيع المتعلقة بالملامح الوجهية وهو يبين اعتمادهم الكبير عليه أي السياق.

البنود

1

2

3

4

5

6

المجموع

النتائج

1

1

0

0

1

0

3

جدول رقم (6) يوضح نتائج الحالة في البعد الرابع من البرنامج المعلوماتي المصمم

ومجموع نقاطه يساوي: 3 وهي نتيجة ضعيفة جدًّا بالنسبة لمجموع النتائج الكلية في هذا البعد والتي يجب أن تكون مساوية لـ : 12 أي أن نتائج الطفل أقل من متوسط النتائج في هذا البعد وهي ـ:06

جدول رقم (7) يوضح نتائج الحالة في البعد الخامس من البرنامج المعلوماتي المصمم

البنود

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

المجموع

النتائج

0

0

0

0

0

1

0

0

0

0

0

0

0

0

1

0

1

0

3

ومجموع نقاطه يساوي: 3 وهي نتيجة شديدة الانخفاض بالنسبة لمجموع نتائج هذا البعد والتي يجب أن تكون مساوية لـ : 18 أي أن نتائج الطفل أقل بكثير من متوسط النتائج في هذا البعد وهي:09.

5* مقاربة نظرية لخصائص ادراك الانفعالات لدى ذوي تناذر اسبرجر :

يتشكل الإدراك البصري من جملة من العمليات العقلية المتكاملة فيما بينها والتي تهدف إلى تأويل وتفسير المثيرات البصرية وإعطائها المعاني والدلالات، وتحويرها من صورتها الأولية لإعطائها المعاني المناسبة التي ترمي اليها.

وكنشاط عصبي يعتبر جملة من العمليات الدماغية ذات الأساس القشري، وهي من أرقى العمليات الدماغية وأكثرها تعقيدا، وتعتمد على جمع المعلومات والخبرات وإعادة تنظيمها في اتجاه مواجهة الموقف، ويستدعي قدراً عالياً من التخيل والتذكر والاستدلال.

وبناء على ذلك يمكننا تفسير النتائج المبينة آنفا انطلاقا من كون القدرات الفكرية والمعرفية للطفل تبدأ بالاشتغال منذ الولادة، ويتحسن أداؤها من خلال تفاعلها المستمر والمثمر والهادف مع المثيرات الحسية من حوله، مع الإشارة إلى أن لكل مرحلة عمرية متطلباتها ومكتسباتها، ولأن النمو مسألة تكاد تكون نمطية بين الأطفال الأسوياء، فإننا نلاحظ الطفل المصاب بتناذر أسبرجر يختلف عنهم في درجة اكتسابه ومن ثم قدرته الفكرية والمعرفية، وينطبق هذا على مختلف مراحل النمو إلى المراهقة، ونعزز هذا الطرح من خلال ما تم تقديمه في تقرير نمو الحالة.

فبازدياد عمر الطفل يلاحظ زيادة درجة الفارق في القدرات الفكرية والمعرفية حتى سن الثامنة عشرة، ولكن مصابي التوحد من المستوى العالي لديهم تشغيل مختلف لآليات التركيز والادراك وبالتالي بعض المشكلات التي تترتب عنها وهي اختلافات في فهم المواضيع التي يدركونها بشكل مختلف، وموضوعنا هنا الإدراك الكلي للوجوه، وهو ما يفسر اختلافهم عن الأطفال العاديين في استخدام الوظائف المفيدة للتعلم سواء بالخبرة أو التفاعل اليومي مع المجتمع.

كما أن بحوث عديدة أثبتت أن مستوى الذاكرة بعيدة المدى لدى الأسبرجريين أفضل من الذاكرة قصيرة المدى، ويدل ذلك على أنهم يتذكرون الخبرات أو المعلومات التي يتكرر تعاملهم معها لفترة زمنية طويلة، والمشكل المطروح عندهم في الذاكرة قصيرة المدى هو في سرعة ترميزها وتجهيزها للمعلومة وكذا سرعة إرسالها إلى الطويلة المدى، ولذا نجد الكثير منهم يختزنون كل شيء بلا انتقاء، والكلام عن الانتقاء يجرنا إلى الكلام عن الانتباه ويتبعه الادراك وهو ما أثبتته دراسة جون ديسيتي JEAN DECETY 2010.

إضافة إلى أن التمييز بين المثيرات وخاصة الوجوه يتطلب إدراك الخصائص المميزة لكل مثير أي الوجه، ويتم الاعتماد في ذلك على التركيز والانتباه، وتصنيف تلك الخصائص المتعلقة بالوجوه والربط بينها، بالتنسيق مع عمليتي الانتباه والتذكر، كما أن عملية التمييز بين الوجوه المدركة عملية حسية تتأثر بشكل كبير بمستوى أداء الحواس "السمع، البصر، اللمس".

ونستنتج من ذلك أن الطفل ذو تناذر أسبرجر لديه ضعف في التركيز والانتباه خاصة فيما يتعلق مباشرة مع إدراك الوجوه، كما أن نسبة عالية منهم لديهم ضعف حسي، وتختلف درجة الصعوبة في القدرة على التمييز حسب شدة توفر أعراض التوحدية، حيث نجد أن المصابين باضطراب التوحد بدرجة شديدة يتعذر عليهم في معظم الأحيان التمييز بين الأشكال والألوان والأحجام والأوزان، والرائحة والمذاق، أما من لديهم اضطراب بسيط فإنهم يظهرون صعوبات في تمييز الخصائص السابقة.

تحدث صعوبات الإدراك البصري لدى ذوي تناذر أسبرجر حين تختلط عليهم الأمور فلا يرونها أو يميزونها بوضوح بصري تام، وتغلب على إدراكهم للوجوه خاصة ضبابية، فيلتبس عليهم الأمر فيما يتعلق بالملامح والمعاني والانفعالات التي تحملها هذه الوجوه ويترتب عن ذلك صعوبات أخرى نصنفها كما يلي:

صعوبات التمييز البصري بين ملامح الفرح و الغضب ...الخ، وهو القدرة علي التمييز بين الأشكال التي ترمز إليها الوجوه، وإدراك أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بينها، من حيث اللون والشكل والحركة والوضوح والعمق، إضافة إلى صعوبات الذاكرة البصرية للملامح الوجهية وهي عدم قدرة الأطفال ذوو تناذر أسبرجر على استذكار أشكال و حركات الوجوه مرفوقة بالمعاني التي تضمنتها والتي يفترض أنهم اكتسبوها بالتعلم منذ السنوات الأولى من النمو، وإمكانية توفر دلالات مميزة للمثير، فالفرد الطبيعي يجب أن يكون قادرا على استرجاع بعض الصور البصرية وكل ذلك تؤيده دراسة موندون وكليمون MONDON ET CLEMENT 2010.

ويضاف إلى ذلك صعوبات تمييز الشكل والأرضية وفيما يتعلق بالوجوه فإنه من الأهمية بمكان القدرة على الجمع بين كل العناصر المكملة للوجه دون إهمال أي منها والمزاوجة بينها لاستنتاج المعنى أو الملمح الانفعالي الذي يحمله الوجه كاملاً.

هناك عملية عقلية أخرى تتعلق بالقدرة على قراءة سلوك الآخرين من خلال معتقداتهم ورغباتهم من أهم الملكات التي يتمتع بها البشر ومن أكثرها أهمية وضرورة لنجاح تفاعلاتهم اليومية، وذلك بفضل ديناميكية العمليات العقلية ضمن الزمن والخبرات المكتسبة، وتقوم هذه القدرة على نظرية محددة تسمى بنظرية العقل أو نظرية الذهن، وهي آلية يكتسبها الطفل خلال مراحل النمو مثلها مثل بقية القدرات اللغة والتفكير والتذكر والتعلم، كما أنها لا تنفك تعمل إلى جانب الوظائف التنفيذية كم أشارت إلى ذلك دراسة ايميلي بواسو EMILIE BOISSEAU 2010.

يبدأ تشكل الديناميكياتالمعرفية لنظرية العقل في حوالي سن الثالثة لدى الأطفال ذوي تناذر أسبرجر إلا أنها تتميز عندهم بأنها تكون مشوَّهة بعض الشيء ضمن الثلاث مهمَّات التي تتضمنها والتي يمكن للطفل في عمر 4 سنوات أن يؤديها بنجاح حسب متطلبات سنه وهي أولا: فحص المعتقد الخاطئ من الدرجة الأولى وتتطور في حوالي 3-4 سنواتتليها فحص المعتقد الخاطئ من الدرجة الثانية وتتطور في حوالي 6-7 سنواتوأخيرا فحص زلة اللسان وتتطور في حوالي 9-11 سنة.

وفيما يتعلق بارتباط هذه الميكانيزمات الثلاث بادراك الوجوه وفهم المحامل الوجدانية والاجتماعية والتواصلية التي ترافقها فإننا نشير إلى ما بينته النتائج أن الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين الثلاث إلى الأربع سنوات من الأسوياء يمكنهم الإجابة أن على الطفلة أ أن تبحث عن الدمية في العلبة التي وضعتها فيها الطفلة ب، ويتطلب نجاح هذه العملية إدراكا جيدا للوجوه المختلفة في المشهد ومعرفة الانفعالات التي تتضمنها، وهنا نسقط هذا الكلام على الاختبار الفرعي المطبق في الدراسة إذ أن الطفل الحالة لم يتمكن من التنسيق بين الوجه المعروض وبين المواضيع المختلطة والمتداخلة والتي تتناسب مع الملمح الوجهي وهذا لا يتم له إلا بالإعمال الجيد لمهام نظرية العقل مثلما أوردته دراسة كل من ايميلي بواسو EMILIE BOISSEAU 2010 ودراسة ستيفان لارزيل STEPHANE LARZUL 2010.

أما فيما يتعلق بفحص المعتقد الخاطئ من الدرجة الثانية والذي تكون المشكلة فيه على النمط التالي، علي واحمد في القسم، علي يضع شيئا في مكان ما مثل وضع كتاب على الرف، وبعدها يغادر الغرفة، احمد يخبئ الكتاب في مكان آخر، وفي هذه اللحظة يكون علي يسترق النظر عليه وهو يغير موقع الكتاب، وهنا يُسأل الطفل المفحوص عندما يرجع علي ماذا سيفكر احمد حول ما يفكر به علي عن مكان الكتاب ؟ ولحل هذه المشكلة، على الطفل أن يكون عنده القدرة ليتمثل ليس فقط معتقد كل شخص عن مكان الكتاب، ولكن أيضا عن خطأ تفكير علي عن حالة تفكير احمد.

وفي هذا السياق علينا أن نتساءل كم وجهًا يجب أن يدركه الطفل؟ وكم ملمحا يجب ان يفهمه؟ وعندما تتغير الملامح هل يدرك ان الملمح الجديد هو للوجه السابق أم يختلط عليه الأمر؟ علينا الحديث عن وجهين أساسيين هما وجه احمد ووجه علي، إلى هنا الجواب سهل ولكن السؤال الموالي هو: كم مرة يتغير التعبير الوجهي في الوجهين؟ وما علاقة هذه التغيرات بالموقف الذي يدور في المشهد؟ وكم ملمحا يتضمنه كل وجه وهو يقوم بهذا الدور أو ذاك؟ كل هذه أسئلة لها علاقة وطيدة بكيفية استخدام الملامح الوجهية لإعطاء دور ما، ثم بفك رموز تلك الملامح لفهم المشهد كاملا بشكل صحيح والتجاوب معه كما يلزم وإعطاء الإجابة الصحيحة على الاختبار، وقد بينت البحوث أن الأطفال في سن 6-7 سنوات يتمكنون من التعامل مع هذا المعتقد الخاطئ.

وهنا تُبرز دراسة ايميلي بواسو EMILIE BOISSEAU 2010 أهمية نظرية العقل لإدراك الملامح الوجهية ودور هذه الأخيرة لتوضيح المقاصد والنوايا لدى الأفراد، ومنه فإن ذوي تناذر أسبرجر لا ينجحون في أداء مهام نظرية العقل بسبب سوء إدراكهم للوجدانات التي تحملها الوجوه ولا ينجحون في الإدراك الجيد للوجوه بسبب سوء توظيفهم لمهام نظرية العقل، فهناك عنصر معرفي وعنصر عاطفي مؤثر.

كما أن التظاهر في السلوكات اليومية وهو من المراحل المهمة في نمونظرية العقل، إذ تتطلب هذه الآلية العقلية فهمًا للطفل لملامح المحيطين به ليعرف هل حقق هدفه من هذا التظاهر أم لا، ثم إن هذا التظاهر في حد ذاته يستدعي في كثير من الأحيان تمثيلا وجهيا بالفرح أو بالبكاء أو بالألم أو بالاشمئزاز، ويعني هذا القدرة على تمثيل شخصية أخرى يقصدها أو يتخيلها الطفل من خلال تظاهره ذلك، وبهذا ينجح في فهم الحالة العقلية للتظاهر.ويوافق هذا ما أوردته دراسة ستيفان لارزيل STEPHANE LARZUL 2010 بعنوان دور تطور نظرية العقل في التكيف الاجتماعي و النجاح المدرسي لدى الأطفال بين سن 4 إلى 6 سنوات.

بالنسبة للسياق فتتضمن مفاهيمه في الحياة اليومية الكثير من العمليات العقلية التي تستثمر في هذه السياقات لإعادة إنتاجها والاستفادة منها في نواحي تعلٌّمية اجتماعية وحتى أكاديمية، ومن بين أهم الجوانب الاجتماعية التواصلية هو فهم الملامح الوجهية وما تتضمنه من رسائل تواصلية ترتبط مباشرة بالسياقات التي ترافقها، كما أن جوانب التطور الاجتماعي تتضمن التفاعل أو النشاط الاجتماعي مع الآخرين، لذلك فإن القدرة على فهم الملامح الوجهية ضمن السياقات، وانفعالات ومشاعر الآخرين هو أمر مهم للنجاح في إقامة العلاقات الاجتماعية البراغماتية على الأقل، وإن القدرة على استثمار السياقات للتواصل بفعالية مع الآخرين أمر لا يقل أهمية عن تطوير العلاقات الاجتماعية والتعامل مع مهارات الحياة اليومية.

إن فهم السياقات الاجتماعية لدى أطفال أسبرجر ليس كافيا لوحده، حيث أن الكثير من الإيماءات التي يعبر بها الفرد عن مشاعره هي غير لفظية، فعلى سبيل المثال: نغمة الصوت، التعبيرات الوجهية ولغة الجسد، لذلك فإنهم يعتمدون أيضا على فهم اللغة المنطوقة التي يتم استخدامها في المواقف الاجتماعية، إلا أنها تبقى قاصرة هي الأخرى لأنها لا يمكن عزلها عن المؤثرات الأخرى في المواقف الاجتماعية، التي يتم فيها التقاط وتفهم لغة الجسد والرسائل الرئيسية الموجهة له عبر المشاعر، والتصرف بطريقة ملائمة على الرغم من السلامة في مهارات اللغة الشفهية المنطوقة، وهو يؤكد ما اشارت اليه دراسة بغدادلي وديبوا BAGHDADLI et DUBOIS 2010.

إن أطفال تناذر أسبرجر لا يُولون اهتماماً للنظر في وجوه من حولهم حتى أولئك المقربين منهم، وإن كان فهم لا يركزون في تفاصيل الوجوه لفك الرموز التي تشير إليها هذه التفاصيل، ويمكن أن تلاحظ هذه الصفة مبكراً في السنة الأولى من عمر الطفل، ويستدل بها في تشخيص الاضطراب، وبالنسبة للبعض، يعتبر الالتقاء البصري مقلقاً جداً، لأنه على الأرجح يعمل على إثارتهم أكثر من اللازم.

هذه المشكلات عموما في إدراك الملامح الوجهية المعبرة وفهم تفاصيلها يجعلهم يبدون في أغلب الأحيان أنهم ينظرون إلى ما وراء الأشياء التي حولهم ويبدو عليهم بشكل عام صعوبات في تفكيك شفرات الوجوه التي يتعاملون معها، إلا أن التجاوب السمعي والتعود يغطي الكثير من جوانب هذا العجز ويجعلهم يبدون وكأنهم مدركون لتفاصيل التعابير الوجهية وما يحيط بها من معاني متغيرة باستمرار، وإن هذه الرؤية تمنحهم ميزة القدرة لاستيعاب المعلومات الحسّية بمعانيها.

ومعلوم لدى العياديين الممارسين والمربين المتخصصين الذين يعملون مع أطفال توحديين سواء كانوا أسبرجريين أو غيرهم، أن من أبرز سماتهم أنهم يتفادون الالتقاء البصري بشكل دائم ويُبدون حالة ارتباك وقلق عند حدوث ذلك، وهناك البعض منهم من بدا عليه تقبل الالتقاء البصري نسبياً بشكل سريع لكن اتضح لاحقاً أنهم كانوا ينظرون في الحقيقة إلى أشياء ملفتة وجذابة مثل انعكاس وجوههم على النظارات.

وقد يحدث ما يشبه التبادل بالنظر عند ذوي تناذر أسبرجر أحياناً في المحادثات إلا أنها يبدو عليها سمة الفراغ الانفعالي، وقد يحدث أن يقوم المتلقي بالتحديق لفترة أطول من كونها استجابة تواصل ذات طبيعية تبادلية، وقد يتعلم البعض بشكل تدريجي الالتقاء البصري ولكن يجدون صعوبة قراءة تفاصيل المعاني حتى تلك البسيطة التي أدركوها من خلال تجارب التقاء البصر وفهم ما يحدث لهم عندما يكون لشخص ما نظرات معينة، وتلزم الإشارة إلى أهمية التنسيق بين المعاني التي تحملها نظرات الآخرين وبقية ملامح وجوههم.

تشير اختبارات وفحوصات الدماغ في جامعة ويسكونسن ماديسن Université du Wisconsin à Madisonإلى أنّ الأطفال المصابين بالتوحد بجميع أطيافه يتفادون الالتقاء البصري لأنهم يرون في من حولهم من الوجوه الأقرب ألفة تهديداً مزعجاً لهم، إن محاولة استكشاف وفهم وظائف دماغ المصاب بتناذر أسبرجر يمكِّننا من تفسير علاقة هذه الآليات الادراكية للملامح الوجهية بالنمط الموضعي وإثبات علاقتها بالكثير من العمليات العقلية وعلى رأسها الإدراك والكشف عن أوجه الخلل وظيفيا وتشريحيا في الباحات المنوطة بهذه المهام.

ويذكر العلماء أيضاً أن بسبب تجنب الأطفال المصابين بالتوحد من نمط أسبرجر للالتقاء البصري والإمعان في التفاصيل الوجهية، تبقى منطقة الدماغ المغزلية، والمهمة في استيعاب ملامح الوجه وظيفياً، إذ تبدو أقل نشاطاً مما يكون عليه عند تطوّر التركيز البصري العادي للطفل، وبكل وضوح، تنفي دراسة جامعة ويسكونسن ماديسن Université du Wisconsin à Madisonالفكرة الحالية حول أن الأطفال المصابين بالتوحد يواجهون صعوبة في التقدم بسبب خلل في منطقة الدماغ المغزلية.

يقول فيها البروفسور ريتشارد دايفيدسون Richard Davidsonـ أن المنطقة المغزلية للأطفال المصابين بالتوحد على الأرجح طبيعية وتُظهِر حركات نشطة فقط بسبب اثارة منطقة اللوزة لدرجة أكثر من اللازم مما يجعل الأطفال المصابين بالتوحد يبدون غائبين.

وقد وجدت دراسةٌ حديثةٌ أنَّ خللاً وظيفياً في مجموعةٍ مُحدَّدة من خلايا الدماغ قد يُفسِّر لماذا يُواجه بعضُ مرضى التوحُّد صعوبةً في التعرُّف إلى الوجوه وهي الخلايا العصبية المرآتية.

كما ذكر العالم ماكسيميليان ريزينهوبر Maximilian Riesenhuber، المنتمي للمركز الطِبي التابع لجامعة جورج تاون Université de Georgetown: أنه عندما يعالج الدماغ الوجوه، نحتاج إلى أن تستجيبَ الخلايا العصبية بشكل انتقائي، بحيث تتعرف كل خلية عصبية إلى مظهر مُختلف لوجوه الأشخاص، تحتاج الخلايا العصبية إلى أن تُضبط بدقة لفهم ما هو الاختلاف بين وجه وآخر.

وقد بينت الكثير من الأبحاث دور العصبونات المرآتية مثل دراسة سالاديني و ليوتي SALADINI et LUAUTE 2009 وهو ما يؤيدأن التعرف على الملامح المجزأة للوجوه وفهمها بشكل عام ومتناسق يمنح الأفراد ما يلي:

  • التعرف الجيد على ملامح شخصية الآخرين بالتحديد لكل شخص وليس على وجه العموم.
  • تقدم ميزة وأفضلية فورية في فحم المحامل الوجدانية لوجوه الآخرين وجهاً لوجه، أو من خلال الصور.
  • أفضل الطرق للتقمص والدخول في الحالات العقلية للآخرين.
  • حجم المعلومات التي تحصل عليها منقراءة الوجهأكثر بكثير من الطرق الأخرى

ويتفق هذا مع ما أشارت إليه دراسةاندونسون وبور ANDANSON et POURRE 2011 عن فرق التدريب على المهارات الاجتماعية للأطفال والمراهقين ذوو تناذر أسبرجركما يمكن الاستفادة من التعرف على الملامح الوجهية للأغراض الحياتية والتي يجد فيها ذوو تناذر أسبرجر صعوبة كبيرة.

وحسب دراسة سالاديني و ليوتي SALADINI et LUAUTE 2009 بعنوان الظاهرة النفسية الجينية الجماعية، فرضية العصبونات المرآتية فإن هذه الأخيرةتساعدنا على فهم الآخرين بشكل غريزي ودون إدراك من جانب الشخص، مع تقديم افتراضات أولية تتعلق بهذا الشخص استنادا إلى التجارب الخاصة السابقة مع ذلك الشخص أو مع أشخاص آخرين، لديهم أحركات وجهية جزئية شبيهة بذلك الشخص.

وبالنسبة لـ بغدادلي وديبوا BAGHDADLI et DUBOIS 2010 يعود سبب انتقاء ملامح الوجوه قبل إبداء ردود الأفعال نحوها إلى كونه أكثر أجزاء الجسم بروزاً وتوضيحاً لمكنونات النفس وخباياها. فالوجه يتألّف من مجموعة ملامح مُميَّزة، كالشكلوالحاجبين والعينين والأنف والفم، ويُشكّل اثنان منها، وهما العينان والفم، ملامح كثيرة الحركة تقدِّم بذلك كمية كبيرة من المعلومات عن الشخص الكامنوراء الوجه، إضافة إلى ذلك، يتغيّر لون الوجنتين وفقاً للعواطف والانفعالات الفورية، التي تنتاب الشخص،ويتناول قراءة الوجه أموراً تجري على أساس الحدس، وينقل ما تم ادراكه إلى العقل الواعي؛ مما يمكننا من قراءة الوجوه بشكل متّسق إلى حد ما كلماشئنا ذلك، ويمكن تطبيق ذلك في تحليل الشخصية، أو لاكتساب نفاذ البصيرة فيما يتعلق بالوضع الصحي الخاص بنا أو بالأشخاص الآخرين وهو ما يتوافق مع دراسة فونسيكا و ديرويل FONSECA et DERUELLE 2010 بعنوان التعرف على الانفعالات و تناذر أسبرجر.

6* خلاصة الدراسة:

يمكن الانطلاق من دراسة جون ديسيتي JEAN DECETY 2010 بأن المقدرة على ادراك انفعالات الملامح الوجهية جزء لا يتجزأ من الاتصال، لأنه يربط بين ذهن المرسل وذهن المتلقي، وهو المقدرة عن فهم الحالة الذهنية لشخص آخر، كأن تقول لشخص آخر أنني أدرك مشاعرك. وتعتبر أيضا قيمة ادراك الانفعالات الوجهية التي يستغلها الأفراد بما فيهم الأطفال في وجوب توافر ثلاثة عناصر مهمة وهي:الوسائط مادية للاتصال، ثم التغذية الراجعة وتليها المقدرة المعرفية على الإدراك.

وإذا تعلق الأمر بالاستفادة من كل ذلك من خلال الملامح الوجهية فإننا بصدد الكلام عن التقمص الوجداني للملامح الوجهية ولهذا كان تركيز هذا البحث على التقمص المتعلق بالملامح الوجهية لأنه يلمس مشكلتين لدى ذوي تناذر أسبرجر الأولى عن علاقة التقمص بنظرية العقل والأخرى ارتباطها الوثيق بفهم الملامح الوجهية وفوق كل ذلك أداء الخلايا العصبية المرآتية إزاء هذه الوظائف .

إذا أضفنا هذا الكلام على موضوعنا وهو أهمية الملامح الوجهية في إحداث التقمص الوجداني لدى الأطفال ذوي تناذر أسبرجر فإننا سنرى أن لها دورا بالغا لكمادة يتم التركيز عليها للدخول في الحالة العقلية والوجدانية للآخرين، أو هو أهم بوابة لهذا التبادل المهم لتحقيق حلقة الفعل وردة الفعل وتطويرهما وإعطاء تغذية راجعة من نوعين الأولى لإعطاء الاستجابة الفورية المتعلقة بالموقف الراهن والأخرى لتليين هذا الموقف عقليا استعدادا لحدوثه مستقبلا وربما مع أفراد آخرين.

كما أن لتفكيك رموز الملامح الوجهية للدخول في علاقة مع الآخر أهمية قصوى في تشكيل فكر الفرد وسلوكه واتزانه، وانجاح علاقاته وتتعدد وجوه هذا الآخر لتصل في أقصاها إلى الذات نفسها في مختلف تمثلاتها، فقد يكون هذا الآخر فردا من أفراد الأسرة التي يتعامل الطفل أو المراهق الأسبرجري يوميا، مثل والإخوة والأخوات، ثم يتسع هذا الآخر ليشمل المجتمع بأكمله، ممثلا في الأصدقاء والمعارف.

المراجع:

  1. Adolphs R, T. D. (1994). Impaired recognition of emotion in facial expressions following bilateral damage to the amygdala. Nature (372), pp. 669-672.
  2. American Psychiatric Association. (2013). DSM-5. Arlington: American Psychiatric Publishing.
  3. Ashwin, C., Baron-Cohen, S., Wheelwright, S., O'Riordan, M., & Bullmore, E. T. (2006, Avril). Differential activation of the amygdala and the 'social brain' during fearful face-processing in Asperger Syndrome. (Elsevier, Éd.) Neuropsychologia (14), pp. 13-26.
  4. Astington, J. W., & J.Edward, M. (2010). Le développement de la théorie de l'esprit chez les jeunes enfants. Encyclopédie sur le développement des jeunes enfants , pp. 1-7.
  5. Baron-Cohen. (1995). Mindblendness, An essay on autism and theory of mind. Cambridge: MIT Press .
  6. Beaulne, S. (2010). L’autisme selon la théorie neurodéveloppementale. Le journal sur les handicaps du developpement , 46-62.
  7. Bédard, K. (2006). Impact des retards intellectuels sur la réussite aux épreuves de la théorie de l'esprit chez les enfants présentant un trouble envahissant du développement. These .
  8. Blair, R. (2005, Fevrier). Responding to the emotions of others: Dissociating forms of empathy through the study of typical and psychiatric populations. (Elsevier, Éd.) Consciousness and Cognition (04).
  9. Bloom P, B. S. (2004). Uniderstanding children's and adult's limitations in mental state reasoning. Trends in Cognitive Science (6), pp. 255-258.
  10. BOISSEAU, É. (2010). LA THÉORIE DE L'ESPRIT CHEZ LES SCHIZOPHRÈNES PARANOïDES. These , 63-80.
  11. Bonda E, P. M. (1996). Specific involvement of human parietal systems and the amygdala in the perception of biological motion. Journal of Neuroscience (16), pp. 3737-3744.
  12. Boulanger, C., & Lançon, C. (2006, Mais). L'empathie: réflexions sur un concept. Annales Médico psychologique (164), pp. 497-505.
  13. Bradley C Duchaine, H. P. (2003). Normal recognition of emotion in a prosopagnosic. Perception , 827 ^ 838.
  14. C. Mondon, M. C. (2011). Expe´ rience d’un groupe d’habilete´ s sociales : une anne´e de pratique avec trois adolescents porteurs du syndrome d’Asperger. Annales Médico-Psychologiques (169), 149–154.
  15. C.Harris, J. (2003, avril). Social neuroscience, empathy, brain integration, and neurodevelopmental disorder. Physiology and Behavior (79), pp. 525-531.
  16. Calder A, Y. A. (1996). Facial emotion recognition after bilateral amygdala damage. Differentially severe impairment of fear. Cognitive Neuropsychiatry (13), pp. 699-745.
  17. Calmels, C. (s.d.). Base Neural de l'Observation: Contribution des Travaux en Imagerie Cérébrale et en Neurophysiologie. pp. 546-547.
  18. Carlson S M, M. L. (2001). Individual differencies in inhibitory control and children's theory of mind. Child Development (72), pp. 1032-1053.
  19. Castelli F, F. C. (2002). Autism, Asperger syndrome and brain mechanisms for the attribution of mental states to animated shapes. Brain (125), pp. 1839-1849.
  20. Centelles, L. (2010, Avril 22). Comprendre une interaction social : par le corps en action, contribution du mécanisme miroir et implication dans l'autisme. pp. 14-85.
  21. Decety, J. (2010, Mars 01). La Force de l'empathie. Cerveau et psycho (38), pp. 43-49.
  22. Decety, J. (2010). Mécanismes neurophysiologiques impliqués dans l’empathie et la sympathie. Rev Neuropsychol (2), 133-44.