المجموعات الاجتماعية في المدينة الصحراوية بين التمايز والذوبانpdf

 

 

 

خليفة عبد القـادر

مخبر تحول التشكلات الاجتماعية (LMCS)

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

خلاصة

         المجال العمراني في الصحراء الجزائرية هو مجال تميز بعراقته التاريخية وتنظيمه على أسس البنية الاجتماعية التقليدية، ذو تناغم كلي مع البنية الاجتماعية التقليدية لمجتمعات الصحراء مستجيبا لظروفها البيئية والثقافية كونه مجالا مهيئا من مجهود وتراكم عبقرية هذه المجتمعات. كما جاء مستجيبا استجابة كلية للظروف المناخية القاسية التي تتميز بها الصحراء، وتحكمت به أيظا الظروف السياسية والاقتصادية والدينية والرمزية لتلك المجتمعات. إن تحليل ودراسة الوظعية التقليدية هذه هي التي توفر لنا إمكانية المقارنة التاريخية من خلال التحولات الاجتماعية والمجالية التي شهدتها المجتمعات الصحراوية ومجالها العمراني، وتمييز صور والإنقطاعات التي شهدتها مجتمعات الصحراء ومجتمعات المدن والقصور الصحراوية بالخصوص مع  ماضيها الاجتماعي والثقافي ابتداء من المد الاستعماري إلى ظروف التمدن وتطور مجال المدن المتنامي والذي انقطع مع كل صور التناغم مع البيئة الصحراوية والنظام الاجتماعي والثقافي والمرجعية الرمزية لسكان الصحراء مما ولد حالات الاغتراب لدى هذه المجتمعات التي هي في طور التحول.  

Résumé         

L'espace urbain dans le Sahara algérien est caractérisé par sa profondeur historique et son organisation qui s'appuie sur les bases d’une structure sociale dont la cohérence répond aux conditions environnementales et économiques. Une lecture de l’espace nous révèle le génie de ces sociétés mais aussi sa diversité. Cet espace abrite différents groupes sociaux, nomades, semi-nomades, villageois, élites commerciale et politique qui vivent à des rythmes différents les mutations sociales et urbaines en cours. L’article apporte un éclairage sur les groupes sociaux qui agissent aujourd’hui dans la ville saharienne.

Mots clefs : Sahara algérien, structure sociale, ville saharienne, groupes sociaux, espace urbain

مقدمة

بالرغم من التعارض بمكان أن تكون "الصحراء" عمرانا.... هذا الفضاء الموحي بالخلاء والامتداد والفراغ.... الصحراء اليوم هي "المدن" !!! والمفارقة أيضا أن تكتشف الصحراء اليوم من خلال "العمران" بل ومن خلال تسارع العمران وتكاثفه، وأيضا سرعة التحولات الإجتماعو- ثقافية، التي هي واقعه اليوم.

لم تعد الواحة، أبدا...تلك الصورة النمطية التي طالما رسمها الفلكلور السياحي، في ذهنية المواطن العادي، عبر قنوات الإعلام،  نقطة ماء في امتداد من كثبان الرمال، أو تلك المدينة الشرقية الخيالية من صور ألف ليلة وليلة.

الواحة، اليوم، هي مدينة، هي متروبول، هي شبكات عمران،  خلفت ورائها نخيلها، ونقطة ماءها الوحيدة  والمدينة التاريخية قفزت فوق أسوارها، نحو واقع جديد، واقع التحولات الاجتماعية والمجالية، واقع العولمة، واقع التوترات، واقع الأنسنة بكل معانيها المتعلقة بالواقع الصرف، واقع المعيش اليومي للأفراد والجماعات، الجماعات الواقعية أو الافتراضية.

هذه التحولات التي انطلقت تاريخيا ابتداء من الفترة الكولونيالية، والتي أريد للصحراء خلالها أن تكون فضاء إستراتيجيا لخدمة " المتربول الاستعماري"،  النتيجة أن اجتثت هذه الفضاءات وبعمق من بنية طالما تهيكلت عبرها عمرانيات الصحراء، متميزة بالتناغم البيئي والتكامل الاجتماعي بنية  نسميها "تقليدية".

هذه الديناميكيات – المجالية والاجتماعية -  التي جددت دور الصحراء كفضاء محوري إستراتيجي، بعد التهميش والأفول الذي حل بها عقب تحول طرق التجارة الدولية نحو المحيطات، نتيجة التطور الذي شهدته أساليب الملاحة البحرية على يد البرتغاليين والإسبانوالذي أنهى وللأبد مؤسسة معارف العرب، مؤسسة الملاحة الصحراوية...في حدود القرن الخامس عشر، معلنة بذلك انهيار تجارة القوافل التي طالما أعطت لصحراء شمال إفريقيا منذ القرن الثامن الأهمية التجارية والسياسية بربط أهم ممالك المغرب الأوسط ببلاد السودان الغربي المشهورة "بطريق الذهب"، والتي كانت الركائز الأساسية لتطور واستمرار تلك الممالك التاريخية الرستميين القرن 8، الزيريين القرن 10، الحماديين القرن11، الموحدين القرن13.

هذه العمرانية "الجديدة" هي مجالية،  وأيضا اجتماعية، أي مجالية، وهوياتية، يحاول الفاعلون الاجتماعيون مجموعات أو أفرادا فيها إعادة التوازن من جديد، إعادة تركيب بنياتهم الاجتماعية  والثقافية، والتي تعرضت بقوة وبعنف وبعمق للاجتثاث وللغربة ولفقدان الهوية أو التهديد بفقدانها.

بعد موجة الاستقلال  توج بها كفاح شعوب المغرب وساحل الصحراء لمعظم البلاد التي تمتد حدودها للصحراء لتأخذ بعدا جديدا، بعد التنمية،  في حالة الجزائر، مثلا – وأيضا هو واقع الحال في ليبيا وتونس وموريتانيا،  كان الاندماج ضمن المجتمع الوطني العام، لتأخذ الصحراء بعد التنمية المفتاح الذي أهل هذا الفضاء والامتداد الجغرافي الشاسع نحو مشروع تنمية شاملة وتحول كامل لا يزال في طور التجسيد، في معظم هاته البلاد، لا زلنا لم ندرك معالمه ولا نفك ألغاز توتراته ولا اتجاهاته، لسبب تعدد وتعقد وتشابك المتغيرات في مصادفة عولمية (المحلي، الجهوي، الإقليمي، الوطني، الدولي) وهذا هو ركن التفكير والبحث في هذا الموضوع.

1.   البنيات التقليدية في الفضاء العمراني الصحراوي.

لمحاولة فهم حركية المجموعات الاجتماعية التي تشكل اليوم التركيبة الاجتماعية لمدن الصحراء لا بد من تحليل وضعها التقليدي، وتلخيص النظرة إليها من خلال أهم المجالات في نظرنا وهي مجال التنظيم الاجتماعي والنشاط الاقتصادي والمجال السياسي ومركباته وأيضا المعتقدات الدينية كونها المجالات الهامة التي لعبت الدور الأساسي في وجود شبكة القصور والمدن ديمومتها ودورها، وفي هذه المداخلة يحتم علينا الموضوع التركيز على مجال البنية الاجتماعية للمجموعة الاجتماعية

يمكن أن نلاحظ أن الإحساس القوي بوحدة القبيلة عند البدو المتمدنين بقي موجودا رغم عشريات من التمدن والتثبيت، هذه الهيكلة الاجتماعية لا تزال فاعلة عند المجموعات الاجتماعية وحتى تلك التي كان تمدنها يمتد إلى الثلاثينات تقدم  دلالة لمسناها عبر التقصي الميداني على بقاء هذه الروابط واستمرارها تجمعهم في أحياء معينة في أحياء المدن في شكل تجمع من العائلات من عرش واحد أو فرقة واحدة أو أبناء عمومة في حي واحد، مدينة ورقلة أهم مدن الصحراء الجزائرية تقدم النموذج الواقعي لذلك، إذ أغلب أحيائها ما عدا القصر القديم هي أحياء تمدن البدو. كما أن الروابط التي تجمعهم بمناطقهم الأصلية الجغرافية بقيت قائمة بالرغم من البعد الجغرافي تبقى وحدة القبيلة والعرش هي الهيكل الاجتماعي القائم بمؤسساته التقليدية والرقابة القبلية التي يمارسها كبار السن هذه الروابط بالمنطقة الأصلية.

إن توزيع المجموعات الحالي والقائم أساسا على قواعد سوسيو- إقتصادية، وتاريخية يبقى غير كاف لوحده في حقيقة الأمر لفهم حقيقة البنيات الاجتماعية التي تتشكل في هذه المدن. فمنذ قرون عديدة والعلاقات والبنيات الاجتماعية لمجتمعات الصحراء كانت منظمة من خلال الروابط القرابية التي هي في الأساس تشكل بنية الأسرة ، العائلة، العرش، أين أعضاء كل تشكيل من هذا يدعون الانتماء لجد مشترك (سواء كان واقعيا أم رمزي) من خلال قاعدة سلالية أبوية، والمصاهرات القائمة على الزواج وانضمام الأنثى إلى مجموعة جديدة تشكل التحالفات التي تشكل بدورها "الفدرالية القبلية"، من خلال زواجية داخلية endogamie قوية، أين تصبح العائلات الكبرى هي الناظمة لهذه الرمزية.

في الوضع الحالي هذه التنظيمات الاجتماعية تجد نفسها في المدينة في الأحياء الحضرية في مساكن فردية وجماعية. إن العلاقات السلالية لا تزال تحدد المسار العمراني والفعل الاجتماعي في المدينة وفي الواحات، التملك والسلطة يمران حتماً عبر الانتماءات القرابية التي لا تزال تشكل الحامي للبنية الاجتماعية، ولا تزال تشكل رأسمال اجتماعي فاعل وواقعي. هذه الروابط الاجتماعية هي ليست في الواقع مجمدة. إن التفاعلات بين المجموعات الاجتماعية داخل المدينة، المدن فيما بينها الحضريين القدامى والبدو المتمدنين تؤدي إلى تحالفات جديدة من خلال مصاهرات جديدة، إنها تشكلات جديدة تخترق البنيات التقليدية استجابة لحتميات " المدينية " الجديدة تعيد تعريف الروابط السلالية من جديد من خلال تعقيدها أكثر فأكثر.

إن القراءة المتمعنة في هذه الخلاصات التي قدمها علماء وباحثي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ابتداء من دوركهايم، مارسيل موس، ليفي ستراوش، بيار بورديو، في الجانب النظري وجاك بيرك، ومن خلال المعيش والملاحظة الميدانية تشكل لنا القناعة، أنه في غياب سياسة عمرانية وحضرية اجتماعية، انبرى البدو المتمدنين أنفسهم والمزارعون القدامى أيضا من خلال ممارساتهم من خلال استراتيجياتهم الاجتماعية من خلال تمثلاتهم، تعايشهم هم الذين يصنعون مدينيتهم اليوم في مدن الصحراء الجزائرية.

تتلخص هذه المجموعات في نمطين أساسيين:

أ- المجموعات المدينية: أو المجموعات الحضرية، علما أن الحضرية، كأسلوب في الحياة والانتظام ليست جديدة في الصحراء، تاريخا عريقا من التمدن والعمران المتكاثف، تحدثنا عنه جميع المصادر التاريخية وآداب الرحلات، عززتها تجارة القوافل التي امتدت منذ القرن الثامن الميلادي إلى الثامن عشر طيلة 10 قرون، كانت هذه المدن والحواضر هي المحطات التجارية للقوافل العابرة لمحيط الصحراء.

تبدأ عمرانية الصحراء من القصور، كأصغر وحدة، القصور مرتبطة بالإنتاج الفلاحي، إذ أن تعبير القصر الصحراوي هو سكن الفلاحين أساسا. هؤلاء، المنسيون دائما من المؤرخين والباحثين، حسب التسميات لقصورهم وأدواتهم، هم مجموعات بربرية قديمة، تمازجت مع أصول إفريقية في فترات تاريخية متباعدة، تشكلت منهم مجموعات فلاحية أصيلة مستقرة ذات مواصفات عالية في التمدن وقيم العمل والنظام الاجتماعي والفنون والحرف، إن ما نراه من بساتين النخيل في أغلب مدن وقصور الصحراء هو من إنجاز هاته المجموعات. 

ثم تتدرج التنظيمات الاجتماعية متصاعدة حسب السلم الاجتماعي نحو مجموعات النخب المدينية،هي في الغالب مجموعات حضرية تجارية وحرفية تتخذ من المدن محطات تشرف على حركة قوافل التجارة، أو تمارس الحرف والصناعات اليدوية، مجموعات اجتماعية منظمة ومهيكلة ذات تقاليد حضرية عريقة، أصولها متعدد منها المحلي أو المهاجر، تقاس حسب إشعاع المدينة التاريخية ومكانتها في السلم التجاري أو السياسي والديني. يضاف إلى هذه التركيبة، النخب الدينية من مؤسسي الزوايا أو أحفادهم أم مريديهم كشرائح اجتماعية تخصصت في الجانب الديني الدعوي والثقافي أيضا المرتبط أصلا بالمؤسسة الدينية " الزاوية" في الأغلب كتنظيم انتشر في كل أرجاء الصحراء والمغرب، على رأس كل ذلك الطبقات السياسية أو مجموعات الحكم والتي كان دورها الربط والتوازن بين المجموعات والشرائح وأيضا الارتباط الإستراتيجي مع القبائل والعروش المحيطة بالمدينة الصحراوية أو الواحة و تكون إما نخب محلية تتفاوض سلما أو حربا مع القوى الإقليمية (ممالك أو دول ) وأيضا قوى دولية ..

ب. المجموعات البدوية وشبه البدوية:

تتمثل هذه المجموعات في شبكة واسعة من البدو وأنصاف البدو[1](semi-nomades)، مجموعات ارتبطت بالوسط الصحراوي أو هوامش الصحراء، منذ القرن العاشر، عشريات من التمدن غيرت كثيرا من طرق وأنماط حياتهم، الفترات الطويلة من الجفاف التي أصابت مناطقهم في الصحراء أو على الهوامش الصحراوية شمال الصحراء التي ينتشرون فيها، وعوامل التحولات التي أدخلت على الواحات منذ بداية القرن العشرين، ساعدت في تسارع عملية تمدنهم، في مدن الواحات [2] . في ظروف الصحراء الجديدة لم يكن البديل أمامهم من خيارات سوى التمدن أو التهميش، هذا التمدن الذي أحيا إشكالية التمييز بين نوعين من الحياة الريفية في الصحراء، البدو والسكان القرويين في الواحات والعلاقات بين هذه المجموعات المتمايزة اجتماعيا وثقافيا مع عالم سكان الواحات من فلاحي النخيل، هذا التمايز الذي يطرح في ميدان دراستنا ، وبشكل واضح مشاكل تمدن البدو، والعمران في المدينة وعلاقات هذه المجموعات الاجتماعية بالمجال وبالحياة في المدينة وأيضا بقايا علاقاتها مع عالم البدو والريف.

في الوضع التقليدي القديم وكما بينا في الفصل المتعلق بالمجال التقليدي قامت علاقات تاريخية طويلة بين مجتمع الواحات وقبائل البدو في الصحراء علاقات قامت قديما على أساس التكامل يظهر في تقاسم العمل والمقايضة والمبادلات والحماية، علاقات دامت طويلا زمن ازدهار القوافل التجارية، يظهر في قوة من التماسك الاجتماعي الذي كان قائما بين البدو والرحل من التجار أو المحاربين أو الرعاة المربين الذين يضمنون المبادلات وحركة السلع وحماية القصور في إطار من التحالفات والولاءات،  والقصور وسكانها من الفلاحين "الخمامسة"، وسكان المدن من الإقطاعيين والملاك الكبار الذين يجمعون الفائض من المبادلات التجارية لإنشاء المزيد من النخيل والملكيات الواحاتية، التي هي أساس حياة التجمعات الحضرية في الصحراء هذه المحيطات الفلاحية التي تعيش من أجلها القصور وأهلها، هذا النظام الذي وصفه Capot REY في كتاباته حول الصحراء[3]، أين كانت الوضعية بسيطة غير معقدة ديمومتها التاريخية بما يقرب من الألف سنة من هذا النظام الذي عزز التعاون الاقتصادي والتعايش الاجتماعي في مراحل قديمة، بمقارنته بالوضع الحالي نتيجة التحولات، هذا النظام قد تحول وبشكل عميق وأفضى إلى نوع المواجهة الخفية وعلاقات القوة تظهر ملامحها في قضايا المجال وتملكه وتشكيله.

2.   التحولات، عناصر إعادة تشكيل بنيات "تقليدية" في حضري متسارع.

عمليات اجتثاث عالم كامل وثقافة بأسرها من الوجود، عالم البداوة، والذي انقرض من بين أيدينا، كثقافة كلية قائمة بذاتها، روئية  وتمثل للعالم، وأيضا كمعرفة بيئية وتوازن كلف البشرية في هذا الجزء من العالم آلاف من السنين لتطوير بنيته، نجده في بضعة عشريات ينقرض للأبد، مخلفا ورائه مجموعات اجتماعية بدوية وشبه بدوية تتكدس كأشلاء بنيات اجتماعية  ما تحت بروليتاريا على هوامش المدن والواحات مليئة بالغربة، هذا الوضع هو من أهم الآليات التي تفسر ما يجري من توترات سببها المباشر هو آليات إعادة تشكيل هذه البنيات التي تعرضت للتفكك.هذه النتيجة الأساسية والكبرى واللافتة لأهم تحول تشهده الصحراء في المائة عام الأخيرة.

التوسع المجالي العمراني لأغلب مدن الصحراء اليوم ، يتوافق تماما أو يكاد يتطابق مع التوزيع المجالي التقليدي للمجموعات الاجتماعية المشكلة لسكان المدينة، المدين بشكل عام، سواء كانت مجموعات اجتماعية من الحضريين القدامى مزارعي النخيل من أحفاد المجموعات البربرية القديمة التي استوطنت القصور ، إلى توطنات البدو وأنصاف البدو الأوائل ابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين، إلى التنثبيت النهائي للبدو في حدود نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات وانتهاء بأحياء التوسعات الجديدة.

التأكد من مدى الاندماج الاجتماعي بين المجموعات الاجتماعية من خلال التحول الاجتماعي في مجال "المدينة  الحضرية"، هل هو في اتجاه حضرية أو مدينية حقيقية ؟ أم مجرد إعادة تشكيل للمجموعات الاجتماعية، واستمرار التعايش والتجاور في المجال، مع إبقاء لروح الروابط السلالية التقليدية لكل مجموعة اجتماعية من مجتمع الصحراء؟

إن التحولات الاجتماعية، التي هي في الواقع وحسب التأكيدات التي أمكننا الوصول إليها من خلال العمل  الميداني، ما زالت في طور التشكل، حتى أنه في قناعتنا، أنه لا يمكننا في الوقت الراهن وبصفة استعجالية التحدث عن " بنيات إجتماعية مكتملة "، كون البنية في جوهرها شيء متكامل ونهائي، " أن الإجتماعي لا يكون اجتماعيا إلا إذا انتمى إلى بنية"[4] ( ليفي ستروش).أو كما أكد (مارسيل موس) في نصه الشهير " لا معنى للجزء إلا من خلال الكل"[5]. إذ يعتبر من المؤسسين للعلوم الأنثروبولوجية، فهو الذي اكتشف مفهوم الكلية الذي يعني أنّ الظاهرة الإجتماعية لا يمكن أن تكتسب معناها إلا بإرجاعها إلى النّظام، أي إلى البنية التي تنتمي إليها، إذ أن الكلّ هو الذي يعطي المعنى للجزء وليس العكس[6]. بهذه القناعة فإننا في الواقع أمام مشكلة منهجية عويصة، كوننا في حقيقة الأمر بصدد الحديث عن" تشكلات " اجتماعية لا تزال في طور عملية التحول والتشكل في  مدن الصحراء الجزائرية.

من هذا المنطلق الذي يفرضه الواقع الميداني، كما تدعمه الإرتكازات النظرية، وبالنظر إلى (بورديو وصياد)، وتحليلهما عما عناه المجتمع الجزائري عموما في الفترة الكولونيالية من "إجتثاث"، فهل يمكن الحديث الآن في الجزائر عموما والصحراء بالخصوص عن "بنيات" اجتماعية في "مدن"؟ فلا البنيات مكتملة وواضحة المعالم ولا المدن ينطبق عليها ما هو متعارف عليه دوليا من تعريف للمدينة. في حالتنا الراهنة لا يمكن الحديث سوى عن حالات من التحول التحول الاجتماعي في مجال "المدينة  الحضرية"، هل هو في اتجاه حضرية أو مدينية حقيقية ؟ أم مجرد إعادة تشكيل للمجموعات الاجتماعية، واستمرار التعايش والتجاور في المجال، مع إبقاء لروح الروابط السلالية التقليدية لكل مجموعة اجتماعية من مجتمع الصحراء؟

إن التحولات الاجتماعية، التي هي في الواقع وحسب التأكيدات التي أمكننا الوصول إليها من خلال العمل  الميداني، ما زالت في طور التشكل، حتى أنه في قناعتنا، أنه لا يمكننا في الوقت الراهن وبصفة استعجالية التحدث عن " بنيات إجتماعية مكتملة "، كون البنية في جوهرها شيء متكامل ونهائي، " أن الإجتماعي لا يكون اجتماعيا إلا إذا انتمى إلى بنية"[7] ( ليفي ستروش).أو كما أكد (مارسيل موس) في نصه الشهير " لا معنى للجزء إلا من خلال الكل"[8]. إذ يعتبر من المؤسسين للعلوم الأنثروبولوجية، فهو الذي اكتشف مفهوم الكلية الذي يعني أنّ الظاهرة الإجتماعية لا يمكن أن تكتسب معناها إلا بإرجاعها إلى النّظام، أي إلى البنية التي تنتمي إليها، إذ أن الكلّ هو الذي يعطي المعنى للجزء وليس العكس[9]. بهذه القناعة فإننا في الواقع أمام مشكلة منهجية عويصة، كوننا في حقيقة الأمر بصدد الحديث عن " تشكلات " اجتماعية لا تزال في طور عملية التحول والتشكل في مدن الصحراء الجزائرية.

من هذا المنطلق الذي يفرضه الواقع الميداني، كما تدعمه الارتكازات النظرية، وبالنظر إلى (بورديو وصياد)، وتحليلهما عما عناه المجتمع الجزائري عموما في الفترة الكولونيالية من "إجتثاث"، فهل يمكن الحديث الآن في الجزائر عموما والصحراء بالخصوص عن "بنيات" اجتماعية في "مدن"؟ فلا البنيات مكتملة وواضحة المعالم ولا المدن ينطبق عليها ما هو متعارف عليه دوليا من تعريف للمدينة. في حالتنا الراهنة لا يمكن الحديث سوى عن حالات من التحول، من إعادة التشكل الاجتماعي، من ممارسات يومية وحياتية، من تمثلات مليئة بحالات الاغتراب و(الأنوميا) أو اللامعيارية[10]. هذه القناعات لم يكن بالإمكان التأكد من إنطباقها على ميدان دراستنا  إلا من خلال التعمق فيه، وذلك بتعبئة الأدوات المنهجية النوعية، ومحاولة تحليل الخطاب، خطاب المعنيين، والتي قادتنا عبر المعايشة، عبر المحادثات، إلى تلمس واقع المجموعات الاجتماعية لدراسة تحولاتها الاجتماعية، مجموعة بمجموعة من خلال علاقاتها بمجالها الحضري أولا والإقامة ثانيا وحتى السكني، بتتبع إستراتيجياتها الاجتماعية وتمثلاتها، ثم علاقاتها فيما بينها، كمجموعات متعايشة أم مجتمع حضري في طور التكوين.

إن عمليات إعادة التشكل تتمظهر عموما في الإستراتيجيات الاجتماعية و التمثلات وأيضا الممارسات، هذه هي المؤشرات في نظرنا التي يمكن لها أن تفسر كل عملية إعادة التشكل وإعادة البناء الاجتماعي، إن توليف الأرصدة الاجتماعية والثقافية لصراع الترقي الاجتماعي والبقاء الهوياتي، إن أرصدة كالتعليم، الملكية، والسلطة. هي ما يمتلكه الأفراد أو ينشدونه.



[1] أنصاف البدو نقصد بهم المجموعات التي تمارس الرعي وتربية الماشية إلى جانب زراعة النخيل غير المسقية " الطلوع" في الأحواض المنخفضة وتعيش شبه استقرار أو التنقل في مساحات جغرافية محدودة لا تتعدى في الغالب 100كم. ( الباحث).

[2] Jean BISSON «  le nomade, L’oasis et la ville » URBAMA, n °20, 1989, p 5.

[3] CapotREY «  le Sahara Français » PUF; 1953; Paris. p 564

[4]Claude LEVI-STRAUS : « Anthropologie structurale » PLON Paris, 1974.

[5] Mauss Marcel ; Sociologie et Anthropologie.9éme éd. Paris ; Presse universitaire de France. 1950.

[6]  البشير التليلي، البداوة المُطاردة: ملاحظات أولية للبحث في أثر فعل الحداثة في البداوة. في إضافات المجلة العربية لعلم الاجتماع، الجمعية العربية لعلم الاجتماع ومركز دراسات الوحدة العربية.العدد الثاني ربيع 2008. ص213.

[7]Claude LEVI-STRAUS : « Anthropologie structurale » PLON Paris, 1974.

[8] Mauss Marcel ; Sociologie et Anthropologie.9éme éd. Paris ; Presse universitaire de France. 1950.

[9]  البشير التليلي، البداوة المُطاردة: ملاحظات أولية للبحث في أثر فعل الحداثة في البداوة. في إضافات المجلة العربية لعلم الاجتماع، الجمعية العربية لعلم الاجتماع ومركز دراسات الوحدة العربية.العدد الثاني ربيع 2008. ص213.

[10] يستخدم مصطلح الأنوميا للدلالة على الموقف الاجتماعي الذي يشهد صراعا بين المعايير وبين الجهود التي يبذلها الفرد للإمتثال معها، أو الموقف الاجتماعي الذي تنعدم فيه المعايير نتيجة لتغيرات اجتماعية وثقافية تقلب التوقعات السلوكية العادية للفرد. محمد عاطف غيث: " قاموس علم الاجتماع"، دار المعرفة الجامعية، الأزريطة الإسكندرية، 1995. ص 23.