تطور الحركة الجمعوية في المدن الصحراويةpdf

- حالة ورقلة-

شليغم غنية

تومي فضيلة

جامعة ورقلة (الجزائر)

لقد أدى التطور الحضري الذي شهدته الجزائر إلى نمو وعي ثقافي و اجتماعي و سياسي لدى المواطن الجزائري من جهة، كما لعب التطور التعليمي دورا بارزا في تنمية هذا الوعي من جهة أخرى، فانتظم المواطن في حركات مختلفة تأرجحت بين الحركة الجمعوية و الفعل الجمعوي. إن التفاعل بين أجزاء الكيان البشري، هو الذي يبلور أسلوبا للحياة بين هؤلاء البشر، و نمطا للتفاعل بينهم و بين بيئتهم.

كما ينتج من استمرار التفاعل و العلاقات بين الناس ما يسمى بالنظم أوالمؤسسات الاجتماعية، و التي هي عبارة عن قواعد و آليات تنظم سلوك الأفراد و الجماعات، لكن تبقى هذه المؤسسات رهينة العقليات السائدة في المجتمع، لأن الناس لا يحترمون حقا إلا القوانين التي يؤمنون بها، و يمكن إرغامهم على الطاعة لا على الموافقة، و عندئذ تبدأ المقاومة العنيفة و الخفية. بعبارة أخرى هناك علاقة وثيقة الصلة بين المؤسسات من جهة و العقلية السائدة في المجتمع من جهة أخرى.c

فالحركة الجمعوية، تنشأ في وسط اجتماعي و حضاري معين، و لا يمكن أن تقوم بوظائفها على الوجه الأكمل إلا إذا تلاءمت مع الأفراد والجماعات التيتكونها، فبروز الفاعلين الاجتماعيين، يضعنا أمام إشكالية الممارسة الاجتماعية والسياسية، و التي يجب إعادة النظر فيها، على ضوء التحولات الجارية.

فنجد أن التنظيم الاجتماعي تعقد و تنوع أكثر مع تعدد فضاءات العمل الجديدة، و تعددت بالتالي، التنظيمات الممثلة لها، و تعقدت أساليب العمل فيها.

فهذه الورقة تحاول الوقوف على التطور التنموي الذي عرفته المدن الصحراوية- حالة مدينة ورقلة- وتطور العمل الجمعوي الذي فرضته أنماط جديدة للتواصل و التعاون و محاولة إثبات الذات.

المحور الأول:مفهوم الحركة الجمعويةو خصائصها

يحتل العمل الجمعوي موقعا أساسيا ضمن مساحة اهتمام الشباب و الطبقة الوسطى، ويعتبر رافدا رئيسيا من روافد العمل الجماهيري، سوءا من حيث تشكيل إطارات ذلك العمل ، أو من حيث حركيته ومساهماته من الموقع الخاص به في تغذية الصراع الاجتماعي في أبعاده الثقافية و الإيديولوجية إضافة إلى كونه مجالا لتأطير المواطنين تأطيرا جيدا يسهل عليهم امتلاك الوعي بذواتهم و بطبيعة الأدوار الموكلة لهم في معركة التغيير و التقدم .

إن العمل الجمعوي هو ممارسة اجتماعية للثقافي و تكيفا ثقافيا للاجتماعي، أي أنه في جوهره ظاهرة اجتماعية ثقافية تتقاطع فيه مكونات الشخصية الممارسة له من حيث حمولتها المعرفية و قوتها الوجدانية الدافعة ومنحدرات انتمائها لاختيار هذا العمل دون الآخر وهذا التقاطع بين المعرفة و الوجدان و الانتماء يجعل إذن من الممارسة الجمعوية مدخل للفعل في الواقع ليس للتغير بنياه الأساسية الكبرى، و إنما التغير على مستوى أشكال التفكير فيه و طريقة تعريف المعرفة المكتسبة لبناء النموذج المرغوب فيه وتأطير الأداة البشرية المزمع تأهيلها لتحقيق ذلك البناء[1].

فالحركة الجمعوية شكل من أشكال الحركات الاجتماعية الجديدة التي أصـبحت ميزة للعمل الاجتماعي والثقافي... في المجتمعات الحديثة تستهدف إحداث التغييـر المرغوب لصالح فئاتها الاجتماعية أو حقوق الإنسان.إن الحركات الاجتماعية الجديدة هي نمط من الفعاليات الاجتماعية مختلفة عن الأحزاب السياسية و النقابات، وتعبر عن مجموعات وفئات اجتماعية تجاهلتها في السابق الحركات ذات الطبيعة السياسية والطبقية، ولا تهدف هذه الحركـات إلـى الاستيلاء على السلطة وإنما إحداث تغييرات على مستوى القواعد الشعبية وفـق تكتيكات قصيرة المدى.

بينما يعتبر العالم الاجتماعي المعاصر الفرنسي "رونيه غاليسـو" أن الانتقال من دراسة الحركات الاجتماعية إلى البحث في الحركات الجمعويـة أصـبح سـمة العصر، وذلك نظرا لأزمة الحركات الاجتماعية (الكلاسيكية) التي كانـت تركـز على المطالب الاقتصادية والمهنية والمادية فحسب بواسطة النقابات، أما اليوم فقد ظهرت تنظيمات اجتماعية مستقلة جديدة تتميز بالأفعال الاجتماعية خارج الفضاء الاقتصادي والإنتاجي.

إن مصطلح الحركة الجمعوية الذي عادة ما يستخدم بكثرة في بلدان المغـرب العربي مستمد من مفهوم الجمعية نفسه وتدل لفظـة الحركـة علـى الجهـود والمساعي الحثيثة والديناميكية المتواصلة لأعضاء الجمعيات والمتطوعين من أجل تغيير وتحسين أوضاعهم الحياتية، بواسطة التعبئة الشاملة والمشـاركة الواسـعة والاختيارية في برامجها وأنشطتها دون انتظار تدخل الدولة، مع ممارسة أشـكال من الضغط السلمي عليها لتوفير الإمكانيات البشرية والمادية لحماية مصالحها ومصالح المجتمع ككل، وينبغي للحكم على حيوية وقوة الحركة الجمعوية تفاعـل أنشطة الجمعيات وتنسيقها في إطار حيز من التنافس والحرية لتحقيـق أهـدافها المشتركة، فالحكم على الحركة الجمعوية لا يكون بناء على عدد الجمعيات وإنمـا على نوعيتها واستجابتها لمطالب المجتمع[2].

إن مصطلح الحركة الجمعوية مستمد من مفهوم الجمعية نفسه، و هذا المفهوم تعددت التعاريف بشأنه و ذلك حسب الزاوية التي ينظر إليها كل باحث حسب مجال تخصصه، فقد عرفت الجمعية على أنها كل جماعة ذات تنظيم مستمر لمدة زمنية معينة أو غير معينة تتألف من أشخاص طبيعية أو بغرض عدم الحصول على ربح مادي .

وعرفها الأستاذ حسن ملحم : بأنها الاتفاق الذي يضع أكثر من اثنين من الأفراد بصفة دائمة معرفتهم أونشاطهم في خدمة هدف غير تحقيق الربح المادي.

وعرفت أيضا أنها تشكيلات اجتماعية فاعلة ومنظمة تسعى على أسس تطوعية غير ربحية لتحقيق أهداف عامة لمجموعة تعتمد أساليب الحكم الرشيد ضمن أطر قانونية تضمن الشفافية وحرية التشكيل[3].

وتعرف أماني قنديل الجمعيات بأنها: "مؤسسات أو منظمات تطوعيـة خاصـة تتبنى أهدافا متنوعة، وقد تنشط في مجال واحد (رعاية المعوقين مـثلا) أو عـدة مجالات (الطفولة، المساعدات الخيرية والمعاقين)[4]".

أما في التشريع الجزائري فقد عرفت المادة الثانية من قانون الجمعيات رقم 90-31 المؤرخ في 04 ديسمبر 1990 على" تمثل الجمعية اتفاقية تخضع للقوانين المعمول بها ، ويجتمع في إطارها أشخاص طبيعيون ومعنويون على أساس تعاقدي ولغرض غير مربح ، كما يشتركون في تسخير معارفهم ووسائلهم لمدة محددة ،من اجل ترقية الأنشطة ذات الطابع المهني والاجتماعي والعلمي والديني والتربوي والثقافي على الخصوص"[5].

أما القانون العضوي رقم 12- 06 المؤرخ في 15 جانفي2012 المتعلق بالجمعيات ، عرفت المادة الثانية منه الجمعية بأنها "تعتبر الجمعية في مفهوم هذا القانون تجمع أشخاص طبيعيين أو معنويين على أساس تعاقدي لمدة زمنية محددة أو غير محددة ، يشترك هؤلاء الأشخاص في تسخير معارفهم و وسائلهم تطوعا ولغرض غير مربح من أجل ترقية الأنشطة لاسيما في المجال المهني والاجتماعي والعلمي والديني والتربوي والثقافي والرياضي والبيئي والخيري والإنساني"[6].

فمن خلال التعاريف السابقة نستنتج أن الجمعية هي عبارة عن تشارك أشخاص بصفة إرادية من أجل تسخير معارفهم و قدراتهم لخدمة أغراض غير هادفة تحقيق ربح مادي.

و من التعاريف السابقة أيضا يمكننا أن نحدد خصائص العمل الجمعوي فيما يلي:

أ-         الطوعية: أي المشاركة الطوعية التي تميز تكوينات وبنى الجمعيات المختلفة، باعتبار أن تأسيس الجمعية و العمل في كنفها يعتبر عملا حرا و بمحض إرادة الشخص المنضم إليها.

ب-     المؤسسية: و التي تشمل مجمل الحياة الحضارية تقريبا و التي تشمل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية و السياسية و الثقافية، و لعل ما يميز مجتمعاتنا هو الحضور الطاغي للمؤسسات وغياب المؤسساتية بوصفها علاقات تعاقدية حرة في ظل القانون.

ج-      الدور: الذي تقوم به هذه التنظيمات و الأهمية الكبرى لاستقلالها عن السلطة و هيمنة الدولة، من حيث هي تنظيمات اجتماعية تعمل في سياق و روابط تشير إلى علاقة التضامن و التماسك أو الصراع و التنافس الاجتماعيين[7].

كما يمكننا أن ندرج تلك الخصائص التي حددها "صامويل هنتجتون" باعتبارها حظيت بالقبول من قبل الباحثين و المتمثلة في:

1.   القدرة على التكيف في مقابل الجمود: و يقصد بها القدرة على التكيف مع التطورات البيئية التي تعمل فيها، فكلما كان للجمعية قدرة عالية على التكيف كلما كانت أكثر فاعلية، لأن الجمود يؤدي إلى تضاؤل أهميتها و ربما إلى القضاء عليها.

2.   الاستقلال في مقابل الخضوع و التبعية: أي أن لا تكون الجمعية خاضعة أو تابعة لغيرها من المؤسسات أو الجماعات أو الأفراد، بحيث تسهل السيطرة عليها وفق ما يتماشى مع أهداف الجهة المسيطرة، و يمكننا أن نحدد هذه الاستقلالية من خلال مؤشرين هما:

-      الاستقلال المالي: و يظهر ذلك من خلال مصادر التمويل هل هو خارجي أو ذاتي، فكلما كان التمويل من تبرعات و اشتراكات أعضاء الجمعية كانت أكثر حرية في تسيير شؤونها الخاصة دون ضغوط.

-      الاستقلال التنظيمي: أي كيفية تسيير شؤونها التنظيمية الداخلية بعيدا عن تدخل الجهات الوصية.

3.   التعقيد في مقابل الضعف التنظيمي: و يقصد به المستويات الأفقية و الرأسية داخل الجمعية: وهذا ليس معناه تعقد التنظيم كما في المؤسسات الكبيرة و إنما وجود مستويات هرمية للقيام بوظائف الجمعية و حسن تنظيمها، فكلما كانت هذه المستويات واضحة المعالم كلما كانت الجمعية أكثر تنظيما و استطاعت أن تبسط نشاطها على رقع أكبر و تحقق انتشارا داخل المجتمع المعني.

4.   التجانس أو التماسك في مقابل الانقسام: و يقصد به عدم وجود صراعات داخل التنظيم أوالجمعية التي تؤثر على السير الحسن لنشاطاتها، فكلما كانت الانقسامات و الصراعات داخل الجمعية تعرضت هذه الأخيرة للتشتت و الاضمحلال، و كلما سادت روح التعاون و التضامن داخل الجمعية و حلت الخلافات بطرق سلمية ، استطاعت الجمعية أن تمضي قدما في سبيل تحقيق أهدافها[8].

إن الحديث عن خصائص الجمعيات يحيلنا بالضرورة إلى الحديث عن الوظائف التي من المفروض أن تقوم بها هذه الأخيرة و التي نلخصها في الآتي:

·      تجميع المصالح و التوفيق فيما بينها: و ذلك ببلورة مواقف جماعية التي تواجه أعضائها وتمكنهم من التحرك لحل مشاكلهم من خلال منظمتهم أو جمعيتهم.

·      مواجهة الصراعات: و ذلك بالبحث الجماعي عن الحلول التوفيقية بالطرق السلمية و دون اللجوء إلى حل النزاعات عبر تدخل مؤسسات حكومية.

·      تعزيز التنمية المجتمعية: و ذلك عن طريق المساهمة الفعالة في بناء رأسمال اجتماعي بالإضافة إلى مجمل النشاطات التعاونية التي تقيمها.

·      تكوين و إفراز القيادات المتمتعة بروح التعاون و الانضباط.

·      نشر الثقافة الحضارية: باعتبار أن الجمعية هي مدرسة للتنشئة الديمقراطية و المدنية[9].

من التعاريف السابقة للجمعية و من الخصائص و الوظائف نحاول التقرب من الظاهرة على أرض الواقع و ذلك من خلال التطرق إلى

الحركة الجمعوية في مدينة ورقلة

بداية تجدر الإشارة إلى أن التطورات التنموية و العمرانية و الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية، كانت من أهم المؤشرات الدالة على تطور الشبكة الجمعوية في المدن الصحراوية بشكل عام وفي مدينة ورقلة بشكل خاص و يعتبر "بيك" أن ظهور الجمعيات كأشكال جديدة للتجمعات الإنسانية يتزامن مع تداعي التنظيمات المجتمعية، على إثر تفكك الروابط العائلية و تفسخ الانتماءات الطبقية.

و عليه تم شغل الكثير من الفضاءات بقوة كبيرة و في بعض الأحيان تم تشجيعها من قبل الدولة، كالقطاع الاجتماعي، الثقافي و الرياضي و الشباب، أو قطاعات أخرى لها علاقات بالظروف المعيشية الصعبة و المشاكل المتعددة  التي لا طالما تم خنقها، أو القطاعات المطلبية التي كانت تقمع باستمرار، كالمجال الديني وحقوق الإنسان و حقوق المرأة و قضايا الهوية، و المطالبة بتوفير مناصب الشغل.

ففي هذا الإطار الخاص، ظهر و تطور عالم جمعوي جديد في ورقلة، وبعيدا عن أهميتها العددية، سمحت لنا دراسة الحياة الجمعوية لولاية ورقلة، الوقوف على عناصر ذات أهمية في تحديد اتجاهات الحركة الجمعوية وإسهاماتها المختلفة.

لقد تنوعت الجمعيات في ورقلة من لجان دينية إلى جمعيات ثقافية و أخرى اجتماعية و رياضية و لجان أحياء...إلى غير ذلك من الجمعيات.و فيما يلي نورد جدولا يحدد التطور التاريخي و العددي لنشأة الجمعيات في ورقلة:

1)   تاريخ إنشاء الجمعيات:

إن انتشار و تأسيس الجمعيات بدأ مع القوانين المنظمة لكيفية إنشاء الجمعيات و نقصد بذلك ما صدر في 1987، ثم قانون الجمعيات الصادر في 1990 و القانون العضوي لسنة 2012- لكن في إطار دراستنا هذه سنعمل على ترتيب هذه الجمعيات كما هي موجودة الآن على مستوى مكتب الجمعيات بولاية ورقلة، وبالتالي يبرز ترتيب ما قبل سنة 2000 و بعد هذا التاريخ.

جدول رقم 1: تاريخ إنشاء الجمعيات[10]:

سنة الإنشاء

عدد الجمعيات

النسبة المئوية

قبل سنة 2000

123

19.19%

2000-2004

178

27.77%

2004-2008

340

53.04%

2008- 2012

634

40.95%

2012- 2014

700

40.58%

تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تخص مدينة ورقلة ببلديتها فقط من ضمن 21 بلدية، فمدينة ورقلة تضم بلديتين هما ورقلة و الرويسات.

الملاحظة الأولى التي نسجلها من الجدول أعلاه هو أن الفترة السابقة لسنة 2000 كانت محتشمة من حيث تأسيس الجمعيات، ربما يعود ذلك إلى الحياة البسيطة التي ميزت المنطقة و الروابط الاجتماعية التي كانت تعرف تماسكا جيدا و عدم الشعور بالحاجة إلى تأسيس الجمعيات بالرغم من أن ذات الفترة عرفت انفجارا محسوسا في الإقدام على تأسيس الجمعيات خاصة في المدن الكبرى فقد أحصت نفس الفترة عددا كبيرا من الجمعيات الوطنية و المحلية، كما يمكننا أن نعتبر أن فترة اللاستقرار التي عرفتها الجزائر قد تكون وراء العزوف عن تأسيس مثل هذه التنظيمات خاصة و أن الجمعيات تقوم بدور الوسيط بين الدولة و المواطن و تحاول إيصال مطالب منخرطيها للسلطات المعنية، فهذه الفترة عرفت بغياب شبه التام للدولة بسبب الأزمات المتلاحقة التي عاشتها الجزائر من أزمة اقتصادية إلى أزمة أمنية إلى أزمة مجتمعية بشكل عام.

من جهة أخرى نلاحظ أن أغلبية الجمعيات التي تريد النشاط بمنأى عن الدولة(بتحفظ)، هي حديثة النشأة أي بعد 2004 و تصل نسبتها إلى 53.04%من مجموع الجمعيات كما يبينه الجدول رقم 1.

هذا دليل أولا على السهولة التي يمكن بها للمجموعات الاجتماعية أن تؤسس الجمعيات. ثانيا، الرغبة في التحرر و التنظيم خارج الأطر الرسمية والمؤسسية للدولة، ثالثا و هو العامل الأهم حسب نظرنا هو التطور التنموي الذي عرفته المنطقة و توسع رقعة المشاريع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي حظيت بها المنطقة، فهذه الفترة تزامنت و العهدة الرئاسية الثانية التي أكدت على تطوير المناطق السهبية و الجنوب الكبير و خصصت اعتمادات مالية كبيرة حتى تنتعش هذه المناطق، فقد ارتفعت وتيرة الأشغال و تأسس صرح علمي كبير في عاصمة الجنوب الشرقي و المتمثل في جامعة قاصدي مرباح الذي أمد المجتمع بالإطارات المختلفة من أجل القيام بوظائف مختلفة و تأطير الحركة الجمعوية في المنطقة فمنذ هذا التاريخ سجلنا ارتفاعا محسوسا في عدد الجمعيات، فولاية ورقلة التي تتكون من 21 بلدية، كانت تعد 641 جمعية في سنة 2008 و بنسبة 53.04% لمدينة ورقلة فقط، أما في سنة 2012 فقد ارتفع هذا العدد ليصل إلى 1548 جمعية على مستوى الولاية و بنسبة 40.95% بالنسبة لمدينة ورقلة، و سجلت سنة 2014 ارتفاعا في عدد الجمعيات بلغ 1725 جمعية على مستوى الولاية و بنسبة 40.58% بالنسبة لمدينة ورقلة لوحدها، فهذه الزيادة الكمية توحي بزيادة النشاط الجمعوي في المدينة الصحراوية والذي يعبر عن تغير أنماط التضامن التي كانت موجودة في السابق، فغالبا ما كنا نلاحظ أن روابط الدم و القرابة تلعب دورا كبيرا في إرساء و ترسيخ روابط التضامن في المجتمعات التقليدية، أما المجتمعات الكوسموبوليتانية فتعرف أنواعا أخرى من التضامن و الذي ينبني على المصلحة العامة و حسن الجوار والانتماء إلى حي أو وظيفة معينة...

2)      طبيعة الجمعيات المعتمدة على مستوى المدينة إلى غاية ديسمبر 2014:

طبيعة الجمعيات

العدد

النسبة المئوية

مهنية

02

0.28 %

دينية

153

22.17%

رياضية

147

21.03%

الفن و الثقافة

119

17.02%

أولياء التلاميذ

65

09.30%

العلوم و التقنيات

11

1.57%

الأحياء و القرى

72

10.30%

البيئة و الوسط المعيشي

19

2.72%

المعوقين و غير المؤهلين

07

1.001%

المستهلكون

01

0.14%

الشباب و الطفولة

13

1.86%

السياحة و التسلية

26

3.72%

المتقاعدين و المسنين

02

0.28%

النسوية

05

0.71%

التضامن، الإسعاف و الأعمال الخيرية

44

6.29%

التطوعية

04

0.57%

الصحة و الطب

09

1.29%

قدماء التلاميذ

00

00%

المجموع

699

100%

أول ملاحظة يمكن تسجيلها، هي هيمنة الجمعيات الدينية و الرياضية على باقي الجمعيات، و التي تمثل نسبة 43.2%، و يمكن رد ذلك إلى الطابع المحافظ و التقليدي للمنطقة بالإضافة إلى التكوينة البشرية للمجتمع الجزائري على العموم و إلى مدينة ورقلة على وجه التحديد، حيث يعتبر عنصر الشباب هو الطاغي على التركيبة البشرية للمنطقة، لنجد في المرتبة الثالثة الجمعيات الثقافية و الفنية بنسبة 17.02% و تدخل ضمن هذه الجمعيات تلك المهتمة بالحفاظ على الموروث الثقافي و الهوياتي للمنطقة، حيث نجد "جمعية القصر" تحاول الحفاظ على الإرث الحضاري و اللغوي و التقليدي الذي يميز القصر العتيق و تحاول حمايته من الاندثار بسبب مظاهر الحداثة التي غزت المنطقة.

تؤكد الأرقام مرة أخرى على الطابع التقليدي المحافظ للمنطقة، حيث أن الجمعيات النسوية لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا قدرت ب0.71% و المتواجدة في مركز المدينة، فبالرغم من مظاهر الحداثة التي تحاول أن ترتسم في هذه المدينة إلا أن التقاليد و الأعراف لا تزال تحاول الحفاظ على الطابع المميز للمنطقة، فالمشاركة النسوية محدودة مقارنة بمشاركة الرجل.

الملاحظة التي شدتنا، هو أن المشاكل الاجتماعية كثيرة لكن إقبال الناس على تأسيس هذا النوع من الجمعيات غير كبير، أو نجد أن السلطة الوصية (بلدية بالنسبة للجمعية المحلية و ولاية بالنسبة للجمعيات الولائية)، قد شتت هذه الجمعيات عندما وضعت التصنيف السابق، فنجد مثلا الجمعيات الطوعية لوحدها و الجمعيات الخيرية و الإسعاف و التضامن لوحدها إلا أنه في الحقيقة المحتوى نفسه والهدف الذي تسعى إليه هذه الجمعيات يكاد يكون واحدا، كما نلاحظ أن القضايا ذات البعد العالمي والبيئي لا تأخذ إلا حيزا بسيطا من اهتمامات أعضاء المجتمع، باعتبار أن هذه القضايا تتطلب وعيا عاليا بقضايا البيئة و التحولات المناخية التي لا تعني المواطن البسيط و لا تدخل ضمن اهتماماته، بالرغم ما شهدناه في الشارع الورقلي من رفض لاستغلال الغاز الصخري و التظاهر في كل مرة في الشارع، غير أن العدد الرسمي للجمعيات المهتمة بالبيئة يبقى ضئيل و محتشم.

كما يمكننا إدراج ملاحظة أخرى هي أن جمعيات العلوم و التقنيات لم تكن موجودة في التصنيف السابق لسنة 2012، هذا يعني أن المدينة الصحراوية تغيرت اهتماماتها و اهتمامات قاطنيها بحيث أصبحت تهتم بكل ما يمت بصلة للتطورات التكنولوجية حتى تستطيع مسايرة وتيرة العولمة، فمن غير الممكن أن نجد مدينة جزائرية اليوم لا تستخدم الوسائط التكنولوجية و هذا في حد ذاته يعتبر عامل من العوامل التي ساهمت في تغيير الهوية الثقافية للمنطقة فأصبحت لها متطلبات و احتياجات مختلفة عن تلك التي كانت لها في السابق و هذا يعتبر شيء إيجابي إلى جانب المحافظة على الهوية المحلية.

إن التطور العددي يوحي بوجود ديمقراطية في تسيير الحياة الجمعوية غير أن مسألة تمويل الجمعيات تطرح العديد من المشاكل و العوائق التي تعترض عمل الجمعيات فأغلب إن لم نقل كل الجمعيات تتلقى الدعم من الدولة، فعن طريق المساعدات المالية و الدعم المقدم، تستطيع أن تراقب و تهيمن أو تفرض وجودها كما تشاء، و تعمل على تحويل الجمعيات إلى أدوات لنشر و تنفيذ استراتيجياتها و أهدافها، كما إن المساعدات تعتبر مؤشرات لقياس مستوى حريات و استقلالية الجمعيات، بل أكثر من ذلك، حالة الديمقراطية في المجتمع، و هذا يجعلنا نقول أن هذه الجمعيات لا تتمتع بالاستقلالية الكافية للحصول على الدعم المالي الخاضع للرقابة و الذي يحول دون تحقيق الجمعيات لأهدافها.

كما يمكننا تسجيل ملاحظة أخرى تتعلق بالتغيرات التي حدثت في المنطقة و التي جعلت الشريحة الشبانية تكتسي نوع من الوعي بمصيرها و مكانتها داخل المجتمع فقد انتشرت ظاهرة الاحتجاجات في المدن الجنوبية و مدينة ورقلة على الخصوص و أخذت منحيين، فهناك المطالبين بفصل الجنوب عن الشمال بسبب الغبن الذي يعاني منه شباب المنطقة غير أن هذه الشريحة لم تنتظم في حركة واضحة و اتهمت أنها تخدم أغراض خارجية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، و شريحة أخرى انتظمت فيما عرف بحركة البطالين للمطالبة بأحقية شباب المنطقة في التشغيل في المؤسسات البترولية و التي تعتبر ورقلة عاصمتها، يمكننا القول هنا أن التغيرات التي عرفتها المنطقة أثرت على السكان و على الشباب بالخصوص و تنامت حركات مطلبية تنم على تغير في مستوى الوعي الاجتماعي لدى الشرائح المختلفة.

على العموم ما أردنا الوقوف عليه هو أن الظاهرة الجمعوية في مدينة ورقلة أخذت طابعا حضريا(citadin) وتزامنت و التغيرات التي عرفتها المنطقة بسبب المشاريع التنموية المختلفة، و بسبب تنامي طبقة مثقفة أكسبت المنطقة عملا مدنيا حضاريا أوحى بوجود وعي متنامي لدى سكان المنطقة ، بحيث اختلفت الجمعيات المؤسسة فمنها من اكتسى الطابع التقليدي و منها من اكتسى الطابع الحديث.

الخاتمة

إن الجمعية هي الوسيط الاجتماعي للتنمية والتحـديث والأداة الأنسب لمشاركة المواطنين في صنع القرارات الهامة واقتـراح الحلـول لمشاكلهم وإيصال مطالبهم للسلطات الحاكمة بالطرق السلمية، خاصة في المراحل الانتقالية التي تمر بها المجتمعات والدول، أين تظهر فجـوات كبيـرة نتيجة الفراغ التنظيمي والوظيفي الذي يتركه انسحاب مؤسسات الدولة من تقـديم كثير من الخدمات، فينعكس ذلك سلبيا على الفئات الاجتماعية الضعيفة، وهنا تبرزأهمية وضرورة أن تشغل الجمعيـات علـى وجـه الخصوص ذلك الفراغ وتعوض النقائص بمبادرات ذاتية وتطوعية في المجـالات المختلفة، باعتبار أن العمل الجماعي هو الأقدر على تحقيق الأهداف، ولكنهم ينجذبون إليها كأعضاء في دوائر اجتماعية، لأن الفرد مهما أوتي مـن قـوة ومواهب لا يستطيع تحقيق طموحاته و طموحـات مجتمعـه لوحـده، لهـذا فالجمعيات تعتبر أقوى صوت معبر عن الإدارة الجماعية.

ولقد شهدت المدن الجزائرية الظاهرة الجمعوية منذ الحقبة الاستعمارية و بعد الاستقلال لكن بدرجات متفاوتة، فالمدن الصحراوية كانت تتميز ببساطة الحياة العامة، كما كانت تتميز أيضا بطرق و علاقات اجتماعية خاصة، و لقد أدى تطور الطابع الحضري للمدن الصحراوية و من بينها مدينة ورقلة إلى ظهور أنماط جديدة للتعاون و العمل الاجتماعي و ذلك منذ دخول الجزائر في المرحلة الانتقالية للديمقراطية، و شهدت هذه المدينة تنامي الظاهرة الجمعوية بشكل لافت، غير أن الملاحظة الأساسية التي سجلناها هي أن هذه المنطقة تزاوج بين التقليدي و الحديث، فعند دراستنا لتطور الحركة الجمعوية لاحظنا وجود نمطين من الجمعيات يعمل على تأطير أغلب السكان، نمط تقليدي و يتمثل في لجان الأحياء و الجان الدينية و نمط حديث يتمثل في الجمعيات الرياضية و الشبانية، يضاف إليها الحركة المطلبية المتعلقة بأبناء الجنوب و هي حركة شبانية تدافع عن حقوق الشباب البطال في منطقة الجنوب.

إذن يمكننا القول أن التغيرات التنموية و ما صاحبها من تطور في العمارة و انتقال السكان المحليين إلى العيش في سكنات حديثة، و الطابع الكوسموبوليتاني الذي اتخذته المدينة أدى إلى تنامي ظاهرة جمعوية مزدوجة الطابع (تقليدي- حديث)، أدت إلى تغيير طرق التضامن العائلي و القرابي إلى طرق تضامن قائم على الانتماء إلى الحي أو المهنة أو غير ذلك من أنواع التعاون.



[1]- محمد الزيري، العمل الجمعوي بالمغرب واقع و افاق، الحوار المتمدن- العدد: 1472 - 2006 / 2 / 25، http://www.ahewar.org,

[2]- عبد االله بوصنوبرة، الحركة الجمعویة في الجزائر و دورها في ترقية طرق الخدمة الاجتماعية في مجال رعاية الشباب. أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه علوم، http://bu.umc.edu.dz/theses/sociologie/ABOU3771.pdf

[3]- بن ناصر بوطيب، النظام القانوني للجمعيات في الجزائر -قراءة نقدية في ضوء القانون /06- 12، دفاتر السياسة و القانون، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، عدد10، جانفي 2014، ص 254.

[4]- أماني قنديل، المجتمع المدني في العالم العربي، دراسة للجمعيات الأهلية، دار المسـتقبل العربي، القاهرة،1994 .ص.25.

[5]- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، قانون رقم 90-31 المتعلق بالجمعيات، الجريدة الرسمية، عدد 53 ، الصادرة بتاريخ ' ديسمبر 1990.

[6]- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، القانون العضوي رقم 12-06 المتعلق بالجمعيات، الجريدة الرسمية، عدد 2، الصادرة بتاريخ 15 يناير 2012، ص 34.

[7]- صالح ياسر، بعض إشكاليات المجتمع المدني و المجتمع السياسي و الديمقراطية. بغداد: مطبعة الرواد للطباعة و النشر، 2005، ص 8.

[8]- أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي, بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص 25.

[9]-عبد الوهاب حميد رشاد، المجتمع المدني و التحول الديمقراطي. بيروت: دار الهدى للطباعة و النشر، ط1، 2003  . 85 ﺹ.

[10]- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ولاية ورقلة، مديرية التنظيم و الشؤون العامة، مصلحة التنظيم العام، الجمعيات المعتمدة على مستوى بلديات ورقلة إلى غاية 31/12/2014.