التحولات العمرانية في المدينة الصحراويةpdf

(حالة مدينة عين صالح- الجزائر)

 

 

مخطاري مصطفى

حطاب سفيان

جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا(الجزائر)

ملخص:

أصبحت عملية التحول العمراني- نظراً لعدة اعتبارات ومتغيرات- من السمات البارزة للمدينة الصحراوية ، وذلك بالرغم مما تتميز به من خصوصيات طبيعية واجتماعية وثقافية ،والتي شكلت في مجموعها مميزات النسيج العمراني المحلي، الأمر الذي أعطى لهذه المدينة هويتها العمرانية.

وقد أضحى اليوم من المهم التحكم في الدينامية العمرانية للمدينة الصحراوية من خلال أدوات التخطيط و التهيئة بغيةالحفاظ على النمط الأصيل،وبالتالي استدامة الهوية العمرانية.

يهدف هذا البحث إلى دراسة التحولات العمرانية في إحدى المدن الصحراوية في الجزائر من خلال نموذج مدينة عين صالح (جنوب الجزائر) و ذلك اعتماداً على جملة من المؤشرات الطبيعية والاجتماعية والعمرانية للوصول إلى فهم و إدراك التحولات العمرانية  ،ومن ثم وضع تصورات مستقبلية من خلال النتائج .

الكلمات المفتاحية:التحولات العمرانية،النموالعمراني، المدينة الصحراوية، الهوية العمرانية ،عين صالح

Résumé :

Au cours des dernières années, et à cause des plusieurs facteurs, la ville saharienne connus un certain nombre de mutations urbaines, malgré les Caractéristiques naturelles, sociales et culturelles qui donnent une spécificité au tissu urbain local, chose qui donne une identité urbaine a cette ville.

Aujourd'hui il est très important de maitriser la dynamique urbaine de la ville saharienne par les instruments de planification et d’aménagement, chose qui va contribuer à la préservation et la durabilité de l'identité urbaine de cette ville

Dans cet article, nous avons choisi comme cas d'étude pour aborder cette question la ville d’In Salah, afin de mesurer les principales mutations urbaines dans cette ville.

Mots-clés : Mutations Urbaines, Croissance Urbaine, Ville Saharienne, Identité Urbaine, In Salah.

مقدمة:

تعد المدينة منظومة (système) تتألف من تقاطع منظومات فرعية (sous systèmes) تشمل الجانب الطبيعي (الفيزيقي) والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ولا يتأتى الفهم الحقيقي للمدينة إلا ضمن هذا السياق، وقد كان لامتزاج تلك المنظومات الفرعية الدور الحاسم في رسم السمات العمرانية المختلفة.

وانطلاقاً من ذلك فإن النسيج العمراني في المدن الصحراوية تميز عن غيره من الأمكنة من خلال هندسته ومواد بنائهالمحلية، والتي تمثلت أساسا في القصور الصحراوية المبنية بمحاذاة واحات النخيل، وهي عوامل شكلت في مجموعها موروث عمراني محلي أعطى لهذه المدن هويتها العمرانية.

إلا أنه في الآونة الأخيرة ونظراً لعدة اعتبارات ومتغيرات أصبحت المدن الصحراوية تعيش جملة من التحولات لاسيما ما تعلق منها بالجانب العمراني، إذ " لم تعد الواحات الصحراوية الجزائرية اليوم كما كانت عليه منذ ماض قريب... إن حقيقتها العمرانية والاجتماعية اليوم تؤدي بنا إلى الوقوف على ساحة من التحولات العميقة والمتسارعة"[1]، وهو الأمر الذي يبرز هنا مسألة الحفاظ على النمط العمران الأصيل لهذه المدن، وبالتالي الحفاظ على الهوية العمرانية لمدننا الصحراوية.

وعليه سنحاول في هذه الورقة البحثية معالجة هذا الموضوع باختيار كنموذج للتعمير في المدن الصحراوية الجزائرية مدينة عين صالح التي تشهد جملة من التحولات العمرانية، والتي وإن كانت جزء من المراحل العمرانية للمدينة إلا أنها أحدثت تغيراً في الهيكل العمراني لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بنمو السكان وما يلحق ذلك من احتياجات شتى، ومنها ما يتعلق بالأنشطة، وأيضاً جزء من ذلك مرده إلى القرارات الإدارية، بالإضافة إلى تغير ذهنيات بعض الساكنة بشكل يتمرد على الموروث المحلي، وقد ظهرت نتائج هذا التحول في وظيفة وشكل وحجم المدينة.

وسنقوم هنا من خلال المعاينة الميدانية بالتركيز على التحولات التي مست الجانب المورفولوجي للنسيج العمراني ونمط وهندسة المساكن، وأهم الأسباب التي أدت إلى ذلك، والنتائج المترتبة عن هذا الأمر، وفي الأخير وضعتصوراتمستقبلية للتعمير منخلال جملة منالاقتراحات والتوصيات، معتمدين في ذلك على المنهج الوصفي التحليلي.

1-التعريف بمدينة عين صالح: تقع مدينة عين صالح على بعد (1300 كلم) من الجزائر العاصمة وفي وسط الصحراء الجزائرية، وبارتفاع عن مستوى سطح البحر يبلغ حوالي (294 م)[2].

تتمركز المدينة في قلب بلدية عين صالح، هذه الأخيرة تتبع إداريا لولاية تمنراست[3] وتقع في الجهة الشمالية الغربية منها (أنظر خريطة الموقع الموالية).

تمتد المدينة على طول الطريق الوطني رقم واحد(01)، أو ما يسمى بطريق الوحدة الأفريقية الذي يربط الجزائر العاصمة بدولة النيجر، وتبلغ مساحتها الاجمالية حوالي (728هـ).

img1

 تنتمي المدينة جغرافياً إلى إقليم تيديكلت4 الذي يمتد جغرافياً على تراب ولايتي تمنراست ( من خلال بلديات فقارة الزوى وعين صالح وإينغر) وأدرار ( من خلال بلديات تيط وأقبلي وأولف وتيمقطن)، وتعد منطقة الدراسة أهم مدينة ضمن هذا الإقليم من حيث وزنها الديموغرافي الذي يشكل حسب معطيات التعداد العام للسكان والسكن لعام 2008 ما نسبته 32.59% من ساكنة هذا الإقليم، وذلك بـ 22.238 نسمة من مجموع 68226 نسمة.

كما أنها وحسب معطيات نفس التعداد السابق تعد المدينة الثانية من حيث حجم الساكنة الحضريين (ساكنة المدن) في ولاية تمنراست، حيث أنه من بين عشر مدن التي تتكون منها الشبكة العمرانية في هذه الولاية نجد مدينة تمنراست مقر الولاية تحتل المرتبة الأولى بمجموع ساكنة قدره 81752 نسمة أي بنسبة 59.75% من المجموع، وتأتي مدينة عين صالح بعد ذلك بنسبة 16.5 % من المجموع العام لساكنة المدن والبالغ 136822 نسمة.

" يعود أصل كلمة عين صالح إلى شخص اسمه صالح, وخلال ترحاله مر بالمنطقة ووجد بها عين ( منبع مائي ) فأقام بالقرب منها وأقام زراعات حولها، وبالتالي نسبت هذه العين لاسمه ومنها جاء اسم عين صالح[4].

وحسب الروايات الشفهية المحلية فإنه يقال حسب اللفظ البربري إن التسمية هي "إن صالح" حيث أن لفظ "إن" باللهجة البربرية يعني الملكية، وهو ما يصب في المعنى الأول بمعنى أن تلك العين أو المورد المائي هو ملك لصاحبه صالح.

وترجع نشأتها مدينة إلى سنة 1350 م حيث تكونت النواة الأولى بجانب واحة نخيل والتي كانت عبارة عن نقطة وصل في الصحراء، وفي المرحلة 1535 و1680 م ظهر تجمعين رئيسيين للمساكن وهما النواة الأولى لحيي المدينة الحاليين اللذين يطلق عليهما قصر العرب وقصر المرابطين[5].

وخلال فترة الاحتلال الفرنسي قام هذا الأخير بالبناء بين النواتين السابقتين وهو المكان الذي يعد حاليا نواة الحي المركزي بالمدينة الذي يسمى بحي وسط المدينة.

وقد سكن المدينة مزيج من البربر والعرب والزنوج الذين امتزجوا بمرور الزمن، فأصبحت تربطهم عادات وتقاليد وقيم تكسوها الصبغة الإسلامية.

تنتمي المدينة إلى نطاق المناخ الصحراوي، حيث تعرف ارتفاعا شديدا لدرجة الحرارة خلال فصل الصيف وانخفاضها خلال فصل الشتاء بمدى حراري كبير خلال اليوم الواحد، أضف إلى ذلك ندرة الأمطار، انخفاض نسبة الرطوبة، ارتفاع ساعات السطوع الشمسي وقوة نشاط الرياح المحملة بالرمال طيلة أشهر[6].

"انتقلت عين صالح من منطقة شبه حضرية (Semi Urbaine) عام 1998 بعدد سكان بلغ 19569نسمة إلى منطقة حضرية(Semi Urbaine) عام 2008 بعدد سكان قدره 22238 نسمة، وذلك بمعدل نمو حضري يساوي 1.3[7]

تتميز الحظيرة السكنية في المدينة بالبناء الأفقي المتمثل في نمط السكن الفردي، كما أنها تتوفر على مرافق عمومية متنوعة أكسبتها أهمية إقليمية من خلال مجال نفوذها داخل ولاية تمنراست وإلى امتداد بلديات الولايات المجاورة.

مظاهر التحول العمراني في المدينة: يعتبر التحول العمراني - سواء أكان مخططاً أو عشوائياً- جزء من المراحل العمرانية للمدينة، ويحدث جراء ذلك تغيراً في الهيكل العمراني للمدينة بسبب نمو السكان والأنشطة، ويكون ذلك في القطاع المعمر (داخل المنطقة المبنية) أو على الأطراف، وتظهر نتائجه -أي التحول- في الوظيفة والحجم والشكل.

وقد عرف النسيج العمراني - وما زال- في مدينة عين صالح جملة من التحولات، وسنركز فيما يلي على الجانب المورفولوجي للنسيج العمراني ونمط وهندسة المساكن، والتي يمكن حصر أهم صورها من خلال الدراسة الميدانية.

التحول في مورفولوجية النسيج العمراني8:تم الاعتماد في الأنوية الأولى للنسيج العمراني بمدينة عين صالح -شأنها في ذلك شأن باقي القصور الصحراوية- على التصميم المتضام أو المتلاصق (صورة 01) الذي ينتج عنه شوارع ضيقة توفر إمكانية تظليل البيوت بعضها ببعض نتيجة عدم تعرض واجهتها للإشعاع الشمسي، حيث أن المدينة تتميز بالحجم الساعي الهائل في مجال السطوع الشمسي طيلة أشهر العام، والذي يبلغ أقصاه في شهر جويلية وهذا بحوالي (356 ساعة)، ويبلغ عدد الساعات السنوي حوالي (2949 ساعة).

img2

وقد تم أحياناً تسقيف أجزاء من شوارع القصر (صورة 02) بغية تحقيق الراحة المناخية للمشاة خلال النهار بالرغم من الارتفاع الشديد لدرجة الحرارة الذي تعرفه المدينة والذي يدوم لفترة حوالي خمسة أشهر متواصلة من شهر ماي وإلى غاية شهر سبتمبر، وذلك بمعدل درجة حرارة في حدود 35م° (تتراوح معدلات درجة الحرارة خلال هذه الأشهر بين31 و 38م°).

img3

بالإضافة إلى ذلك فقد كانت تلك الشوارع داخل القصر متعرجة لغرض عرقلة حركة الرياح المميزة للمنطقة، إذ نجدها تنشط طوال أشهر العام بسرعات مختلفة حيث تبلغ حدتها في شهر أوت بمعدل (8.62 م/ثا)، في حين لا يقل هذا المعدل في قيمته الدنيا عن (3.39 م/ثا) وهذا في شهر ديسمبر، وذلك بمعدل سنوي يساوي (5.0 م/ثا).

أما في نواة حي وسط المدينة ولغرض خلق مناخ محلي مناسب فإننا نجد الاستعمار الفرنسي خلال تواجده بالمدينة ركز على التشجير الكثيف لتوفر الظلال بشكل طبيعي (صورة 03)، وقد تم فيما بعد خلال سنوات الثمانينات اللجوء إلى إنشاء ممرات بجانبي الطرق على شكل أقواس مسقفة بغية توفير الظلال لسير المشاة (صورة 04).

أضف هنا مسألة التدرج في الخصوصية التي تميزت بها الأنوية الأولى في النسيج العمراني، حيث تصل إلى الأزقة أو الدروب غير النافذة (الصورة 05).

img4

أما في الوقت الراهن فقد غابت جل - أن لم نقل كل- المفاهيم التي شكلت فلسفة تخطيط النسج العمراني، فأصبح التوسع العمراني في كل أطراف المدينة يعتمد على الخطة الشطرنجية بشوارع شبكية واسعة بدون ممرات مسقفة أو تشجير لحماية المشاة من التعرض لأشعة الشمس (مخططين 01 و02).

img5

وقد عرف النسيج العمراني كذلك تغيراً هيكلياً مس حي وسط المدينة، حيث تم تهديم شبه كلي للنواة الاستعمارية التي كانت محاطة بسور وتحوي الإدارة الاستعمارية، بالإضافة إلى مجموعة من المساكن، ولم تسلم من عملية الهدم هذه سوى بعض الآثار القليلة جداً، وقد تم تحويلها حالياً إلى أوعية عقارية لمجموعة من التجهيزات العمومية تضم الدائرة و بيت الشباب والمركز الثقافي، والصورة 06 تظهر مدخل النواة الاستعمارية من الجهة الغربية والتي تبين أنها بنيت وفق نمط عمراني محلي، أما الصورة 07 فتظهر نفس المكان بعد عملية الهدم.

img6

التحول في التعامل مع خصوصيات موضع المدينة: عكس الأنوية القديمة للقصور في مدينة عين صالح التي أخذت في الحسبان خصوصيات الموضع في مسألة زحف الرمال بفعل الرياح بتركها لممرات خاصة لذلك، فإننا نجد التوسع الحالي للنسيج العمراني في بعض أجزائه تجاهل هذا الأمر "حيث أنه وابتداءاً من سنوات السبعينات تم تعمير الممرين اللذين خصصا في السابق للمرور الزوابع الرملية"11، وهو ما نجم عنه تضرر عدة مباني ومنشآت قاعدية في المدينة جراء زحف الرمال عليها (صورة 08).

img7

التحول في نمط المساكن: يعرف نمط المساكن في مدينة عين صالح تحولاً، حيث تم الانتقال من النمط الفردي التقليدي إلى النمط الفردي العصري ومؤخراً النمط شبه الجماعي.

يعد النمط الفردي التقليدي النمط الأصيل للمدينة (صورة 09)، وهو عبارة مبنى يحوى مسكن واحد يتسم بالاتساع، وهذا النمط يحاكي في تصميمه ظروف المنطقة الطبيعية والثقافية، وذلك ابتداءاً من واجهته الشبه مصمتة، مروراً بمدخله الذي يمنع رؤية ما بداخل المسكن وذلك حفاظاً على خصوصية وحرمة الأسرة، ووصولاً إلى الحوش أو الفناء (أو ما يسمى محليا بالرحبة) الذي يتوسطه، والذي يعمل كمنظم حراري بالمسكن و"يعتبر أحد عناصر التعبير الاجتماعي لمفهوم الخصوصية وسهولة ممارسة أهل المنزل لأنشطتهم الحياتية"12، وانتهاءاً بالسطح الذي يستعمل لأغراض عدة كتخزين التمور وأعلاف للحيوانات، وأيضاً تجفيف الملابس، كما يستعمل للتشمس شتاءاً وللنوم ليلاً في الصيف.

img8

صورة 09

أما النمط الفردي العصري فهو أيضا مبنى به مسكن واحد (صورة 10)، إلا أنه ما يميزه عن النمط السابق كونه أقل اتساعا، وبالرغم من توفر الحوش في هذا النمط إلا أنه مفتوح ايضاً على الخارج من خلال مجموعة من النوافذ الكبيرة، وهذا النمط عبارة عن برامج سكنية عمومية قامت الدولة بإنجازها ابتداءاً من أواخر سنوات السبعينات.

img9

وفيما يخص النمط شبه الجماعي فهوحديث العهد في المدينة (صورة 11)، حيث تم إدخاله عام 2003، وقد تم فيه تجميع كل أربعة مساكن في مبنى واحد، وقد غاب في تصميم مساكنه مراعاة خصوصيات المدينة المختلفة الطبيعية و والثقافية، وبالتالي فقد جاءت مساكنه ضيقة ومفتوحة على الخارج من خلال عدة نوافذ كبيرة وأيضاً انعدم فيه توفر السطح.

img10

  صورة 11

ورغم عدم مواءمة النمط شبه الجماعي لخصوصيات المدينة، إلا أن الدراسة الخاصة بمراجعة المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير لبلدية عين صالح لعام 2014 أقرت بهذا النمط، إذ أنه ومن خلال قانون التنظيم العمراني الخاص بهذا المخطط نجد أنه اقترح هذا النمط في التوسعات المستقبلية.

والسؤال المطروح هنا هو: ما الداعي إلى هذا النمط في منطقة صحراوية من جهة، ولا تعاني من مشكلة في الأوعية العقارية من جهة ثانية؟

إلا أنه وبالرغم من ذلك -وللأسف الشديد- نجد أن هذا المخطط تمت بالمصادقة عليه، وبالتالي فقد اعتمد بشكله هذا كمنظم للمجال العمراني في المستقبل.

التحول في مادة بناء المساكن: تم بناء المسكن الفردي التقليدي في المدينة بمواد ملائمة للمناخ المحلي الحار والجاف، حيث استعمل في ذلك مادة الطوب المشكلة من مزيج مادتي الطين والرمل، كما أن الجدران الخارجية لهذا المسكن تميزت بالسمك الكبير الذي يصل إلى حوالي 50 سم (صورة 12)، أما السقف فهو مكون من طبقة من جذوع وجريد (أو سعف) النخيل (صورة 13) توضع علها مادة الطوب، وبالتالي فمواد البناء المستعملة هنا تحاكي البيئة المحلية، وتتناغم معها.

img11 

 

إن استعمال مادة الطوب في البناء راجع -إضافة إلى توفرها محلياً- إلى الخصائص العالية التي تتمتع بها هذه المادة في مسألة العزل الحراري (L’isolationthermique)، حيث أن مادة الطين لها خاصية عالية في تخزين الطاقة الحرارية من البيئة المحيطة وتباطؤ كبير في معدل توصيلها.

أما النمطين الفردي العصري والشبه جماعي، وكذلك مختلف الترميمات أو إعادة البناء التي تشهدها مساكن النمط الفردي التقليدي، فإن كل ذلك أصبح يعتمد فيه على مادة الاسمنت والخرسانة المسلحة، هاته الأخيرة التي لها خاصية التوصيل السريع للحرارة وكذلك سرعة الفقدان لها، وهو الأمر الذي يؤثر في مدى الراحة المناخية التي توفرها للساكنة بداخلها.

img12

 صورة 13

التحول في مستوى البناء:

يشهد أيضاً مستوى البناء في التوسع الحالي للمدينة وكذلك في بعض التعديلات التي أدخلت على بعض أجزاء النسيج العمراني القديم تحولاً، فنجدة قد انتقل إلى عدة طوابق (صورتين 14و15)، وهذا بعد إن كانت المساكن التقليدية لا تتجاوز الطابق الواحد + السطح

img13

التحول في المعالجات المعمارية لواجهات المساكن: كانت واجهات المساكن في النمط التقليدي بسيطة وبها تشكيلات معمارية تقليدية، تتميز بلونها البني الناتج عن مادة الطوب المستعملة في بنائها، وكما رأينا سالفاً فقد كانت هذه الواجهات شبه مصمتة وتبين أن فلسفة العمران في المدينة كانت مفتوحة على الداخل من خلال الفناء الداخلي (الرحبة)، ولكن ما يلاحظ اليوم في بعض المساكن الحديثة في المدينة هو واجهاتها الهجينة والتي تعكس ثقافات دخيلة لا تعبر عن الموروث العمراني المحلي.

وبالتالي فقد أصبحت بعض الواجهات مفتوحة على الخارج من خلال عدة نوافذ وشرفات كما يظهر في الصورة 16التي تمثل أنموذج لواجهة مسكن به شرفة.

img14

 
   

أسباب التحول العمراني في مدينة عين صالح:نجمت التحولات العمرانية التي يشهدها النسيج العمراني لمدينة عين صالح عن تداخل عدة مسببات، والتي يمكن حصر أهمها - من وجهة نظرنا المتواضعة- في الآتي:

-      عدم تطبيق توجيهات أدوات التهيئة والتعمير بشكل صارم، وذلك بالرغم من أن المدينة استفادت من عدة أدوات في هذا المجال، والتي تهدف في الأساس إلى تنظيم المجال العمراني وحماية التراث المبني.

إلا أنه وبالرغم من ذلك فإن توجيهات مخططات شغل الأراضي الخاصة بالمدينة التي اقترحها المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير لبلدية عين صالح لعام 1997 لم تحترم أو أدخلت عليها تعديلات أو أنها بقيت حبراً على ورق ولم تطبق، والجدول الموالي يبرز هذا الأمر في المخططات الخاصة بالمدينة، والتي بلغ عددها 06 مخططات مصادق عليها كلها.

جدول 01: الوضعية الحالية لمخططات شغل الأراضي في مدينة عين صالح

اسم المخطط

المساحة (هـ)

الوضعية

طبيعة التدخل

ملاحظات عن الوضعية الحالية

مركز المدينة

//

مصادق عليه

تنظيم وهيكلة

محترم مع بعض التعديلات

قصر العرب

35

مصادق عليه

إعادة تهيئة

غير محترم

قصر المرابطين

30

مصادق عليه

إعادة تهيئة

غير محترم

المنطقة الجنوبية الشرقية

35

مصادق عليه

تهيئة

في طور الإنجاز

7 C

14

مصادق عليه

تهيئة

غير منجز

7 D

20

مصادق عليه

تهيئة

غير منجز

المصدر: دراسة مراجعة المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير لبلدية عين صالح (التقرير التوجيهي)، 2014، ص120.

وهنا نتساءل عن الفائدة من صرف أموال طائلة على دراسة هذه المخططات؟ وهل القيام بالدراسات هدف في حد ذاته، أما أن الهدف هو التقيد بتطبيق توجيهات تلك المخططات على الميدان، واعتبارها قانون التعمير الذي ينظم مختلف العمليات التي تمس النسيج العمراني؟

-      اللامسؤولية -أو ربما الجهل أحياناً- من طرف الهيئات التقنية والمسؤولين المحليين في اتخاذ بعض القرارات التي تخص التدخل على النسيج العمراني القديم.

-      عدم التقيد من طرف بعض الساكنة بالتصاميم الهندسية للمساكن التي تم على أساسها منح رخصة البناء.

-   جعلت الثورة المعلوماتية والتكنولوجية الكبيرة بالإمكان الاطلاع على مختلف البيئات العمرانية بكل سهولة ويسر، وهو ما أدى بالبعض إلى الانبهار بتصميمات معمارية لا تمت بصلة إلى الموروث المحلي للمدينة بكل ما يحمله من زخم.

-   يرجع التوسع العمودي في المدينة إلى الطلب المتزايد على السكن، وفي غياب أوعية عقارية جديدة مهيئة لذلك فقد لجأ بعض الساكنة إلى الاعتماد على التوسع العمودي داخل النسيج العمراني القديم للمدينة هذا من جهة، ومن جهة ثانية تغير النظرة الحالية للسكن من طرف البعض، فلم يعد ينظر إليه باعتباره مجال خاص بالوظيفة السكنية فقط، وإنما يمكن استغلال الطابق الأرضي فيه لإنجاز محلات تجارية للكراء، وخصوصاً بعد الإمكانية التي وفرتها الخرسانة المسلحة في هذا المجال (أي لسهولة بناء عدة طوابق).

-   أصبح بالإمكان الاعتماد على الطاقة الكهربائية لتحقيق الراحة المناخية داخل المساكن، وهو ما عزى بالبعض إلى العدول عن المواد التقليدية التي اعتمدت سابقاً في البناء والتحول إلى مواد بناء عصرية.

نتائج التحول العمراني في مدينة عين صالح: أدت التحولات العمرانية في مدينة عين صالح التي تم التطرق إليها آنفاً إلى مجموعة من النتائج نذكرها في ما يلي:

نسيج عمراني مشوه: أدت عمليات الترميم أو الهدم وإعادة البناء بواسطة الاسمنت والخرسانة المسلحة التي قام بها الساكنة في الأنوية القديمة للمدينة إلى تداخل بين المساكن التقليدية والحديثة (صورة 17)، وكذلك مجموعة التغييرات التي تم إدخالها القاطنين بالنمطين الفردي العصري والشبه جماعي، والتي تمثلت في بتسييج بعض النوافذ المطلة على الخارج أو حتى غلقها نهائيا وكذلك زيادة ارتفاع السور الخارجي للمسكن محاولين في كل ذلك تحقيق عنصري الخصوصية

والحرمة الغائبين في تصميم هذه المساكن (صورة 18)، وكل ذلك أدى إلى صورة مشوهة للنسيج العمراني للمدينة.

 
   

img15

تلاشي ملامح الهوية العمرانية: وجاء ذلك نتيجة للهندسة المعمارية في بناء بعض المساكن والغريبة عن التشكيلات المعمارية الأصيلة التي عرفتها المدينة عبر مسارها العمراني، والتي أوضحنا سابقاً أنها كانت عمارة مفتوحة على الداخل وتحافظ على حرمة وخصوصية الأسرة.

وبالتالي فقد أدخلت اليوم بعص المساكن ذات طراز معماري لا يمت بصلة إلى المنطقة لا من حيث البيئة الطبيعية الصحراوية ولا من حيث القيم والعادات للساكنة، وأصبحت عمارة مفتوحة على الخارج من خلال النوافذ الكبيرة والشرفات بالإضافة إلى الأسقف المائلة (صورة 19) رغم ندرة الأمطار، والتي لا يتعدى متوسطها السنوي (20 ملم)، وهو أمر غاية في الخطورة كونه يؤدي إلى تلاشي ملامح الهوية العمرانية للمدينة.

img16

فقدان جزء من تاريخ المدينة: لا يمكن تعريف أي مدينة بمعزل عن جغرافيتها وتاريخها، واللذين يمكن اعتبارهما عنصرين مهمين في حياة المدن، هذه الأخيرة التي تبنى على المكان وتؤرخ من خلال عمرانها للحقب الزمنية المختلفة التي شكلت الموروث العمراني بكل زخمه.

وبالتالي وانطلاقاً مما سبق فإننا نعتبر أن هدم النواة الاستعمارية في مدينة عين صالح أدى إلى ضياع جزء من عمران المدينة، وبالتالي فقدان جزء من تاريخها المرئي.

غزو الرمال للنسيج العمراني:وجاء ذلك نتيجة تجاهل توسع العمران الحالي للممرات التي تركها الساكنة سابقاً في المدينة لغرض مرور الكثبان الرملية، وهو الأمر الذي نجم عنه زحف تلك الكثبان على بعض أجزاء النسيج العمراني متسببة في هدم جزئي أو كلي للعديد من المباني، وقد زاد الأمر حدة التخلي حالياً عن تقنية المصدات التقليدية لزحف الرمال التي اعتمدت في الماضي.

زيادة استهلاك المساكن للطاقة : وهذا لغرض التدفئة والتبريد نتيجة تغيير مواد بناء المساكن، هاته الأخيرة لا تستجيب لنفس المعايير التي كانت توفرها مواد بناء المساكن التقليدية في مسألة العزل الحراري من جهة، ومن جهة أخرى الاعتماد أكثر على الانارة الاصطناعية في المساكن الحديثة التي ينعدم فيه الفناء الداخلي إذا ما قارناها مع نظريتها التقليدية التي تستفيد بصورة أكبر من الإنارة الطبيعية.

الاقتراحات والتوصيات: تقتضي التحولات العمرانية التي تشهدها مدينة عين صالح وضع تصورات مستقبلية في هذه المدينة من خلال مجموعة من الاقتراحات والتوصيات، والتي نراها ضرورية قصد الحفاظ على الموروث العمراني وعلى الهوية المحلية، وتتمثل في الآتي

-   وضع شروط صارمة في اختيار مكاتب الدراسات الموكل إليها إنجاز مختلف مخططات التعمير، وأيضاً مختلف الدراسات العمرانية، حيث لابد أن يكون ذلك ضمن نطاق الخصوصيات المحلية للمدينة، بعيداً عن المخططات النمطية (نسخ طبق الأصل) لعدة أمكنة مختلفة بيئيا.

كما أنه من الضروري في هذا المجال أخذ آراء كل الفاعلين في ميدان التعمير عند المصادقة على هذه المخططات، وإذا اقتضى الأمر توسيع دائرة الرأي لتشمل مختصين في علم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد.

-   ينبغي لاستدامة الهوية العمرانية للمدينة أن تستلهم التصميمات المعاصرة من التشكيلات المعمارية الأصلية الموروثة محلياً، كما تبز في هذا الصدد أيضاً أهمية توعية الساكنة -وخصوصاً بالأنوية القديمة للمدينة- بأهمية الحفاظ على شخصية المدينة وعلى طابعها العمراني.

-   لابد للهيئات التقنية المخولة لها استصدار مختلف عقود التعمير أن تشدد على مسألة الحفاظ على النمط العمراني المحلي، وهذا عند تسليم رخص البناء.

-   الاستفادة من تراكم الخبرات التي نتجت عن تجارب الساكنة في التعامل مع خصوصيات موضع المدينة في جميع العمليات التي تمس النسيج العمراني.

-   ضرورة اشراك الساكنة في مختلف عمليات التهيئة العمرانية، وأخذ آرائهم ومقترحاتهم في هذا الجانب بعين النظر، كونهم المستهدف من كل تلك العمليات، وبهذا نجعل من المدينة ومجالها العمراني فضاء تتقاسم فيه الكلمة جميع الأطراف المستعملة له دون إهمال أو إقصاء أي طرف.

-      بغية حماية المباني والهياكل القاعدية بالمدينة من التلف الذي كانت تتعرض له جراء زحف الرمال عليها, وجب تثبيتها (إما ميكانيكياً بحواجز سف النخيل أو بيولوجياً بأشجار تتوافق والبيئة الصحراوية)، وهو ما من شأنه توفير الأموال التي كانت تصرف لنزع الرمال واستغلالها لتلبية احتياجات أخرى للسكان، بالإضافة إلى أن تشجير الكثبان الرملية سيكون له الفضل في زيادة الرطوبة بالجو، وبالتالي تلطيف مناخ المنطقة المتميز بالحرارة الشديدة والجفاف.

-      استغلال الكمية الهائلة للسطوع الشمسي التي تعرفها المدينة طوال أيام العام في توفير الطاقة، وهو أمر يندرج ضمن مفهوم التنمية المستدامة كونه يعتمد على طاقة نظيفة ومتجددة.



خلـيفة عبد القادر: "مدن الصحراء الجزائرية في التحولات. قصور الأمس مدن اليومhalshs-00387135, version 1 - 28 Jun 2009 .

المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير لبلدية عين صالح 1997 (PDAU1997).

تمنراست هي الولاية رقم 11 في الترتيب الوطني، انضمت إلى صف الولايات بعد التقسيم الإداري لعام 1974م, وهي تحتل الولاية المرتبة الأولى من حيث المساحة على المستوى الوطني، إذ أنها تتربع على مساحة شاسعة قدرها 557.906.25 كم² وهو ما يمثل حوالي ربع (¼) مساحة الصحراء الجزائرية.

A.MAIR et A.SAVELLI : « In Salah et le Tidikelt oriental, Etude historique, géographique et médicale »,  Archives Institut pasteur d'Algérie. T XXXII n° 4 décembre 1955, p268.

- ترجع تسمية حي قصر العرب بهذا الاسم كما يرد ذلك في الروايات التاريخية للمنطقة إلى الساكنة الأوائل الذين استقروا بهذا الحي والذين يقال أنهم قبيلة عربية من أصول ليبية، أما تسمية قصر المرابطين فهي نسبة إلى قبيلة أهل عزي (المرابطين) والتي قدمت من منطقة تافيلات بجنوب المغرب واستقرت بالمنطقة.

كل المعدلات الشهرية والسنوية للمؤشرات المناخية ناتجة عن معالجة الباحثين لمعطيات الديوان الوطني للأرصاد الجوي للفترة (1995-2004).

Office National des Statistiques : « Armature Urbaine RGPH 2008 », Collections Statistiques N° 163/2011, Série S : Statistiques Sociales, Alger, Septembre 2011, p 95.