المدينة الصحراوية في الجزائر، من نسق البداوة إلى ضرورة الاستقرارpdf

مقاربة أنثروبولوجية

مرقومة منصور

جامعة مستغانــم( الجزائر)

 

Résumé

 

Les changements qui ont eu lieu dans la zone saharienne et à la périphérie de la zone tellienne et des hauts plateaux, ont provoqué une rupture dans le système du nomadisme. La sédentarisation et la fixation d’une nouvelle population dans les villes sahariennes a eu un impact certain tant sur le plans social, économique, culturel que politique. L’article se propose, à partir d’une approche anthropologique, de montrer comment s’est effectué ce passage d’un mode de vie nomade à un mode de vie urbain et sédentaire  
Mots clés : ville saharienne, changement, nomadisme, transhumance, sédentarisation, urbanisation, modernité.

خلاصة

إذا كان الإنسان قد بنى حضاراته حول نقاط الماء، فإن مناطق الحياة ونواة العمران (البدوي والحضري)، ونقصد بها الواحات الصحراوية، لم تخرج عن هذه القاعدة، حيث استقر إنسان الصحراء عند مصادر المياه، واعتبرها محطات مهمة في حله وترحاله، فكانت همزة وصل بين مختلف المناطق، ومحطات ربط وعبور. وعلى الرغم من أن الماء كان عنصرا ضروريا وأساسيا في استقرار سكان الصحراء، أو على الأقل الرسم الأهم لطريق تنقله وترحاله عبر مساحات شاسعة، إلا أن العنصرين الأساسيين الآخرين لا يقلان أهمية عن الأول وهما: الأرض (التربة الصالحة للزراعة)، والإنسان (الممثل للقوة العاملة التي تواجه المؤثرات الطبيعية والمناخية وتتصارع معها)، وبتضافر والتقاء هذه العناصر الثلاثة تحدث عمارة الأرض، ويظهر العمران البشري، وتحدث التنمية التي تخدم متطلبات الحياة لدى الإنسان الصحراوي. وذلك وقوفا عند عاملين أساسيين وتلبية لمتطلباتهما، أحدهما قبلي (امتثالا لتعاليم وضرورات المجتمع القبلي)، والآخر ناتجا عن ظهور مؤثرات خارجية كتدخل السلطة المركزية المتمثلة في الدولة وقوانينها في خلق فضاءات تنموية.

مقدمة:

إذا كان الإنسان قد بنى حضاراته حول نقاط الماء، فإن مناطق الحياة ونواة العمران (البدوي والحضري)، ونقصد بها الواحات الصحراوية، لم تخرج عن هذه القاعدة، حيث استقر إنسان الصحراء عند مصادر المياه، واعتبرها محطات مهمة في حله وترحاله، فكانت همزة وصل بين مختلف المناطق، ومحطات ربط وعبور. وعلى الرغم من أن الماء كان عنصرا ضروريا وأساسيا في استقرار سكان الصحراء، أو على الأقل الرسم الأهم لطريق تنقله وترحاله عبر مساحات شاسعة، إلا أن العنصرين الأساسيين الآخرين لا يقلان أهمية عن الأول وهما: الأرض (التربة الصالحة للزراعة)، والإنسان (الممثل للقوة العاملة التي تواجه المؤثرات الطبيعية والمناخية وتتصارع معها)، وبتضافر والتقاء هذه العناصر الثلاثة تحدث عمارة الأرض، ويظهر العمران البشري، وتحدث التنمية التي تخدم متطلبات الحياة لدى الإنسان الصحراوي[1]. وذلك وقوفا عند عاملين أساسيين وتلبية لمتطلباتهما، أحدهما قبلي (امتثالا لتعاليم وضرورات المجتمع القبلي)، والآخر ناتجا عن ظهور مؤثرات خارجية كتدخل السلطة المركزية المتمثلة في الدولة وقوانينها في خلق فضاءات تنموية[2].

لقد عرفت الجزائر عامة ومنطقة الصحراء خاصة تحولات عديدة. إذ من بين التغيرات التي حدثت على المستوى الوطني والمحلي، خاصة في المنطقة الصحراوية وعلى مشارف التل والهضاب، نجد أن الانقطاع في نسق البداوة والانتقال من حالة الترحل إلى حالة الاستقرار والاستيطان كان من أهمها، ذلك أن هذا الانتقال قد تأثر بعدد من الأسباب، وأدى إلى عدد من النتائج والانعكاسات التي يمكن معايشتها والوقوف عليها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وحتى السياسي، خاصة بالنسبة للمدينة الصحراوية التي تعرف حالة من النزوع إلى الاستقرار والتثبيت الجغرافي داخل المجمعات الحضرية بعدما كانت الواحات الأماكن الوحيدة لتجمع السكان، وبعد أن كان إنسان الصحراء يحي حياة البداوة والترحال وما يصاحبها من مؤشرات مختلفة حول التغير في نمط العيش واستغلال المجال.

ولعل من بين أهم الأسباب التي أدت إلى المرور من نسق البداوة- الذي رافق الإنسان في منطقة الصحراء بخاصة- إلى ضرورة الاستقرار والتشبث بالمكان، نجد تداعيات السياسة الاستعمارية في الجزائر بعامة والمناطق الصحراوية بالتحديد، خاصة بالقضاء على النمط التقليدي في الترحال والتنقل، زيادة على ظروف تدخل تحت طائلة المناخ وقساوة الطبيعة، وأخرى تدخل تحت طائلة المتطلبات الثقافية والاقتصادية التي أصبحت تمليها الحياة العصرية على المواطن الجزائري. وسنحاول الوقوف على أهم المرتكزات السوسيو-ثقافية والاقتصادية والطبيعية وغيرها، التي جعلت المدينة الصحراوية تتأرجح بين نسق البداوة ومتطلباته، وبين ضرورة التحضر والاستقرار بما تمليه متطلبات العصرنة والحداثة.

أولا: المجتمعات الصحراوية ونسق البداوة

إن البحث في خصائص المجتمعات الصحراوية يقودنا إلى الوقوف على كثير من الحقائق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التاريخية والحديثة. إن ما يدعو إلى الترحل والتنقل البدوي، هو من جهة، المحفز الطبيعي (ضرورة الحياة البدوية في البحث عن الكلأ ومصادر المياه والتجارة)، ومن جهة أخرى غريزة التحرر التي يسعى البدوي إلى تحقيقها. إنه من المهم وقبيل سنة 1830، كان عدد من البدو الرحل خاصة من الهضاب العليا الجزائرية يأتون في كل سنة إلى الشمال يعرضون قوة عملهم على الفلاحين الذين يبحثون عن ''الشوالة'' حصادين موسميين لفترة الصيف... ثم يستغلون المساحات المحصودة لرعي مواشيهم[3].من جهة أخرى تشكلت عبر الصحراء الجزائرية طرق تجارية هامة، ومناطق عبور ومبادلات، امتدت من الجنوب التونسي والهقار إلى مناطق داخلية من الوطن، كأولف خاصة ومنطقة توات عامة، والتي شكلت أيضا رابطا اقتصاديا ومنطقة خلفية لكل من سجلماسة وتفيلالت، كما شكلت تيميمون ومنطقة قورارة بنية استقبال مثالية لقوافل قبائل السهوب الوهرانية. كما شكلت هذه المناطق أيضا ومن جهة أخرى، مواقع لانسحاب الكثير من القبائل أثناء الحروب والمناوشات التي كانت تحدث خاصة في الشمال[4]. لقد كانت هذه القبائل الصحراوية تعيش وفق مخططات محكمة لحياتها سواء في الحل أو الترحال، بحيث أنه '' لم توجد في الجزائر قبائل هائمة على وجهها بما تحمله الكلمة من معنى، والقبائل الأكثر حركة كانت تمتثل في تنقلها إلى بعض القوانين التي تحدد، وبشكل شبه ثابت، حقول الإقامة، والفلاحة والرعي''[5].

إن الحياة الطبيعية التي يعيشها البدوي والمبنية على عامل الحرية في التصرف والتنقل والاستقرار، والمبنية أيضا على التنقل والترحال وتربية الماشية والإبل والمبادلات الحرة، جعلته أكثر أنفة وترفعا، وصبغته بصبغة خاصة لا يمكن أن نجدها إلا عند البدوي، '' العربي لا يحب أن يظهر مسكنه، ليس أكثر من أن يكشف عن اسمه، أو الحديث عن أعماله، أو الإفصاح عن هدف سفره. إن الكرم الذي تحدث عنه الجنرال دوماس (Daumas) في كتابه الصحراء الكبرى(Le grand désert)، يجعلك ترى أن هذا التصرف من صميم عادات العربي، فهو فعل جدي أن تأكل وفي نفس الوقت تهب الأكل، والضيافة درس مهم لحسن العيش والكرم والمبادرة المشتركة، إنها ليست ضرورات اجتماعية فحسب، بل تعاليم ربانية إلهية[6]، فإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، والوفاء بالعهد، من أهم خصائص الحياة البدوية.

ثانيا: نماذج من الواحات والقصور وقبائلها

نقاط الترحل والعبور والتخييم، والتي كانت تستعمل من طرف قوافل الرحالة والبدويين متعددة ومهمة، تمتد عبر مناطق واضحة ومعروفة، كالشطوط والأودية والسهول والقصور والواحات. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: شطوط (الظهرة، وملوية، والعريشة)، ومنطقة تيارت، وسعيدة، وبعض القبائل التي كانت تتجاوز الأطلس الصحراوي للتخييم جنوب السلسلة، كقبائل ''غير''، وسوسفانة، وقبائل مشرية، والعين الصفراء، والبيض، وآفلو، وخنشلة، وتبسة، وقبائل الأرباع، والسعيد عتبة، وملحقة ورقلة، وقبائل الحضنة الغربية، ودائرة بسكرة، وتقرت، والوادي، وبعض القبائل الصحراوية الأخرى كالشعامبة (الوادي)، وقبائل الطوارق (الهقار)[7].مرورا بقصور وواحات جد معروفة بمناطق قورارة، وتيديكلت، وتوات وهي على التوالي: تميمون، وعين صالح، وأدرار، والتي تحتل مكانة وسط بين الهقار والمناطق السهبية[8]. لقد كانت هذه القبائل تتوزع بين نمطين من أنماط حياة الإنسان الصحراوي؛ سكان الواحات والقصور الذين يعتمدون على الفلاحة، والبدو الرحل الذين يعتمدون على التنقل وتربية الحيوانات (الأغنام، الإبل)[9]، فقد كانت هذه المناطق قبل مجيء الاستعمار تعيش ضمن مخطط قائم على الثلاثية؛ التجارة والزراعة وتربية الماشية. ففي منطقة توات وقورارة بعض الأسياد والمشايخ الذين يمتلكون أراض مسقية وفوقارات ينتمون في معظمهم إلى قبائل بربرية مستقرة، ولكنهم ينحدرون من قبائل رحالة تعرف باسم زناته. هذه المناطق كانت محل عبور في كل ربيع من كل سنة من طرف قبائل عربية تمتهن تربية الماشية والرعي قادمة من منطقة العين الصفراء 1000كم شمال قورارة[10].

ثالثا: الانقطاع في نسق البداوة[11]

مع مجيء الاستعمار الفرنسي ومع الخلل الذي أحدثه في نسق البداوة، ''لم تعد حياة الرعي تفي بحاجيات البدوي الصحراوي، لم يعد ذلك الوجود المكثف لأكبر القبائل الجزائرية التي تجوب المناطق خارج الحواضر دون خشية، وبكبرياء، بخيولها ومعزها وبقطعان أغنامها الضخمة. لم يعد البدوي يفكر في تربية الماعز والأغنام، لأن الماء أصبح شحيحا في المساحات القريبة من الأرض، وأصبحت البلاد تعيش حالة من البؤس بمناطق تربية الأغنام أو تلك التي تربى فيها الإبل، وأصبحت اللصوصية ميزة من ميزات بعض القبائل[12]. لقد اضطر عدد من البدو الرحل إلى الهجرة نحو المدن والحواضر ونحو مناطق السهوب والتل، '' هؤلاء السكان لم يجدوا موارد رزق إلا من خلال التغرب باتجاه مناطق ريفية أخرى أو نحو المدن. إن مصيرهم لم يكن بأحسن من الذين هاجروا نحو المناطق الجبلية أو باتجاه السهوب''[13].

أحدث الاستعمار اختلالا متعدد الأشكال (اقتصادي، سياسي واجتماعي)؛ إن حياة البدو الرّحل عرفت تغيرا عميقا و تصدّعات ناتجة عن الاستعمار ذاته، إن وضعية هؤلاء السكان (الذين بقوا على حالتهم البدوية) لم تكن أحسن من أولئك البدو الذين أقاموا بالحضر لمواجهة هذه الوضعية الجديدة، وهي الاستيلاء على أراضيهم من طرف الاستعمار، أو صعوبة التنقل التي فرضها عليهم، إن بدو هذه المنطقة ، الخاضعين لقوانين الإدارة الفرنسية و للوضعية الجديدة التي قلبت كل القيم و التقنيات التقليدية التي كانت تتمفصل حولها البداوة، وجدوا أنفسهم يواجهون عدّة مشاكل اقتصادية، وسياسية، واجتماعية. '' فإذا كانت مواجهة البدوي قد تمت بقوة، فذلك لأنه كان يمثل أهم عائق أمام تقدّم الاستعمار، كان يجب طرده، أو القضاء عليه جسديا إذا تطلب الأمر ذلك، حتى يتم الحلول مكانه''.[14] بيد أن الحياة أصبحت أكثر صعوبة، الأمر الذي يدفع بهؤلاء الناس إلى البقاء حتى أثناء الفترات الصيفية للعمل الموسمي بحقول المعمرين (الحصاد وجني العنب في مناطق الشمال). آخرون يقيمون بشكل نهائي ويصبحون ساكنين (مقيمين) عندما يجدون عملا طوال السنة لدى المعمرين، خاصة قبل المكننة الزراعية.

عملت الإدارة الفرنسية على إلحاق منطقة تيديكلت بملحقة ورقلة حيث تتواجد قبائل الشعامبة التي تربطها علاقات تجارة جد هامة ودائمة مع المنطقة، بينما ربطت منطقة توات وقورارة بملحقة العين الصفراء[15]. كما نصبت عددا من القياد (القادة) على معظم القبائل وهذا من اجل تمرير سياستها في تحديد مناطق العبور والرعي، وكذا القوانين الخاصة بالإكراهات على التثبيت في المكان وعملية استقرار البدو الرحل في الواحات والقصور. ويحصي الباحث نذير معروف القياد والمناطق التي يشرفون عليها في هذه العملية ب: 16 بالنسبة لقورارة، 13 بالنسبة لتوات، و14 بالنسبة لمنطقة تيديكلت. المجالات الثلاثة هذه شكلت الإطار المؤسساتي والقانوني لنشاط المجالس والجماعات (Assemblées ou Djmaâ) والتي لم تكن في حقيقة الأمرسوى مجالس القياد المنصَبين من طرف الإدارة الفرنسية، والتي كانت تحدد عدد الأعضاء فيها نظرا للخدمات المقدمة من طرفهم أو نظرا لقوة تأثيرهم المحلية[16]. إن احتلال المجال من طرف المعمر، بخلق وحدات مجالية (مجال مدني، مجال عسكري، مقاطعات، محافظات، بلديات (communes de plein exercice)، بلديات مختلطة)، كان دافعا قويا في خلق المجالات الحضرية المدينية التي كانت تتميز بطابع العنف المادي والرمزي ضد الأهالي[17].

ويتمثل هذا العنف في:

-      تفكيك البنية القبلية

-      تحديد مناطق العبور والتنقل

-      تحديد مناطق الرعي ومصادر المياه

-      فرض الضرائب على مرور القبائل وقوافلها

-      التجنيد الإجباري خاصة بعد سنة 1912.

إن المنطقة الآهلة بالسكان الناطقين بالعربية (arabophones) والواقعة في مجال حياة البدوي تمثل أكبر المجالات في الجزائر التي تعرضت وبشكل أكبر ومباشر للصدمة الاستعمارية، حيث كان تفكيك البنيات المختلفة أكثر عمقا[18].

لقد انعكست السياسة الاستعمارية أو حتى السياسة الوطنية بعد الاستقلال سلبا على نسق البداوة، إن تحديد الرقعة الجغرافية كمحدد من طرف السلطات الرسمية في تأشير القبيلة أو الوحدة الإدارية يجعلها عامل إذابة لما هو تقليدي في ما هو رسمي. إن التقسيم الجديد بعد الاستقلال لم يأخذ القبيلة كعنصر أساسي لهذا التقسيم نظرا لحركية القبيلة وعدم ثباتها. فكان التقسيم الإداري الترابي والجغرافي هو الأساس على الرغم من التطابق الحاصل في كثير من الأحيان للعنصر القبلي مع العنصر الجغرافي، أو تداخلهما في أحايين أخرى. فكان استبدال الأساس العرفي القبلي بالأساس الترابي الإداري الجغرافي[19].

من جهة ثانية، فإن عملية الانقسام هذه، تكمن وراءها معطيات أخرى، تتمثل في تراجع البنيات التقليدية والنزوح الريفي نحو المجالات الحضرية والتجمعات السكانية المليئة بكثير من خيبات الأمل على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث حصلت القبيلة من خلالها على مظهر فكري إيديولوجي (un aspect utopique). إن القبيلة في المدينة عبارة عن معطى سوسيولوجي يجب تحليلها اعتمادا طبعا على مخلفات الإيديولوجيا القبلية، ولكن أيضا اعتمادا على الطبيعة الخاصة بالمدينة أو المجمعة السكانية التي تتميز بمستويات التطور الثلاث: ديموغرافي، واقتصادي، ومجالي، هذا الأخير الذي سيطرت عليه الطبيعة المنفرة للخرسانة المسلحة بما أسماه حداد لحسن ب: ''غابة الخرسانة ''(la jungle du bêton) [20].

رابعا: دواعي التحضر وضرورة الاستقرار

زيادة على السياسة الاستعمارية يوجد عدد من الأسباب التي أدت إلى التغير في نسق البداوة منها:

-   الظروف المناخية الصعبة التي أثرت على نشاطات الفلاحة والرعي كالجفاف، وندرة مصادر المياه، وشح الأراضي الرعوية والتي كانت وراء نزوح عدد من البدو وسكان الواحات والأقصر نحو المدن والحواضر الصحراوية، ناقلين معهم الكثير من خصائصهم وممارساتهم البدوية.

-   الظروف الاجتماعية والثقافية التي كانت وراء رغبة العديد من البدو الرحل في الاستقرار بالحواضر والتي يمكن أن نلخصها في التعليم والصحة والخدمات الإدارية التي تقدمها المدينة، والتنمية والتصنيع، زيادة على فرص الدخل عن طريق العمل المأجور والتي تؤدي إلى تحسين الوضعية الاجتماعية لساكنة المدينة.

-   ظهور بعض الامتيازات التي قدمتها الدولة لسكان الأرياف والواحات والحواضر كالدعم الفلاحي والقروض البنكية والمشاريع السكنية مما رغب الكثير من البدو في العيش داخل الحواضر والقرى والاستفادة من هذه المزايا.

-   ظهور وسائل النقل الحديثة ووسائل الاتصال الجماهيرية مما قلص المسافات وفك العزلة عن المناطق المتباعدة والتي كانت تعتمد سابقا على التنقل بواسطة الإبل والدواب، وهذا كان له دور في التسريع من عملية التنمية وظهور الأحياء الجديدة والزيادة في نمو الحواضر.

ومن بين نتائج ذلك كله نذكر ما يلي:

-   الانتقال من حالة الترحال والتنقل لدى القبائل المختلفة إلى حالة الاستقرار القصري الذي نتج عنه هو الآخر وبدوره عدد من المشاكل في اكتظاظ الواحات والقصور والمدن الصحراوية، وما صاحبه من ارهاق وتفكيك في البنية القبلية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية...

-   الانتقال من التجارة الكبرى المتنقلة والمرتبطة بالقوافل، إلى التجارة الصغرى (المستقرة) في الحواضر والمدن الصحراوية وفي بعض الواحات والأقصر، والتي تعتمد على التجزئة.

-   التغير في البنية السياسية لدى القبيلة والمعتمدة على التراتب الهرمي برئاسة شيخ القبيلة الذي يعاونه في مهامه مجلس القبيلة المشكل من رؤساء العشائر.

-   انقسام العائلة والتحول في نمط الأسرة من ممتدة إلى نووية، انعكس على الوحدة الاجتماعية المتميزة بالعصبية والتعاون، إلى التشتت وفقد الروابط الدموية والقرابية واستبدالها بروابط تعتمد أساسا على الأدوار الفردية والجماعية، والمصلحة، ويحكمها العقد (le contrat).

-      الانتقال من الملكية الجماعية للأراضي الفلاحية والرعوية ووسائل الإنتاج، إلى الملكيات الفردية وشبه الجماعية.

-   ظهور الأحياء المتخلفة في ضواحي الحواضر مما تسبب في خلق مشاكل داخل النسيج العمراني انعكس على العلاقات الاجتماعية والقيم فظهرت الآفات الاجتماعية والانحلال الخلقي والفساد.

خاتمة:

بعد استعراضنا لأهم المحددات السوسيو-ثقافية التي وقفت وراء انتقال المجتمع الصحراوي في الجزائر من حياة التقليد والبساطة إلى الحياة الحضرية بما تحمله من تعقيدات، يمكننا أن نجمل هذه الأسباب والعوامل والمحددات في ما هو سياسي تاريخي وحديث ناتج عن تدخل السلطة المركزية الاستعمارية التي حاولت القضاء على التنظيمات التقليدية وخاصة نسق البداوة السائد فيها، وذلك من أجل السيطرة والتملك والحد من قوة هذه التنظيمات التي كانت معارضة مباشرة أو غير مباشرة لسياسة الاستعمار التوسعية. زيادة على الإكراهات السياسية والمجالية المرتبطة بالتثبيت والاستقرار لقبائل الصحراء، نجد أن العوامل الطبيعية وخاصة المناخية منها كالجفاف والتصحر، ساعدت في تخلي عدد من القبائل البدوية الصحراوية عن حياتها التقليدية ومحاولة التوجه نحو الحواضر لممارسة حياة عصرية في ظل التنمية والتطور التكنولوجي والصناعي، والذي كان بدوره عاملا آخرا من عوامل جذب البدو إلى الاستقرار بالمجمعات الحضرية، متضافرا مع الحالة الثقافية الاجتماعية المتمثلة في الإقبال على التعليم والصحة والامتيازات التي توفرها المدينة، هذه الأخيرة التي وجدت نفسها تتأرجح بين نسق البداوة ومؤشرات الهوية التقليدية من جهة، ومن جهة أخرى بين متطلبات الحياة العصرية، ذلك أن عددا من النازحين من الأرياف والبوادي حملوا معهم ثقافتهم التقليدية بخصائصها وممارساتها إلى المدينة، فتضخمت المدن والحواضر وظهرت العشوائيات، وتفككت الروابط التي كانت في السابق تعتمد على القرابة والصلة الدموية، مما ترتب عنه خلل متعدد الأوجه؛ اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وانعكس سلبا رغم بعض الإيجابيات، على جميع مناحي الحياة الحضرية.



لمزيد من المعلومات أنظر في ذلك:  MAROUF Nadir, lecture de l’espace oasien, Sindbad, Paris, 1980, P.18.

المرجع نفسه، ص 28-29.

MAROUF Nadir, Terroirs et villages algériens, OPU , Alger, 1981, PP.47-48.

MAROUF Nadir, lecture de l’espace oasien, op. cit. P. 31et PP. 53-58.

CARETTE et WARNIER, Tableau des établissements français, 1844-45, cité par MAROUF Nadir, 1981, op. cit. P. 50.

EUGENE FROMENTIN, Un été dans le sahara, ENAG éditions, Alger, 2001, P. 26.

Voir à ce propos : MAROUF Nadir(1981), op. cit.

المرجع نفسه، ص. 70.

EUGENE FROMENTIN, op. cit. P. 48.

MAROUF Nadir(1981), op. cit. P. 80

لمزيد من المعلومات أنظر: BOUKHOBZA M’HAMED, L’agropastoralisme traditionnel en Algérie de l’ordre tribal au désordre colonial, OPU, 1982.

J. SCHIRMER, Le sahara, P. 272, cité par MAROUF Nadir(1981), op. cit. P. 52.

BOUKHOBZA M. 1982. op. cit. p. 120.

المرجع نفسه ص 17.

MAROUF Nadir(1980), op. cit. P.86.

MAROUF Nadir(1980), op. cit. P.86.

لمزيد من المعلومات أنظر في هذا الصدد: 149 BOUKHOBZA M. 1982. op. cit. p.

BOUKHOBZA M. 1982. op. cit. p. 90.

 رحمة بورقية، الدولة و السلطة و المجتمع ، دراسة في الثابت و المتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب ط1 دار الطليعة. بيروت، 1991. ص . 120

أنظر في هذا الصدد Haddad Lahcen, Le résiduel et l’émergent, le devenir des structures sociales   traditionnelles (le cas de la tribu hors et dans la ville), publications de la faculté des lettres et de sciences humaines, série : Essais et études. Rabat. 2001  في إحالة إلى مختلف الصراعات والمنافسات التي يمكن أن تحدث داخل المجمعات الحضرية، والتي تسيطر عليها المنافسة في اكتساب المزيد من المجالات و الفضاءات المختلفة.