التحولات الاجتماعية بمدينة دوز الصحراوية وانعكاساتهاpdf

 

فتحية مقديش

جامعة صفاقس ( تونس)

خلاصة

تعتبر مدينة دوز الواقعة بصحراء البلاد التونسية فضاء اجتماعيا مميزا، يستوجب دراسة سوسيو-أنتروبولوجية ميدانية لتبينمدى تأثير العولمة في تلك الثقافة، وإبراز انعكاسات ذلك على المستوى الأسري وعلى المستوى العلائقي وعلى مسألة الهوية والانتماء. إذ يمكن لثقافةالفرد داخل هذه المنطقة، أن تحتضن الماضي – بشكل واع أو لا واع – دون القطع معه أو طمسه لأنّها تعدّه نافعا صالحا لحاضرنا وشكلا من أشكال الحفاظ على ثقافة "الأنا" والتمسك بالهوية الثقافية المحلية التي تميزه عن الآخر. كما يمكن لهذه الثقافة أن تجاري الواقع لتواكب كل ما هو عصري فتنتصب مدافعة عن العولمة، داعية إلى اتخاذ موقع فيها، يجرفها تيار "الآخر" ليصل ذلك حدّ الإعجاب أو الافتتان الذي يمكنها من تبني ما يمثله الآخر من تقدم وحداثة باسم مواكبة العصري والموضة رافعة شعار التكيف مع كل ما هو جديد للاندماج فيه والعمل على إقناع الآخرين بسلامته.

Abstract

Thisparticipation  is a socio-anthropological study of major social transformations in the city of  Douz.The intervention also shows the impact of globalization and highlights its implications on family and relational level and on the issue of identity and belonging.Relying on the case study methodology we concluded there have been several social changes in the region comparing with the past. Those changes have included some elements of material and even immaterial culture. This has been the outcome of several factors such as education and tourism.

These changes give birth to great transformations concerning the concept of the family and its roles. They also touch the social relationships and undermine the foundations of the desert cultural identity. This is mainly due to the strong impact of globalization

Key Words: social transformations-matériel and immatériel culture-concept of the family-social relationships- cultural identity

مقدمة:

تعتبر مدينة دوز الواقعة بصحراء البلاد التونسية فضاء اجتماعيا مميزا، يستوجب دراسة سوسيو- أنتروبولوجية ميدانية لتبين مدى تأثير العولمة في تلك الثقافة، وإبراز انعكاسات ذلك على المستوى الأسري وعلى المستوى العلائقي وعلى مسألة الهوية والانتماء. إذ يمكن لثقافةالفرد داخل هذه المنطقة، أن تحتضن الماضي – بشكل واع أو لا واع – دون القطع معه أو طمسه لأنّها تعدّه نافعا صالحا لحاضرنا وشكلا من أشكال الحفاظ على ثقافة "الأنا" والتمسك بالهوية الثقافية المحلية التي تميزه عن الآخر. كما يمكن لهذه الثقافة أن تجاري الواقع لتواكب كل ما هو عصري فتنتصب مدافعة عن العولمة، داعية إلى اتخاذ موقع فيها، يجرفها تيار "الآخر" ليصل ذلك حدّ الإعجاب أو الافتتان الذي يمكنها من تبني ما يمثله الآخر من تقدم وحداثة باسم مواكبة العصري والموضة رافعة شعار التكيف مع كل ما هو جديد للاندماج فيه والعمل على إقناع الآخرين بسلامته.

إن الخوض في هذه المسألة يحتّم علينا اعتبارات منهجية دقيقة تقتضيها طبيعة الموضوع. لذلك سنعتمد على منهج دراسة الحالة "مدينة دوز" مشفوعا بتقنيتي الملاحظة البسيطة والمقابلة المفتوحة عسى أن نجيب على التساؤلات التالية: إلى أي مدى أثرت التحولات الاجتماعية اليوم في مدينة دوز الصحراوية؟ ماهي انعكاسات ذلك على وظائف الأسرة وعلى بنية العلاقات الاجتماعية؟ وأي معنى للهوية الثقافية المحلية في ظل ثقافة العولمة؟

I- لمحة تاريخية عن دوز:

تقع مدينة دوز بصحراء البلاد التونسية. وتعد من أقدم معتمديات ولاية قبلي بالجنوب التونسي. تأسست سنة 1957. ويرتكز النشاط الاقتصادي فيها على عنصرين أساسيين هما الفلاحة والسياحة.

أما أهالي المنطقة فهم أعراب سمر اللون عيونهم حادة يميلون إلى المدح سريعوا الغضب والرضا، وإذا غضبوا قتلوا، وإذا رضوا سامحوا حتى أنفسهم، كرماء إلى درجة الهوس، شجعان إلى درجة الجرأة، يكرمون المرأة ويموتون وراء كلمة منها ويؤذونها حتي كأنها حيوان. وهكذا يحملون عدة متناقضات في داخلهم. ولعل هذه الخصائص من شأنها أن تؤثر في سلوكاتهم وفي تصرفاتهم[1].

وقد عاش هؤلاء البدو حياة الترحال ليستقروا بدوز. وقد أحدث هذا الاستقرار تغييرا على حياتهم. فأهمل أولئك البدو القدامى بعض التقاليد التي لا تتماشى مع حياتهم الحاضرة المبنية على الاختصار والاقتصار على اللازم والألزم وتطور بعضها تطورا حوفظ فيه على الأصل وبقي من التقاليد بعض ما لا حرج في بقائه[2]. ولعل المميزات الطبيعية والثقافية للجهة جعلت منها وجهة سياحية من داخل تونس وخارجها وخاصة بعد أن وقع تنظيم المهرجان الدولي للصحراء بدوز الذي ساهم بشكل فعال في تنمية الجهة على جميع المستويات نتيجة ما أدخله من تغيير في المجتمع فأصبح أكثر انفتاحا وديناميكية. الشيء الذي جعل الجهة تتحول في حياتها من النمط الريفي إلى الحضري. فالسياحة إلى جانب كونها تمثل نشاطا اقتصاديا فمن شأنها أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر، في علاقة الفرد بمحيطه الطبيعي والبشري وفي التعامل مع رصيد موارد الثقافة المادية أو اللامادية. فإلى أي مدى يمكن الحديث عن تغير في بعض العناصر الثقافية بدوز اليوم؟

مظاهر التغير: التغير هو مختلف التحولات التي تطرأ على هياكل المجتمع في كل مجالاته. وهو خاصية من خصائص الحضارة نفسها[3]. والمقصود بالتغير الاجتماعي هي الاختلافات التي تحدث في بناء أي نظام اجتماعي خلال فترة معينة، أي التعديلات التي تحدث داخل أي نظام من نظم المجتمع.

ولعل الحركية التي يشهدها المجتمع الدوزي بفضل السياحة من شأنها أن تحدث تغييرا يمتد من البنية الأساسية ليشمل البنية الاجتماعية للمجتمع ويمس عاداته وتقاليده وطقوسه، ليخلق مزيجا أو مراوحة بين النمط البدوي والنمط الحضري. حيث يمكن أن يعيش الدوزي البداوة تارة ويستهلك ثقافة الحضر طورا سواء بوعي أو بدون وعي.

الثقافة المادية: لعل عناصر الثقافة المادية هي عبارة عن مشاهد تنظم وتبرز كل مظهر من مظاهر الحياة البدوية كالمأوى (الخيمة) ووسيلة السفر (سفينة الصحراء) ومختلف مكونات اللباس. ولئن بدأت تلك الحركات بالتلاشي من الحياة اليومية فإن ذلك يعود إلى عدة عوامل. فقد لعبت السياحة الصحراوية دورا هاما في ذلك وتحديدا في النهوض بالمدينة الصحراوية وفي تنميتها مما استوجب على الدولة أن تتحمل مسؤولية العناية بهذه المدينة الصحراوية وذلك بتهيئتها عمرانيا فوقع التركيز على سياسة التهذيب والتجديد وذلك حتى تكون "بوابة الصحراء" جديرة بزائريها وقبلة للسياح خاصة وأنها تشهد توسعا مستمرا بسبب النمو الديمغرافي وتنامي المؤسسات التربوية والصحية بها. فتم تعبيد الطرقات وتدعيم شبكة التنوير العمومي إلى جانب تركيز شبكة التطهير بالمنطقة السياحية وتهيئتها بالمناطق الخضراء. ولعل هذه المخططات الاستثمارية المنجزة ساهمت في تغيير شكل المدينة وجماليتها فاستوعب السكان على إثرها ثقافة المدينة. فكان أن تقمص أهالي دوز نمط حياة جديد يتماشى والمعطيات الجديدة[4].

اللّباس وأدوات الزينة: يمثّل مبحث اللباس وأدوات الزينة مجالا متميزاللسوسيو - أنتروبولوجيا. حيث يمكن اعتبارهما ظواهر اجتماعية تقوم على عنصر الإبداع والتقليد. وترتبط هذه الظواهر بالتاريخ والدين والعادات والتقاليد وبخصائص الحياة الاجتماعية لكل مجتمع. كما تكتسب أهميتها من خلال رمزيتها.

ولمعرفة ما إذا كان الدوزي اليوم يحافظ على الخصائص التقليدية المادية أم لا، توجهنا بسؤال لأفراد العينة في هذا الغرض حول نوعية اللباس المتداول يوميا. فتبين أنهم يفضلون استعمال اللباس العصري. وقد فسروا ميلهم لهذه النوعية بمواكبة العصر، الذي يفرض مثل هذه النوعية باسم التطور والتقدم والتحضر.

ففي حين نلاحظ أن هناك ميلا لمواكبة تطور العصر من خلال اختيار نوعية اللباس الحديث، نجد في المقابل، إقبالا على اللباس التقليدي، إلّا أنّ تلك الاستعمالات لا تتعدّى بعض المواسم السياحية والمناسبات الاجتماعية، وبشكل خاص الأفراح أو المناسبات الوطنية مثل اليوم الوطني للباس التقليدي.

فقد يتداخل اللباس التقليدي والعصري، خاصة في الأفراح حيث تبدأ العروس باللباس والحلي التقليدي في بداية العرس وتنتهي بالحديث ليلة الدخلة. ولعل في ذلك رمزية تتمثل في الربط بين الموروث والمعيش، أي بين الأصالة والمعاصرة وبين التقليدي والحديث. وهما نمطان متباينان ولكنهما يتعايشان معا في مجتمعنا كافة[5].

ولعل بعض الأزياء التي لازلنا نشاهد أشكالها وألوانها المختلفة الجميلة في دوز مثل الحولي الأبيض أو القشابية عند الرجل والحولي الأسود عند المرأة، ما هي إلا بقايا أزياء قديمة توارثها الشباب عن الجيل السابق ليتزيّن بها في بعض المناسبات أو لجلب السياح لا غير. وما التباين الذي نلمسه على سطح هذه الأزياء إلا انعكاسات لمؤثرات دينية اجتماعية اقتصادية مناخية تاريخية حدثت في فترات زمنية معينة طويلة أو قصيرة. لهذا وصفت الأزياء بأنها دورية، قائمة على التغيّر والتّبدل لارتباطها بالطوائف والعروش والأقليات والهجرات. إلى درجة نجد فيها الشباب اليوم، يجهل ذلك الاختلاف البسيط الدقيق الذي يمكن أن يميّز جهته عن جهة أخرى ويهملها ولا يكترث لأهميتها.

ولئن كانت هذه الأزياء الفولكلورية وليدة حاجات وظروف مجتمع شبه مغلق لصعوبة الظروف المناخية والاجتماعية (أمام هيمنة العادات والتقاليد) في فترات زمنية معينة، فقد أثبتت عدم ملاءمتها للعمل وللحياة اليومية. حيث يرى الدوزي اليوم، بأنه لا بد من تطعيم هذه الأزياء حتى تساير ظروف الحياة الجديدة. ولعل هذا ما حصل فعلا، حيث اندفع الشباب إلى لبس القميص والسروال أو "الدجين". وهذا التجديد يمكن أن يعبّر عن أذواقه وميولاته وأوضاعه النفسية والمالية ورغباته الملحّة لتقليد كل ما هو طريف وجديد والعزوف عن القديم الذي يوحي إليه بالانغلاق والجمود. فالميل إلى الجديد والرغبة في الطرافة نزعة من نزعات الصّبا وصفة من صفات الشباب برمّته.

أما إذا نظرنا في أدوات الزينة المستعملة، فنلاحظ أن هناك ميلا لاستعمال أدوات الزينة العصرية من صباغة الشعر ومن أنواع للعطور، وإهمال لأنواع العطور التقليدية الطبيعية التي كانوا يتعطرون بها في الماضي من قبيل "ماء القرنفل أو الفلّ"، أو ما يسمى "بالجدْرة"، أو "السّخاب". كذلك نلاحظ اندثارا لـ "الدّبغة" التي عوضت "بالصبغة" الكيميائية اليوم. نلاحظ أن كل أدوات الزينة التقليدية هذه - وإذا ما استثنينا الحناء التي حافظت على رونقها وعلى أهميتها الخاصة في عالم الزينة - قد اندثرت تقريبا لتعوّضها أدوات زينة عصرية تواكب التطور والتقدم والحداثة أصبح يفضلها شباب اليوم ويميل إلى استعمالها لأنه يرى فيها الأسهل والأسرع والأنجع والأكثر مواكبة للعصر.

لعل في عملية تفاعل الدوزي مع تراثه الثقافي المادي، بروزا لعملية الأخذ والردّ الذي يمثّل أساس التفاعل الاجتماعي. فقد أخذ من ثقافة الآخر وتأثّر بها واتجه نحوها، وأهمل العديد من خصائص تراثه الثقافي المادي، لكن دون القطع معه وإقصاؤه كليا. حيث يتبين أن هناك خيطا مازال يصل الدوزي اليوم المواكب للمعاصرة بما هو تقليدي. خيط "آني" أو "حيني"، يصله بأصالته لا يتعدى بعض المناسبات أو المواسم قابل للزوال في أي لحظة.

يمكن القول إن ذاك الصراع بين ثقافة الأنا والآخر، قد يعكس التفاعل لتخطّي مراحل الجمود، لعله ضرورة أساسية من ضروريات التغيّر في الجوانب الثقافية المتعددة الأطر والجوانب، لوضع بصمات التحرّر من المخلّفات القديمة وانتهاج مسالك متماشية مع ركب الثقافة والحضارة المعاصرة.

ب) الأدوات المستعملة يوميا ( المنزلية أو الفلاحية أو الصناعية ): لعل ما كان يميّز التراث الثقافي المادي في الجنوب التونسي هو استعمال الأدوات اليومية البسيطة المتواضعة سواء في المنزل أو في الفلاحة أو في الصناعة. وإذا كانت أدوات الاستعمال اليومية لا تتعدى الحاجات الضرورية للنوم والأكل والشرب، فلعل مطامح الدوزي اليوم ومطالبه تتعدّى ما هو تقليدي لمواكبة ما هو عصري وحديث. حيث أصبح ما كان يعد في الماضي كماليا، ضروريا في هذه الأيام.

وعند طرح سؤال في هذا الغرض من أجل معرفة تفضيلات الدوزي فيما يتعلق باستعمال الأدوات المنزلية أو الفلاحية أو الصناعية، تبين أنه يميل إلى ما هو عصري باعتباره السائد اليوم.

يمكن القول أنه لمواكبة التطور والتقدم التكنولوجي، وبدخول بعض الصناعات الحديثة، تغير المجتمع المحلي من حيث نمط الحياة. ودخلت جملة من المصطلحات قاموس الحياة اليومية، حيث أصبح الدوزي اليوم لا يتحدث إلا عن الكمبيوتر، micro-ond ، غسالة كهربائية، آلات الرّحي الأوتوماتيكي، آلات الطّهي السريعة، المجمّد، ... إلخ.

كما نلاحظ بأن هذه المصطلحات كلها مفاهيم صارت متداولة لدى الكبير والصغير. ولعل ذلك ما جعل الشباب اليوم يجهل حتى بعض الأدوات التي كانت موجودة في المجتمع البدوي والتي لم تخلو خيمة منهم في الماضي مثل: الغرغاز، ضبية، شكوة، السّماط، عكّة، قربة حجرة النواة، المزود، ديكة، القرفة ... إلخ.

ولعل دخول بعض مصطلحات المجتمع المعاصر تسبب في نسيان بعض الأدوات التي كانت سائدة في المجتمع الفلاحي التقليدي أيضا مثل: التعتيل، الدورة، المزاز، الترعة، النشيعة، الصعاد،... إلخ. وهذا قليل من كثير خاصة عندما نتحدث عن أسماء بعض الأدوات الفلاحية مثل: ملمّة، حجامة، محشّة، منجل، عديلة، زنبيل، عتلة، فوكة، زمّة، تالقة، خرباشة ... إلخ. لكن لم يبق للتقليدي تقريبا مكان اليوم أمام مزاحمة ما هو عصري حديث باسم مواكبة التطور والتقدم من جهة، ولأن الدوزي يرى فيها الأسرع والأسهل من جهة ثانية. لعل هذه الأسباب تفسّر استيطان هذه الأدوات العصرية داخل المجتمعات المحلية بغرض الانفتاح على مناطق أخرى. وبذلك خرجت هذه المجتمعات المحلية الجنوبية من الانغلاق، ومن الارتباط بما هو تقليدي، إلى الانفتاح على الصناعات الحديثة، ومن ذلك دخول تقاليد جديدة. حيث عوضت الـ cocotte مثلا قدر الفخار في الطبخ. وعوضت آلات الرّحي الأوتوماتكية، المهراس الحجري والرّحى. كما عوّض الفرن الكهربائي الفرن العربي. وعوّض الجرّار الميكانيكي المحراث العربي والجاروشة التي لم تكن تخلو خيمة من وجودهم. وهذا قليل من كثير من مظاهر الحياة اليومية التي اتّجهت نحو سلوك الاستهلاك ومسايرة الدّارج[6] بفعل وسائل الاتّصال المتطورة المتنوعة وعولمة الاقتصاد.

نخلص بالتالي إلى استنتاج أن دوز تشهد تحولات اجتماعية في مستوى تفضيلات الأفراد للأدوات المستعملة يوميا، حيث تطورت حاجيات الأفراد. فما كان يعدّ في السابق ترفا زائدا، صار اليوم ضرورة ملحّة. وتبعا لذلك تغيرّت ملامح نظرتهم لماهو عتيق. لكن في المقابل صارت بعض المواد الأصلية مصدر إلهام لبعض الحرفيين الشبان وخاصة منهم خريجي الفنون الجميلة، فصنعوا من نسيج الغرارة والفليج المحافظ والأحذية والحقائب واستبطنوا من رسوم النسيج أشكالا لتزيين الصالونات. وصارت بعض الحرف المستحدثة يقبل عليها الشباب اليوم ومورد رزق جديد ومصدر جذب السياح.

ج) البناء وأنواع المساكن: يعدّ المسكن من الحاجات الأساسية للفرد. ويعتبر توفره بشكل مناسب من أهم عناصر المستوى المعيشي، والتكوين المورفولوجي للمجتمع. وقد تؤثر هندسة بناء المساكن وأنواع مواد البناء واتساع الحجرات أو ضيقها وحالة التهوئة وغير ذلك، تأثيرا كبيرا في نوع العلاقات الاجتماعية، التي يمكن أن تقوم بين سكان القرية الواحدة. فالمسكن يمثل تاريخا طويلا وتقاليد معمرة وعادات متمكنة[7]. لذا طرحنا سؤالا في هذا الغرض لمعرفة ما هو نوع المسكن الذي يميل إليه الدوزي اليوم؟

وبالاستعانة بالملاحظة البسيطة، تبين أن الدوزي يفضل اليوم بناء منازل عصرية والعيش فيها. وذلك من شأنه أن يعكس انسياقه نحو ما هو عصري. حيث يرى في هذه النوعية من البناءات أنها: "تستجيب لمقومات الحياة اليومية – أكثر حماية من البرد والحرارة، تتلاءم وتتأقلم مع الظروف الطبيعية خاصة وأن مناخ الجنوب جاف وحار في الغالب' كما تستجيب لمقومات الحياة العصرية" ... إلخ.

لعل في هذه الأجوبة ما يشير إلى أن هناك إجماع تقريبا للانسياق نحو ما هو عصري حتى في عملية اختيار مواد البناء.

وتجدر الاشارة إلى أن المساكن في الجنوب قد خضعت لتأثيرات وتغيرات نتيجة التطور الثقافي الذي ساد عبر أجيال متلاحقة حتى أنه قد أصبح للمسكن قصة تاريخية. ومن ثمّ أصبحت المساكن تبنى بطريقة تمكّنها من دخول الهواء البارد المنعش في فصل الصيف وتقاوم تعرضها لأشعة الشمس والرياح والأمطار في فصل الشتاء. ولعل ذلك ما يفسر عدم ميل الدوزي للعيش في "خيمة" أو في "حوش عربي"، ويفسر تفضيله العيش في مساكن عصرية "فيلا" لما يمكن أن توفره له من الراحة والرّفاه.

كما أن الميل للعصري، لا يقتصر على هندسة بناء المسكن فقط، بل يمكن أن يتعدى ذلك إلى اختيار مواد البناء. حيث أصبحت المساكن تبنى من الحجر الخام والآجر بعد أن كانت تبنى من طين أو أغصان شجر. وبعد أن كانت الأسقف لا تغطي كامل البيت، أصبحت اليوم تغطّي كامل أجزائه. كما لم تعد الحجارة القديمة هي المستعملة في البناء، بل أصبحت هذه الحجارة تدخل المصانع لإعادة صنعها واستخراجها أحيانا، وعوضت بالآجر أحيانا أخرى. وقد تميزت هذه المساكن بحرية التقسيم الداخلي حسب حاجة الأفراد وطريقتهم في السكنى ومتطلباتهم الإنسانية، حيث أصبح الدوزي يحبّذ بيت الرّاحة وسط المنزل، ولم يعد يفضلها خارج المنزل مثلما كانت عليه في السابق.

2)الثقافة اللامادية: نلاحظ أنه بين الأمس واليوم هناك عدة تحولات شهدتها المنطقة، ساهمت فيها عدة عوامل داخلية وأخرى خارجية. تتمثل العوامل الخارجية في تأثير وسائل الاعلام في تفكير الأفراد، وفي ارتفاع معدل الهجرة ومحاولة تقليد الآخر. أما العامل الداخلي الأساسي فكان التعليم الذي لعب دورا هاما في استقرار سكان المنطقة وفي تغيير نظرتهم لبعض العادات والتقاليد والطقوس والمعتقدات التي كانت تمارس في بعض مراحل الحياة منذ الولادة حتى الموت.

أ‌)  مرحلة الحمل والولادة: لعل استقرار الحياة وانتشار التعليم أدخل تطورا جديدا على بعض العادات القديمة، فأهمل أولئك البدو القدامى بعض التقاليد التي لا تتماشى مع حياتهم الحاضرة... وتطور بعضها تطورا حوفظ فيه على الأصل وبقي من التقاليد بعض ما لا حرج في بقائه[8].

لنبدأ أولا بالتغيرات الحاصلة في بداية مراحل دورة الحياة والتي تتمثل في الحمل. حيث لم تعد المرأة تستحي من حملها. بل أصبحت تبوح به منذ الشهور الأولى. أما إذا ما مررنا إلى فترة الولادة فإننا نلاحظ أن هناك من التقاليد من تغيرت لتواكب التطور. حيث لم تعد المرأة تضع مولودها في المنزل بل أصبح المستشفى هو المكان المفضل، وذلك حتى تضمن سلامتها وسلامة مولودها. وهذا ينم عن وعي المرأة اليوم بمخاطر ما يمكن أن يخلفه وضع المولود بالمنزل.

كما نلاحظ أن هناك من العادات والمعتقدات ما اندثر تقريبا أثناء فترة الولادة وبعدها وهي ظاهرة الوشم حيث كانت توشم المرأة في الساق إثر وضعها اعتقادا منها بأن عملية الوخز هذه هي طريقة للتخلص رمزيا من الشر الذي يمكن أن يلحق بها وبمولودها ويوجد قول مأثور مفاده "إذا سال الدم ذهب الهم". ثم تقوم هي نفسها بوخزه في جبين ابنها بواسطة إبرة أو حتى بشوكة صبار من أجل المحافظة عليه من الإصابة بالعين الشريرة والقوى الخبيثة.

ب‌)  مرحلة الزواج: يمكن القول بأنه انطلاقا من أوائل القرن العشرين بدأ النظام القبلي يتفكّك والمجتمعات البدوية والقرويةتنصهر ضمن وحدة سياسية شاملة[9]. ومع حصول البلاد التونسية على استقلالها سنة 1956 سوّى التّطور تدريجيا بين الفروقات. وقرّب بين أنماط العيش في اتجاه أكثر تحضّرا واتبع تحكّما في طرق الإنتاج ونحو تثاقف جهوي بدأ منذ ذلك العهد يوحّد عديد العادات والتقاليد[10] . ويتجلى ذلك بوضوح في المتغيرات التي طرأت على مراسم الزواج وطقوسه بالرغم من ثبات بعض مظاهر السلوك.

ومما لا ريب فيه أن الزواج ظاهرة احتفالية تخالف النسق اليومي الرتيب. تستوجب دراسة سوسيو -أنتربولوجية سنحاول من خلالها رصد الثابت والمتحول فيها اليوم.

للتعرف إلى التغيرات والتنوعات المحلية التي يمكن أن تكون قد حصلت في سلوك الدوزي في طقوس الزواج طرحنا سؤالا في هذا الغرض يتعلق بمدى تشبّث الدوزي اليوم بالعرس التقليدي وما إذا كان يحبّذ العرس التقليدي أم العصري ولماذا؟ فتوصلنا إلى أنه بالرغم من تأثر الدوزي وانبهاره بالجالية المقيمة بالخارج وبما تجلبه من مظاهر الرفاهية المادية، إلا أن حبه للعرس التقليدي وتشبثه به يمكن أن يفسر وعيه بالدور الذي يلعبه في صيانة الهوية المحلية والدفاع عنها. ولعل هذا ما لمسناه من خلال بعض الاجابات مثل: "أحبذ العرس التقليدي لأنه يحافظ على الروابط الاجتماعية – لأنه جميل – يحيي بعض القيم – لأنه يميزنا – لأنه يحد من عدة تجاوزات غير لائقة نجدها في العرس العصري – لأن العصري يعانق ثقافة الغرب – لأنه ثري – مسألة تعوّد – أكثر احتراما – أكثر بساطة – ..."

نلاحظ من هنا تداخل عدة أبعاد رمزية تفسر ميل الشباب وإقباله على هذه النوعية من الأعراس لكن ذلك لا يمنع إدخال بعض التعديلات عليه. حيث يبدأ العرس بما هو تقليدي مثل: الحناء التي تصير رمزا للفرحة في العرس، وكذلك تعايش ظاهـرة "العلاقة" التي تحمل جميع أنواع البخور وأدوات صباغة الشعر والحلويات وأدوات الزينة...لكنه ينتهي بوسائل عصرية للتزين تفرضها عمليات الإشهار عبر وسائل الاتصال السمعية البصرية والمعلوماتية الحديثة[11].

كما تجدر الاشارة إلى أننا نجد محافظة على ظاهرتي المهر، والذهب أو "السياغة" التي تحمل في طياتها قيمة معنوية وثقافية ورمزية لتكون أداة تربط بين العائلتين المتصاهرتين وتقوي تماسكهما، وعاملا يضمن احتياطيا ماديا تعوّل عليه المرأة عند الضرورة. ولئن ظلّت هذه الظواهر من العادات التي لا يمكن الاستغناء عنها إلا أن محتواها قد تغير مع تغير الزمن حيث دخلت "السياغة" العصرية مثلا لتنافس "السياغة" التقليدية ولتحل محلها أحيانا. إذ يمكن أن تفضل العروس اليوم امتلاك "سياغة" عصرية أو الاثنين معا. ولعل ذلك يختلف باختلاف المستوى المادي للعروشات أو للعائلات. فتكون بذلك مثل هذه الظواهر تعبيرا ثقافيا رمزيا يحدد قيمة العائلة اجتماعيا. كذلك الشأن بالنسبة إلى ظاهرة "الرمو" التي يتحول على إثرها الزواج إلى فضاء لتبادل العطايا، يحمل في داخله أبعادا رمزية خفية تتمثل في إبراز المكانة في سلّم التراتبية الاجتماعية داخل المجتمع. ويمكن أن يتبين هذا جليا من خلال طريقة عرض هذا العطاء. فإلى جانب القيمة المادية الظاهرة عبر هذا الرأسمال المادي والمتمثلة في "الرّمو" أو "الرمي" وكذلك "الرشق" أو "الرشقة" المتمثلة في أن يقدّم المدعوون في العرس قسطا من المال يعلن عنه "الورّاش" مادحا الشخص المانح رجلا أو امرأة بعبارات مسجوعة أو منظومة أمام الجميع، تبدو عملية الإشهار هذه عبارة عن إستراتيجية لدعم الرأسمال الاجتماعي والرمزي للفرد[12] . وهناك ثلاثة أبعاد لهذا التبادل (عطاء – قبول – إرجاع)[13] .

وتجدر الاشارة إلى أن هذا التبادل ما يزال قائم الذات في مجتمعنا المدروس رغم أخذه أشكالا مختلفة متنوعة. فقد كان العطاء عينا (حبوب – زيت – سمن...) في المرحلة ما قبل الرأسمالية، فصار التبادل ماليا أي نقدا. ولعل في ذلك مواكبة للتحولات التي عرفها نمط الإنتاج الرأسمالي الذي هيمن على العالم. وقد خضعت قيمة الإرجاع إلى قانون فائض القيمة حيث يرجع المال مع زيادة في زمن لاحق أي في مناسبة يقوم فيها صاحب العطاء بزفاف أو ختان...[14].

ولعل ذلك يشرع القول بأن الزواج إذا مناسبة قد يبرز فيها التكافل والتعاون الجمعي المبني على شبكة العلاقات الاقتصادية يتبادل خلالها أفراد المجموعة بعض الخدمات ويساهمون في إقامة العرس بصفة تكاد تكون مقننة. بحيث يشارك كل قريب أو قريبة أو جار أو جارة، ربّ بيت أو ربة بيت، بشيء من المواد الغذائية والمشروبات ويسجّل الكلّ بالذاكرة ثم يرجع في مناسبة مماثلة ويعتبر دينا أو يسمى "سوال في الرقبة".

يمكن أن نستنتج من هنا بأنه بالرّغم من ثبات النسق الطقوسي والمراسمي للزواج في شكله العام فإن محتواه قد تغيّر. وقد رافق هذا التغير تغييرا يشمل بعض العادات التي كانت تسبق الزواج والتي اندثرت أو في طورها إلى الاندثار مثل مسألة الوشم وتحديدا الوشم الوقائي الذي كان يستخدم في مرحلة البلوغ وفق طقس "التصفيح" وهو عبارة عن وشم في العانة على شكل جريدة النخلة لصيانة عذارتها وضمان خصوبتها حتى تتزوج. كذلك مرحلة الخطوبة حيث لم تعد تنسب الفتاة لابن عمها منذ طفولتها بل أصبح الطرفان يمتلكان هامشا من الحرية يمكنهما من اختيار شريك الحياة لكن تبقى هذه الحرية خاضعة لرقابة العائلة، التي بقي لها دور إبداء رأيها والتدخل في بعض الشؤون ولو بدرجات متفاوتة تختلف باختلاف العائلات والعروشات.

أما بالنسبة للتغيرات التي لحقت مضمون مراحل الزواج فتتمثل في إدخال بعض التقنيات الحديثة في الاحتفال بالعرس من تصوير وأضواء وثياب عصرية. حيث أصبح حفل الزفاف خليط ومزيج بين القديم والحديث، بين تشبث بالعادات وتقليد لما يشاهدونه في وسائل الاعلام وفي المناطق المجاورة وخاصة الساحلية منها. حيث نجد داخل العرس الواحد مثلا الطبالة والمزود وفي الوقت نفسه فرقا موسيقية دخيلة. كما يبدأ العرس بما هو تقليدي لينتهي بلباس عصري تذهب على إثره العروس لأخصائية تجميل لتصفف شعرها وتزينها على الطريقة العصرية. وحالما ترفع عنها المجملة ومصففة الشعر يديها، ترجع العروس إلى منزل أبيها فيأتي العريس في موكب من السيارات عوضت الجمل الذي كان يمثل عنصرا أساسيا في الثقافة الصحراوية، وينقلها إلى بيت أبيه أو بيته، حيث يستمع المدعوون بما يقدمه جوقة من الفنانين بآلاتهم الشرقية والغربية. وتتواصل السهرة إلى ما بعد منتصف الليل وعلى إثرها يختلي العريس أخيرا بعروسه في بيت الزوجية إن لم يكن في غرفة فندق تؤجر للغرض. وكان ذلك نتيجة هيمنة تقاليد بعض المدن الساحلية الكبرى على مدن الجنوب وقراه وأريافه من خلال تثاقف في اتجاه واحد أفرز تنميطا جهويا وتوحيدا في السمات الثقافية. وقد رافق هذا التغيير تغيرا في الاعتقاد في طقس زيارة العروسين لأضرحة الأولياء الصالحين "الغوث والمحجوب" قبل البناء للتبرك بهما ولطلب الحماية نتيجة تغير في عقلية الدوزي ساهم فيها التعليم بشكل كبير. فقد أتلف هذا الطقس لدى العديد. وحتى وإن بقي لدى القلة فإنه لا يخرج عن كونه عادة تكتسي طابعا فرجويا ترفيهيا.

كما كانت العروس حالما تنزل من هودجها، تلتقط وتدا وتغرسه أرضا أمام خيمة الزوجية قائلة:"دق الأوتاد جيب الأولاد"، ولعل في ذلك إشارة إلى وظيفة الإنجاب لأنه كما كان معروف لا مكان في المجموعة للمرأة العاقر. ولعل نصب الخيام فعل إنشائي يؤسس فضائيا لخلية عائلية جديدة قوامها الذرية المرتقبة. لكن تجدر الاشارة هنا إلى أنه بحلول المنزل العصري مكان الخيمة، عوض هذا السلوك الذي يمكن اعتباره سحريا ورمزيا، سلوك عقلاني نظرا مفاده أن أصبح العقم في نظر العديد مسألة طبية علمية لا دخل للممارسات الخرافية فيها، وهذا ما أكّده معظم أفراد العينة.

ج) مرحلة الموت: مثلما أن لكل بداية نهاية، فإن دورة الحياة كما كانت بدايتها الولادة فإن نهايتها الموت. وإذا كانت لكل مرحلة من مراحل دورة الحياة عادات وتقاليد وطقوس، فإن للموت كذلك مراسم وطقوس تقام مثله مثل بقية مراحل الحياة الأخرى. والموت لدى أهالي المنطقة له وقع خاص وتأثير بالغ في نفوسهم.

ولئن أدخلت بعض التغيرات في مرحلة الزواج فإنها لحقت أيضا المرحلة. حيث لم تعد بعض العادات والطقوس حاضرة بالقوة نفسها التي كانت عليها في ما مضى. فقد تقلص الصياح والنديب بشكل ملحوظ عما كان عليه سابقا. أما بقية مراسم الموت فيمكن القول بأنها ظلت على حالها تقريبا منذ الاعلان عن الموت إلى الألفية بالرغم من التغير الذي لحق المنطقة.

III- انعكاسات ذاك التغير:

  1. على المستوى العائلي: إن التغير الذي شهدته مراحل الحياة في هذه المنطقة كانت له انعكاسات أثرت على مفهوم العائلة الموسعة ليحد من سلطتها لصالح الأسرة النواة. فبعد أن كان أفراد هذه القبيلة يقيمون وزنا للعائلة الممتدة وإلى وحدة أفرادها من خلال العيش في منزل كبير يعرف ب"الحوش"، بات الأمر مستهجنا فأصبح الأفراد أكثر استقلالية في السكن وفي اختياراتهم وعوض "الحوش" ب"الفيلا" بتجهيزاتها الحديثة. الشيء الذي انجر عنه تغير في دور العائلة التي لم تعد تلعب أدوارها التقليدية المتمثلة في تقرير مصير أبنائها. وقد تبع هذا الاستقلال في السكن استقلالات من نوع آخر ليصبح هاجس شباب اليوم هو الرغبة في الانعتاق من قيود التبعية للعائلة. فكانت الهجرة إلى خارج حدود الوطن والزواج بأجنبية حلا من الحلول التي ارتآها شباب اليوم الذي يعاني من البطالة. وقد تفاقمت هذه الظاهرة على إثر استقطاب الميدان السياحي لعدد كبير من شباب هذه المدينة.

فلم تعد العائلة هي المسؤولة الوحيدة عن تربية أطفالها. وبعد أن كانت هذه المسألة من مهام الجد والجدة فقط، أصبح للأب والأم إلى جانب الروضة والمدرسة ووسائل الإعلام، دور هام في عملية التنشئة الاجتماعية وفي تكوين ثقافة الطفل وتنمية تفكيره و في ربط علاقات جديدة خارج الاطار العائلي المحدود.

وقد انجر عن هذا التطور أن شيخ العائلة لم يعد يحظى بالمكانة نفسها التي كان يحظى بها في الماضي ولم يعد المتفرد الوحيد بسلطة القرار سواء كان ذلك في مرحلة الخطوبة أو الزواج أو في اختيار أسماء لأحفاده. بل أصبح الأب والأم يتمتعان بهذه الحقوق خاصة بعد أن أرست الدولة نظاما جديدا يساوي بين الجنسين ويرفع من مكانة المرأة ويمكنها من التمتع بحقوقها. فلم تعد المرأة ذلك المخلوق الضعيف المضطهد من قبل الرجل سواء كان أبا أو زوجا أو أخا بل أصبحت تساهم في إتخاذ قرارات تتعلق بأسرتها بعد أن تمتعت بحق التعليم الذي زادها ثقة في النفس لتكتسح بفضله مجال العمل خارج المنزل وخارج حدود المنطقة وتشغل مناصب هامة.

  1. على المستوى العلائقي: لعل حلول الأسرة النواة مكان العائلة الممتدة انجر عنه تغير في شكل العلاقات بين الأسر والعائلات. فبعد أن كانت تلك العلاقات تتسم بالترابط والتماسك القبلي أو العشائري، أصبح ذاك الترابط آني وحيني ولا يتعدى بعض المناسبات الدينية أو الاجتماعية ومن أشدها الزواج الذي يكون مناسبة لتجديد التماسك أو التكافل الاجتماعي بين أفراد القبيلة الواحدة أو بين العائلات أو بين العروشات عبر تقديم بعض المساعدات المادية أو البدنية. لعل مثل هذه المناسبات تحافظ على الروابط الاجتماعية وتساعد على استمرارية الروابط العائلية الموسعة في عصر تتقلص فيه العلاقات القرابية لفائدة الأسرة النواة بحكم متطلبات الواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد، حيث تقسيم العمل وانفصال العمل عن السكن وخروج المرأة للعمل، وتمازج العقلية الشرقية بالعقلية الغربية عبر الهجرة الدولية[15] (15).

لذلك تكون مثل هذه المناسبات فرصة للتلاقي والتّحابب والتآزر ولمّ الشّمل. كما أن حدث الموت يعد حدثا عظيما تزول فيه كل أشكال الخلافات والصراعات وكل أشكال الفوارق الاجتماعية من أجل مساعدة أهل الميت ومواساتهم. بل يعتبره الكل واجب ديني عليهم القيام به فيقولون "نذهب لتعظيم الأجر".

على مستوى الهوية والانتماء: يمكن القول بأن الدوزي اليوم بقي يتأرجح بين الكونية والهوية الثقافية الصحراوية المحلية. ذلك أن العولمة غيّرت جملة من المفاهيم فصار الدوزي محكوما في الغالب بنظام عالمي جديد قد كسّر كل الحواجز الجمركية والحدودية وفتح البلدان على بعضها البعض، سواء على مستوى مادي أو على مستوى معنوي فكري. فصار الكون مدينة صغيرة، يقع فيها تبادل السلع من مختلف أنحاء العالم، كما يقع فيها تبادل الأفكار والمعلومات وتتّخذ فيها القرارات الثقافية عبر أجهزة الأنترنات في دقائق معلومة. بل صار العالم منفتحا على بعضه البعض. ولعل ذلك ما جعل الدوزي اليوم يتأوه أمام هذا الوضع. فنجده مرّة يعاتب الحاضر ويتأسّف على الماضي ويحنّ إليه محاولا المحافظة على بعض عناصره كمحافظته على بعض العادات والتقاليد وبعض الطقوس. ومرّة يجاري الواقع وينتصب مدافعا عن العولمة، داعيا إلى اتّخاذ موقع فيها وذلك من خلال مواكبة الموضة والحداثة خاصة باستهلاك عناصر الثقافة المادية العصرية مقابل إهمال بعض عناصر الثقافة الصحراوية المحلية. ولعل ذلك يبرّر موقفه بانتمائه إلى عالم أرحب تنتفي فيه القطرية والقومية. كما يبرر عدم قدرته على مسك زمام المبادرة في نحت معالم الإنسان ككائن مستقل في انتمائه وسلوكه ورموزه وتراثه. ويبرز بالتالي ككائن منعدم الهوية ومسلوب الكيان غير قادر على المبادرة والخلق والابتكار. لديه القدرة فقط على استهلاك ثقافة الآخر، ولو بشكل سلبي، دون أن يكون فاعلا فيها.

أ – تماهي الذات مع الهوية الثقافية المحلية: يمكن القول بأن تماهي الذات مع ماضيها من خلال المحافظة على بعض أشكال الثقافة الصحراوية، بالرغم من اختلاف الجوهر، من شأنه أن يعبّر عن عدم قطعها الكلي مع الأنا أو النحن الصحراوية. ولعل في تماهي الذات وامتلاكها لثقافة الأنا أو النحن دعوة ضمنية إلى التّخلي عن القطب الواحد وانفراد قوة الهيمنة، من أجل حماية مكاسب التراث الثقافي الصحراوي وحماية التشكيلات الاجتماعية المحلية التي تعبّر عن هوية جماعية تتجاوز النّخبوية حتى تحافظ على استقلاليتها الثقافية وتقف ضدّ التبعية الثقافية للآخر على الأقلّ في بعض المناسبات. مما من شأنه أن يعبّر عن دفاعها عن هويتها الثقافية الصحراوية المحلية التي تميزها عن الثقافات الأخرى باعتبارها هوية عربية إسلامية تضرب جذورها في التاريخ وتستوعب في نفس الوقت تيارات العصر.

ب – تباعد الذات مع الهوية الثقافية المحلية: لعل تبنّي بعض أنساق الآخر يبرز تغير الحال وانجرار الأنا تبعا لذلك إلى مسارات تحوّل كانت للآخر فيها أدوارا متعاظمة. وهي أنساق تتدرج إلى حدّ الإعجاب، فالافتتان بكلّ مجلوباته من ملابس وأدوات. ويبدو هذا الافتتان مرتبطا باعتبارات إنسانية إطلاقية، كونية، تدفعه إلى تبني ما يمثله الآخر من تقدّم وحداثة، لتنخرط الذات ليس مع الأنا وإنما مع الفاعل المؤثر الآخر، وتتقولب مع كل جديد وتندمج فيه وتعمل على إقناع الآخرين بسلامته.

يمكن القول بأن هذه الذّات، استطاعت أن تندمج في بوتقة النظام العالمي الجديد مهلّلة، رافعة شعارا داعية إلى ركوب القطار قبل فوات الأوان دون معرفة نتائج هذا النظام العالمي الجديد ودون النظر في إمكانيات هذه الأنا التي ما تزال في كثير من الأحوال لم تملك ناصية السيطرة على ثقافتها الداخلية وبالتالي على هويتها الثقافية المحلية ولم تتخلص من الثقافة الاستهلاكية التي وضعت فيها بعد النظام العالمي الجديد.

فإذا كانت الأزياء الفولكلورية مثلا قد جاءت وليدة حاجات مجتمع شبه مغلق لصعوبة الظروف المناخية والاجتماعية في فترات زمنية معينة، فإن هذه الأزياء اليوم قد أثبتت عدم ملاءمتها للعمل وللحياة اليومية، وهو ما أوجب تحديثها حتى تساير ظروف الحياة الجديدة. وهذا ما حصل فعلا في دوز، حيث اندفع الدوزي وراء رغباته الملحّة لتقليد كل ما هو طريف جديد والعزوف عن القديم الذي يوحي إليه بالانغلاق والجمود، ليقلع بذلك عن ارتداء الملابس الفولكلورية الأصيلة التي تحدد انتماءه المحلي.

لعل الشعور بالدونية وتحقير الذات والرغبة في اللّحاق بركاب الآخر ومواكبة العصرنة، يمكن أن يكون سببا رئيسيا في تفسير بعض الظواهر مثل انتشار ظاهرة مواكبة الموضة والدّارج، سواء في اللباس أو المسكن أو في بعض العوائد، كما بيّن ذلك "ابن خلدون" إثر تناوله ظاهرة التقليد بكل أنواعها ومظاهرها. إذ يمكن أن نرجع ظاهرة التقليد بين الشعوب وبين الأفراد إلى علاقة عدم التوازن والتساوي بين الغالب والمغلوب. وهكذا يبدو أن عامل الشعور بالدونية في شخصية الفرد المغاربي المقهور سبب رئيسي لتفسير وجود العديد من الظواهر الشائعة في مجتمعات المغرب العربي المعاصرة.

وعندما تحمل "الأنا" بصمة "الآخر" باسم الحداثة، نجدها تتأوّه إعجابا أكثر من غيرها عند ذكر " القرية الكونية"، وتتحمّس لشبكة الانترنيت والتطورات الحديثة في عالم الاتصالات دون أن تأخذ في اعتبارها هويتها التي يمكن أن تداس بين أرجل هذه الهويات القاتلة وبدون أن تطرح عدّة تساؤلات: كيف نخوض الحداثة دون أن نفقد هويتنا؟، كيف نستوعب الثقافة الغربية دون التّنكّر لثقافتنا الخاصة؟، وما هو السبيل لاكتساب ثقافة الغرب دون البقاء تحت رحمته؟


محمد المرزوقي، المرازيق في التاريخ ، صدى الصحراء، عدد خاص لمهرجان دوز الدولي، 1987، ص 121.

محمد المرزوقي، مع البدو في حلهم وترحالهم، تونس، ليبيا، الدار العربية للنشر، 1984، ص 70.

صابر محيي الدين، التغير الحضاري وتنمية المجتمع، لبنان: سيراس، 1942، ص 73.

عبد الاله أبو عياش، أزمة المدينة العربية، الكويت: وكالة المطبوعات، الطبعة الثانية منقحة، 1985، ص 100.

البشير العربي، أنتربولوجيا التراث، تونس: المطبعة المغربية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2008، ص 186.

البشير العربي، حفريات سوسيولوجية في ماضي قبيلة بني زيد، تونس: دار سحر للنشر، 2002 ، ص 7 - 8.

فؤاد أحمد علي، مشكلات المجتمع الريفي في العالم العربي، القاهرة: مطبعة الجبلاوي، 1968، ص 65.

محمد المرزوقي، مع البدو في حلهم وترحالهم، مرجع سابق، ص 70.

 محلة محمد منصف، شنني في القرن التاسع عشر: النظام الاجتماعي – السياسي، مجلة إفريقية، عدد 13، تونس: المعهد الوطني للتراث، 1995، ص 63.

الناصر البقلوطي، مقولات في التراث الشعبي، تونس: منشورات تبر الزمان، 2005، ص 137.

الناصر البقلوطي، المرجع نفسه، ص 208.

BOURDIEU, Pierre, La distinction critique du jugement , Paris: Edition de Minuit, 1979, p : 271.

MAUSS, Marcel, Sociologie et Anthropologie, 9è édition, Paris: P. U. F, 1985, P: 38.

البشير العربي، أنتروبولوجيا التراث، مرجع سابق، ص 207.

البشيرالعربي، أنتروبولوجيا التراث مرجع سابق، ص 203.