أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية على البنية التجارية للمدن الصحراوية الجزائرية.pdf

دراسة في مدينة بسكرة- الجزائر

فـؤاد بن غضبان

جامعة أم البواقي ( الجزائر)

ملخص:

تعتبر مدينة بسكرة أهم المدن الصحراوية الجزائرية، فهي بوابة الصحراء من الجهة الشمالية، فهي تعد واحة واسعة ومنطقة اِستراحة كممر طبيعي بالغ الأهمية للتبادلات (شمال-جنوب) بين المدن الكبرى بالشمال الشرقي والمراكز العمرانية المنتشرة بالجنوب الواسع. تحتل الوظيفة التجارية مكانة هامة في البنية الاِقتصادية والاِجتماعية لمدينة بسكرة منذ نشأتها حيث تنّوعت بها الأنشطة التجارية، كما تزايدت الأهمية بدخول الاستعمار الفرنسي الذي سارع إلى إنشاء مركز أوروبي بنمط شطرنجي وتوقيع العديد من الأسواق التجارية لتتناسب مع احتياجات السكان الأوروبيين الوافدين إليها، وبعد الاستقلال تنامى الدور التجاري لمدينة بسكرة بفعل الامتداد العمراني للمدينة والترقية الإدارية لسنة 1974 وتوطن العديد من الأنشطة الصناعية والخدمات بالمدينة، انعكس ذلك على توطن أشكال جديدة للأنشطة التجارية.    

سنحاول من خلال هذا البحث تسليط الضوء على مدينة بسكرة باِعتبارها نموذجًا يُساعد على فهم وإدراك أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية في البنية التجارية بالمدن الصحراوية الجزائرية، بعد تزايد ظاهرة الاِستقطاب التجاري وتردّد التدفقات التجارية والخدمية إليها بأحجام مرتفعة، والتي أثرت بشكل مباشر في تنظيمها المكانيالواحاتي ورفعت من مستوى أداءها من ناحية النوعية والكيفية.

الكلمات الدالة: تحولات اجتماعية واقتصادية – بنية تجارية - مدينة صحراوية – واحات - بسكرة.

Transformations socio-économiques et dynamiques commercialesà Biskra

Résumé

Important centre du commerce caravanier, la ville de Biskra continue de jouer un rôle commercial particulièrement important. Les mutations socio-économiques qu’elle subit font que sa fonction commerciale prend une ampleur différente que cet article se propose d’étudier.

Mots clés : mutation socio-économique, structure commerciale, ville saharienne, Biskra.

مقدمة:

ترتبط التجارة اِرتباطًا وثيقًا بكل فئات المجتمع، فهي المجال الذي تتجمع وتنعكس فيه كل الخصائص الاِقتصادية والاِجتماعية للسكان، وتلعب التجارة دورًا متعاظمًا في المناطق الحضرية، وتختلف أهميتها من مدينة لأخرى، وتقف عوامل مختلفة وراء تباين الدور الذي يلعبه هذا القطاع في اقتصاديات كل منها[1].

تتطور التجارة باِستمرار لتلبية اِحتياجات السكان وينجر عن ذلك تغيرات عمرانية ومعمارية في المظهر الحضري، تتضح من خلال توقع المؤسسات التجارية، دور الفاعلين، حركة التدفقات التجارية والخدمية، وبالتالي فهي تُعد عنصرًا مهيكلاً للمجال ومحركًا للعلاقات، كما أن التجارة في أغلب الحالات كانت المنشئ الأول للمدن والعامل الأساسي في تفعيل النمو الحضري واِستمرار الحياة الحضرية.

ففي الوقت الذي ينمو فيه السكان، فإن التجارة تتنوع وتتسع كذلك، ويساهم التطور الصناعي، واِرتفاع القدرة الشرائية، وتحسن مستوى المعيشة وتطور وسائل النقل في فرض أشكال جديدة للتوقيع التجاري.

وتكمن أهمية الوظيفة التجارية من خلال سلطتها المعتبرة سواء في البنية الاِقتصادية أو في العلاقات التي تميز تنظيم المجال، ونتيجة لهذه الأهمية فقد تضاعفت الأبحاث وتعددت التحاليل، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف بالتعمير التجاري[2].

مشكلة البحث: تعتبر مدينة بسكرة أهم المدن الصحراوية التي تتميز بظاهرة الاِستقطاب التجاري والتي جعلت منها قطبًا تجاريًا مهمًا من حيث الوزن الاِقتصادي بعد أن أصبحت قِبلة العديد من التدفقات التجارية والخدمية على محور شمال-جنوب، والتي أثرت بشكل مباشر في الحركية الاِقتصادية للمدينة ورفعت من مستوى أداءها من ناحية النوعية والكمية ووسعت من مجال نفوذها[3].

ونتيجة لهذه الأهمية، فقد استمر تطور الأنشطة خاصة بعد التحولات الاِقتصادية والاِجتماعية التي شهدتها الجزائر والمتميزة بالاِنفتاح على اِقتصاد السوق وتحرير المعاملات التجارية، مما زاد في الطلب على النشاط التجاري منذ عشرية التسعينات.

وتتلخص مشكلة الدراسة في توضيح أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية على البنية التجارية لمدينة بسكرة التي اخترناها مجالاً لهذا البحث بعد التطور الذي عرفه توطن الأنشطة التجارية بالمدينة.

وعليه، فإن مشكلة الدراسة تبرز من خلال التساؤل التالي:

كيف يتضح أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية على البنية التجارية لمدينة بسكرة؟

أهداف البحث:يرمي البحث إلى تحقيق ما يلي:

- توضيح أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية على البنية التجارية لمدينة بسكرة.

- إبراز أثر توطن المحلات التجارية وحركية النشاط التجاري على التنظيم المكاني الواحاتي بمدينة بسكرة -كبرى المدن الصحراوية الجزائرية-

- تحليل البنية التجارية لمدينة بسكرة تحليلاً كميًا وكيفيًا بهدف إدراك أثر مختلف التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

منهجية البحث:

استند البحث على المنهج الوصفي التحليلي الذي ساعد في توضيح تطور نمو الأنشطة التجارية عبر مراحل متعاقبة من نمو المدينة لإدراك أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية في بنيتها التجارية، بالإضافة إلى المنهج الإحصائي الكمي الذي يهتم بالعديد من المتغيرات المتعلقة بالحركية التجارية بمدينة بسكرة وأثرها في التنظيم المكاني.

كما اعتمد البحث على مصادر نظرية متمثلة في كتب، وبحوث ومراجع علمية ذات علاقة مباشرة بموضوع البحث، إلى جانب بيانات التعدادات العامة للسكان والسكن الصادرة عن الديوان الوطني للإحصائيات، وبيانات الأنشطة التجارية المستمدة من العمل الميداني.

ويغطي مجتمع البحث جميع القطاعات الحضرية لمدينة بسكرة البالغ عددها 12 قطاعًا حضريًا تبعًا للتقسيم الإحصائي للمدينة، وكذا عينة عشوائية من تجار مدينة بسكرة مست جميع القطاعات الحضرية، وكانت أداة البحث هي المسح المكتبي الميداني في جميع البيانات من مصادرها.

لكن قبل ذلك اِرتأينا أنه من الضروري التطرق إلى توضيح أهمية موقع المدينة ودوره في توقيع وتمركز الأنشطة التجارية.

1- مدينة بسكرة تحتل موقعًا جغرافيًا محفزًا للتبادلات التجارية:

اِكتسبت مدينة بسكرة أهميتها التجارية من خلال خصائص موقعها عند ملتقى جبال الأوراس (الأطلس الصحراوي) والزاب (مقدمة الصحراء)، في منطقة اِنتقالية تنحدر نحو الجنوب منفتحة على منخفض الصحراء (خريطة: 01)، يمر بها محورين رئيسيين لحركة المرور، يتمثل الأول في الطريق الوطني رقم 3 الذي يربطها بالشمال الشرقي والجنوب الواسع، والثاني الطريق الوطني رقم 46 الذي يمر من الشرق إلى الغرب، إلى جانب خط السكة الحديدية الذي يوصلها بمدينة قسنطينة ثم سكيكدة شمالاً وتقرت جنوبًا.

tof1

إضافة إلى ذلك فإن هذه المنطقة التي تقع بها مدينة بسكرة تعتبر كذلك منطقة فصل بين المناخ شبه الجاف وبين المناخ الصحراوي الجاف، مما أهلها لأن تكون منطقة زراعية مختصة منذ زمن بعيد في زراعة النخيل ممتدة على مساحة واسعة تقارب 390هكتار لتحتل المرتبة الثانية في إنتاج التمور بعد منطقة واد ريغ[4].

وبالتالي فقط أعطى هذا الموقع المتميز لمدينة بسكرة باِعتبارها واحة واسعة ومنطقة اِستراحة كممر طبيعي أهمية بالغة للتبادلات (شمال-جنوب) بين المدن الكبرى بالشمال الشرقي والمراكز العمرانية المنتشرة بالجنوب الواسع[5].

مما يجعلها بؤرة تجمع رؤوس الأموال، اِستقطاب الوظائف، والتدفقات والتبادلات لاسيما بعد ترقيتها الإدارية إلى رتبة مقر ولاية سنة 1974.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن بسكرة كانت مركز إشعاعي مهم من الناحية التجارية والثقافية منذ الفتح الإسلامي لها، وتزايد هذا الدور عبر مختلف التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتعاقبة، مما يدفعنا إلى إعطاء نبذة تاريخية عن أهميتها التجارية.

2- تطور تجاري مرتبط بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية:

تأسست مدينة بسكرة منذ العهد الروماني تحت اِسم "فيسكرا Vescera" وهو يعني محطة للتبادل التجاري، نظرًا لموقعها الذي يربط الشمال بالجنوب، كما اِتسمت حياتها الاِقتصادية بنشاط الصيد البري للحيوانات التي تستغل للتدجين وممارسة الألعاب البهلوانية، إضافة إلى ممارسة الفلاحة.

كما حافظت المدينة على أهميتها التجارية خلال عهد الإغريق الذين غيروا اِسمها إلى "جاتيل Gétule" قبل أن يهزموا من طرف الفنيقيين الذين كان لهم دور كبير في تطوير النشاط الفلاحي بالمنطقة وذلك بإنشاء واحة النخيل نتيجة لتوفر المياه التي ساهمت في زراعة أشجار الزيتون... وقد كانت التبادلات التجارية خلال هذه الحضارة تتم باِتجاه الجنوب لا سيما مع منطقة واد ريغ.

وبعد الفتح الإسلامي لمدينة بسكرة على يد "عقبة بن نافع الفهري" سنة 681م، أصبحت المدينة مركز إشعاع تجاري وثقافي تتوسط 5 واحات متجاورة وهي: بادس، وتهودة، وطولقة، ومليلي والدوسن، ثم توالى حكم بني حماد ثم الهلاليين على المنطقة وكذا الموحدين وصولاً إلى الحفصيين الذين جعلوا من مدينة بسكرة مركزًا تجاريًا هامًا بالجنوب الشرقي وقبلة للعرب الرحل أين كانت ملتقى القوافل للتبادل بين منتجات الصحراء ومنتجات التل.

وفد العثمانيون إلى المنطقة بقيادة "حسن آغا" سنة 1542م وخلالها تم تشييد حصنًا وسط واحة النخيل لمراقبة الإنتاج الفلاحي والموارد المائية والذي أصبح فيما بعد النواة الأولى لمدينة بسكرة، شيّدت به 03 أبواب: باب الضرب، و باب الفتح و باب المقبرة، كما سجلت سنة 1680 ظهور 07 تجمعات سكانية مجاورة ومحيطة بالحصن العثماني وتتواجد داخل واحات النخيل على أهم محاور الطرق وقنوات السقي، مما أدى إلى ظهور مدينة بسكرة في شكل نجمي وتتمثل هذه التجمعات في: رأس القرية، مجينش، قدادشة، لمسيد، باب الضرب، باب الفتح وسيدي بركات.

كما اِتسمت هذه الفترة بإنشاء حصن عثماني آخر بالجهة الشمالية وحي يُجاوره سُمي بحي رأس الماء، ومن الناحية الإدارية نجد أن هذه الفترة قد سمحت بتطبيق نظام اللامركزية[6].

وخلال هذه المرحلة شهدت مدينة بسكرة تنوع الأنشطة التجارية في شكل محلات تجارية تركزت أساسًا بحي الدرب الذي يعتبر محور الحركة التجارية مع القوافل الصحراوية والمدعمة بتواجد مقر القيادة العثمانية، كما أقامت بحي لمسيد المُشيّد ضمن غابات النخيل وبساتين الزيتون 03 معاصر للزيت، كما تُعقد بحي مجينش سوق للغلال الفلاحية الموسمية وفي بعض الحالات سوق للمواشي والحيوانات.

ونظرًا للأهمية التجارية التي تكتسبها مدينة قسنطينة باِعتبارها العاصمة التقليدية للشرق الجزائري ومقر الباي الذي بسط حكمه على واحة بسكرة خلال النصف الثاني من القرن 17، جعل كل المبادلات التجارية تتركز بمدينة قسنطينة وبالأخص تجارة التمور والتي تم إنشاء سوق خاص بهذه المدينة يفد إليه وباِستمرار تجار مدينة بسكرة في شكل قوافل محملة بالسلع والمنتجات الزيبانية الزراعية تتصدرها مادة "الغرس" المفضلة، ونتيجة لهذه الأهمية فقد أقام التجار الوافدين من بسكرة محلات تجارية بجوار سوق التمور بمدينة قسنطينة والمعروفة محليًا باِسم "رحبة الجِمال".

بعد دخول الاِستعمار الفرنسي لمنطقة الزيبان واِحتلال مدينة بسكرة سنة 1844 بقيادة "Le Duc Daumal" تم في السنة الموالية إنشاء قلعة القديس "Saint Germain" في الشمال يأخذ شكل شطرنجي موجه نحو الجنوب تهيكله شوارع متعامدة ومنتظمة، وهو أول تعمير أوروبي بالمدينة، وهو المركز الأكثر حيوية إذ يضم العديد من المحلات التجارية، ومطاعم، ومطحنة، ومخبزة بالإضافة إلى المساكن والمقرات الإدارية، وقد شهدت سنة 1855 بناء سوق يومية تتربع على مساحة 1600م2 تحتوي على العديد من المخازن، تُعرض بها مناضد اللحم، والدجاج، والحبوب، والخضر والفواكه بالإضافة إلى بيع التمور، كما أُرفقت بالسوق ملحقتين، الأولى مكشوفة مخصصة لبيع المواشي والدواجن والثانية تتمثل في مذبح يستعمله الجزارين، غير أن هذه السوق اِحترقت سنة 1969 ليُعاد بناؤها لتبقى حتى وقتنا الحالي.

وخلال هذه المرحلة فقد وفد على مدينة بسكرة العديد من الأجانب الأوربيين ذوي جنسيات مختلفة، يتصدرهم الفرنسيون الذين قدمت لهم عروض مجانية لاِمتلاك الأراضي الزراعية وأقاموا بها مطاعم وحانات أما الإيطاليون والأسبان فقد كان اِنشغالهم التام بالبناء واِهتموا كذلك بإنشاء محلات للنجارة والنقش على الرخام وصناعة الزجاج، مع الإشارة إلى تواجد اليهود بمدينة بسكرة خلال هذه المرحلة والذين اِهتموا بتجارة المجوهرات والحلي، والخياطة وتصليح الأحذية إلى جانب إنشاء الحانات وهي في أغلبها تجارة حرفية وخدمية.

وقد ساهمت عملية إنجاز خط السكة الحديدية، والفندق والكازينو سنة 1895 في توافد العديد من الأهالي من مناطق مختلفة من الجزائر اِستمرت حتى الاِستقلال، منهم الميزابيون (غرداية) الذين اِهتموا بإنشاء محلات تجارية مختصة في بيع الأقمشة والألبسة والمواد الغذائية تجاور السوق المغطاة، كما وفد السوفيون (واد سوف) الذين عملوا في بداياتهم على تهريب مواد الشاي، والقهوة والسكر، ثم اِستقروا بالمدينة وهم الأوائل الذين اِهتموا بتصدير التمور (دقلة نور) إلى أوروبا.

وعليه فإن مدينة بسكرة اِكتسبت أهميتها التجارية منذ بداية نشأتها كممر طبيعي للمبادلات بين الشمال والجنوب واِزدادت هذه الأهمية مع تعاقب مختلف الحضارات عليها، مما يدفعنا إلى دراسة بنيتها التجارية بعد مرورها بمختلف التحولات الاِقتصادية والاِجتماعية.

3- تعدد الأنشطة التجارية وأهميتها بمدينة بسكرة:

مدينة بسكرة كانت ولا تزال المركز الرئيسي ضمن مجالها الولائي، حيث تلعب دورًا هامًا في مختلف التبادلات باِعتبارها مدينة ذات نشاط تجاري منذ نشأتها في مفترق الطرق على طريق النجع (شمال-جنوب) عن طريق القنطرة، وعلى طريق الحج (شرق-غرب) عن طريق سيدي عقبة، وقد ساهمت الترقية الإدارية في تطور التجارة بها، فمنذ أن أصبحت مدينة بسكرة مركز بلدية سنة 1878، ثم مقرًا للدائرة ضمن ولاية باتنة سنة 1956، وبقيت دائرة بعد الاِستقلال حتى تم ترقيتها إلى مركز ولاية سنة 1974 ومن ثم تركزت بها مختلف التجهيزات (الإدارية، الصحية، التعليمية، والثقافية...) والتي عملت على الرفع من نسبة الأنشطة غير الفلاحية، حيث كان لتركز الأنشطة التجارية بمدينة بسكرة أثر مباشر في تطوير قطاع الخدمات التي اِستقطبت اليد العاملة إليها، خاصة وأن توقيع المنطقة الصناعية ومنطقة النشاطات والتخزين جاء بعد 1990، كما أنها تحتوي على عدد محدود من الأنشطة الصناعية (المؤسسة الوطنية للكوابل، وحدة تكييف التمور ووحدة النجارة العامة).

3-1- أهمية ديموغرافية متزايدة توازي التركز التجاري:

تبرز الأهمية الديموغرافية لمدينة بسكرة من خلال اِرتفاع حجمها السكاني والمقدر حسب آخر تعداد للسكان والسكن (2008) بـ 199.667 نسمة[7]، وهو ما يُمثل نسبة 27,64% من إجمالي سكان الولاية، مما أهلها لأن تحتل المرتبة التاسعة ضمن الشبكة الحضرية الجزائرية، وتكون الأولى ضمن الشبكة الحضرية الصحراوية، وقد شهدت مدينة بسكرة اِرتفاعًا في معدل نموّها السنوي الذي وصل إلى 1,20% خلال الفترة 1998-2008 نتيجة لعوامل الجذب الكامنة في المدينة.

كما تتضح أهمية الوزن التجاري لمدينة بسكرة من خلال اِرتفاع عدد المحلات التجارية المنتشرة عبر قطاعاتها الحضرية والبالغ عددها 5.894 محل تجاري[8]، وتزداد هذه الأهمية عندما يتعلق الأمر بظهور محلات تجارية جديدة أثناء عمليات التوسع العمراني وكذا التحولات التي تحدث على مستوى الأنشطة التجارية.

والجدير بالذكر أن عدد الأنشطة التجارية قد بلغ 156 نشاطًا وهو ما يُبيّن التنوّع التجاري وتعدده لتقديم مختلف الخدمات التجارية لسكان المدينة وكذا للتدفقات السكانية الوافدة من خارجها.

ويُسجل مؤشر نصيب 1000 نسمة من المحلات التجارية اِرتفاعًا واضحًا بالمدينة والذي وصل إلى 29 محل تجاري/1000نسمة، وهذا ما يستدعي معرفة توزيعه المجالي عبر القطاعات الحضرية لمدينة بسكرة بهدف إدراك الإطار المجالي، والوظيفي وكذا الاِقتصادي والاِجتماعي لنمو وتطور واِنتشار المحلات التجارية.

3-2- أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية في التوزيع المكاني المتباين للمحلات التجارية:

تنتشر المحلات التجارية في أغلب النسيج العمراني لمدينة بسكرة بشكل متباين من قطاع حضري لآخر، وهي تتركز بقطاعات الجهة الشمالية الغربية من واد بسكرة (خريطة: 02) ونذكر كل من القطاعات: ستار لملوك، والضلعة والمركز الأوروبي والتي تضم 2.676 محل تجاري وهو ما يُمثل نسبة 45,40% من إجمالي المحلات وهذا يعني أن ما يُقارب نصف المحلات التجارية تتركز بـ 3 قطاعات، وترتفع بها الكثافة التجارية التي وصلت قيمتها إلى 16 محل تجاري/هكتار، ويتراوح بها مؤشر نصيب 1000 نسمة بين 30 و149 محل تجاري/1000 نسمة، وهذا يعني أن الخدمات التجارية التي تقدمها لا تقتصر على سكانها فقط بل تتعداها إلى مجالات أبعد من ذلك، ضف إلى ذلك فإن هذه القطاعات تستحوذ على العديد من الأنشطة التجارية المتنوعة، حيث يرتبط هذا التركز بما تتوفر عليه هذه القطاعات من أهم التجهيزات الإدارية، والثقافية، والمالية، والصحية... والتي لها دور كبير في تنوع المحلات التجارية وتعددها.

tof2

والجدير بالذكر أن هذه القطاعات إلى جانب ضمها لمحلات تجارة الألبسة، والأحذية، والأثاث، والصيدليات، والأقمشة، والعطور، ومواد التجميل والصياغة... فهي تتميز كذلك بتركز محلات بيع التمور باِختلاف أصنافها، والمطاعم التقليدية، والأنسجة والزرابي التقليدية والأواني الفخارية وقفف وسلاسل الجريد... والتي تعكس عادات وتقاليد منطقة الزيبان.مما يؤهل هذه القطاعات الحضرية بأن تشكل مركز مدينة بسكرة.

كما تتناسب هذه القطاعات مع النواة الاِستعمارية والمعروفة باِسم "المدينة الأوروبية" بخطتها الشطرنجية وشوارعها المتعامدة (أحياء: زمالية، مصطفى بن رمضان، شاريني...) كانت تتوطن بها الأنشطة المرتبطة بنمط الحياة الأوروبية (الحانات، بيع الزهور، الأثاث، المطاعم...) وبعد الاِستقلال أصبحت تصطف المحلات التجارية بها على طول الشوارع، حيث تتوضع محلات المواد الغذائية، والألبسة والأحذية، والصدليات، والأدوات الكهرومنزلية، الصياغة... في الطوابق الأرضية للبنايات، بينما تحتل العيادات الطبية، مكاتب المحامين، والموثقين وكذا مكاتب الدراسات والخبرة، والوكالات العقارية ومكاتب المحاسبة الطوابق العليا، هذا ما جعل عديد المساكن بهذه القطاعات تتحول إلى محلات تجارية.

واِنطلاقًا من هذه القطاعات الحضرية (المركز) نحو القطاعات المجاورة ينخفض عدد المحلات التجارية تدريجيًا ونخص هنا كل من القطاعات الحضرية: حي الواد وحي البدر، إذ تتراوح بهما عدد المحلات التجارية بين 324 و258 محل تجاري على الترتيب، بمتوسط كثافة تجارية قدرها 7 محل تجاري/هكتار، ويُمثل هذين القطاعين التوسع الأوروبي نحو الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة الأوروبية اِتسمت بالمحافظة على النمط الشطرنجي دون مراعاة المحاور الرئيسية للنسيج العمراني السابق، نتج عنها أحياء ذات مورفولوجية جد متباينة.

تُسيطر عليها تجارة المواد الغذائية، والألبسة، والأثاث، وتحميص القهوة، والوراقات ومقاهي الاِنترنت... تتوقع بالطوابق الأرضية للبنايات وهي محلات التجارية التي لم يتمكن أصحابها من التوقع بالقطاعات الحضرية السابقة (المركز الأوروبي، وستار لملوك والضلعة)، لكن هذين القطاعين يتميزان بنصيب 39-32 محل تجاري/1000 نسمة.

أما القطاع الحضري "المدينة القديمة" التي تقع بالجهة الجنوبية على الضفة اليسرى لواد بسكرة والتي يعود تاريخ نشأتها إلى 1740، وبالتالي فهي النواة الأولى لنشأة المدينة ضمن واحات النخيل، تضم حاليًا 592 محل تجاري بنصيب 13 محل تجاري/1000 نسمة، تنخفض بها الكثافة التجارية إلى 1 محل تجاري/هكتار، والجدير بالذكر أن هذا القطاع يشهد تحولات جذرية بتوطين أنشطة تجارية سبق لهذا القطاع وأن مارسها.

بينما القطاعات الحضرية: حي المجاهدين، وحي بن مهيدي والمنطقة الغربية والتي تمثل تحصيصات وسكن اِجتماعي أنجز خلال عشرية الثمانينيات، فهي تستقطب تجارة: ميكانيك السيارات وأدوات حديدية ومواد البناء، والحدادة، والنجارة والمقاهي والمطاعم، فقد بلغ متوسط عدد المحلات التجارية بها 226 محل تجاري ومتوسط كثافة تجارية قدرها 1 محل تجاري/هكتار، وبنصيب 20 محل تجاري/1000 نسمة.

وفي الجهة الجنوبية الغربية نجد القطاع الحضري "سيدي غزال" الذي يضم المنطقة الصناعية الممتدة على مساحة 163 هكتار بالإضافة إلى مساكن البناء الذاتي، ونتيجة لهذه الوظيفة الصناعية فقد اِنخفض عدد المحلات التجارية إلى 53 محل تجاري بنصيب 8 محل تجاري/1000 نسمة، وهو يضم محلات تجارية لتلبية الحاجيات الآنية للسكان (مواد غذائية، وخضر وفواكه، والجزار...) وبعض المقاهي، والمطاعم موجهة أساسَا لخدمة عمال المؤسسة الوطنية للكوابل ومؤسسة تكييف التمور...

ومن الجهة الشرقية لواد بسكرة نجد كلا من القطاعين الحضريين "العالية الشمالية" و"العالية الجنوبية"، فبالنسبة للقطاع الأول الذي يتطابق مع المنطقة السكنية الحضرية الجديدة ذات حجم 14.627 مسكن وُجهت لإيواء السكان الوافدين للمدينة بعد ترقيتها الإدارية وتنامي قطاع الخدمات بها (تجارة، وسياحة) وإنشاء الجامعة ومن إسكان إطاراتها. وعليه فقد بلغ عدد المحلات التجارية الموقعة بهذا القطاع 1.020 محل تجاري بكثافة قدرها 6 محل تجاري/هكتار وبنصيب 26 محل تجاري/1000 نسمة، وتتمثل الأنشطة التجارية المنتشرة بالطوابق الأرضية لبناياته في المواد الغذائية، الخضر والفواكه، والمخبزة، والجزار، والحلاب... بالإضافة إلى الوراقات والمكتبات، ومعدات الإعلام الآلي، وقاعات الاِنترنيت، والألبسة والأحذية، والمطاعم... وهي محلات تلبي الاِحتياجات التجارية للسكان القاطنين به وكذا اِحتياجات الطلبة الجامعيين، كما تنتشر بالطوابق العليا للعمارات قاعات الحلاقة للسيدات، وعيادات الأطباء، ومكاتب الموثقين، ومدارس السياقة...

في المقابل فإن القطاع الحضري "العالية الجنوبية" الذي يضم مساكن البناء الذاتي ومنطقة النشاطات والتخزين، فقد اِنعكس ذلك على عدد ونوع الأنشطة التجارية المنتشرة به والتي بلغ عددها 292 محل تجاري وتتوزع بين محلات مواد البناء والأدوات الحديدية، والنجارة، والحدادة، وميكانيك السيارات بالإضافة إلى محلات التجارة الغذائية والهاتف العمومي.

وقد ساهمت العديد من العوامل والمتمثلة أساسًا في النمط العمراني للمباني، والمساحة المخصصة للتجارة وموقع القطاع الحضري في إحداث تباين كبير في توزيع عدد المحلات التجارية عبر القطاعات الحضرية وتعدد أنشطتها التجارية وتخصصها باِستحواذ مطلق للقطاعات: ستار لملوك والضلعة على أغلب المحلات التجارية بمدينة بسكرة وبدرجة أقل قطاع المدينة القديمة، حيث أن هذا القطاع يستفيد من منشآت تجارية هامة تمثلت في سوق الخضر والفواكه وكذا التمور وهي أسواق ذات نفوذ جهوي وتتحول إلى نفوذ وطني في مواسم التمور أين يتوافد إليها التجار من جميع ولايات الوطن، بالإضافة إلى "سوق النساء" التي تعقد بصفة يومية وفي مكان غير ثابت من المدينة، يتشكل تجارها أساسًا من النساء وزبائنها كذلك من النساء، وتتداول فيها سلع ومواد خاصة بالنساء كالحلي والألبسة، والمفروشات، والزرابي، والعطور، والأواني...، وهو ما يعكس مساهمة المرأة البسكرية في اِنتشار التجارة غير الرسمية[9].

3-3- الجذب التجاري: نتاج التحولات الاجتماعية والاقتصادية بمدينة بسكرة.

يمتاز توزيع المحلات التجارية بمدينة بسكرة بطابع اللاتجانس المكاني وتداخل الأنشطة التجارية فيما بينها وهذا نتيجة مختلف التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتعاقبة، مما يعكس تباين في قيم الجذب التجاري لهذه القطاعات الحضرية.

وقد أوضحت معطيات التحقيق الميداني بأن مدينة بسكرة تضم 1640 محل تجاري للتجارة الغذائية وهو ما يُمثل نسبة 27,82% و4.254 محل تجاري للتجارة غير الغذائية بنسبة 72,18% من إجمالي المحلات التجارية البالغ عددها 5.894 محل تجاري سنة 2008، هذا ما جعل قوة الجذب التجاري تعادل 2,59، وهي قيمة مرتفعة نسبيًا إذ يمكن تفسيرها بالأهمية التجارية التي تكتسبها مدينة بسكرة من خلال تنوع أنشطتها التجارية ودورها الكبير للتبادلات على المحور شمال-جنوب.

ويوضح الجدول (01) أن هناك مفارقات واضحة بين القطاعات الحضرية إذ ترتفع نسبة محلات التجارة غير الغذائية في القطاعات حي البدر، وستار لملوك، وحي بن مهيدي، والضلعة، وحي الواد، وحي المجاهدين والمركز الأوروبي حيث تراوحت بين 83,72% و73,94%، ويترجم ذلك في اِرتفاع قوة الجذب التجاري بهذه القطاعات الحضرية وتنخفض تدريجيًا كلما اِبتعدنا عنها باِتجاه القطاعات الأخرى، حيث يمكن تفسير ذلك بالمركزية التجارية التي يكتسبها القطاع الأول والثاني والثالث مقارنة ببقية القطاعات الحضرية الأخرى ودورها الكبير في اِستقطاب التدفقات.

جدول (01): توزيع المحلات التجارية الغذائية وغير الغذائية عبر القطاعات الحضرية.

رقم القطاع

اِسم القطاع

المحلات التجارية غير الغذائية

المحلات التجارية الغذائية

قوة الجذب التجاري

النمط

العدد

النسبة (%)

العدد

النسبة (%)

05

حي البدر

216

83,72

42

16,28

5,14

 

مرتفع

نسبيًا

02

ستار لملوك

1.258

82,87

260

17,13

4,84

 

08

حي بن مهيدي

58

78,38

16

21,62

3,62

 

مرتفع

03

الضلعة

463

77,95

131

22,05

3,53

 

04

حي الواد

249

76,85

75

23,15

3,32

 

07

حي المجاهدين

235

76,05

74

23,95

3,17

 

01

المركز الأوروبي

417

73,94

147

26,06

2,83

 

09

المنطقة الغربية

213

71,96

83

28,04

2,56

 

متوسط

06

المدينة القديمة

420

70,94

172

29,06

2,44

 

12

العالية الجنوبية

203

69,52

89

30,48

2,28

 

11

العالية الشمالية

498

48,82

522

51,18

0,95

 

ضعيف

10

سيدي غزال

24

45,28

29

54,72

0,83

 

المدينة

4.254

72,18

1.640

27,82

2,59

 

4- أثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية على البنية التجارية:

يرتبط نمو وتطور الأنشطة التجارية بمدينة بسكرة اِرتباطًا وثيقًا بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها المدينة، وكذا بنمط المباني وخصائص القطاعات الحضرية، والتي كان لها دور كبير في تحديد عددها ونوعها.

- على التخصص التجاري:

يتميز التخصص التجاري الموجود حاليًا بالقطاعات الحضرية بسيادة التجارة الحرفية (النجارة، والحدادة، وميكانيك السيارات، وتصليح المحركات الكهربائية...) بالقطاعات الحضرية: حي المجاهدين، والمنطقة الغربية، وحي البدر، وحي بن مهيدي وهي قطاعات تضم أحياء سكن البناء الذاتي أين يجد أصحاب هذه التجارة مجالات واسعة لممارسة نشاطهم في الطوابق الأرضية عكس أحياء السكن الجماعي غير المهيئة لاِستقبال هذا النوع من الأنشطة التجارية، أما فيما يخص أنشطة:الخياطة والطرز والحرج، وفي بعض الأحيان تصليح الحلي التي تتركز بقطاع المدينة القديمة وذلك لما تحمله هذه الأنشطة من أصالة وعادات وتقاليد المنطقة التي تعبر عن هوية المدينة.

أما القطاعات الحضرية الأخرى المتمثلة في العالية الجنوبية، وحي الواد والضلعة فهي تتخصص في التجارة الخدمية أساسًا وتستقطب المهن الحرة كالأطباء، والمحامين والموثقين... وهذا يعود إلى دور الدولة من خلال تدخلها في خلق مجالات مخططة لضمان فعالية هذه الأنشطة التجارية.

بينما التجارة الصافية فهي تتواجد بكل القطاعات الحضرية لكن بشكل شبه مطلق بقطاعات المركز الأوروبي، والعالية الشمالية، وسيدي غزال وستار لملوك لأن دورها يتمثل في تقديم الخدمات التجارية وإعادة توزيع السلع على جميع فئات المجتمع مهما كان نمط البناء الموقعة به.

- على المظهر الحضري:

مست التحولات الاجتماعية والاقتصادية الشكل الحضري لمدينة بسكرة، والتي كان دورًا هامًا في تحديد عدد المحلات التجارية ونوع أنشطتها، إذ يتضح ذلك في العمارات التي تحتوي على عدد محلات تجارية في عدد محدود من الطوابق الأرضية لبعض العمارات ثم تطور عدد المحلات التجارية ليشهد اِرتفاعًا من ناحية العدد وتنوعًا في الأنشطة التجارية خاصة في قطاع "العالية الشمالية" وذلك بعد اِستكمال إنجاز الجامعة به، وأصبحت الأنشطة التجارية تتوسع أفقيًا وعموديًا لتشغل المساكن بالطوابق العلوية للعمارات (حلاقة السيدات، والأطباء، والمحاسبين...).

ومن جهة أخرى فقد ساهمت ظاهرة المركزية التجارية التي تتميز بها القطاعات الحضرية الثلاثة، وهي: المركز الأوروبي، وستار لملوك والضلعة في إحداث تغييرات في المساكن بتخصيص غرفة أو فناء من المسكن لغرض إنشاء محل تجاري وفي حالات أخرى تحويل كل المسكن نظرا لما يحققه من مردودية بهذه القطاعات، كما أن هناك محلات تجارية تتجزأ لخلق محلات تجارية جديدة أو تحويل المخزن إلى محل تجاري نتيجة التشبع التجاري والاِستقرار في الأنشطة التجارية وعدم إمكانية نمو وتطور هذه الأنشطة إلا على حساب الوظيفة السكنية محفزة من خلال المؤهلات التي يوفرها كل قطاع حضري. كل ذلك أدى إلى حدوث حركية تجارية جديرة بالاِهتمام والدراسة.

5- التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة والحركية التجارية:

يُعبر مؤشر التحولات في طبيعة النشاط التجاري للمحل عن الحركية والحيوية التي تشهدها التجارة بمدينة بسكرة على وجه الخصوص نتيجة الطلب المتزايد على بعض الأنشطة دون غيرها وملائمتها مع اِحتياجات السوق والفئات الاِجتماعية، وتتمثل أهم الأسباب التي تدفع بالتجار إلى تغيير نشاطهم التجاري -تبعًا لمعطيات التحقيق الميداني- في عدم مردودية النشاط التجاري الممارس سابقًا نتيجة التحولات في البنية الاِجتماعية للسكان من جراء الهجرة الوافدة للمدينة، وهو ما يتطلب سد العجز في اِحتياجات السكان (الطلب) لنوع معين من الأنشطة التجارية بمسايرة نمط الاِستهلاك خاصة عند ظهور نشاط تجاري جديد، إضافة إلى إلغاء الشراكة بين شخصين أو أكثر، أو تغير المالك الأصلي للمحل التجاري (وراثة، بيع)[10].

وعلى ضوء ذلك، نجد أن القطاعات الحضرية لمدينة بسكرة تتباين فيما بينها تبعًا لعدد المحلات التجارية المحوّلة لنشاطها حسب ما يوضحه الجدول (02) الموالي:

جدول (02): تحولات الأنشطة التجارية عبر القطاعات الحضرية لمدينة بسكرة (2010).

رقم القطاع

اِسم القطاع

المحلات المحوّلة لنشاطها التجاري

النسبة من مجموع محلات القطاع الحضري

عدد حالات التحوّل في النشاط التجاري

العدد

النسبة

مرة واحدة

مرتين

ثلاث مرات

أكثر من 3 مرات

01

المركز الأوروبي

76

20,48

13,48

27

17

20

12

02

ستار لملوك

85

22,91

5,60

33

26

18

8

03

الضلعة

43

11,59

7,24

21

12

7

3

04

حي الواد

10

2,70

3,09

6

3

/

1

05

حي البدر

11

2,95

4,26

7

1

3

/

06

المدينة القديمة

49

13,21

8,28

29

6

11

3

07

حي المجاهدين

8

2,17

2,59

5

3

/

/

08

حي بن مهيدي

3

0,81

4,05

2

1

/

/

09

المنطقة الغربية

26

7,01

8,78

14

7

/

5

10

سيدي غزال

/

/

/

/

/

/

/

11

العالية الشمالية

42

11,59

4,12

22

5

9

7

12

العالية الجنوبية

17

4,58

5,82

5

8

/

4

المدينة

371

100

6,29

171

89

68

43

المصدر: تحقيق ميداني 2010.

يتضح من خلال الجدول أن عدد المحلات التجارية التي حوّلت نشاطها قد بلغ 371 محل تجاري من مجموع 5.894 محل تجاري، وهو ما يُمثل نسبة 6,29% من مجموع المحلات بالمدينة.

ويشهد كل من القطاع الحضري "ستار لملوك" و"المركز الأوروبي" أكبر عدد من المحلات المحوّلة لأنشطتها التجارية، وبالتالي فهما يعرفان حركية تجارية هامة مقارنة ببقية القطاعات الأخرى، مع الإشارة إلى أن القطاعات الحضرية: المنطقة الغربية، والمدينة القديمة والضلعة التي تسجل نسبة هامة من المحلات التجارية المحوّلة لأنشطتها مقارنة بمجموع المحلات بمدينة بسكرة، حيث أن أغلب محلاتها التجارية قد اِتجهت نحو تجارة التمور.

أما بالنسبة للقطاع الحضري "سيدي غزال" فتغيب فيه المحلات المحوّلة لنشاطها التجاري وذلك نظرًا لأن أغلب محلاته التجارية حديثة النشأة.

كما تتضح أهمية الحركية والتحولات التجارية بمدينة بسكرة من خلال تفصيل عدد المحلات التجارية المحولة لنشاطها التجاري حسب عدد المرات من طرف نفس صاحب المحل التجاري (التاجر)، حيث نجد أن هناك 200 محل تجاري حوّل نشاطه أكثر من مرّة أي ما نسبته 53,91% من مجموع المحلات المحولة لأنشطتها التجارية. وعليه فإن عدد حالات تحوّل النشاط التجاري بمدينة بسكرة يقدر بـ 725 حالة على الأقل، والتي تم حسابها وفق العملية الرياضية التالية:

[(4 × 43) + (3 × 68) + (2 × 89) + (171)] = 725

مما يجعلنا نستنتج أن مدينة بسكرة تشهد حركية تجارية هامة وفعالة يمكن إدراكها من خلال دراسة خصائص التجار.وبالتالي فالتجارة في الوقت الحالي ما تزال تستقطب تجار من ذوي اِختصاصات متباينة، تعكس أهمية المركزية التجارية بمدينة بسكرة ودورها التجاري شمال-جنوب كأهم المدن الصحراوية الجزائرية.

خاتمة:

ما يمكن اِستخلاصه من هذه الدراسة هو الأهمية التجارية التي تكتسبها مدينة بسكرة كأهم المدن الصحراوية من خلال خصائص موقعها المميز والفعال للتبادلات التجارية شمال-جنوب، واِستمرارية هذه الأهمية والمكانة بعد التحولات الاِقتصادية والاِجتماعية والتأكيد على بروز المركزية التجارية بالقطاعات الحضرية: المركز الأوروبي، وستار لملوك والضلعة المتميزين بطابعها الوظيفي المستقطب للأنشطة التجارية وتردد الوافدين بالمقارنة مع باقي القطاعات الأخرى التي لم تُساعد خصائصها على ظهور التجارة بالكثافة التي كنا نتوقعها.

وهي ظاهرة جديدة لتوزيع الأنشطة التجارية بمدينة بسكرة، ويمكن تفسيرها بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أثر على البنية التجارية للمدينة وذلك بدخول ثقافة لم تكن موجودة من قبل، أكدتها مختلف التحولات التجارية عبر القطاعات الحضرية في إطار مكاني تحكمه واحات النخيل والموارد المائية التي كانت أساس قيام مدينة بسكرة.

وعليه يمكن الإشارة إلى أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية قد أعطى دفعًا جديدًا لنمو وتطور الأنشطة التجارية بمدينة بسكرة خاصة مع توفرها على مؤهلات وإمكانات تسمح بالاِستقطاب التجاري والمتزامنة مع الاِنفتاح الاِقتصادي، كل ذلك من شأنه إضفاء طابع جديد على تنظيم المجال الحضري من خلال ظهور أشكال جديدة لتوقيع المؤسسات التجارية كالمساحات التجارية الكبرى، والمراكز التجارية.


فتحي محمد مصيلحي، جغرافية المدن: الإطار النظري وتطبيقات عربية، مطابع التوحيد الحديثة، شبين الكوم، القاهرة، ص. 363.

MERENNE-SCHOUMAKER B., Géographie des services et des commerces, Presses universitaires de Rennes, Rennes, 2003, P. 18.

FONTAINE J, "Les populations sahariennes", Les cahiers d'URBAMA, n° 12, université de Tours, 1996, P. 37.

COTE M., L’Algérie : espace et société, Média-Plus, Constantine, Algérie, 2005, P. 233.

عبد الغني غانـم، التنظيم المجالي حاضرًا ومستقبلاً في ولاية بسكرة، رسالة دكتوراه دولة، معهد علوم الأرض، جامعة قسنطينة، 1998، ص. 124.

عبد الغني غانـم، "مدينة بسكرة: نموها وتهيئة مجالها الحضري"، حوليات وحدة البحث في العالم العربي وإفريقيا، جامعة قسنطينة، عدد 3، 1999، ص. 24.

الديوان الوطني للإحصائيات، نتائج التعداد العام للسكان والسكن، 2008.

تحقيق ميداني، سبتمبر 2010.

حاجب صهيب، بوفنار مراد، البنية التجارية والديناميكية المجالية في المدن الصحراوية: حالة مدينة بسكرة، مذكرة تخرج تحت إشراف الأستاذ بن غضبان فؤاد، معهد تسيير التقنيات الحضرية، المركز الجامعي"العربي بن مهيدي" أم البواقي، 2007، ص. 182.

محمد إلياس سراج، المركزية التجارية وتراتب الأحياء بالنطاق الغربي لمدينة قسنطينة، مذكرة ماجستير، كلية علوم الأرض والجغرافية والتهيئة العمرانية، جامعة قسنطينة، 2002، ص. 146.