مجتمع القصور شاهد حي لهوية أَمَةpdf

         

 

   بامون آمنة

جامعة قالمة ( الجزائر )

مقدمة:

حين التحدث والتطرق لموضوع عمارة وعمران المدن القديمة والتقليدية غالبا ما نجدالباحثين في المجال من علماء تاريخ وهندسة وعمران. يعالجون الموضوع من جانب هندسي دون الأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين التنظيم الفيزيائي والتنظيم الاجتماعي للمجتمعات المعمرة بهذه المدن القديمة ونتيجة لهذا نجد أنه قلما اهتمت مواضيع العمارة و العمران بالإنسان و ممارساته الاجتماعية والثقافية في المجال، إذ حصر عمل المهندس أو الباحث في المجال بالعمل التقني الفني المحض، إلا أنه في نفس الوقت يعتبر مجالا أنثروبولوجيا يؤلف و يؤسس لموضوع دراسة جد مهم للعلوم الإنسانية التي تبحث جاهدة عن رموز الأشياء والظواهر، حيث لا يعني المجال بالنسبة إليها الفضاء و الفراغ، بل يقترب من المكان ومن الحيز المنظم والموجه والحامل للمعنى الأصلي.

ومنه فإن موضوع بحثنا هذا يصب في مجال قل ما تعرضت له الدراسات والبحوث الاكاديمية وهي دراسة مجتمع القصور، الواقعة في المناطق الصحراوية من خلال خصائصه الاجتماعية والثقافية المختلفة من زاوية أنثروبولوجية، دون إغفال دور العمران الذي ساعد في احتواء الحياة الأسرية للسكان والمحافظة على خصوصياتهم الداخلية.

بحيث يكون الحديث عن ثقافة هذا المجتمع المحلي التقليدي وما يحمله من عادات وتقاليد وأصالة من الضروري المحافظة عليها، في ظل التحولات التي تشهدها المناطق الصحراوية على صعيد تنمية المناطق الحضرية الجديدة التي تستجيب لمتطلبات العصر، اذ نلاحظ ان هذه الأنماط العمرانية التقليدية و المتمثلة أصلا في القصور تعرف تراجعا و هو ما يؤثر سلبيا على استمرارية قيم المجتمعات بما تحمله من سلوكيات محافظة ومعايير قائمة على التعايش والتجانس بين أفرادها، وما يلاحظ على هذا المجتمع محافظته على نسبة عالية من التفاعل والتكامل ورغبته في الحفاظ عليها من خلال أنماط سكنية قديمة. وقد جاءت هذه الدراسة لتأكد مدى صحة المعلومات التي جمعت عن عوامل ظهور هذه المجتمعات والتي لعبت فيها العوامل الاجتماعية دورا هامة في إنشاء هذه الأنماط السكنية " القصور " التي تمتاز بوحدة الشكل وإنشاءها بمواد محلية بسيطة، وقد برهن المنهج الوصفي المتبع والقائم على المعايشة والملاحظة المباشرة على أهمية العلاقات الاجتماعية وتأثيرها على نوعية التوافق والتكيف بين الناس مما جعلهم ينشئون نمط يتوافق مع متطلباتهم وهذا يتضح في الاتجاه السلوكي للجماعات والأفراد. ومنه نحصر إشكالية بحثنا فيما يلي:

إلى أي مدى تأثر الأنماط الحضرية الجديدة بسماتها العصرية على ثقافة السكان المقيمين في المجتمعات التقليدية الممثلة في القصور؟

وهل أن التحولات العمرانية التي تشهدها المنطقة ستؤدي إلى تخلي سكان المجتمعات التقليدية " القصور" عن عاداتهم الاجتماعية؟

مفهوم القصر : يختلف مفهوم القصور في المناطق الصحراوية عامة عن المفهوم الآخر للقصور في المدينة والمناطق الحضرية، وهذا المفهومالمغاير يمكن معرفته من خلال ما اتفقت حوله الدراسات الحديثة بأنه «الفضاء المشترك المغلق والمقسم إلى مساحات موزعة توزيعا نوعيا، والذي تخزن فيه مجموعة بشرية ذات المصلحة الواحدة محصولها الزراعي الموسمي، وتستعمله وقت السلم لممارسة نشاطاتها التربوية والطقوسية والاجتماعية والتجارية ووقت الحرب للاحتماء به عند هجوم العدو[1]«،ففي جميع المناطق الصحراوية عامة تعني تسمية " القصر " أو كما يسمى تحديدا باللهجة المحلية " الڤصر" تلك المجموعات السكنية التي تشغل أحيانا مساحات صغيرة وأخرى كبيرة وتكـون محـصّنةأو على الأقل تقع فوق أماكن مرتفعة بالإضافة إلى قربها من الأودية والواحات[2]، و هو تجمع سكاني مقسم إلىمجموعة من الأحياء الخاصة بكل قبيلة أو عرش تربط بينها مجموعة من الشوارع الضيقة والملتويةالقليلة التعرض لأشعة الشمس والتي تلتقي في ساحة عامة (رحبةكما يحيط بالقصر سور سميك محصن.

الهيكلة الداخلية للقصر: يتكون القصر في الصحراء أساسا من أربعة عناصر أساسية وهي المسجدوالمنازل والطرقات والسوق إضافة إلى الواحة التي تكون محاذية للقصر وتقع خلف السور وسنتناول هذه العناصر المختلفة بشيء من التفصيل.

- المسجــد: يعتبر من أهم المنافع في القصر لما له من دور أساسي في حياة المجتمع القصوري الصحراوي، فبالإضافة إلى وظيفته الدينية فإنه يعتبر مركز البحث في الشؤون السياسية والتربويةوالاجتماعية التي تخص المجتمع، كما يعتبر مركز السلطة المسيرة في قصور الصحراء حيث انعكست أهمية المسجد في حياة المجتمع من خلال موقعه في القصر فهو النواةالأساسية لتخطيط وهيكلة القصر ويحتل المركز والمكان المرتفع فيه فهو أول ما ينشا ثمتأتي بعده المساكن وتنتهي إليه الطرقليكون قريبا من كل أجزاء القصر فهو بمثابة القلبالنابضفي جسم المدينة [3].

ويحتوي المسجد على بيت للصلاة وسحن وبيت صلاة النساء ومخزنللمؤونة وفضاء للوضوء، وفي الركن الشمالي للمسجد تنصب المئذنة على شكل هرمي ذوقاعدة مربعة، حيث تشكل هذه الفضاءات حريم المسجد ثم تاتي بعده العناصر الملحقةكالمحاضر التي تعمل على تحفيظ القرآن الكريم وتعليم الدين وتكون منفصلة عن المسجدلكن ليست بعيدة عنه.

أما فيما يخص النسب والمقاييس فيراعى فيها عدم الإسراف والبناء فوقالحاجة وتجدر الإشارة إلى أن المسجد في قصور الصحراء لا يحتوي على أية نقوشأو زخارف بل هو جد بسيط.[4]

- المنازل : المنازل بقصور الصحراء كثيرة التشابه لا تتجاوز مساحتها100م²تتكون من طابقين وسطح وعتبة مدخل المنزل التي يبلغارتفاعها10سم هذه العتبة تقي الدار من دخول الأتربة وخروجالهواء البارد أيام الحر الشديد حيث يبقى باب المنزل عادة مفتوح طوال النهار إلا أن المارة في الشارع لا يستطيعون مع ذلك رؤية ما بداخل الدار.

عند تجاوز المدخل تجد نفسك في رواقيسمى بالسقيفة به مقطع حجري منخفضيستعمل للجلوس أمام المنسجفي الصيف ورحى تثبت في إحدى زواياها لطحن الحبوب، منالسقيفة تنتقل مباشرة إلى وسط الدار المضاء بواسطة فتحة تصل الطابقالأرضي بالطابق الأول تنزل منها أشعة الشمس وتعمل على تجديد الهواء داخل المنزل
أنسب موقع حول وسط الدار هو من نصيب قاعة سمر العائلة مدخلهاعريضنوعا ما متجه نحو القبلة للاستفادة أكثر من ضوء الشمس، ثم ياتي المطبخ وهوفضاء صغير مفتوح على أحد جوانب وسط الدار وفي الجانب المقابل تجدغرفة النومالخاصة بالوالدين وفي الزاوية المحاذية للشارعغير زاوية المدخل تجد مرحاضا ودوشا وفي الزاوية المقابلة لمدخل الدار تنطلقالأدراجالمؤدية إلى الطابقالأول وموقعها هذا يساعد على تحرك الهواء وتجديده، إلى جانب الأدراجتجدغرفة صغيرة لحفظ المؤونة الغذائية و الأثاث[5].

غالبا ما تجد أمام مدخل الدار بابا لحجرة صغيرة في داخلها أدراجتؤدي إلى قاعةاستقبال الضيوف الخاصة بالرجال في الطابق الأول، هذه الأدراجالمستقلة عن وسط الدارتجعل حركة الرجال ممكنة من الطابقالأول إلى الخارجمباشرة دون إحراجمن بداخل الدار.

تحتوي قاعة استقبال الضيوف التي تسمى لعلي على نافذة متوسطة الحجم يمكنرؤيتها من الشارع تقع فوقباب الدار وهي النافذة الوحيدة للمنزل إذا استثنينا عددا منالكوات فتحات صغيرة.

أما الطابق الأول فبالإضافة إلىغرفة استقبال الضيوف يحتوي أيضا على عدد من غرف النوم ومطبخ ومرحاضودوش، والباقي تجد نصفه مسقف والجزء الآخر مفتوح إلى لسماء يفصل بينهما عدد من الأقواس، والجزء المسقف هو المكان المفضل لبعضالأعمال في الشتاء لتوفره على أشعة الشمس.

النصف المفتوح يحتوي في إحدىأركانه على الفتحة المطلة على الطابق الأرضي ويمتد إلى جهة القبلة لاستقبال أشعة الشمس في أطول فترة من النهار، أما الجزء المسقف المسمى كوماريحمل مع الغرف سطحالمنزل الذي يستعمل للنوم صيفا إضافة لاحتوائه على مخزن الحطب الذي كان يستعمل للطبخ والتدفئة[6]هناك قواعد عامة في الفن المعماري التقليدي لقصور الصحراء يلتزم بها كافة السكان منها:

- إن علو الدار لا يفوق15ذراعا أو7.5م.

- لا يسمحبإقامة جدار على حدود السطحمن الناحية الشرقية كي لا يحرم الجار من ضوء الشمس صباحا أو مساء، حيث يقال ما يلي"...واتفقوا على بناء البلاد على من هوغربي أو قبلة لجاره، فلا يطلع عليه أو يضر جاره في الشتاء على طلوع الشمس وإن ضاق عليه المكان فيخلف حريم جاره ثلاثة ذروع ويبني فلا يمنعه جاره".

- لا يجوز إسناد الأدراجإلى جدار جاره إلا بإذنه وكذا المستراح أو مرابط الدواب إلا إذا سبقأحدهما الآخر فان الأخير هو الذي دخل على هذه المضرة.

- لا يحدث أحد نافذة مهما كان نوعها إلا برخصة من الجيران ليحددوا له المكان الذي يمكن أن يحدث فيه هذه النافذأو الكوة.

في كل بلدة يعينون أمينان في عرف البناء ترفع إليهما الشكاويالتي تتعلقبالبناء داخل القصر.
إن الوصف السابقينطبقعلى الدار الكاملة التي مساحتها نحو90م² ، حيث يوجد هناك عدد كبير من المنازل أقل اتساعا وتسمى بنصف دار مساحتها نحو50م²أو بربع دار مساحتها نحو30 م² لا نجد فيها إلا المرافقالضرورية للسكن إلا أن كل هذه المنازل تتكون من طابقين وسطح وتخضع للضوابط المعمارية السابقة.
إلى جانب ذلك توجد في المدينة منازل لبعضالميسورين تتكون من دار ودويرةمتصلتين، فالدويرة يتم فيها استقبال الضيوف وعقد الاجتماعات وهي المكان الخاص برب البيت[7].

السوق:يعتبر السوق من المنافع الهامة لما يمثله من فضاء اقتصادي واجتماعي للسكان القصر بالصحراء سوق واحد يخضع لسلطة المسجد في التسيير والتنظيم والمراقبة بحيثيكون حضور أحد الكبار المعينين ضروري لمراقبة عملية البيع.

يحتل السوقفي قصور الصحراء الموضع الأسفل من المدينة ويكون بذلك في طرفها بالقربرمن المدخل الرئيسي لها لتسهيل عملية التبادل مع الأجانب دون الاضطرار إلى دخولهمللمدينة بحيث يشكل هذا الموقع حاجزا ماديا ومعنويا بين داخل المدينة وخارجها.

كما أنه في هذا الاختيار فصل بين الفضاء الديني والروحي للمجتمع والذي يمثلهالمسجد والفضاء الدنيوي المادي الذي يتمثل في السوق، حيث حافظت القصور الصحراوية علىهذه الميزة في مختلف مراحل نموها فكان السوقينقل من موضعه القديم إلى طرف المدينةكلما وقع امتداد للمدينة مع المحافظة على سوقواحدة.

ياخذ السوق إما شكلا مثلثا أو مستطيلا على شكل ساحة ذات واجهات متعددة ومتقابلةتساعد على التجمع والاتقاء والمراقبة، إلا أن "السوقفي قصور الصحراء ليس مجرد فضاء للتجارةوإنما هو كذلك فضاء للالتقاء والتجمع والتشاور والتحاور بين أفراد المجتمع وجماعاته وهوكذلك فضاء للمراقبة الاجتماعية والتاطير السياسي"[8].

فالسوقهو عبارة عن رحبة أو ساحة تحتوي واجهاته الأربعة على حوانيت ودكاكينمجهزة بمقاعد مبنية أمامها على شكل مسطبات على امتداد واجهات السوق، كما يحتوي السوق على البئر والمسطحللصلاة وأروقة مغطاة على امتداد واجهاته في شكل أقواس متتالية، أما فيما يخص النسب والمقاييس فهي تخضع دائما إلى مبدأ عدم التبذير والإسراف.

أما عن انعكاس السوق على الحياة الاجتماعية لمجتمع القصور بالصحراء فيمكن أن نقول:

-السوقالواحدة هو انعكاس لوحدة المجتمع.

- موقع السوقمن القصر هو انعكاس لطبيعة علاقة مجتمع القصور بغيره.

- شكل السوق انعكاس لوظيفته الاجتماعية وطبيعة العملية التجارية.

-مكونات السوقانعكاس لطبيعة النشاط فيه.

-النسب والمقاييس انعكاس لحاجيات مستعملي السوق.[9]

الطرقات: لا تتجاوز الطرقوظيفتها الرئيسية وهي العبور حيث إنها تمثل قنوات الاتصال بينمختلف منافع ومرافقالمدينة، إلا أنها تكتسي أهمية كبرىفي هيكلة المدينة في وادي الصحراءلذلك صيغت القوانين التي تضبط أنواعها وتقسيماتها ووظائفها وطرقاستعمالها، وفق القيم والمناهجالتي تحكم العلاقات والممارسة الاجتماعية.


-
إحداث الطرق:يكون إحداثها سابقلعملية البناء والتشييد، حيث يتم الاتفاقعلىما هو رئيسي فيها في أمكنتها ومقاييسها ومعانيها عند تقسيم الخطط، يقول الشيخ أبو العباس أحمد "وإذا أراد قوم أن يحدثوا منزلا عامة كانوا أو خاصة فانهميجعلون له طرقه ومجازاته ومنافعه على ما اتفقوا عليه من سعة طرقه وذلكباتفاقهم كلهم العام منهم والخاص أو ما رأىلهم أهل النظر منهم"[10].

-        أقسام الطرقوأنواعها : لقد تم تقسيم الطرق في قصور الصحراء وتحديد أنواعهاومقاييسها حسب طبيعة ملكيتها والمعاني التي جعلت من أجلها، يقول الشيخ أبوالعباس "الأزقة على ثلاثة أوجه منها الشارع الذي يسلكه العامة ومنها السكةالنافذة تكون لقوم خصوصيين ومنها السكةغير النافذة تكون للعامة وتكونللخواص"[11]،ولا تخطط إلا عند الشعور بالحاجة إليها.

أما عن طبيعتها ومقاييسها فيقول الشيخ اطفيش "حريم طريقالرجالة ثلاثة أذرع وطريقالسقاية خمسة أذرع وكذا طريقالحطابة، وطريقالحمير على اختلاف ما يحمل عليها سبعة أذرع، وطرقالجمال اثني عشر ذراعا على اختلاف ما يحمل عليها، وطريق الماشية كلها إلى الماء والرعي أربعون ذراعا وكذا طريق قوافل الحجا"[12].
-
وظائفها واستعمالاتها: لقد كانت الطرقانعكاسا واضحا لممارسة المجتمع إضافة إلى تأثير طبيعة الأرضوالمناخالخاص بالمنطقة، فاستعمال الطرق راجع أساسا إلى المعنى الذي جعلت من أجله إلا إذا كانت الطريقخاصة فان إمكانية التصرف فيها بإحداث ما لم يكن من قبل أو نزعه يرجع إلى اتفاقمن يملكها يقول الشيخاطفيش "أما السكة النافذة للخاصة أوغير النافذة لهم فلا يحدث بعض من فيها بابا أوغيره إلا بإذن أهلها كلهم من في سطره ومن في السطر الآخر من في أعلاها أو أسفلها أو وسطها" [13].

وقد رسمت هذه الطرق بشكل دائري وشعاعي وذلك لأسباب منها:

- إبراز المسجد الذي يحتل وسط القصر بحيث يسهل الوصول إليه.

-التأقلم مع التضاريس حيث تساعد الطرق الدائرية على الارتقاء من مكان إلى آخر دون عناء.
-
تكون وجهة الشوارع الرئيسية والكبيرة شمالية جنوبية وهذا لكي تكون عمودية مع أشعة الشمس وحركتها الظاهرة، مما جعل الشوارع تكتسب ظلا طوال النهار وتسمحبدخول الرياح الشمالية التي تعمل على استمرار دوران الهواء.


الواحة: إضافة إلى العناصر الأربعة المكونة للقصر في الصحراء، هناك عنصر خامس مهم يكون تابعا للقصر إلا أنه يقع خارجه وهو الواحة.

لكل قصر من قصور الصحراء واحة متفاوتة الاتساع حسب كبر حجم المدينة وصغرها،حيث تعد الأكسجين الذي تتنفس منه وتعكس إهتمام مجتمع القصور بالنشاط الفلاحي الذي يعتبر المورد الاقتصادي الهام للسكان حيث استطاع سكان القصور بالصحراء أن يغرسواآلاف النخيل وأن يحفروا مئات الآبار في ظل ظروف مناخية قاسية، والاهتمام بالنخلة يعكس قيمتها في نفوس مجتمع القصور، فبالإضافة إلى موردها من التمر تستعمل أيضا كمادة من مواد البناء حيث تستعمل للتسقيف كما يتم بيع حطبها الذي يستعمل للطبخ.

هذه الواحات تحتوي على مساكن تأوي إليها العائلات لقضاء فصل الصيف الحار للتمتع بلطافة الجو هناك، فموقعها داخل البساتين يوفر لها جوا معتدلا ولطيفا، وتصميم هذه المساكن لا يختلف كثيرا عن المساكن داخل القصر إلا أن طابقها الأول معظمه سطححيث يستعمل للنوم ليلا[14].

الهيكلة الداخلية للمسكن التقليدي داخل القصر: غالبا ما نجد مساكن القصر مكونة ومقسمة كالتالي:

-المدخل العتبة: وتعتبر كمدخل وتوضح اختلاف المستوى بين الداخل والخارج وكحد فاصل بين المجال الخاص والعمومي الذي يتحقق بمفهوم الحرمة.

- السقيفة: هي مجال يفصل بين الداخل والخارج ويكون دورها في المحافظة على حرمة المنزل عن طريق كسر الرؤية من الخارج والمساهمة في عملية التهوية إلا أنها عموما تكون مفتوحة كما تسمح بالمراقبة والاستقبال لأنها سهلة الوصول.

-الرحبة وسط الدار: هي مجال يتوسط المسكن لها خصوصية تهوية المسكن وتنظيم الداخلية كما تعتبر مكان لمختلف الأنشطة التي تقوم بها ربات البيت.

-المطبخ:هي مجال لتحضير مختلف الوجبات الغذائية.

-المخزن:هو مكان يتم فيه تخزين أكياس التمور ومعدات ليست دائمة الاستعمال وهو مستطيل الشكل

- السلم:مرتبط مباشرة مع الرحبة يسمح بالانتقال من المكان الأرضي إلى السطح.
- السطح :هو مجال موجود في أعلى المنزل مفتوح إلى الهواء مباشرة ويستعمل عادة في النوم في فصل الصيف عند اشتداد درجة الحرارة.

-الكنيف:هو مرحاض يوجد في أعلى المسكن فوق السطح ويتصل مباشرة مع الأرض.

-بيت الشياه، الزريبة: هو فضاء مخصص لتربية الغنم ويكون بجوار الكنيف وذلك لتسهيل عملية جمع الفضلات وإخراجها إلى الأرض الزراعية.

العادات والتقاليد:لكل مجتمع من المجتمعات الإنسانية مجموعة من الخصائص والمميزات الاجتماعية والنفسية والمعيشية والتاريخية التي تعبر عن كيان ينصهر فيه جميع أفراد المجتمع، هذه الخصائص والمميزات هي ما يطلق عليه اسم الهوية الثقافية. وتعتبر الثقافة عنصرا هاما من عناصر التراث الاجتماعي وتشمل الثقافة فيما تشمله ما يتلقاه الفرد من مظاهر الفنون والعلوم والمعارف والفلسفة والعقائد وما إليها.

ويشمل التراث الثقافي أمورا معنوية وأخرى مادية ولا تقل أحدهما عن الآخر وتعد العادات والتقاليد من مكونات الثقافة وتعتبر العادات والتقاليد الميزة الأساسية الثابتة والمتغيرة نسبي لا تخلو منها المجتمعات ومنها المجتمع الجزائري بصفة عامة ومجتمع القصور بصفة خاصة جدا، لأن العادات والتقاليد في هذا المجتمع تحديدا تعبر عن إرث ثقافي غني لا يستهان به في كثير من الأوقات بل تتعداه الى رسالة يحملها كل فرد منهم إلى أي مكان معبرا بذلك عن هويته وهو ما سنوضحه فيما يلي:

العلاقات داخل" المسكن التقليدي

العلاقات داخل العائلة : تمتاز العلاقات داخل العائلة في المسكن التقليدي بالتعاضد والتآزر والتماسك والعصبية ليس بسبب اعتماد أفرادها على بعضهم البعض في مختلف حاجاتهم بل لأنهم بذلك التعاضد كما قال ابن خلدون " تشتد شوكتهم جانبهم وتعظم رهبة العدو لهم " فالعصبية الأسرية تقوم على أواصر الدم واللحمة النسبية " المصاهرة " والتوحد في مصير مشترك فيقاسم أفرادها الأفراح والأحزان والمكاسب والخسائر والكرامة ...الخ" ومنه فإن أفراد الأسرة في قصور الصحراء بشكلها النووي والمركب يتوقعون الكثير من بعضهم البعض وحين يأتي تصرف البعض دون مستوى التوقعات تكون خيبة الأمل كبيرة وينشأ توتر في العلاقات الأسرية ، [15]فالعلاقات بين الأب والابن وفي العائلة التقليدية القصورية جد محترمة لم يكن لابن أن يقف في وجه والده إلا أن فاعليته لم تكن تتبدل في مسلكه كابن في إطار الأسرة، أما على مستوى الأم فإن علاقتها بزوجها أقل ديمومة أو ربما تحول علاقتها بزوجها إلى مجرد معيل ومرجع للسلطة في الأسرة ومسؤول عن تأمين رزق الأسرة وحمايتها[16]ومادامت الأسرة هي الخلية الأولى التي تظهر عن طريق الزواج وهي علاقة بين الرجل والمرأة وفق تقاليد الجماعة ووفق قوانين عامة وهو أيضا المحافظة على الاحترام الاجتماعي والامتثال لرغبات الأهل والأقارب[17] وهذا الزواج يؤدي إلى بناء أسرة وهي عبارة عن جماعة اجتماعية صغيرة تتكون من الأب والأم والأبناء[18].

وبما أن بناء الأسرة لا يتم إلا بواسطة علاقة الزواج التي تعد علاقة جوهرية ومن الناحية التاريخية يعد أول عقدة في شبكة العلاقات التي تنتج لمجتمع القصور أن يؤدي نشاطه المشترك ،فالزواج لا يقف من حيث الإنتاج وفي الحدود النمو العددي بل يتجاوزه في هذا المجتمع تحديدا إلى نمو في العلاقات، قال" محمد البهي " نمو الإنسان في مجتمعه إذن ليس نمو عدديا فقط وإنما هو مع ذلك نموا في العلاقة بين أعداده و افراده و قبائله مما يحقق بين أعداده الكثيرةوالمتزايدة معانى المجتمع و هدفه من الاطمئنان والسلام والمودة في علاقات الأفراد، و لعل خير دليل على ذلك ما قام به اجدادنا سابقا في حوالي سنة 1500 من اجل ضمان الامن و الاستقرار قاموا بدمج العروش من خلال التزاوج و تبديل بعض العائلات[19].وقد نظر القرآن على الزواج كمكون أولي من مكونات المجتمع إذ أن العلاقات بين الأفراد تقوى بالاطمئنان وهو التقاء بين جنسين مثل فكر بفكر[20].

القرابة والعلاقات الاجتماعية: هي مجموعة الصلات الرحمية النسبية تربط الأفراد بوشائج عضوية واجتماعية متماسكة تلزمهم بتنفيذ التزامات ومسؤوليات وواجبات تفيد أبناء الرحم الواحد أو النسب الواحد، و في قصور الصحراء نجدها ممثلة من خلال علاقات تقوم على التفاعلات المباشرة أي أن سكان القصور يحتكون مع بعضهم وجه لوجه دون الحاجة إلى وسطاء والروابط القربية ،فتمتد إلى المجالات الاجتماعية الأساسية في الحياة خصوصا المجال الاقتصادي والسياسي والزوجي والعقائدي وحتى الترفيهي وهكذا يمكن القول أن مجال الروابط القربية في هذا المجتمع التقليدي ينطوي على الحياة بكل أبعادها في هذا الصنف من المجتمعات وهذا يجعل من وظيفتها في هذه المجتمعات بالغة التعقيد[21] ورباط النسب الذي يشبه المنحدرين من سلف او عرش واحد أو هو الرباط الذي يميز الفرد المنتمي إلى جماعة قرابية عن باقي الأفراد خارج جماعة القرابية بواسطة منحه انحدار وراثي دموي ينحدر إليه كمرجع قرابي يتقلب به[22]،كما ان القرابة في قصور الصحراء تعتبر مجموعة علاقات اجتماعية تأخذ نمطا دينيا وقانونيا وأخلاقيا وتعبر عن العلاقة الاجتماعية تعتمد على روابط الدم[23].

الجيرة والعلاقات الاجتماعية: بما ان حياة الفرد في القصور الصحراوية من مولده إلى وفاته تتم في نطاق أسرته فانه ليس بحاجة إلى إنشاء علاقات تتعدى حدود أسرته وجيرانه ان صح التعبير محيطه العمراني أي القصر، حيث يجد عالمه ينحصر فيه وكان لذلك علاقات قائمة على التشابه والفرد يشارك مع جاره في معظم مظاهر الحياة فهناك التي تجعلهم يدخلون بها في نطاق علاقات محددة واشتراكهم في عالم صغير يجعلهم يشتركون في عمل واحد مثل الزراعة أو الأعمال التابعة لها، واشتراكهم في حيز مكاني يخلق نوعا من العلاقات القائمة على التساند المستمر من أجل مصالح هناك من يرى أن علاقات الجيرة تكاد تكون قرابة وما يؤكدها الانتماء الجغرافي وآثاره في خلق نفس الظروف وتستمر الجيرة بطابع التعاون التلقائي والشعور بالانتماء الجغرافي يجعلهم يشتركون في قيم وعادات وتقاليد واحدة وعلاقات الجيرة قد تتطور إلى مرحلة الأسرية فالطفل مثلا منذ صغره لا يخرج من هذا العالم الصغير بين البيت والجيران فيعمل لصالح جيرانه وتكون علاقات مبنية على التعاون أبرزها التويزة الشكل الدائم للمساعدة الودية القائمة على تبادل المصالح وتتسم بطابع الإحسان[24]وتعد المرأة محك لتثمين علاقات الجيرة بمشاركتها في كل المهن وتعد الوسيلةالأولى تقوية روابط الجيرة، إذ تعتبر الحارة وعلاقة الجيرة والمسكن الخير المكاني الذي يقوي علاقاتها به، علاقات المحبة والجيرة تنفي كل أساس من الصراع وهوة أساس يرسمه العقل الجمعي لعروش القصور كي يسير عليها الأفراد.

الممارسات: خلافا لكل ما سبق ذكره نجد ان التقاليد و العادات بالصحراء مختلفة عن غيرها من البلاد و ذات ميزة خاصة و ذلك نتيجة للتنوع الذي تكتسيه من جميع الجوانب الثقافية و الاجتماعية و حتى اللغوية، فلكلٍّ صبغة ووجهة و هدف ، فهي مطبوعة بطابعها الديني الخالص ، بحيث لا يتسرب إليها تدجيل أو حذلقة أو تصوف مقيت أو جمود أو تزمّت عائق عن العادة النفسية ، و العمل لحياة مشرفة نظيفة بلا وقوف على ركن الرجعيات البالية و هجنة التقاليد المشوبة بالشعوذة ، و الاستسلام للتوكل الأجوف و العبادة الجافة البعيدة عن معاني الروح" تتميز بالاعتدال ، فلاهي متشددة جامدة ، و لاهي فاسدة متأثرة نعرض لكم هنا بعض العادات و التقاليد و المناسبات و الممارسات المهمة و المختلفة:

الغذاء: اشتهر سكان القصور بالصحراء بعدم تكلفهم في أمور كثيرة من بينها الغذاء ،فهم لا يحبون الإكثار من التفكير فيه لأن ذلك يلهيهم التفكير في مشاغل الحياة ويجعلهم يشـتغلون ليأكلوا فقط، لذلك تجدهم يأكلون بكل قناعة بما لديهم، وما توفروا عليهم والخيرات كثيرة في المنطقة ، فأرض الصحراء غنية بالبساتين و الواحات المزدانة بأنواع الخضر و الفواكه كما ان امتلاك الحيوانات أمر مهم عندهم، إضافة الى أن تربيتها لا تحتاج لجهد كبير طالما أن الواحات المحيطة و القريبة من القصور تزخر بغذائها وحتى وان لم توجد كل هذه، فالطبيعـة لوحـدها تحتوي على أنواع كثيرة من النباتات التي تصلح للأكل ومختلف الحيوانات البريـة التي يجوز أكلها أما بالنسبة لعاداتهم فيما يخص الغذاء ،فيمكن القـول أن السـكان يعتمدون على أكلة واحدة كغذاء أساسي والباقي وفق الاستثناء ، فنجد الكسكس وأنواعـه هو الغذاء المعتمد ،أما الخبز أو الحلويات أو الفواكه فهي إما علي حسب القـدرة أو المناسبة.

اللباس والحلي والنسيج:

الزرابي التقليدية: تنسج انساء المجتمع القصوري بالصحراء نوعا جميلا من الزرابي، وهو قديم كانت قديما تُنسج من وبر الجمال، أو صوف الغنم، ثم اقتصر نسجها على الصوف، وتنسج الزرابي على المنسج التقليدي، كما تتعلم البنات النسج عليه في سن مبكرة. يغلب على الزرابي الصحراوية التقليدية اللون الأحمر القاني المائل إلى البني وترسم فوقه أشكال ورموز محلية تقليدية خاصة بكل عرش من العروش وقصر منهم ذات أبعاد تاريخية وثقافية وتراثية مختلفة ومن كثر أهميتها تقام لهذه الزربية أعياد ومهرجانات خاصة، إلى اليوم، أشهرها: مهرجانات للزربية الصحراوية ويقام كل عام بسوق المدينة.

اللباس التقليدي يتكون لباس سكان القصور التقليدي عادة من سروال مترابط غير مفصل على الرجلين و هو منتشر في بوادي مصر و الشام يسمى بسروال عرب او لوبيا سواء بالصحراوية او العربية، يكون سروال أبيضا في المناسبات و الأعياد و أوقات الصلاة و الاجتماعات ، أما في وقت العمل ، فيرتدون سروالا ملونا حفاظا على النظافة و طاقية بيضاء تطبيقا لسنة الرسول (ص) في تغطية الرأس ، و هناك كذلك القميص الصحراوي المعروف بـ : تاجربيت بالصحراوية ، و في أوقات الصلاة يرتدون اللباس السابق ذكره , و يرتدون فوقه جبة بيضاء القندورة تعبر مرة أخرى على اتحادهم, و لا يدخلون المسجد عادة دون جبة بيضاء .

أما النساء، فنجدهن يرتدين جميعا لباسا موحدا، عبارة عن قطعة قماش كبيرة تلفها المرأة حول جسمها كله، بحيث لا يظهر منها شيء، ولا تترك إلا فتحة صغيرة حول العين لترى بها بالنسبة للمتزوجة اما الفتاة فتترك وجهها كله، في صورة مميزة لتطبيق التعاليم الإسلامية، أما بالنسبة للعروس فان اللباس الرسمي لها هو الملحفة الحمراء والبيضاء.

الحلي: تمثل الحلي في قصور الصحراء رموزا تجسد الحياة بأكملها بكل ما تحمله من فرح وحزن وخوف ، فتلك الحلي هي نتيجة لفن صحراوي تقليدي عفوي تجسدت فيه مختلف العادات والتقاليد والمعتقدات التي رسخت في أذهان سكان هذه المنطقة ، و لم يكن الدافع من صنعها والتفنن فيها للتجارة حيث ان قيمتها الجمالية والرمزية أكبر عندهم من كونها مجرد وسيلة للربح،فالمجوهرات في هذه المنطقة مصنوعة من معدن الفضة ،ومع اختلاف القصور و العروش و شاسعة المنطقة تعددت الطرق التي تفنن أصحابها فـي صناعة هذه الحلي والإبداع فيها ، لكن ومع اختلاف طريقة صنعها أو بعض التفاصيل الخارجية لها،تبقى لغتها واحدة تعبر عن هذه البيئة بكل ما فيها من تفاعلات اجتماعية.

فالحلي تستخدم في العادة للزينة، لكن في منطقة تعيش وفق معتقدات وعـادات معينة، استخدمت الحلي كمظهر يوحي بشكل مباشر إلى مكانة الفرد في هذا المجتمع فقد كان يحلو للنساء ارتدائها وهن في كامل عزهن وتميزهن ، بمـا يمـتلكن ومـا وصلنا إليه ، فالناظر من بعيد سيفرق بين الطبقات الاجتماعية من خـلال حلـيهن ،ذلك أن بعض الحلي لا يمتلكها إلا الأغنياء و ذوي المكانات العالية فـي المجتمع حتى أن المعاملات تختلف حسب المظهر، إلى جانب استعمالها كأداة لإظهار المكانة الاجتماعية كانت الحلي درعا يحمي لابسه من الأخطار كالسحر مثلا ، فالحلي التي لها شكل يد مفتوحة استخدمت لدرء الحسد ، ورأس الثعبان في الخلخـال –حلقـات الأرجل- رمزا للحياة والوجود، كما وقد استعملت الحلي في مناسبات معينة دونا عن الأخرى ، بمعنى أن بعض الحلي تصنع وتوضع لمناسبات خاصة مثل موسم الزراعة وحلول الربيع ، بالإضافة لكونها ترمز لوضعية المرأة فـي العائلـة ، إن كانت عروس مثلا أو أم لمولود ذكر أو حتى أرملة.

لكن رغم تعدد وظائفها إلا أنها كانت موحدة الألوان، فلا يستخدم في تزيينهـا إلا ألوان معينة لا يحيدون عنها وهي ألوان زاهية كالأزرق والأخضـر والأصـفر، التي ترمز إلى الطبيعة الخلابة التي تأثر بها السكان اشد الأثر، كما استخدم اللون الأحمر في تزينها بالخصوص في الجهات الغربية للمنطقة والمرجان في الجهات الشرقية عوض اللون الأحمر.

المناسبات:

الأعراس:تقام الأعراس في دار كبيرة تابعة للعرش و تسمى بدار السبيل او دار العشيرة، و تتسم أعراس أهل الصحراء , بأنها خالية تماما من الاختلاط بين النساء و الرجال , و أنها خالية من الانزلاقات الشرعية , الذي تتصف به الكثير من الأعراس في العالم الإسلامي للأسف , كما أن أعراسهم غالبا ما تكون جماعية دائما , و هذا لرفع الحرج عن الفقراء من العرسان في تحمل مشقة نفقات العرس.

الأعياد والزيارات:إن أهم ميزة في المجتمع القصوري التقليدي بالصحراء انه يزخر بكم هائل من الأعياد والاحتفالات الدينية والدنيوية المختلفة منها مايلي:

- عيد المولد النبوي وأسبوعه والذي يقام باحتفالات عديدة تقام فيها ليالي من المدائح الدينية وإقامة والولائم والبارود

- عيد الزربية هو عيد يقام سنويا تباهيا وافتخارا بزربية كل قصر من القصور وسط احتفالات فلكلورية تقليدية.

- عيد الزيارة هو عيد يستقبل فيه سكان القصور فصل الربيع الجميل, و يشكرون فيه الله على نعمته طول الشتاء. يخرج فيه ال سكان في الصباح الباكر ويطوفون حول المدينة تالين لدعاء معلوم وهو: " بسم الله يا الله يا رحمن، يا رحيم يا الله وارحمنا"، وداعين الله أن يحفظ مدينتهم من كل شر، كما يزور سكان القصور أثناء هذه الجولة الأماكن التاريخية للمدينة، ويرافقهم عالم أو شيخ عارف، حيث يقدم لهم شرحا وافيا حول تاريخ تلك الأماكن، كما يقومون بزيارة مقابر المدينة، العتيقة منها والجديدة، ويترحمون على الأموات. هناك بعض الاستثناءات، حيث تقام في بعض القصور نشاطات ثقافية متنوعة بالمناسبة يكون غداء يوم الزيارة عادة غداء عائليا في بساتين القصور.

البيئة التقليدية القديمة والتفاعل الاجتماعي حاليا:

من خلال ما سبق ذكره نرى ان التفاعل الاجتماعي يلعب دورا فعالا في شحن الحياة الاجتماعية وتمتين العلاقات بين أفراد المجتمع القصوري، فالقصور العتيقة رغم افتقارها إلى الكثير من المزايا التقنية والفنية التكنولوجية، نجحت في استيعاب الإنسان المستعمل لها داخلا وخارجا، هذا ما يخدم الوجه الحضاري للمجتمع و يعبر عن هوية امة كاملة بكل متغيراتها فرغم الاختلافات الموجودة بهذه المنطقة، الا اننا نجد ان القصر هو من يجمعها و يلبي الحاجات الضرورية للأسرة دون تعقيدات الكماليات، خاصة وأنه يوفر جوا من العلاقات الحميمية المستمرة منذ أمد طويل لمحافظته على علاقات القرابة والجيرةوغيرها من شبكة العلاقات الاجتماعية بشكل عجيب اذ حين نتعمق في المحتوى الانثروبولوجي لهذه المجتمعات نرى انها تصب في مجرى واحد و نفس الهوية بصبغة و لون مختلفان فقط لا غير.

و منه فان أهمية التفاعل الاجتماعي في تشكيل المجالات على مستوى النسيج العمراني أو على مستوى الوحدة السكنية يسمح للفرد بمعرفة نفسه من خلال العوالم الاجتماعية التي ينتمي إليها والتي تختلف في حجمها والتوزيع المجالي للمشتركين فيها ومدى انتماء أفرادها إلى تلك العوالم، يضاف إلى ذلك ما يخلفه تفاعل الناس من فئات وأصول مختلفة من علاقات حميمية تساهم في إحداث تغيرات إيجابية في مواقفهم تجاه بعضهم البعض، فحدوث التفاعل الاجتماعي الإيجابي الكافي بين سكان البيئة التقليدية العتيقة يقلل من إمكانية حدوث وانتشار مختلف الأمراض الاجتماعية.

و هو ما يؤكد أن هذه القصور مصممة حسب حاجات ومتطلبات الأسرة من حيث توفير الحماية واحترام الخصوصيات، وتدعيم جميع أنواع العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة وبين الأقارب والجيران.

خاتمة:

أخيرا وبعد كل ما ذكر نرى ان القصور الصحراوية بولاية الصحراء ضمت وأسست لتنوع اجتماعي وثقافي وارث معماري زاخر وغني جدا وكانت بمثابة مدرسة أنثروبولوجية قائمة بذاتها لأنها حوت العديد من الاختلافات التي تؤدي في نهاية المطاف وتعبر عن هوية وموضوع واحد ومجتمع متماسك رغم الاختلافات الموجودة به.

لكن وللأسف الشديد ومع الحضارة خصوصا العمرانية التي امتازت بها المدينة والخروج عن هذه القصور حتى دخول بعض السكان غير الأصليين لها أدى للعديد من المشاكل أهمها فتور العلاقات الاجتماعية والروابط الاسرية وهو ما يؤدي بنا للتدهور والزوال يوما بعد يوم، وفي كل الجوانب والمجالات بداية من العمران والعمارة لغاية المبادئ والعادات والتقاليد ما من لبنة نفقدها الا ونفقد معها هويتنا وأنفسنا.

و منه فإن ثقافة أي مجتمع عنصر مهم جدا يجب الحفاظ عليه ودعمه وفي هذا الصدد فإن طريقة بناء المساكن والمواد المستخدمة في ذلك والسياسات الخاصة بالسكن وكل التخصصات التي يصب اهتمامها في محور الأسرة والمسكن بشكل عام يجب أن تراعي على نحو مناسب الثقافة المتأصلة فيه، ويجب على سياسات التطوير والتحديد الخاصة بالمسكن ألا تفرط وألا تغفل عن حقيقة وأهمية الأبعاد الثقافية والاجتماعية الخاصة بالمسكن التي تحافظ على الوجود الإنساني الأسرة بحيث لا تتحول إلى ركن من أركان المسكن تتحكم فيه السياسات الخاصة والعامة وفق ميولاتها الشخصية.



أيوب عبد الرحمن: من قصور الجنوب التونسي، القصر القديم، بحث قدم للمؤتمر الحادي عشر للآثار في الوطن العربي، نشر في كتاب النقائش العربية في الوطن العربي، تونس، المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة ،1988، ص131.

- Despois J: Le djebel Amour، Presses universitaires de France، Paris1957، P25.                                                                      

محمد التريكي، خالد بوزيد: المعمار والممارسة الاجتماعية ميزاب بين الماضي والحاضر، المعهد التكنولوجي للفنون والهندسة والتعمير، تونس، 1979، ص69.

محمد التريكي، خالد بوزيد: مرجع سابق، ص70.

بكير الحاج سعيد: تاريخبني ميزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992، ص88.

بكير الحاج سعيد: مرجع سابق، ص89.

بكير الحاج السعيد: مرجع سابق، ص90.

محمد التريكي خالد بوزيد: مرجع سابق، ص73.

محمد التريكي خالد بوزيد: نفس المرجع، ص75.

محمد التريكي خالد بوزيد: نفس المرجع، ص59.[10]

محمد التريكي خالد بوزيد: المرجع السابق، ص 61.[11]

محمد التريكي خالد بوزيد: نفس المرجع، ص ص 61-63.[12]

محمد التريكي خالد بوزيد: نفس المرجع، ص63.[13]

بكير الحاج سعيد: مرجع سابق، ص92.[14]

حليم بركات: المجتمع العربي في القرن العشرون، مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى 2000، ص355.[15]

فرانز فانون: سوسيولوجية الثورة، ترجمة دوفان قرقوط، دار الطبيعة، بيروت1970، ص30.[16]

سناء الخولي: الأسرة والحياة العائلية، دار النهضة العربية، بيروت1984، ص44.[17]

محمود حسن: مقدمة الخدمة الاجتماعية، دار النهضة العربية، بيروت، ص252.[18]

محمد البهي: منهج القرآن في تطوير المجتمع، دار الفكر، الطبعة الأولى، القاهرة1993، ص53.[19]

البهي الخولي: الإسلام والمرأة المعاصرة، دار العلم، الطبعة الثالثة، الكويت، ص58.[20]

معن خليل عمر: علم اجتماع الأسرة، جامعة اليرموك، دار الشروق للنشر والتوزيع، المركز العربي للمطبوعات الجامعية، بيروت، ص146.

معن خليل عمر: نفس المرجع، ص152.[22]

- دينكي ميشال: معجم علم الاجتماع، ترجمة إحسان محمد حسن، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت1981، ص130.[23]

- Andree Michel، Sociologie de la famille، P U F,1972,P18.