مظاهر الرواية الجديدة في رواية: (التّفكك( لرشيد بوجدرةpdf

 

 

د. بوروبة الشريف

جامعة الحاج لحضر باتنة (الجزائر(

 

ملخص:                      

تهدف هذه الدراسة إلى رصد مظاهر الرواية الجديدة في رواية (التفكك) لرشيد بوجدرة. والمعروف أن بوجدرة كثيرا ما صرح بأنه ينتمي إلى تيار الرواية الجديدة في فرنسا. هذه الرواية التي جسد فيها أصحابها الكثير من التغييرات على كل المستويات السردية المرتبطة بالرواية الكلاسيكية. وقد تناولنا في هذا الإطار مجموعة من البنيات كأمثلة في رواية (التفكك) منها: تغير زاوية الرؤية فيما يخص منظومة القيم في النص الجديد، وأيضا تقنية الضمائر في الرواية الجديدة، وكذلك بنية الزمن وعلاقاتها بالإيقاع العام، وكذلك لغة الرواية ومظاهر الحداثة فيها.

Summary:

This study aims to monitor the aspects of the new novel in Rachid Boudjedra’s Disintegration novel. It is known that Mr.Rachid Boudjedra has often declared his belonging to the new novel stream in France. This novel in which representators embodies a lot of changes on all levels of narration, that are related to the classical novel. We are taking on to consideration some of the structures as examples from the Disintegration novel; like: The change in viewing angle for the ethical system in the new text. The pronouns techniques in it; as well as the structure of time and its relationship with the general rhythm and language of the novel with manifestation of modernity.

Résumé:

L’objectif de cette étude est d’étudier et d’analyser les phénomènes du nouveau roman, cas de : «Désintégration » de Rachid Boudjedra, un romancier connu pour son appartenu au mouvement du nouveau roman en France. Ce roman est caractérisé par le renouveau des techniques de la narration utilisées précédemment dans le roman classique. On a relevé quelque exemple du texte narratif du roman pour vérifier cette hypothèse tel que le changement des valeurs esthétiques et textuelles ainsi que la technique des pronoms et des temps lié directement au rythme général. Tous ces phénomènes sont issus du mouvement de nouveau roman.          

تعد الرواية الجديدة في فرنسا خصوصا من أبرز التيارات الحداثية التي أسهمت في تجديد الكثير من الأساليب الروائية الكلاسيكية ورشيد بوجدرة" من الروائيين الذين تأثروا بهذه المدرسة. وسنحاول في هذه الدراسة رصد بعض الأساليب الآنفة الذكر من خلال تحليل رواية "التفكك" التي عكست تلك التوجهات، ونظرا لتشعب تلك الأساليب اخترنا الحديث عن أربع مستويات كعينات لها صلة مباشرة بالاختلاف بين الرواية التقليدية والحديثة.

وسنبدأ بالقضية الأولى وهي المنظور الإيديولوجي وتغير زاوية الرؤية وطريقة عرض الأفكار وبنية النص السردي بشكل عام، يقول "رشيد بوجدرة" في إحدى تصريحاته " الكتابة للذات تجعل الكاتب ينحو بأدبه إلى الزخرفة من خلال الاشتغال على البنية كثيرا وعلى المستوى الجمالي بشكل خاص.. الأساسي في الرواية هو شعرية النص أما الموضوع فهو آخر ما يفكر فيه الروائي"(1) وكما هو واضح ننتقل في هذا النوع من الكتابة من قوة القناعات إلى قوة التقنية في البناء، وهذا التوجه قاسم مشترك بين الكثير من ممثلي هذا التيار سواء على مستوى الكتابة أو النقد المصاحب لها، يقول رولان بارت "السؤال القديم العقيم لماذا نكتب –والذي- استبدله كافكا بسؤال جديد كيف نكتب. وهذا الكيف استنفذ لماذا وبهذا حول هذا الجواب كل من يريد أن يكتب على أن كينونته الأدب لا توجد إلا في تقنيته"(2) كذلك وتبعا لهذا الرأي يمكن أن نضيف رأيا مشابها وهو لروائي فرنسي ينتمي إلى تيار الرواية الجديدة وهو "روبير بانجي" يقول: "كل ما يمكن أن نقوله عن المعنى لا يهمني، ولكن طريقة القول التي نختارها هي الأهم، هنا يكمن الجزء الكبير والشاق من العمل الذي يفرض مسبقا تركيب مادة الخطاب"(3) ويمكن في الأخير ان نعتمد على تلخيص" جان ريكاردوا" وهو أيضا من المدرسة نفسها بقوله: "ليست الرواية عندنا كتابة المغامرة بقدر ما هي مغامرة الكتابة (4) وبناء على هذه الآراء من السهل ملاحظة التوافق الموجود حول ضرورة التركيز على التكنيك وطرق تقديم منظومة القيم في النص عند كل هؤلاء، لذلك سننظر بالدرجة الأولى في طريقة التعبير التي اختارها "رشيد بوجدرة" في روايته التفكك والتي يصفها في البداية بأنها:" أشبه ما تكون بالنهر المتدفق بتشعباتها وتعقيداتها وتفرعاتها وطميها ووحلها وطمثها واعشابها واسهالاتها وسيلاناتها ونبضاتها فلا حاجة لها إلى فصول ولا إلى فقرات وكأنه هو الكاتب –يعتبرها مجرد تحيلات على الكلام وعلى اللغة"(5) وهذا هو اسلوب ليليات "الطاهر الغمري" في الرواية كما يصفها الراوي وكما هي فعلا في النص، والمعروف هنا بأن صيغة النهرية بما تحمله من معنى الجريان والسيلان وتداعي الخواطر والأفكار صيغة أساسية في الرواية الجديدة ونتيجة لذلك "يمكن البدء بالحكاية انطلاقا من الوسط أو من النهاية، ثم الانتهاء منها انطلاقا من أولها وهكذا كل الظروف تؤدي إلى عمق الواقع"(6) وكل هذا التكنيك في عرض أو تقديم المنظور الإيديولوجي يختلف عن الرؤية التقليدية "فالكتابة هنا عبارة عن آنية مستطرقة كل جزء يصب في الآخر حتى يملأ العالم بضجة لا مثيل لها"(7) فالمنظور الإيديولوجي في الرواية يمكن وصفه بأنه ضجة وصخب وتراكمات حدثية كثيفة متداخلة كتداخل وتقاطع الخطوط في الآنية المستطرقة وهذا يتلاءم مع النهرية في السرد الحديث، والذي تنتقل الشخصية في منظورها حسب معطيات اللحظة النفسية والذهنية التي تعيشها هذه اللحظة التي غالبا ما تبدو في صورة تقلصات وتشنجات عنيفة تستدعي سبرا جزئيا وكليا لأعماق الذات وكهوفها المترامية في الماضي البعيد والحاضر المبتذل، والمعروف أن الرواية حسب هذا التيار "لا تحتوي على حبكة أو ملهاة ، أو مأساة، او تشويق عاطفي، أو نكبات بالمعنى المفهوم-التقليدي- هناك "ميريام هندرسون" فقط تحيا من يوم إلى يوم، وتجرب وتتفاعل مع المنبه الذي يمثله عالم الناس والأشياء الخارجي"(8) كذلك هناك في رواية "التفكك" سالمة والغمري، يعيشان من يوم إلى آخر في وسط مجموعة من المنبهات الخارجية والمنبهات الداخلية الحادة، ليس هناك في "التفكك" أي بناء هرمي أو افقي للموضوع، هناك دوامة من الوعي المخلوط بأشكال أخرى من اللاوعي تدور حول نفسها مندفعة إلى السطح أحيانا وممتصة في الداخل أحيانا أخرى، هناك سالمة" "تدمدم وتثور وتهز الهواء والفضاء من حولها وجسمها الممتلئ الهفهاف الشبقي يتمايل يمنة ويسرة وقد حشرته في فستان من الحرير البنفسجي يكاد يكون شفافا.

هكذا تستفزهم وترمي بأنوثتها في خضم الشارع" تعبر المدينة وشهوة الذكور المتراصفين يمينا ويسارا، محاولين قنصها وقد حسبوها فريسة سهلة ويسيرة، فتستفزهم وتشتمهم وتراشقهم بالكلمات الغليظة كلمات إباحية في النص عارية ومعرية"(9)وهكذا فالصراع في الرواية لا تحكمه حبكة أو تشويق عاطفي معين أو غيره وهذا ما تقوله "ناتالي ساروت" الحبكة لم تعد أكثر من بناء هش"(10) فالدلالة في رواية "التفكك" تنهض من خلال التجربة الذاتية والارتداد إلى المناطق المحمومة والمحرمة من الوعي واللاوعي وهذا عبر علاقة بالخارج كمنبه أو مثير يفرض على الشخصية نمطا من الأفعال وردود الأفعال الآنية يقول "الطاهر الغمري ": "فهمت أن كل إنسان إنما هو حرب أهلية" ونظرت إلى التاريخ من هذه الزاوية "فهمت أن المعركة تدور رحاها بين الشخص وذاته... حرب أهلية متوغلة في كل فرد من أفراد المجتمع ولعل هنا مقر مفهوم التاريخ لا أدري، وهناك حروب أخرى لا تستعمل فيها الأسلحة المقاتلة الفتاكة وهي التي نخوضها ضد الآخرين وضد العالم كله، لعل هنا يكمن معنى الثورة...لابد من شن حرب أهلية داخل كل واحد فينا فنتغير كلنا"(11)وهكذا وبهذا الشكل تسير حركة التمرد التي يعلنها كل من "الطاهر الغمري وسالمة" فالبداية هي تحويل الذات وفهمها وتثوريها من الداخل كبنية أولى وأساسية في تشكيل التاريخ والمجتمع "فسالمة" "لها عالمها ولا تتدخل في عالم الآخرين، كما لا تقبل أن يضع أحد ولو قدما واحدة على عتبة بستانها السري الداخلي"(12) وبهذا التصميم والاعتزاز بملكية الذات وحريتها تنشأ علاقة التعارض مع الآخر في شكل حرب ومشادات لا نهائية، وهذه القضية تتعلق بالإحساس المختلف للزمن بين الرؤية التقليدية والرؤية الحديثة لدى الإنسان المعاصر بشكل عام والتي نذكر من بين عناصرها "أن مفهوم الوعي كما طرحه فرويد ويونج.. يؤكد جوانب (التفرد) و(النسبية) و(الغربة) في معنى الوعي.. فكل شخص سجين وعيه الخاص رغم أن هذا الوعي ليس مقطوعا عن ماضي الفرد وطبيعة نشأته وتكوينه وارتباطه بغيره ولهذا لا يبدو الوعي المواجه (أي وعي الآخرين) صحيحا كما لا يمكن لردود فعل الآخرين إزاء تفكير المرء أن تكون دقيقة في الاستجابة والاستيعاب ما دامت تنطلق من تكوينات مختلفة هي الأخرى، ولهذا لابد أن تبدو العزلة أي عزلة الفرد واقعا وحقيقة بعدما تحطم المعيار او العرف المشترك"(13)وهذه هي الحقيقة التي تسود في رواية "التفكك" هناك شخصيتان ولكل شخصية وعي حاد متفرد وغريب أو مغترب، ونسبي"، فسالمة" ممتلئة بحساسية مفرطة تجاه الآخر، لذلك يصطدم وعيها بأشكال أخرى من الوعي المواجه، هذا الوعي الذي يبدو متخلفا وسلطويا وقمعيا، تحاول أن تحب فلا تستطيع لأن الرجل في مجتمعها لا يصعد إلى تنوم أحلامها ومفاهيمها التحررية، تمارس الجنس بلا هوادة لا رغبة في ذلك بل معارضة واحتجاجا على الأصوات المتزمتة والمريضة في نظرها، تقول "سالمة" "أنا لا أكره الرجال أنا حاقدة على التاريخ فقط، الرجال أضاجعهم، أسقط في حبالهم من حين إلى آخر، ثم أتركهم وإشكالياتهم الصبيانية، وقد علمتني ممارستهم أنهم يفتقرون إلى أم يضاجعونها بدون شعور بالذنب ولا ارتكاب المحارم"(14) هكذا تحاول الزواج، تفكر فيه، وتحاول، لكنها في النهاية تفضل عزلتها وحريتها كرمز للواقع المتخم بالرجولة المريضة المضخمة والتافهة، إنها تصل إلى درجة شم رائحة المني في رسائل الرجال الذين يبدون لها الإعجاب فيصيبها الغثيان والقيء لتعود إلى ممارسة العزلة والانطواء والرفض في آن واحد.

كذلك حياة (الطاهر الغمري) الذي تقوقع في غرقته القصديرية مع طموحاته وآلامه واحباطاته السياسية والاجتماعية ليموت فيها معزولا منبوذا وحيدا وبذلك ينسحب الرفض على الحاضر المفكك والمتعفن، كذلك هو الحال نفسه مع "لطيف" أخ "سالمة" الذي يتقوقع وينعزل هو الآخر نتيجة شذوذه الجنسي الذي يرفضه الآخر فهو لم يستطع أن يتجاوز الطفولة وبراءتها وشعريتها إنه يتوق لحياة "ماهلر" لحياة عادية وصافية ودافئة لكنها مفقودة، وإذا أردنا تلخيص التيمة الرئيسية للرواية يمكن أن نقول أنها تعالج ما يسمى بالثالث المحرم، الجنس والدين والسياسة ولكن هذه الموضوعات تبدو كهدف في وضع دائري وفي شبه حلقة مغلقة فالأفكار لا تسير في حركة لا عمودية أو أفقية، ولا يوجد الراوي الكلاسيكي الذي يوجه الخلفية الحوارية فالبطلان "سالمة والغمري" مرتبطان بعلاقة مرآتيةحيث نرى الأول من خلال الثاني، والعكس، وبذلك تتجه رواية "التفكك" في بنيتها الموضوعاتية نحو عوالم الرواية الجديدة وخاصة فيما يتعلق بطبيعة العملية الإدراكية للمادة القصصية.

أما القضية الثانية في دراستنا هذه فهي مرتبطة بتكنيك الضمائر في رواية التفكك والتي تعد من الأسس الهامة لصياغة المنظور النفسي والتعبيري في النص السردي. والضمائر في روايتنا هذه تتشكل في نظام يتوافق توافقا فنيا جميلا مع أمواج التيار الجارف لأحلام اليقظة وأحلام النوم وذكريات الطفولة والشباب وغيره مما يدخل في الوظيفة التعبيرية التي تنجزها بقوة صيغة ضمير المتكلم صيغة الأنا التي تتبوء مركز الكلام وهذه الصيغة هي الأساس في رواية "التفكك" وهي صيغة مساعدة على الانضمام الانفعالي والفكري للقارئ بالشخصية والاتحاد بعالمها عن طريق مباشرة لغتها وتمثلها في شكلها الإنشائي لا الخبري الذي يتميز به الراوي، والمعروف أن ضمير المتكلم يقوم مبدئيا "عندما يقدم الإنسان ذاته لمن يجهلها" أو يتجاهلها" كتأكيد للذات"(15) ولتجنب هذا الضمير مفردا في الرواية قام الكاتب بتوزيعه بين شخصيتين "سالمة والخمري" وهذا لكي يخلق المسافة الجمالية المطلوبة بينه وبين شخوصه "وإذا كانت القصة بصيغة ضمير المتكلم فإن الراوي -وهو هنا الشخصية التي تتكلم-يقص ما يعرفه عن نفسه، وما يعرفه عنها فقط، أما في الحوار الداخلي فذلك يتقلص بازدياد إذ لا يمكنه أن يروي إلا ما يعرفه عن نفسه في هذه اللحظة بالذات فنحن إذا أمام ضمير مغلق وتبدو القراءة عندئذ كأنها حلم "يرفضه الواقع باستمرار"(16) ومثل ذلك ما تقوم به "سالمة" عندما تتحدث عن الاشياء الخاصة والتي تعرفها فحسب وهذا على هيئة استطرادات تمتد إلى عمق الطفولة وعمق أحاسيسها ومنطقة لا وعيها وأحلام يقظتها وغيره من الأسرار "لكن هنا لو كان الشخص يعرف نفسه قصته بكاملها، ولو لم تكن لديه موانع لسردها للغير او لروايتها لنفسه لوجب استعمال صيغة المتكلم إنه يدلي بشهادته ولكن الأمر يتعلق بأن تنتزع منه أفادته انتزاعا إما لأنه يكذب، أو لأنه يخفي الحقيقة عنا، أو يخفي عن نفسه شيئا ما، وإما لأنه لم يستكمل العناصر بأسرها، وحتى لو كان قد استكملها فهو غير كفء بربطها بعضها ببعض بصورة موفقة"(17)وهذا الموقف يشير إلى عدم كفاية ضمير المتكلم وبالتالي ضرورة تدخل ضمير المخاطب والغائب، وهو الأمر الذي يتجسد في "التفكك" حين تنتزع "سالمة" من الطاهر الغمري إفادته وذلك بأن تروي قصته على شكل مخاطبة له، بحيث تقوم بتجميع وتنظيم جديد لعناصر قصصية، تأتي من سياق اعترافات الغمري ومن سياق معرفتها الخاصة به، وبما يمكن أن يكون قد أخفاه عنها وعنا كقراء لتقوم هي بانتزاعها منه كما يفعل المحقق حين يواجه المجرم بقصته لينهار فيعترف وربما لينقاد إلى تفاصيل أكثر دقة، وهذا الأمر حدث كثيرا في الرواية وخاصة فيما يتعلق بالماضي السياسي" للطاهر الغمري" الذي يحاول في كل مرة أن يهرب من الأسئلة المحرجة لسالمة. والضمائر بهذا التداخل يمكن وصفها بمحولات السرعة بغية التحكم في إيقاع الرواية ككل وكمثال على هذا التناوب في استعمال الضمائر نقدم هذا النص الذي يبدأ كالتالي "كل ثورة لها نصيبها من البرازية والتلوث والأوساخ والدم المسفوك مجانا نترك الأرض جرداء ملساء وفي الصباح يغطيها زغب أخضر، كذلك التاريخ! نحن لا نراه ينمو ويمشي وبعد أعوام وقرون نفهم أنه مر علينا بتياره الجارف.../ وتتركه سالمة وتنصرف إلى أمورها ولكن غضبة عمي الطاهر الغمري أدهشتها إنها ترى فيها خيانة/ كيف لا يصنع التاريخ... التاريخ يصنع بالدم والوحل والخرى ليكن....لكته يصنع"(18) وهكذا نلاحظ في هذا النص الانتقالات بالخطوط المائلة بين الغمري والراوي وسالمة بحيث يمتد النص على هذا الشكل مع تداخل الضمائر بطريقة معقدة يصعب على القارئ العادي رد الكلام إلى جهة معينة إلا بعد جهد وإعادة قراءة بعض الصفحات السابقة أحيانا وهذه الصعوبة ناتجة أحيانا من خلط التداعيات بين سالمة والغمري بحيث يشتركان في إعادة كلام وصور كل منهما حين تسنح الفرصة لتمحيص الأفكار والأحاسيس وقلبها على كل الوجوه. كما ان الضمائر تقدم في الأسلوب المباشر الحر أي الضمير غير محدد بالشرطة التي تقدم الجملة المحكية ولا بعلامات التنصيص التي تخص الكلام وتعزله عن المتكلم الأول كما كان سائدا في الرواية التقليدية.

أما فيما يخص بنية الزمن في رواية التفكك فإننا نستطيع القول أن بنية هذا المنظور هو كما في بنية الرواية الجنونية كما يسميها د.محمدأسوبرتي الذي يقول عن تلك البنية مايلى " إن البنية الروائية الجنونية لا تخضع كما هو الشأن في البنية الروائية العقلانية، للمنطق الشديد في تعاقبية الأزمنة الكرونولوجي، ماضي ، حاضر، مستقبل، وإنما تخضع لمنطقتها الداخلي، ووفق الأعماق النفسية للشخصيات والسارد في "الرؤية مع" التي تفلت بحثا عن حريتها في التمظهر وممارسة الحضور ، من قيود العقل الكابت والقامع، ومن الوعي الذي لا يعد سوى جسر الذات إلى العالم الخارجي"(19) وفعلا هذا هو مظهر البنية الزمنية في رواية التفكك، لأن الشخصية بتيار تفجراتها الواعية واللاوعية هي التي تتحكم في تنظيم الحدث لذلك فإن التسلسل الطبيعي يغيب تماما أو جذريا فليس هناك ترتيب معين، بل هناك اللحظة النفسية التي تتصرف في الأزمنة "حسب المواقف التي تأتي نتيجة تصادم الذات برغبتها وبموضوع الرغبة أو فينعكس أثرها في لاوعي الشخصيات، ويعبر هذا اللاوعي عن نفسه في مواقف أخرى تالية من حيث الترتيب الزمني فتحضر المواقف الماضية في لحظة المواقف الراهنة هكذا تتكسر خطية الترتيب الزمني العقلاني" (20) ونجد ذلك في الرواية على هذا النحو "الجوع معلم واستاذ فيصبح الاستطراد فرضا حيويا لا يمكن التخلص منه، كان يعلم اللغات ويدرب الفتيات على السباق بعد أن"(21)هكذا تمضي الاستطرادات من أول الرواية إلى نهايتها ولتخارج مادة اللاوعي تأثير في التنقلات الزمنية "لأن اللاوعي يتعامل مع المعطيات والأشياء على نحو مجزأ ومفكك ومتكرر والفكرة الواحدة التي تعترضنا تتراءى لنا بمختلف الانطباعات والصور والأشكال...فبدلا من تقديم جمل مترابطة ومتماسكة يقدم هؤلاء الكتاب جملا مفككة وغير مفهومة ومجزوءة لنقل نشاط العقل الباطن(22)ومن هذه الزاوية تستطيع أن نقرأ جزءا كبيرا من أسلوب الرواية المتمثل في الجمل المفككة والمتقطعة وكثير من الرموز والصور المكررة والكلمات المكررة أيضا على شكل مترادفات تمتد في جمل طويلة فسالمة لها رموز كثيرة تستدعيها من الطفولة المتشابكة في علاقة مع كل أفراد أسرتها وسلوكاتهم بداية من موت أخيها وحادثة التوتة التي كانت تراقب منها حركة الجنازة.

حتى التفسيرات التي تعطيها لنمو جسدها وشبابها "ومن البديهي أن الرواية تصبح أحجية بالنسبة للقارئ وتوحي خلف تاريخ مشوش من عمق المصائر أننا نعرف القصة ونعيد بناءها على مراحل وهذه هي الطريقة التي نلجأ إليها حين نعيد التفكير في حياتنا ذاتها عن طريق سبر جزئي لا عن طريق تسلسل زمني كامل"(23)وعلى هذا المنوال "تبدأ سالمة حركتها وكأنها تستيقظ من نوم مغناطيسي ورغم الأسئلة والأجوبة، تبقى شاشة الخيالة مسدلة والصور تتعاقب بسرعة فائقة –صور ذهنية وصور بصرية وصور صوتية- وكأنها صادرة عن آلة عرض من طراز 16 ميليمتر تقنبل الذاكرة بأشكالها الغريبة المضطربةوألوانها السوداء والبيضاء والماتيةوالسيدجيةوالحبارية والتدرجية والقاتمة والغامقة إلخ... وتمطر الصور مذبذبة ومخططة عقبال الزمن وصدأ التاريخ(24)وها هو الراوي يصف جمل سالمة بقوله "إنها لا تنهي جملها يا لها من عادة سيئة إنه مشكل السرعة والطقوس الجديدة إنها تبحث دائما عن شيء في حقيبتها اليدوية"(25)إنه عصر السرعة والقلق والتوتر، وكل هذه المتغيرات التي فرضت نفسها على الكتابة الروائية الجديدة ومع ذلك "تأتي الكتابة وكأنها جملة واحدة متواصلة لا فصل يمزقها ولا فقرة تقطع الأمور بعضها عن بعض، ولا يخفى على "سالمة" أن التاريخ هو عبارة عن سيل جارف متواصل لا يتوقف عن الدوران ولا يكف عن السير واللف بل يمضي في سيلانه فيمر في أروقة العالم وفي دهالين الأشخاص وتعرجاتها الداخلية، كما لا يخفى عليها أن الحياة إنما هي وحدة متماسكة لا تجزئة ولا انفصام وعلى هذه الطريقة يكتب عبد الطاهر يومياته، يكتب ليلياته جملة واحدة متواصلة كما يفعل التاريخ في كتابة الأحداث"(26)وهذه هي رواية التفكك ليس فيها فصول أو فقرات أو عناوين بل هي جملة واحدة متواصلة من بدايتها إلى نهايتها وهذا خلافا للرواية التقليدية التي تتسم بالتقسيمات السالفة الذكر.

أما المظهر الأخير من مظاهر الرواية الجديدة الذي نود الحديث عنه فهو ما تعلق بلغة الرواية وأريد أن أشير في هذا لمقام فحسب إلى ظاهرة غزو الشعر للرواية الحديثة بشكل عام وكيف كان حال ذلك في الرواية قيد الدراسة. تقول الروائية "ناتالي ساروت" "لم أرسم أبدا الحدود بين الرواية والشعر التمييز أصبح اليوم مدرسيا"(27) وهذا الكلام يفسر تقلص الحدود بين الرواية والشعر إلى حد كبير رغم الفوارق القائمة دائما بينهما، أما رواية التفكك فيمكن القول أنه ورغم التعدد اللساني واللغوي القوي الموجود في النص إلا أن مظهر اللغة الشعرية حاضر بقوة لأن بوجودرة ومعه كتاب الرواية الجديدة يشتغلون كثيرا على اللغة والبنية كما أشرنا سابقا فها هي "سالمة" تقول "اللغة بحرنا والكلمات سفينتنا فنبحر ونفتح في الكون هاوية، نعمرها صوفا وقطنا ووسواسا وسبيخا وصدى ووشوشة وتواطؤا"(28)"فسالمة" "تستفيق في الصباح الباكر وتصغي إلى جسمها وإلى موسيقى أخيها الصباحية ونعاء القط يخدش باب غرفتها طالبا الدخول، وتستمع إلى غوغائها تتصاعد مستمطية سلم روحها الحزينة فيما السماء شاحبة يشعشع النسيان بمصفاته ويبعثر الشعير على الحيطان وقد لطخت زواياها أجنحة العصافير البيض، والبحر يهدر في جوفها وقد اكتظ بفقاقيع الخصوبة وبحكمة الاستتار وبغليان الأحرف الحليبية...وأعضاؤها طافحة سكرا بين الفزع والفتنة والشهوة والغثيان والانصداعات"(29)ومثل هذه النصوص عديدة في الرواية وهي تضفي سريالية معينة على الملفوظ اللغوي في النص مع أن في الرواية مستويات لغوية أخرى تتمثل في المظهر الإباحي والسوقي وغيره ولكن كل ذلك يمتزج في النهاية ليشكل لوحة معبرة عن عبقرية الرواية كشكل ادبي قادر على استيعاب خصوصيات أدبية كثيرة.

هذه هي بعض المظاهر البنائية و الأسلوبية التي أردت أن أحيل القارئ إليها و التي تشكل نسيج فن الرواية المعاصرة كما يتمثلها اصحاب الرواية الجديدة وكما تمثلها رشيد بوجدرة وأبدع في تجسيدها في رواية التفكك.

المصادر والمراجع:

(1)- يومية الخبر الجزائرية العدد 4432.

- (2)Roland Barthe-Essais critiques.Editions du seuil 1964.p140.

- (3)Rober Pinget , Nathalie Sarraute, claude simon, claude olie…Nauveau Roman, hier Aujourd'hui. U.G.E, PARIS 51972.P312.

(4)-جان ريكاردو قضايا الرواية الحديثة، ترجمة: صباح الجهيم، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق، 1977، ص169.

(5)- رشيد بوجدرة، التفكك، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط3، 1984.

(6)-الرواية ، ص109.

(7)-الرواية، ص 109.

(8)-والتر ألن، الرواية الإنجليزية، ترجمة: صفوت عزيز جرجس، مراجعة د. مرسي سعد الدين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص 356.

(9)-الرواية، ص166.

-(10)Rober Puiget, Nauveau Roman, hier Aujourd'hui , p26.

(11)- الرواية ، ص231.

(12)-الرواية، ص236.

(13)-د. محسن جاسم الموسوي، عصر الرواية، مكتبة التحرير بغداد، طI 1985، ص ص26-32.

(14)-الرواية ، ص 173.

(15)-د. أحمد درويش، دراسة الأسلوب بين التراث والمعاصرة، مكتبة الزهراء، القاهرة، د.ت، ص ص9،10.

(16)-ميشال بوتور، الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، ط2، 1982، ص 68.

(17)-ميشال بوتور، الرواية الجديدة، ص 69. 70.

(18)-الرواية ، ص 164. 165.

(19)-د. محمد أسيويرتي، مساهمة في بويطيقيا البنية الروائية الجنونية، مجلة عالم الفكر وزارة الإعلام، الكويت، المجلد 18، العدد 1ـ 1987، ص 94.

(20)-د. محمد أسويرتي، عالم الفكر، ص95.

(21)-الرواية ، ص88.

(22)-د. عدنان خالد عبد الله، النقد التطبيقي التحليلي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد،ط1، 1986، ص 73.

(23)-ر. البيريس، تاريخ الرواية الحديثة، ترجمة: جورج سالم، عويدات، بيروت، باريس، ط2، 1982، ص 191.

(24)-الرواية، ص 159.

(25)-الرواية، ص 77.

(26)-الرواية، ص 270.

(27)-Rober Pinget, Nathalie Sarraute, Nouveau Romann hier Ajourd'hui, p27.

(28)-الرواية، ص 198.

(29)-الرواية، ص 184.