pdfنظرية الرصف وآفاق بناء معجم تاريخي للتعبير الاصطلاحي العربي

 

 

علوش كمال

 

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

ملخص :

يهدف هذا الطرح إلى الإشادة بقيمة نظرية الرصف والمعايير التي ترتكز عليها في تصنيف أنماط التعبير، إذ يمكن للباحث المعجمي أن يستثمر قواعدها ومعاييرها في تصنيفه لجل أنماط التعبير المستعملة في اللغة العربية، ومنها على سبيل المثال التعبير الاصطلاحي، فهي تمكنه من بناء معجم تاريخي يرصد التعبيرات الاصطلاحية بما فيها التراثية والمعاصرة، المستعملة في معانيها القديمة والحديثة، ويتتبعها في مصادرها المختلفة، وتتيح للباحث اللساني أن يحصي كل إمكانات التأليف بين الوحدات اللسانية في اللغة .

Résumé :

Cette proposition qui s'intitule:La théorie du collocation et perspectifs de construction d’un dictionnaire historique de la conception arabe, a pour objectif de montrer la valeur de la théorie de collocation combinatoire et le critères et normes qui s’articulent le classement des guerres d’expression, il est possible qu un chercheur lexicographique exploite les règles dans le classement de types d,expressions utilisées dans la langue arabe, Il peut les aider à construire un lexicographe historique, capable de pour suivre les expressions idiomatiques, patrimonique et contemporaine, utilisées dans l’anciens et nouveau sens, et elle permet au linguistique de recenser les possibilités de combiner entre les unités linguistiques en langue .

Abstract:

The present paper is aiming at highlighting the importance of the collocation theory and the norms upon which it relies in classifying the various espressions usage .

The lexicographer may profit of this usage norms and rules to classify all the arabic expressions in use .

One of these is the idiomatic expressions that help the researcher to produce a historical lexicon which contains all the idiomatic expressions, including the traditional and the modern oens in their old or new use , tracing them in the various different ressources .

This may allow the linguist to have an idea about all the possible combinations that may accur between the linguistic units in arabic .

العرض :

إن البحث عن طرق تصنيف المعاجم العصرية سواء كانت معاجم مفردات أو معاجم تراكيب، يفترض استثمار وتوظيف النظريات الجديدة التي تتأسس على مفاهيم عصرية تخدم اللغة وتجعلها مسايرة لكل ما هو مستحدث، وهذا لا يعني أنه لا يمكننا أن نستعين بمعارف تراثنا القديم، بل يمكن الإفادة منه ومما وصلت إليه الجهود العلمية في الحقول اللسانية والدلالية والمعجمية، فكثير من المعارف العصرية والغربية التي نستفيد منها اليوم في معالجة القضايا اللغوية، كان لها أصول في تراثنا العربي، ومنها على سبيل المثال النظريات الدلالية كنظرية الحقول الدلالية والنظرية السياقية ونظرية الرصف، والتي كان لكل منها جذور في التراث اللغوي العربي القديم، ولذلك فإنه من فطنة الباحث اللساني العربي أن يوظف التراث والحديث في معالجته قضايا اللغة، وما دام الإنسان ابن بيئته فلغته كذلك، وإذا كان للغة هوية، فإن لمتكلم هذه اللغة هوية، ولا شك أن أحد عناوين هويته هو لغته، فلكل لغة مفرداتها وتراكيبها وأنماطها التعبيرية الخاصة وميزاتها التي تنفرد بها عن اللغات الأخرى .

على هذا الأساس يحاول البحث أن يقدم رؤية في معالجة أحد أنماط التعبير الخاصة باللغة العربية، وتصنيفها ضمن معاجم خاصة، كأن يكون معجم تاريخي يرصد المعاني القديمة والمستحدثة للتعبيرات الاصطلاحية في اللغة العربية على اختلاف مصادرها التراثية والحديثة، وهذا انطلاقا من الكشف عن أسس نظرية الرصف وعن معناه وأنواعه في أصول الدرس اللغوي العربي والغربي (التراث والحديث)، وتبين قيمة نظرية الرصف وميزاتها، والتعرض لمعنى التعبير الاصطلاحي وأصنافه الذي يخضع لمعيار الرصف (غير العادي) .

الرصف في اللغة والاصطلاح اللساني :

الرصف في اللغة كما تذكره معاجم اللغة العربية هو: " رصف الرصف، ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه ... ورصف الحجر يرصفه رصفا بناه "(1)، ويقال أيضا :" ترصف الناس في الصف أي تراصوا انظم بعضهم إلى بعض ..."(2)، فيظهر من هذا المعنى أنه التضام والضم؛ أي وصل الشيء ببعضه مهما كان نوع هذا الشيء حجرا أو غير ذلك، حتى يشكل بناء محكما منسجما .

وأما عن معناه الاصطلاحي على حسب ما تذكره معاجم المصطلحات اللسانية، فإنه يتضمن التتابع والانتظام ( collocation) يقول عنه محمد مبارك مبارك :" وهو أن تتابع الكلمات في جملة وفقا لنظام اللغة التي هي منها "( 3)، ويعني هذا أن تتراصف الوحدات اللسانية فيما بينها، مشكلة بهذا التراصف بناء ونسقا محكما ومنسجما، وهو ما يجمله كل من ستيفن أولمان وجون فيرث صاحب النظرية السياقية تحت مصطلح الرصف (collocation)، ومثاله كأن تتراصف كلمة " ساعي " مع " البريد " أو " رجل" مع " البريد"، في حين لو استبدلنا كلمتي ساعي أو رجل بامرأة أو طفل " البريد"، فإنها حتما ترفض التجاور والتساوق معها (4) .

من هنا يمكن القول أن هناك قرابة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للرصف، إذ يتضمن كلاهما التساوق والانسجام والتضام والتلاؤم أو التجاور، ولعل مما يسم تراصف الوحدات اللسانية فيما بينها، هو درجة تراصفها مع بعضها البعض، فإنه كلما توقعنا وقوع الرصف بين بعض الوحدات اللسانية، زادت قوة الارتباط بينهما، ذلك أن الوحدة المعجمية قد يكون لها إمكانات كبيرة لقبول التجاور أو العكس .(5)

أصول تراثية في نظرية الرصف :

يعتقد البعض أن نظرية الرصف نتاج غربي، في حين يؤكد الآخر على أن هذا مجرد طمس لمعالم التراث العربي الإسلامي والتنكر لحقائقه، فقد كان للعرب المسلمين فضل السبق في الحديث عن تساوق الكلام وانسجامه وتآلفه وتلاؤمه، ومن الذين يؤكدون هذا الرأي عبد الفتاح البركاوي فيقول:" أما اللغويون العرب، فإنهم ضربوا بسهم وافر في هذا المجال وكشفوا عن المجالات المختلفة التي تستعمل فيها ألفاظ بأعينها، بحيث لو استعمل لفظ في غير ما يتلاءم معه كان ذلك خطأ " (6) .

ولو تأملنا كتب تراثنا العربي سنجد أن هذا الكلام على حق، ويمكن اعتبار أن الأصول الأولى لنظرية الرصف تأسست على يد علماء اللغة العربية، فقد مثل كل من اللغويين والنحويين والبلاغيين في مصنفاتهم لرصف الوحدات اللسانية في اللغة العربية، ومن هؤلاء سيبويه وأبي هلال العسكري وابن فارس والثعالبي والجاحظ، وعبد القاهر الجورجاني، ويمكن أن نكتفي برأي البعض من هؤلاء، ونمثل بأمثلة من مصنفاتهم، فمثلا الجاحظ من خلال كتابه البيان والتبيين يقول في هذا الباب :" قد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها، ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب ... والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة " (7)، فالجاحظ من خلال هذا الكلام يضع فاصلا دقيقا في تآلف الوحدات اللسانية وتلاؤمها مع بعضها البعض، بمراعاة معناها ومجالها الدلالي، فالكلام يتعالق ببعضه البعض في حالات ويتنافر في أخرى .

وبالنسبة لعبد القاهر الجورجاني، فإنه يجعل الرصف ينضوي تحت مصطلح النظم، ذلك أن النظم أوسع وأشمل من مصطلح الرصف، فالرصف ما هو إلا جزء من نظم الكلام كونه يخضع الوحدات اللسانية للعلاقة التلاؤمية أو الأفقية، (rapporte syntagmatic )، في حين أن النظم يشمل انسجام وتلاؤم الوحدات اللسانية من حيث المبنى والمعنى ضمن التركيب، يقول الجورجاني في معرض حديثه عن النظم :" النظم إذن تأليف وجمع أو إضافة بمثل الاقتران في نمط أو نسق معين يبعث على الرضا والارتياح ..." (8) .

وحتى لو رجعنا إلى معاجم العربية ومنها معاجم الموضوعات، كمعجم فقه اللغة وسر العربية لأبي منصور الثعالبي، سنجده قد فصل ووضح جيدا مسألة انسجام الوحدات المعجمية وتآلفها، وذلك في أبواب عدة منها حديثه في فصل مخصص بالكلام عن أقسام الموت الخاص بالكائن الحي وغير الحي، فهو يقول :" مات الإنسان، نفق الحمار، طفس البردون، تنبل البعير ..." (9)، فقد وضع حدا فاصلا في استعمال لفظ الموت وتجاوره مع وحدات أخرى، فهي قد تتراصف مع الإنسان في حين لا تقبل أن تتراصف مع البعير أو غيره، فلا يمكن القول عن نهاية حياة البعير أنه قد مات، وهو في نفس الوقت ينبهنا على بعض الاستعمالات الخاطئة والشائعة، فالرصف العادي أو الحر موجود بكثرة في لغتنا العربية على ما يبدو، بينما الرصف غير العادي يظهر في بعض التراكيب الخاصة، ولذلك نقول أن الرصف في تراثنا القديم مطروق من قبل كثير من العلماء، حتى أن سيبويه قد استدركه من خلال حديثه عن أقسام الكلام، كالكلام المستقيم الكذب في قول الرجل حملت الجبل الخاضع للقبول النحوي والرفض الدلالي، إذ يجوز في حال المجاز، إلا أن التأسيس للرصف وتخصيصه بالدراسة، وضبط قواعده، لم يستفاض في الحديث عنه، وربما كان بالإمكان للمحدثين العرب أن ينقبوا عن كل الجهود المبذولة في هذا المجال، حتى تتأسس قواعده ومعاييره على حسب ما تفترضه أنماط وخصوصيات اللغة العربية   .

الرصف في الدرس اللساني الحديث :

قبل التنويه بجهود الدارسين الغربيين في هذا المجال، والإشارة إلى تأسيسهم لنظرية الرصف، لا بأس من أن نشير إلى بعض من المحدثين العرب الذين قد اختلفوا في استعمالات مصطلح الرصف وتسمياته، بالرغم من أن طرحهم لهذه المسألة كقضية لغوية، كان طرحا واحدا، ومنهم أحمد مختار عمر الذي استعمل مصطلح توافق الوقوع، معتمدا مفهوم الرصف عند جون فيرث وستيفن أولمان،(10) واستعمل الباحث أيوب مصطلح ( التلازم) ومحمد أبو الفرج مصطلح ( المصاحبة)، وتمام حسان ( التوارد )(11)، ومحمد علي ( انتظام التتابع )، وصبري السيد ( التضام ) (12)   إن جل هذه الاستعمالات المقابلة لمصطلح الرصف تشير إلى اتفاق هؤلاء حول ماهية المفهوم، ويبقى الاختلاف في أن كل نمط من أنماط التعبير العربي يخضع لمعيار الرصف، فمنهم من أولى الاهتمام بالجانب التركيبي، ومنهم من ركز على نمط التعبير كوحدة دلالية .

أما فيما يتعلق بالبحث اللساني الغربي، فقد اكتملت دراسات الغربيين عند حدود تأسيس قواعد ومعايير الرصف التي تعتمدها النظرية في إحصاء تآلف الوحدات اللسانية، والتي كانت نتاج اهتماماتهم بالسياق، فمن هؤلاء الذين أسسوا لهاته القواعد ستيفن أولمان الذي أشار إلى بعض أنماط التركيب في اللغة، وهذا في معرض حديثه عن نظرية السياق، فقال :" تنشأ الكلمات المركبة كلما ضمت كلمتان مستقلتان إلى بعضهما البعض لتكوين كلمة جديدة، وهناك حالات بين بين يكون فيها الضم غير مستقر " (13) .

فهو يشير من خلال هذه المقولة إلى تلك التراكيب التي تخضع لمعيار الرصف الموجودة بكثرة، وبعضها الآخر الذي يخضع للرصف غير العادي يستعصى فيه تضام الوحدات اللسانية، حتى أننا نجده يقسم الرصف إلى نوعين منه الرصف الاعتيادي أو الحر free combination ، وهو الذي يمكن أن تتصاحب فيه الوحدات اللسانية مع عدد غير محدود من جنسها، والتراصف غير الحر أو غير العادي الذي يصعب فيه التلاؤم والتضام(14)، وهو قليل الحدوث في اللغة، ويظهر في لغة الأدب والكتاب وبعض الأساليب الخاصة، كأنماط التعبير الاصطلاحي والجاهز والأسماء المركبة، والتي تأتي على عدة أقسام منها :

الأسماء + الأفعال والأفعال + الأداة الظرفية والفعل + حرف الجر . (15)

إن مثل هذه الأنماط التي أشار إليها ستيفن أولمان والتي تخصع لمعيار الرصف تسير وفق ما يسمى بالعلاقات الأفقية أو التلاؤمية التي يفرضها تجاور وحداتها اللسانية، مشكلة بذلك وحدات دلالية لا تقبل التجزئة، يقول بالمر:" أما في العلاقات التلاؤمية فيتحدد ارتباط الوحدة اللغوية بواسطة اقتران ورودها بوحدات مشابهة أخرى " (16) .

قيمة نظرية الرصف :

تمكن نظرية الرصف الباحث اللساني من معرفة السياقات اللغوية المحتملة الاستعمال مع وحدات لسانية تنتمي إلى مجال دلالي معين، وهذا بمراعاتها لترا صف وتلاؤم هذه الوحدات مع غيرها، كما أنها تعمل على ضبط دلالات الكلمات المختلفة المصاحبة، وذلك مثل كلمة أهل في ( أهل البيت)، (أهل المدينة)، ( أهل الكتاب) (17) .

وتعتبر هذه النظرية معيارا لتمييز الهومونيمي عن غيره من الألفاظ، والهومونيمي هو ذلك التماثل اللفظي الناتج عن النطق الواحد للأصوات، فهي تسمح بتحديد مجالات الترابط والتلازم والتلاؤم والتضام بطريقة عملية ودقيقة، يقول أحد أتباع مدرسة جون فيرث :" المعيار الشكلي للرصف يعتبر معيارا حاسما، لأنه أكثر موضوعية ودقة وقابلية للملاحظة " (18)، ومن هنا يمكننا القول أنه إذا كانت نظرية النظم البلاغية، قد توخت الدقة في الربط بين معاني الوحدات اللسانية، فإن نظرية الرصف قد توخت الدقة في إحصاء إمكانات التأليف بين هذه الوحدات، وأتاحت الفرصة في إمكانية توظيف هذه الإمكانات في بناء معاجم تعتمد تفسير أنماط التراكيب والتعبيرات الخاضعة لمعيار الرصف، وترصدها على مستوى الدراسات اللغوية والأدبية .

الرصف في أنماط التعبير الاصطلاحي ( الوحدة الدلالية والمفهوم ) :

يعتبر البناء اللغوي أو التركيب الخاضع لمعيار الرصف صنف من أصناف الوحدات الدلالية، ولعل مفهوم الوحدة الدلالية قد وقع اختلاف في ضبطه ورسم حدوده، فمن الباحثين في مجال الدلالة من رأى أن الوحدة الدلالية الأكثر شمولية، هي وحدة التركيب التي لا يفهم معناها من معاني مفرداتها منفردة، وإنما متلازمة كالتعبير ( idiom )، والتركيب الموحد ( unitary complex)) والمركب (( composite (19)، في حين يراها الآخر أنها تركيب تجاوز الكلمة، فباتسل يقول :" إن شأن من يبحث عن وحدة دلالية لا تتجاوز حدود الكلمة لكون هذه الحدود أوضح من غيرها، يشبه شأن من يبحث عن كرة ضائعة في مرج أخضر" (20)، فهو بهذا الكلام قد وسع من حدود مفهوم الوحدة الدلالية التي تجاوزت الكلمة أو المفردة إلى تركيب أو مجموع تراكيب أو نص .

لهذا دعا كثير من الباحثين إلى دراسة معاني الأحداث الكلامية والتنقيب عن معاني مفرداتها منفصلة أو مركبة في جمل متلازمة، وسواء كان ذلك في التراكيب العادية أو الجاهزة أو التعبيرات الاصطلاحية (21)، فإذا اعتبرنا التعبيرات الاصطلاحية التالية : " الأفكار الخضراء تنام عديمة اللون " أو الأفكار عديمة اللون تنام غاضبة " أو " البيت الأبيض " أو " الضحكة الصفراء" أو " خضراء الدمن" بمثابة وحدات دلالية، ذلك لأن مفرداتها متراصفة مع بعضها البعض، فمعناها لا ينكشف من معنى كل مفردة، بل متلائمة ومتلازمة ومتآلفة معا .

ولو حاولنا تصنيف التعبير الاصطلاحي والتمثيل له وفق أصناف الوحدات الدلالية التي وضعها الباحث اللساني " نيدا "، سنجده يندرج ضمن ما يسمى بالتركيب الأصغر المقابل للتركيب الأكبر ( النص)، والتصنيف هو كالتالي :

الوحدات الدلالية

الجملة

أكبر (نص) التركيب   تعبير اصطلاحي + جاهز ( أصغر )

المورفيم المتصل (الربيع العربي) – اسمي (وحدة دلالية)

الصوت المفرد (أصبح في خبر كان) – فعلي(وحدة دلالية)

(روح جزائرية) – وصفي (وحدة دلالية)

(في قلب الحدث) – جار ومجرور(وحدة دلالية)

(محاربوا الصحراء) – إضافي (وحدة دلالية)

(22)

لقد أكد بالمر على وقوع الرصف غير العادي في التعبير الاصطلاحي الذي عبر عنه بالمصطلحات، التي تتآلف من عدة أدوات تقترن مع بعضها البعض، ككلمات مفردة مع الأفعال أو أفعال عبارية ( الفعل + الأداة الظرفية macke up ) أو ( الفعل + حرف الجر loock after) (23)، وهي تعمل مقترنة ببعضها البعض عمل الوحدة الدلالية، بحيث لا يمكن أن تعوض أو تستبدل إحدى هذه العناصر أو الوحدات بأخرى، فهذا النوع من التعبيرات يشير في هذه الحالة إلى وقوع علاقة أفقية أو تلاؤمية ( rapporte syntagmatic) تقع على مستوى الجملة، وقد أطلق عليه البعض بالرصف المنتظم أو التضام ( cooccurrance ) .

إن التعبير الاصطلاحي ( idiomatic expression ) كمصطلح على حد تعبير حسن جبل يستخدم في مجال النحو والمفردات وغيرها للدلالة على ترابط الكلمات دلاليا ونظميا، فهو يؤدي وظيفته على أساس أنه وحدة دلالية واحدة مفردة، لا يمكن الوصول إلى معناه الإجمالي من خلال معاني مفرداته منفردة (24) .

ولعل من أصناف التعبيرات الاصطلاحية العربية، فإنه يشترك غالبية الباحثين في تقسيمه بحسب نمطه وبنيته اللسانية التي تخضع لمعيار الرصف (غير العادي)، فهناك تعبيرات اصطلاحية اسمية ( اسم + كلمة ) وأخرى حرفية ( حرف + اسم ) وتعبيرات فعلية ( فعل + حرف أو اسم ) (25)، والواضح أن هذا التقسيم لا يختلف كثيرا عن تقسيم ستيفن أولمان لأنماط التعبير، وتقسيم نيدا للوحدة الدلالية في التعبير الاصطلاحي، ويمكن التمثيل لبعض أنماط التعبير الاصطلاحي العربي الخاضع لمعيار الرصف (غير العادي) من عدة مصادر تراثية وحديثة منها :

تعبير اصطلاحي اسمي : ( الحصاد الرياضي، البيت الحرام، اللقب الشتوي، الشريان الاقتصادي ) .

تعبير اصطلاحي فعلي :( أهدى له باقة شتائم، يسبح وسط بركة من دماء، يغطي الشمس بالغربال )

تعبير اصطلاحي وصفي : ( التكتل الخضراء، الأيادي الخضراء، الحرية الحمراء، الجزائر الخضراء ) .

تعبير اصطلاحي إضافي : ( صيد الضباع، عسل المحروقات، غرس الحب، زرع البسمة )

تعبير اصطلاحي (جار ومجرور) : ( على كف عفريت، في قلب الحدث، في جنح الليل )

إذن يمكن القول أن التعبير الاصطلاحي العربي نمط من أنماط التعبير الخاص، يخضع لمعيار الرصف غير العادي (co ocurrunce)، ويتضمن اقتران بين ألفاظه وحروفه وصفاته اقترانا خاصا، يخضع لمجال العلاقات التلاؤمية ( الأفقية) (26)، ولا يتضح معناه إلا بوجود مفرداته متراصفة معا، مشكلا وحدة دلالية واحدة لا يمكن تجزئة عناصرها اللسانية أو استبدالها أو الحذف منها، فهو يتميز بثبات بنيته الدلالية ومفارقة معناه الحرفي المعجمي لمعناه الاصطلاحي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال نقض بنيته النحوية التي بني عليها(27) .

ويبقى فقط الاختلاف النسبي الذي لم يشر إليه الباحثون يظهر في بعض خصوصيات اللغات التي لها أنماطها التعبيرية الخاصة، وخاصة التعبير الاصطلاحي، إذ لا يمكن لكل لغات العالم أن تقبل هذا التقسيم الذي ورد ذكره سابقا لستيفن أولمان ونيدا وعلي القاسمي فيما يخص اللغة العربية، ولابد لمثل هؤلاء الباحثين أن يؤسسوا في هذه النظرية لجل أنماط التعبير الموجودة في لغات العالم، حتى يمكن تطبيق معاييرها على جل الأنظمة اللغوية .

مصادر مادة المعجم التاريخي للتعبير الاصطلاحي العربي وطرق تصنيفها :

يمكن للباحث المعجمي أن يستفيد من مصادر عدة ومجالات مختلفة لرصد التعبيرات الاصطلاحية، وتتبعها وجمعها وتصنيفها وتبويبها في معجم تاريخي يعود إليه ابن اللغة عند الحاجة، فهذه المادة تثري اللغة العربية بفوائد جمة تعكس حيويتها ومسايرتها لكل ما هو مستحدث، وتمكن متكلم اللغة العربية ومستعملها من التعبير عما يريده من معاني، دون تكلف جهد في اصطناعها، وهذا في وقت تحتاج فيه اللغة إلى النهوض بها وخدمتها، بتسخير علومها من دلالة ولسانيات وصرف ومعجمية وصوتيات .

ومن هذه المصادر مصادر تراثية كالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي الفصيح، فكثير من التعبيرات الاصطلاحية التي نتواصل بها اليوم مستنبطة من هذه المصادر، كأخذته العزة بالإثم أو سيماهم في وجوههم أو قاصرات الطرف أي العفيفات أو لوى عنقه، بالإضافة إلى المصادر الحديثة التي تكشف عن الاستعمال العصري لهذا النمط من التعبيرات، مثلما نجده في لغة الإعلام بأنواعه وفي الصحف والمجلات، كما أنه يمكن الرجوع إلى المجالات العلمية المتعددة كالأدب والدين والطب والاقتصاد والرياضة والسياسة والمجال العسكري، فهي تستعمل هذا النمط بكثرة في وقتنا هذا .

إن ما يلحظ اليوم على المعجمية الحديثة أنها تحاول أن تتجاوز في أبحاثها تفسير معاني المفردات وتصنيفها وفق المداخل المعجمية إلى تصنيف أنماط التعبير المختلفة، وجمعها في معاجم خاصة، ومثالها معجم التعبير الاصطلاحي في العربية المعاصرة لمحمد محمد داود، والذي جمعه على أساس الوحدة المعجمية الأولى من الترتيب الهجائي، إذ كان بإمكان هذا النوع من المعاجم استثمار المعايير التي قدمتها نظرية الرصف في معالجة طرق التعبير وأنماطه المختلفة، وتصنيف هذا النوع من التعبيرات وفق ما يقتضيه معيار الرصف ( غير العادي) كما سمي، أضف إلى ذلك أنه في نفس الوقت يمكن تصنيفه بحسب موضوعاته أو وفق ما وصلت إليه نظرية الحقول الدلالية من تقسيمات على حسب المفاهيم العامة والتصورات .

 على هذا الأساس يمكن أن نستعين في هذه الورقة البحثية ببعض الأمثلة كنماذج توضيحية مرصودة من مصادر مختلفة، مع إضافة أنواع أخرى من أنماط التعبير على غرار التعبير الاصطلاحي، كالحكم والأمثال ضمن الجدول الآتي، معتمدين التقسيم النحوي والوحدات الدلالية المعتمد من قبل نظرية الرصف .

وحدات دلالية

تراكيب(شبه الجملة )

الجار والمجرور

وحدات دلالية

تراكيب إضافية

وحدات دلالية

تراكيب فعلية

وحدات دلالية

تراكيب اسمية

+

تراكيب وصفية

أنماط التراكيب

نماذج من مصادر مختلفة

 

ثاني عطفه

غض الطرف

قصرت الطرف

أخذته العزة بالإثم   انقلب على وجهه

بلغت القلوب الحناجر تتقلب الأبصار

صكت وجهها

نكص على عقبيه

يثنون صدورهم

سقط في يده

يمشي مكبا على وجهه

تمعر وجهه

سيماهم في وجوههم   مهطعين مقنعي رؤوسهم

وجوه مسفرة

وجوه مسودة

خضراء الدمن

بيض الوجوه

تعبيرات مستعملة مصدرها

القرآن الكريم

الحديث النبوي الشريف

الشعر العربي

على كف عفريت

في جنح الليل

في مهب الريح

أحلام العصافير

آخر العنقود

أم الخبائث

أم الدنيا

أم الكبائر

أم الكتاب

بيت القصيد

حمامات الدم

حصاد الأرواح

خضراء الدمن

دموع التماسيح

ذات النطاقين

صفر اليدين

لباس الجوع

أتى على الأخضر واليابس

أثلج صدره

أخذته العزة بالإثم

تقشعر له الأبدان

ضرب كفا بكف

نكس عل عقبيه

يصب الزيت على النار

يصطاد في المياه العكرة

يلوي عنق النصوص

يندى له الجبين

ابتسامة صفراء

أحلام وردية

البقرة الحلوب

البيت الأبيض

البيت الحرام

البيت الزجاجي

الثلاثاء الأسود

الذهب الأبيض

الذهب الأسود

زوبعة في فنجان

السلام الأبيض

الكتب الصفراء

معجم التعبير الاصطلاحي في العربية المعاصرة محمد محمد داود

بعض الشر أهون من بعض

رب رمية من غير رام

رب قول أشد من صول

ظن العاقل خير من يقين الجاهل

في الحركة بركة

لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة

لكل ساقطة لاقطة

 

أساء كاره ما عمل

حال القريض دون الجريض

ذهب الناس وبقي النسناس

سرق السارق فانتحر

كان كراعا فصار ذراعا

زوج من عود خير من قعود

مكره أخاك لا بطل

الناس معادن

نفس عصام سودت عصام

محمود إسماعيل وآخرون ،مجمع الأمثال العربية، ط1، لبنان، 1993،

 

حمراء الشدقين

خضر المناكب

سود الأكباد

أباد الله خضراءهم

أتى على الأخضر واليابس

الحرية الحمراء

الخط الأحمر

ضحكة صفراء

كلام أبيض

نابه أزرق

نهار أبيض

اليد الخضراء

أحمد مختار عمر، اللغة واللون، عالم الكتب للنشر، القاهرة، ط2، 1996 .

تحت الطاولة

على جناح السرعة

على حين غرة

في قلب الحدث

في مهب الريح

أدراج الرياح

ألسنة النيران

بصمة عار

تسونامي الأسعار

زرع البسمة

سحب البساط

صيد الضباع

عسل المحروقات

غرس الحب

كشف النقاب

محاربو الصحراء

مساحة أمل

أصبح في خبر كان

أهدى له باقة شتائم

يسبح وسط بركة من دماء

يغطي الشمس بالغربال

الأيادي الخضراء

التكتل الخضراء

الحصاد الرياضي

الربيع العربي

روح جزائرية

روح رياضية

الشريان الاقتصادي

اللقب الشتوي

الموت البطيء

هوية مستعارة

الجرائد الجزائرية :

الخبر /

النهار /

الشروق

2014

 

 من خلال ما سبق من نماذج عن أنماط التعبير، يمكن القول أن الرصف في التعبير الاصطلاحي العربي يمثل جانبا من الاقتصاد اللغوي، وهذا لتميزه بخصوصيات تختلف عن نمط التعبير العادي، كما يمكن تصنيف التعبيرات الاصطلاحية وفق مداخل معجمية تتشكل من وحدات معجمية تابعة لهذا النمط من التعبيرات، ومثالها : اسم +فعل أو اسم + اسم أو فعل + اسم أو حرف + اسم أو جملة اسمية أو فعلية أو شبه جملة أوصفة وموصوف، ويمكن ترتيبها وفق الحقول الدلالية (الموضوعات)، ووفق المجالات والتخصصات، وهذا بتتبعها في المصادر المشار إليها سابقا .

  وكاستنتاج فإن الرصف غير العادي كما سماه بعض اللسانيين في اللغة العربية لا يختص بالتعبيرات الاصطلاحية فقط، وإنما يقع في كثير من أنماط التعبير المختلفة من حيث نوعية التعبير، فقد يصبح التركيب غير العادي عاديا، وهو ما ينجز يوميا على مستوى اللغة، إذ تصبح بعض الوحدات اللسانية قابلة للرصف مع وحدات أخرى ( اسم فعل حرف ظرف أداة ...) كانت مرفوضة من قبل، ويظهر هذا النوع في الأسماء المركبة أو ما تتناوله الأسلوبية اليوم والتجاوزات التي تحدث على مستوى الأسلوب عند الأدباء، كالمطر الأسود مثلا أو بكاء الشمس وضحك الليل، إذ يمكن الاستفادة من هذه النظرية (نظرية الرصف) في تخريج أنماط التعبير التي تحدث على مستوى النصوص الأدبية، وتتبعها عبر مراحل حياة اللغة، والملاحظ أيضا أن هناك بعض الأنماط والتعبيرات في اللغة العربية وتظهر عند الأدباء تشكل صورا بيانية كالكناية مثلا في(نهار أبيض) أو المجاز مثلا في (الثلج الأسود)، فهي تخضع للرصف (غير العادي) والانسجام، وتتآلف وحداتها بالتداول بين طبقة الأدباء أو حتى بالنسبة للمجالات الأخرى، مشكلة وحدات دلالية ذات قيمة جمالية وفنية وموضوعاتية.

من هنا وجب على الباحث اللساني والمعجمي في اللغة العربية، الحفر والتنقيب على جل التعبيرات الاصطلاحية المنتمية إلى مجالات مختلفة، كالرياضة والاقتصاد والأدب والدين والسياسة، ورصدها من مصادرها التراثية والحديثة، وجمعها وتصنيفها في معجم تاريخي وفق ما تفترضه نظرية الرصف من معايير وقواعد، وما وصلت إليه نظرية الحقول الدلالية من تصنيف وفق التصورات العامة والمفاهيم، وهذا انطلاقا من المراحل التي تمر بها اللغة عبر حقب زمنية متفاوتة إلى غاية هذا العصر، حتى تتيح هذه اللغة لمستعمليها إمكانية التعبير عن كل المدلولات، وخاصة أن اللغة العربية تشهد على مر الأزمنة والعصور استعمالا مكثفا لهذا النوع من أنماط التعبير، الذي يجعلها تتميز عن غيرها من اللغات الأجنبية .

الهوامش :

(1) ابن منظور، لسان العرب، تح نخبة من الباحثين، دار المعارف، كورنيش النيل، القاهرة، مج3/ ج19/ 1656 .

(2) أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، بمساعدة فريق عمل، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2008، مج1/900 .

(3) مبارك مبارك، معجم المصطلحات الألسنية، فرنسي إنجليزي عربي، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط1، 1995 . ص: 52 .

(4) ينظر فريد عوض حيدر، فصول في علم اللغة التطبيقي علم المصطلح وعلم الأسلوب، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 2008 ، ص: 138 ، 139 .

(5) ينظر المرجع نفسه، ص : 143 .

(6) عبد الفتاح العليم البركاوي، دلالة السياق بين التراث وعلم اللغة الحديث، دار المنار، القاهرة، ط1، 1991، ص: 72 .

(7) أبو عثمان الجاحظ عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي للطباعة والنشر، القاهرة، ط7، 1998 ، ج1/20 .

(8) عبد القاهر الجورجاني، دلائل الاعجاز في علم المعاني، ياسين الأيوبي، المطبعة العصرية، بيروت، 2003، ص: 27 – 28

(9) أبو منصور الثعالبي (ت: 469ه)، فقه اللغة وأسرار العربية، تح جمال طلبة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2001، ص : 170 .

(10) محمد حسن عبد العزيز، مدخل إلى علم اللغة، القاهرة، ط2، ص : 142 .

(11) ينظر محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، دار قباء، القاهرة، 1998، ص : 157 .

(12) ينظر فريد عوض حيدر، فصول في علم اللغة التطبيقي، ص: 133 – 144 .

(13) ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة،تر كمال بشر، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، ص: 160 .

(14) فريد عوض حيدر، فصول في علم اللغة التطبيقي، ص: 139 ، وينظر آر بالمر، تر مجيد الماشطة، علم الدلالة، الجامعة المستنصرية، المكتبة الوطنية، بغداد، 1985 ص : 93 .              

(15) ينظر أحمد مختار عمر، علم الدلالة، عالم الكتب، القاهرة،ط1،1998 ، ص : 74 - 77

(16) آر بالمر، علم الدلالة، ص: 78 .

(17) ينظر حمادة محمد عبد الفتاح الحسيني، المصاحبة اللغوية وأثرها في تحديد الدلالة في القرآن الكريم (رسالة دكتوراه)، جامعة الأزهر، قسم اللغة العربية، القاهرة، 2007   ص: 90 -91 – 92 .

(18) أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص: 78 .

(19) ينظر المرجع نفسه، ص : 33 .

(20) آر بالمر، مدخل إلى علم الدلالة، تر خالد جمعة، دار العروبة، الكويت، ط1، 1997 ص : 86 .

(21) ينظر أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص: 13 – 14 .

(22) ينظر أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص : 31 – 32 .

(23) ينظر آر بالمر، تر ص : 93 .

(24) عبد الكريم محمود حسن جبل، في علم الدلالة دراسة تطبيقية في شرح الأنباري للمفضليات، دار المعرفة الجامعية ، 1977، ص : 85 .

(25) ينظر فريد عوض حيدر، فصول في علم اللغة التطبيقي، ص: 142 .

(26) عبد الكريم محمود حسن جبل، في علم الدلالة ص: 86 وينظر فريد عوض حيدر، فصول في علم اللغة التطبيقي، ص: 140 .

(27) محمد محمد داود، معجم التعبير الاصطلاحي في العربية المعاصرة، دار غريب للنشر، القاهرة، 2003 ص: 11