تعليمية النقد الأدبي في الجامعةpdf

( دراسة نظرية)

أ. نبيلة أيت علي

كلية: الآداب واللغات

جامعة عبد الرحمان ميرة ـ بجاية ( الجزائر)

Abstract:                                                           

This study entitled «didactics of literary criticism at the University" aims to expose some aspects of the teaching of literary criticism, and analyzedthemaccording to available studies carried out on the subject, (its foundations, objectives and its teaching methods), noting scarcity of new book. Our method is descriptive and analytical, which we try to present new data on the teaching of literary criticism at the University.

Keywords: Literary Criticism Didactics, Methods, Objectives, Description, Analysis.

Résumé :

Notre article intitulé : « Didactique de la critique littéraire à l’université » a pour but d’exposer quelques aspects de l’enseignement de la critique littéraire, et de les analyser en se référant aux études disponibles dans ce domaine, tout en signalant la rareté de ses ouvrages autant que nouvelle spécialité.Notre méthode est descriptive et analytique, sur laquelle nous essayons d’exposer les nouvelles données sur l’enseignement de la critique littéraire à l’université.

Mots -clés : Didactique de la critique littéraire, Méthodes, Buts, Description, Analyse

الملخص:

تهدف دراستنا الموسومة بـ : " تعليمية النقد الأدبي في الجامعة" إلى عرض جوانب تدريس النقد في التعليم العالي وتحليليها في ضوء الدراسات المتوفرة حول الموضوع، من حيث أسسه وأهدافه وطرائقه، كما تهدف إلى وصف خطوات تدريس النقد الأدبي وكيفية تذوق الطالب الجامعي للمفاهيم النقدية من خلال تحليل النصوص، إلى جانب خصوصية تعليمية النقد وأسباب قيامها، حيث قلّت البحوث و الدراسات حولها باعتبارها تخصصا جديدا، لذا يأتي بحثنا في موضوع تعليمية النقد بمثابة إثارة بعض الجوانب الأساسية فيه وطرحها للإثراء والنقاش .

الكلمات المفتاحية: تعليمية النقد الأدبي، الطرق، الأهداف، التحليل، الوصف.

   تفديم:

إنّ انتشار التربية والتعليم في بلدان العالم المختلفة معيارا أساسيا للتقدم، خاصة التقدم الاجتماعي والثقافي بما في ذلك الاهتمام بالعلم والتفكير العلمي بصفة عامة، الذي كان من أساسيات تقدم المجتمعات، باعتبار أن التقدم لا يكون عن طريق التقليد والمحاكاة، وإنّما يكون ذلك من خلال نتائج الانجازات العلمية والتكنولوجية، وإنّ اعتماد التقدم في ميدان العلم، مرتبطا أساسا بالإجراءات التربوية، ومن هنا جاء الاهتمام بقطاع التربية والتعليم لكونه أداة فاعلة لرفع المستوى الثقافي وتطويره، بحيث اعتبرت العملية التعليمية من أهم العناصر التي ينظر إليها على أساس أنها جديرة بإحداث تغيرات، خاصة على المستوى الثقافي، بحيث شهدت المنظومة الجامعية تطورات في مختلف المجلات، وعلى رأسها في حقل تعليمية المواد، لذلك فإن إشكالية مقالنا تتمحور في: ماهي أسس وطرق تدريس النقد الأدبي في الجامعة؟ وماهي الخطوات المتبعة في تحليل النصوص النقدية؟ وفيم تتمثل أهداف تدريس النقد الأدبي في الجامعة؟                                                                                 

تعليمية النقد:

1.   مفهوم التعليمية:

قبل البدء في تحديد المفاهيم المتعلقة بموضوع هذا المقال، لابدّ من تحديد مفاهيم المصطلحات التي يتشكل منها عنوان المقال باعتبارها مفاتيح لأن: '' مفاتيح العلوم مصطلحاتها، ومصطلحات العلوم ثمارها القصوى، فهي مجمع حقائقها المعرفية وعنوان ما يتميز كل واحد منها عما سواه'' ([1]).

ويتأتى ضبط المفاهيم وفق الترتيب الأتي:

1.1.     مفهوم التعليمية لغة:

إنّ التعليمية مصطلح مستحدث، فهو مشتق من الفعل (علّم) ومصدر صناعي لكلمة تعليم .

وقد ورد معناها في لسان العرب أنّ : '' علمتُ الشيء أُعلمهُ علما؛ عرفته، وعلّم العلم وأعلمهُ إيّاه فتعلّمهُ. ويُقال تعلّم في موضع اعلمْ، وفي حديث الدّجال: ( تعلّموا أنّ ربكم ليس بأعْور) بمعنى اعْلموا''([2]) ؛ ما يعني أنّ معنى ( علّم) هو أن نتعلّم شيئا ونُعلّم إيّاه للغير، أو هو وضع سمة من السمات للدلالة على الشيء.

2 مفهوم التعليمية اصطلاحا:

لقد حظي مصطلح "تعليمية" بتعاريف عديدة كونه لم يحظ بتعريف نهائي من طرف العلماء ونلمسها في التعاريف التالية: يعرّف معجم قاموس تعليمية اللغات ( لغالسون وكوست ) التعليمية كالأتي: '' بالنظر إلى كلّ المصطلحات التي لها علاقة بتعليم اللّغات، يعتبر مصطلح التعليمية من أكثر المصطلحات الغامضة والمجادل فيها ... ومطلبها يتمثل في تحديد علم جديد يعمل على ضبط تخصصّها ضمن العلوم المعترف بها''([3]).

-   يشير دانيال بايليDanielle Baillez)) في كتابه : "مصطلحات تعليمية اللغات" )les mot de la didactique des langue ) بقوله: '' هذا العلم بالمعنى الدقيق، ذلك الشق التطبيقي لأيّ تعليم نظري والذي يستند إلى علم (لسانيات، علم وظائف الأصوات ) كما يعمل على إعداد أو تحضير أجهزة تجريبية من أجل ملاحظة ردود التلاميذ، واستراتيجياتهم التعليمية، وأخطائهم والعمل على معالجتها'' ([4]).

-      أما "جون بول بورني وميشال رافلين" فيشيران إلى أنّه :'' ظهر هذا المصطلح في سنة 1613 على يدّ ''راتــــــــك'' فهو أول ديداكتيكي إذا وضع هذا المصطلح من أجل شكلنة برنامج يرتكز على الأسئلة التعليمية، التي تحمل غاية اجتماعية من أجل إمكانية إسهام المدرسة ومشاركتها في الوحدة الوطنية، ومعركتها ضدّ النضال الإقطاعي، وهذا المصطلح استعمل كثيرا وبسرعة في الكتب الأخرى، ومصطلح didactica) ) من مصطلح لاتيني، والذي يمكن ترجمته بالأشياء التي تدرس'' ([5]).

لقد ورد مفهوم التعليمية في قاموس ( المصطلحات اللغوية الأدبية ) '' أنّ تعليميّ didactic صفة تطلق على العمل الأدبي أو غيره الذي غايته التعليم، أو الأخلاق، أو نقل الحقائق على اختلافها نحو: ألفية بن مالك في النحو'' ([6])؛ نستشف من خلال هذه التعاريف أنّ التعليمية مصطلح مثير للبس، وذلك من خلال امتزاجه مع عدد من الاختصاصات التي نجمت عن ولادته، فالتعليمية صفة هادفة للتعليم أو نقل حقائق ومعلومات، كما تشير إلى معالجة ردود وأخطاء التلاميذ باعتباره شق تطبيقي لأي تعليم نظري، ومنه فمصطلح التعليمية يتكون من شقين، الأول له علاقة بالتدريس عامة وأما الثاني فله علاقة بتعليم اللغات، كما برز من لنا من خلال هذه التعاريف.

2.   مفهوم النقد:

2ـ 1. مفهوم النقد لغة:

لقد انطلق عبد الملك مرتاض في كتابه ( في نظرية النقد) لمفهوم النقد متسائلا: ''هل للنقد من ماهية؟ '' ([7]) ومن خلال هذا التساؤل يمكن القول أنه يصعب تحديد ماهية النقد الأدبي، كونه لم يحظى بتعريف محدد، لكن سنحاول تحديد مفهومه من خلال التطرق إلى عدد من المعاجم العربية:

ورد في لسان العرب أنّ '' النقدُ هو تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها ... والنقدُ تمييز الدراهم وإعطاؤُها إنسانا ... ونقدتُهُ الدّراهم، ونقدتُ له الدّراهم أي أعطيتُه، فانتقدتُها أي قبضها'' ([8] ).

أما الزمخشري فقد عرّف النقد بأنّه: '' نقدهُ الثمن ونقدهُ له، فانتقدهُ، ونقد النُقاد الدراهم، ميّز جيّدها من رديئها...'' ([9])؛ نستنتج من خلال التعريفين السابقين أنّ معنى كلمة (نقد) هو العطاء في الثمن وقبضه، أما الثاني فيشير إلى أنّ أول ما استُعملت فيه هذه الكلمة، كانت بمعنى فرز الدراهم والدنانير قديما لبيان الصحيح والمزيّف منها، وهذا يكون عن خبرة وفهم وموازنة ثم حكم سديد.

2.2.مفهوم النقد اصطلاحا:

يذهب الكثير من النقاد والدارسين إلى التأكيد بصعوبة تحديد تعريف جامع لمصطلح النقد -كما سبق لنا الإشارة لذا تعددت التعاريف، ونذكر منها:

-   تعريف "محمد مندور" الذي يشير إلى أنّ '' النقد في أدق معانيه هو فنّ دراسة النصوص والتمييز بين الأساليب المختلفة، وهو روح كل دراسة أدبية، إذا صحّ أنّ الأدب هو كل المؤلفات التي تكتب بلغة المثقفين'' ([10]).

- ويرى "شوقي ضيف" أنّ: ''النقد هو تحليل القطع الأدبية وتقدير ما لها من قيمة فنية ... فهو فنّ مشتق من غيره أو متوقف على غيره'' ([11]).

أماّ في (معجم المصطلحات العربية) فإنّ: '' النقد Critism) ) هو فن تقويم الأعمال الأدبية والفنية، وتحليلها تحليلا قائما على أساس علمي، وهو الفحص العلمي للنصوص الأدبية من حيث مصادرها، وصحة نصها وإنشاؤها، وصفاتها، وتاريخها'' [12]؛ تعني هذه التعاريف في مجملها أنّ النقد الأدبي هو تبيان جيّد الكلام من رديئه، أي هدفه دراسة الكلام وتبيان جيده من رديئه من جوانب مختلفة، كما يعني تحليل الأعمال الأدبية تحليلا علميا وتقويمها؛ إذ يؤكد ذلك " حسين خمري" حين قال: '' النقد عملية أدبية لغوية ونشاط فكري وإنساني يقوم به الناقد قصد تجلية معنى من المعاني، أو تقويم اعوجاج أو إشارة إلى موطن من مواطن الجمال، وهكذا نجد أنّ تعريفات النقد تختلف باختلاف النظريات النقدية وتركز على الجانب أو الهدف الذي يهدف إليه الناقد، لذلك فإنّ كل محاولة لتأطير العملية النقدية أو محاولة إعطاء تعريف للنقد، يعني اتّخاذ موقف إيديولوجي وثقافي معيّن وحصر نشاطه في دائرة محددة'' ([13]).

3.   أهداف تدريس النقد الأدب:

إنّ تحديد الأهداف التعليمية أمر ضروريّ في العملية التعليمية التعلّمية، فلا تدريس من دون أهداف، لذا تُحدّد الأهداف تحديدا مسبقا لأيّ تعليم أو تدريس.

فبالنسبة لتدريس النقد الأدبي تظهر الأهداف في: '' تمكّن الطلبة من تحديد المعايير الأساسية المعوّل عليها في الحكم على العمل الأدبي ككل، في ضوء المفردات والمقررات التي انتهى إليها في دراسته، بالإضافة إلى ضبط حركة الفكر الثقافي وتحديد الأطر والمسارات التي ينبغي الالتزام بها في كتابات الكتاب والمبدعين'' ([14])، كما يرمي تدريس النقد الأدبي في هذه المرحلة أيضا- نقصد الجامعية - إلى: '' تعريف الطلبة بالنقاد والمذاهب النقدية، وأيضا تنمية القدرة على تحليل النصوص الأدبية لدى الطلبة، وتذوقهم جمال النص الأدبي'' ([15])؛ من خلال هذا الطرح نستنتج أنّ هذه الأهداف كلها ترمي إلى تحقيق هدف، واحد ألا وهو قدرة الطالب على تحليل وتذوق النص الأدبي، وتجدر الإشارة إلى أنّها تضمنت لدى دارسي النقد؛ أي في كتبهم، فهي أهداف متشابهة في رمّتها.

وهذا ما يؤكّده "عثمان موافى" بقوله: '' إنّ من أهمّ الأهداف التي نسعى من وراء ذلك تربية الذوق الفني لدى الطلاب، وتنمية ملكة الفهم والتعليل عندهم، بحيث يعينهم ذلك على فهم تراثهم الأدبي وتحليله والكشف عن قيمه الجمالية والفنية، والتأريخ للذوق الأدبي والوقوف على مراحل تطوره في العصور الأدبية المختلفة'' ([16]).

يضيف الدكتور "محمد زكي العشماوي" أنّ من أهداف تدريس النقد الأدبي هو: '' تكوين حاسة التذوق والتمييز لدى الطلاب عن طريق التدريب المستمر على فهم النص وتحليله ثم اكتساب القدرة فيما بعد على تكوين منهج تحليلي يقوم على الذوق، وموضوعية الأحكام، ويعين الطالب على الاستماع بما يقرأ، ويشجعه على معرفة تراثه وحسن إدراك ما فيه وفهمه على النحو الصحيح'' ([17])؛ أي أنّه من خلال التطبيق على النص النقدي سوف يلمّ الطالب بمجموعة من الحقائق والنظريات المتصلة بهذا النوع وفهمها.

4.   تعليمية النقد:

إنّ الحديث عن تعليمية النقد لأمر صعب باعتباره تخصصا جديدا، كما أنّ الصعوبة تتجلى في عدم التطرق إلى هذه المواضيع، فما ورد منه إلا القليل من خلال إشارات طفيفة، وهذا ما يُؤكّده "توفيق الزيدي" حين قال أنّ: ''ظاهرة تعليمية النقد قد عرفت عزوفا، ويعود ذلك إلى بعض الأبحاث الأكاديمية ذات المواضيع المخصوصة، كما يعود إلى أنّ تلك الأبحاث بحدّ ذاتها قد كتبت في سياقات معينة ولجمهور معين، وهذا ما يدعو المشرفين إلى إعادة النظر في مقياس اختيار المواضيع، إذ لا فائدة لتلك المواضيع التي لا يكون لها مردود كبير في حياة المجتمع والطالب بصفة خاصة وبأوجهها المختلفة'' ([18]).

يقابل هذا العزوف إقبال طلاب وطلبة العلم خاصة على نوع من الكتابات التي تلبي حاجاتهم، وهو أمر يشكل ظاهرة في سلوك الفرد اليوم، أو ما نسميه بالقارئ الجديد، بحيث أنّ له مطالب، وما على الباحثين إلا الاستجابة لها، لكن الكثير من تلك الكتب التي كانت، وسادت لم تعد تواكب العصر ولم تعد تنفع الطالب، لأنّ أصحابها لم يقدروا القراء حقّ قدرهم وبالتالي فقد أطاحوا بطرف مهم في عملية الكتابة/ القراءة ([19]).

يرى "توفيق الزيدي" أن ما يعانيه الطالب أو القارئ الجديد ليس هو حديثا عاما في الأدب والحداثة الشعرية أو النقد سواء الحديث أو المعاصر، ( حياة النقاد) بل يريد كتبا منهجية تبين له كيف يميز مثلا الشعر من غيره، وكيف تكون الحداثة الشعرية وكيف تشرح القصيدة القديمة والحديثة، كما لا يريد حديثا عاما في المناهج النقدية الحديثة أو المعاصرة، بل يريد أن نبين له كيف يستفيد منها، أي ما يتعلق بخصائص الثقافة الغربية وما يتعلق بثقافته هو...وعليه فإن القارئ الجديد - كما يسميه "توفيق الزيدي" - ليس بالقارئ الأمس فحاجته مختلفة عن سابقه، فإن كان قارئ الأمس يكتفي بالقراءة الصامتة، فإنّ قارئ اليوم ( الجديد) مشاركا فعالا بل سائلا إلى حدّ الإحراج، وما على الكاتب أو الأستاذ إلا أن يستعد ويعيد استراتجياته لتقديم الجديد لهذا المتعلم أو القارئ حتى يقنعه بما هو أفضل([20])؛ يعني هذا أن القارئ أو الطالب بصفة خاصة لا يريد ولا يكتفي بما هو موجود في الكتب النظرية بل يريد كتبا منهجية أي ما هو تطبيقي باعتبارها الدراسة المهمة في هذه المرحلة.

5.   أسباب قيام تعليمية النقد:

إنّ ما ذكرناه أنفا يدفعنا إلى تبيان أسباب ودواعي قيام تعليمية النقد، ويمكن أن نميز نوعين كما ميز في ذلك توفيق الزيدي وهي أسباب خاصة وأخرى عامة:

  أ ـ الدواعي العامة:

إنّ من أهم الأسباب التي أدت إلى قيام تعليمية النقد هي: '' كثرة المتعلمين شرقا وغربا، مما يستوجب تلبية حاجاتهم التعليمية، وهذه الكثرة ساعد عليها انتشار المدارس من جهة والأثر الأدبي الذي كان للوسائل السمعية البصرية والإعلامية في رفع المستوى الثقافي، كذلك ما اتسم به عصرنا من كثرة المعارف، فهو وريث نظريات متعددة وفي مجلات مختلفة، وهو يشهد في كل آونة ولادة أفكار بالتعديل حينا والاستنباط أحيانا أخرى، فهذه الكثرة في المعارف وإن كانت إيجابية فهي تفوت على الفرد الواحد الإلمام يجلهاـ لذا التجأ هذا الفرد إلى غيره يستنير بعلمه وبالأساسي في ذلك العلم، وهو ما أدى إلى ما يمكن أن نسميه خدمات المتخصصين'' ([21]).

  ب - الدواعي الخاصة:

إذا كانت تلك هي الدواعي أو الأسباب العامة لقيام تعليمية النقد، والتي تشمل عامة تعليمية كل العلوم، فإننا نقف على بعض الدواعي الخاصة والتي تتمثل في: '' كثرة الإنتاج الأدبي في عصرنا، مما أدى إلى ظهور حاجة ملحة إلى التقسيم تجلت في مظاهر مختلفة منها: البحث عن أزمة في النقد أو غياب النقاد ... فالقارئ والوضع ما ذكرنا يطالب بـ "التوضيح" وطرائق اكتساب التقييم، وتعلّم الأدوات النقدية اللازمة لمجابهة ذلك الإنتاج الأدبي الغزير الموغل يوما بعد يوم في الحداثة، كذلك إدراج بعض المؤسسات النقد ضمن برامجها الرسمية، مما استوجب من المُتخصّصين في هذا الباب التنظير لتلك البرامج. وأخيرا ما يتصل بعلاقة القارئ الجديد بالتراث النقديّ العربيّ، وهي علاقة في أغلب الأحيان يسودها النفور، لكل ذلك تقتضي الحكمة ويقتضي العلم أن يتدخل المختصون في النقد للتّنظيم والتخطيط وضبط استراتيجيات تعليمية النقد'' ([22]).

6.   أسـس تدريس النقد الأدبي:

يجدر بنا قبل عرض أسس تدريس النقد الأدبي وطرائقه أن نطرح سؤالين مهمين في هذا الصدد، فالأول هو: لماذا ندرس مادة النقد الأدبي في الجامعة؟ والثاني يتمثل في : ماهي أسس تدريس النقد الأدبي؟

إن السؤال الأول يتعلق بالأهداف التي سبق ذكرها؛ أي أنّ تدريس النقد الأدبي في الجامعة يهدف إلى تنمية ملكة النقد لدى الطالب وتذوقه للأدب، وكذلك القدرة على التعليل لفهم التراث والكشف عن قيمه الأدبية والفنية، من خلال تحليل النصوص النقدية وشرحها ثم نقدها.

أما الثاني فيتعلق بالأسس التي سيتم ذكرها لاحقا، ولكن معظم القائمين على تدريس هذه المادة في هذه المرحلة- الجامعية-وإن كانوا يتفقون ويسعون إلى هدف واحد، فإنهم يختلفون حول الوسائل التي يعتمدون عليها والتي تحقق لهم ذلك الهدف باعتبار أن تدريس النقد في نهاية الأمر هو فهم النصوص وتذوقها شأنها شأن الأدب، ومن هذه الأسس نجد: 6. 1. قيام الدرس النقدي على التراث العربي:

يذهب الدارسون إلى القول بأن تدريس النقد الأدبي يتوقف على الدراسات العربية الأصيلة ( القديمة)؛ لأن أيّ درس نقدي لابدّ أن يتأسس على قاعدة أو ما كان عليه سابقا، أي '' من الضروريّ أن يُؤسس في أقسام اللغة العربية على ما ورثناه عن أجدادنا من تراث نقدي، ومن أنسب الوسائل لتحقيق ذلك دراسة تاريخ النقد العربي وقضاياه دراسة موسعة من خلال كتب التراث النقدي ومصادره الأصيلة، وتدريب الطلاب على القراءة في هذه الكتب والتمرّس بأساليبها ومحاولة فهمها، أو تغيير ما قد يغمض من معانيها، ولا ينبغي أن تقصر دراسة هذه المصادر على تلخيص موضوعاتها وقضاياها، وإنما يجب أن تتعدى هذه الناحية إلى دراسة تحليلية لمناهج هذه الكتب، ومناقشة قضاياها مناقشة علمية دقيقة، ومن الأنسب أن يشترك الطلاب مع الأساتذة في القيام بهذه الدراسة في مناقشة مناهج قضاياها مناقشة علمية دقيقة'' ([23]؛ يعني هذا أن أيّ درس و ليس فقط الدرس النقدي ــ مهما كان نوعه ـــ لابدّ أن يتأسس على قاعدة أو على التراث، وأن نتمرس على قراءته وفهمه من خلال مشاركة الطالب مع أستاذه في مناقشة قضايا تتعلق بمناهج تلك الكتب وتحليلها؛ أي ما نعني به الدراسة التطبيقية، ولا يحب الاقتصار فقط على ما هو نظري.

6 ـ 2. الاستضاءة بقواعد ونظريات النقد الأوروبي:

من الأنسب لكل درس بصفة عامة والدرس النقدي بصفة خاصة أن يعتمد أسس أخرى غير الذي كان عليه آنفا، مع الاستعانة ببعض النظريات ومناهج بعض العلوم الإنسانية الأخرى لفهم قضاياه، كذلك الشأن نفسه للدرس النقدي، ''إذ لا ينبغي أن يقوم الدرس النقدي على أصول النقد العربي، وإنما عليه أن يعتمد على أسس النقد الأوروبي، وأن نستضيء ببعض نظرياته وقواعده في فهم ومناقشة بعض من قضايا النقد العربي ـ أحيانا -وبالخصوص تلك التي لها نظائر في النقد الأوروبي، مع إفادة بعض علماء النقد الأوروبي في فهم وتفسير الظواهر الأدبية والنقدية، بالاستعانة بمناهج بعض العلوم الإنسانية ( كعلم التاريخ، وعلم النفس، وعلم الاجتماع) لكن لا يجدر إلغاء شخصية النقد العربي وتجريد الظواهر الأدبية والفنية من خصائصها الفنية'' ([24])؛ يدل هذا على أنّه لتفسير ظواهر وآليات النقد الأدبي لابدّ من الاعتماد على بعض نظريات- البعض وليس الكل- وأسس النقد الأوروبي، والاستعانة ببعض العلوم الأخرى لفهم الظواهر الأدبية فهما جيدا، وهذا رأي الدكتور "محمد زكي العشماوي"، ويقترح لتدريس النقد الأدبي أي لدراسة المناهج والمدارس والنظريات الحديثة؛ أي تلك النظريات والعلوم المتصلة بالنقد الأوروبي '' أن يُخصص ساعتين في السنتين الأخيرتين الثالثة والرابعة من مرحلة الليسانس، ويستمر الدرس في ساعات الدراسات العليا كذلك، كما تخصص ساعتين بالنسبة لـــــ: "المدخل إلى الدراسات الأدبية والنقدية " بالنسبة للسنة الأولى لاستيعاب شيئا من الدراسة النقدية وخصوصا في موضوع المناهج النقدية'' ([25]).

6. 3ـ وصل الدرس النقدي بالدرس الأدبي:

إنّ علاقة النقد بالأدب علاقة وطيدة قائمة على النفع المتبادل كتلك التي تقوم بين المنتج للسلعة والمستهلك لها، فكلاهما يحتاج إلى الأخر ويصعب تصور أحدهما دون الأخر، إذ أن ازدهار النقد الأدبي يتوقف على ازدهار الأدب كما يؤكد ذلك "عثمان مُوافى" بقوله: '' والأقرب إلى الصواب ربط هذا بذاك على نحو من الأنحاء كربط تاريخ النقد بتاريخ الأدب، بمعنى أن يتناول درس تاريخ النقد، العصر الأدبي الذي يتناوله درس تاريخ الأدب، فإن كان الدرس الأدبي يتناول مثلا العصر الجاهلي فيحسن أن يتناول تاريخ النقد التراث النقدي الذي يدور حول أدب هذا العصر وقضاياه الأدبية والنقدية، ومن المفيد أن يشترك الطلاب مع الأساتذة في مناقشة هذه القضايا وعرض وجهات نظرهم فيها، أما من ناحية التطبيق فمن الأنسب أن نختار نماذج من أدب هذه الفترة ويطبق عليها القواعد النقدية التي تناولها درس تاريخ النقد''([26]) ؛

ما يعني أن علاقة النقد بالأدب علاقة وطيدة وتكامل بينهما، بحيث أنه إذا تناول الأدب ظاهرة ما كالعصر الجاهلي مثلا، فإنه من الأجدر أن يتناول النقد تراث ذلك العصر وأدبه وقضاياه، لكن لا يتم ذلك إلا بالمناقشة مع الطلبة وإبداء وجهات نظرهم مع ربط الجانب النظري بالجانب التطبيقي.

ولتدريس مثل هذه النماذج أو الفنون يقترح "محمد زكي العشماوي": ''أن تكون شركة بين درس النقد ودرس الأدب، ويخصص لها مكان في ساعات النصوص وتفسيرها ... من بداية السنة الأولى حتى نهاية المرحلة والتي تمثل المنهج التطبيقي في الدراسة، وهو المنهج الذي نادينا به وجعلناه العمود الفقري للدراسة الأدبية والنقدية على السواء'' ([27]).

6. 4. ربط الدرس النقدي بالدرس البلاغي:

من خلال تصفحنا لبعض كتب النقد والبلاغة، صادفنا بعض التعابير القائلة أنّ للنقد والبلاغة نقاطا مشتركة، كتقويم العمل الأدبي، وليس معنى هذا أن درس البلاغة والنقد نفسهما، وهذا ما أكده عثمان موافى بأنه:'' لكي يتسنى للدرس النقدي تحقيق غايته المنشودة، فيحسن ربطه بالدرس البلاغي وصحيح أن مجال هذا يختلف اختلافا طفيفا عن مجال ذلك، فقد يعني الدرس البلاغي بالشكل، وقد يعني الدرس النقدي بالعمل الأدبي كله، لكنهما على كل حال يلتقيان في النهاية حول تقويم العمل الأدبي ونقده، ولما كان تقويم العمل الأدبي أو قياس جودته، لا يرجع إلى الشكل وحده ولا إلى المضمون وحده، وإنما إلى هذا وذاك، فليس من الصواب الفصل بين درس البلاغة ودرس النقد وإنما الأقرب إلى الصواب وصل هذا بذاك...ولا يعني دمج هذين الدرسين معا واعتبارهما درسا واحدا، وإنما القصد من ذلك تناول القضايا المشتركة بينهما ودراستهما معا، وليكن ذلك مثلا في المراحل المتقدمة من الدراسة الجامعية، ولا يمنع هذا من دراسة موضوعات البلاغة كما جاءت في كتب المتأخرين منفصلة عن النقد في المراحل المتأخرة، أما في التطبيق فيحسن عدم الفصل بين قواعد البلاغة وقواعد النقد حتى يتسنى للناقد تناول العمل الأدبي من جميع جوانبه'' ([28])؛ يشير هذا الكلام إلى أنه مهما اختلف مجال النقد عن البلاغة، فإنهما يلتقيان من خلال نقدهما للعمل الأدبي باعتباره يرجع إلى الشكل والمعنى، أي أنهما يلتقيان في نقاط مشتركة: كاللفظ والمعنى والخيال والصورة الفنية ولغة الأدب...

يؤكد " العشماوي" رأيه في عدم الفصل بين النقد والبلاغة قائلا: ''وواضح لنا أن القرون الخمسة الأولى للهجرة كانت عهد ازدهار في التراث النقدي والبلاغي، وعلى الأخص في القرون "الثالث والرابع والخامس" أي بدءا "بالجاحظ" وانتهاء "بعبد القاهر الجرجاني"، ولايخفى على أحد أنّ هذه الفترة قد استطاعت أن تطرح أروع ما في تراثنا النقدي على المستويين النظري والتطبيقي. وامتازت هذه المرحلة فوق غناها بأنها المرحلة التي لم ينفصل فيها مفهوم النقد عن مفهوم البلاغة، فكان الاثنان حبّتي قمح في سنبلة واحدة ويؤديان ذات الوظيفة، وكانت كلمة "البيان العربي" هي المصطلح الذي يطلق على جميع الدراسات التي تعنى بتمييز الكلام جيده من رديئه، فكانت البلاغة كالنقد وسيلتُنا في إدراك ما في الأدب من قيم وما فيه من حقائق...''([29]).

5 الاهتمام بالناحية التطبيقية:

يعتبر الاهتمام بالناحية التطبيقية أهم عنصر في تدريس أيّ مادة، سواء في الدراسة النقدية أو الأدبية أو غيرها من الدراسات، إذ أنه: '' من أهم الأسس والقواعد المنهجية الصحيحة التي ينبغي أن يقوم عليها الدرس النقدي، الجمع بين الناحية النظرية والتطبيقية، ومن ثم فليس من الصواب الاهتمام بناحية واحدة منها على حساب الناحية الأخرى، وقد لاحظنا أن الدرس النقدي بالجامعة يفتقر في الوقت الحاضر إلى الناحية التطبيقية، وربما كان هذا أحد الأسباب التي أدت إلى إضعاف ملكة الذوق الفني لدى الطلاب، وضياع الكثير من ثمار هذا الدرس ولهذا فليس بغريب أن نرى مستوى تحصيل الطلاب للثقافة اللغوية التي عمادها النص الأدبي يتضاءل يوما بعد يوم'' ([30]) ؛

ما يعني أنّه يجب الاهتمام بالناحية التطبيقية أثناء تدريس النقد الأدبي على خلاف الناحية النظرية، حيث لا يتم الاقتصار فقط على ذكر الشواهد والأمثلة أو النقد الجزئي لبعض الشواهد، وإنما أن يكون نقدا كليا للعمل الأدبي سواء كان قصيدة أم نص نثري حتى يتم تعزيز ملكة النقد لدى الطالب وتوسيع ثقافته النقدية.

7.   الخطوات:

من المعلوم أنه قبل البدء في تدريس أية مادة في الجامعة أو نقد أي عمل فني، فلا بد من المرور بخطوات أولى لإكساب وتدريب الطالب على ملكة النقد ومن هذه الخطوات نذكر:

أـ قراءة النص قبل نقده:

تتمثل هذه الخطوة في أهمية القراءة كخطوة أو كطريقة أولى قبل نقد النص، إذ تتجسد هذه الأهمية في '' تقويم ألسنة الطلاب وتدريبهم على النطق الصحيح وتهيئتهم ذهنيا وشعوريا لفهم النص وتذوقه، ومن المعروف أنّ كثرة القراءة والإمعان في النظر إلى أي نص من النصوص تُعين على فهم المعنى، وقد توضحه ومصداقا، لهذا يقول ناقدنا العربي ابن سلام : وإنّ كثرة المدارسة لتعدى على العلم به''([31]).

ب ـ تقويم النص فنيـا:

إنّ تدريب الطالب على تعليم مادة النقد في الجامعة وطرق ذلك يمكّنه حتما من إكساب ملكة النقد وتقويمه، وإذا كانت عملية التقويم مهمة في أي درس أو عمل وليس فقط العمل الأدبي، فإنه بطبيعة الحال يأتي كمرحلة أخيرة لتقويم العمل النقدي من طرف الباحث أو القارئ، ويتطلب ذلك أولا : ''الكشف عن قيم النص الأدبي الفنية والجمالية وقد يتطلب هذا الأمر دراسة البنية الفنية للنص الأدبي ولغته وصوره وموسيقاه والكشف عن صلته بصاحبه وعصره ومجتمعه، ويعتمد الدارس أو الناقد في هذا على بعض المقاييس النقدية وبعض المعارف غير النقدية، مثل معطيات بعض العلوم الإنسانية كعلم الجمال والنفس والاجتماع، يضاف إلى ذلك ذوقه الفني الذي أصلته كثرة القراءة في النصوص الأدبية ومعايشته الطويلة لها'' ([32])؛ نستشف من خلال هذا الطرح أنّ الناقد الجيد (الطالب) هو قارئ جيد وذلك من خلال ثقافته باعتماده على علوم أخرى، ومقاييس نقدية تؤهله لأن يكون مبدعا، لأنّ إبداع الناقد أو الطالب لا ينشأ من فراغ بل يأتي ثمرة لقراءته الكثيرة.

ومنه ''فإذا كان نقد النص الأدبي أو الجانب التطبيقي من درس النقد الأدبي يتطلب من الدارس (الطالب) كثرة القراءة والاطلاع على النصوص الأدبية وبعض المعارف النقدية وغير النقدية، فإن النقد النظري لا يختلف عن النقد التطبيقي في ذلك''([33])؛ يدل هذا الكلام أنه لكي ندرس الجانب النظري لابد أن نكون على وعي بالمناهج النقدية والأدبية، كما وجب على الطالب الناقد القراءة المستمرة للنصوص بما فيها المعارف النقدية وغير النقدية حتى يتسنى لنا دراسة الجانب التطبيقي كما يجب.

8.   الطرق العامة لتدريس النقد الأدبي وتعزيز ملكة النقد لدى الطالب:

توجد عدة طرق تمكن الطالب من إكسابه كفاءة نقدية وتعزيز الملكة النقدية لديه، إذ تتمثل الأولى في '' الفهم الدقيق للمفردات اللغوية ثم استخراج الفكرة العامة والأفكار الفرعية، باعتبارها أمرا ضروريا في النص لتعزيز قدرة النقد لدى الطالب، والطريقة الثانية تتجلى من خلال فهم هذه الأفكار التي يتم التعبير عنها بلغة الطالب، أي بأسلوبه الخاص، وذلك من خلال إلمامه بجو النص وموازنة لغته باللغة الفنية التي استخدمت في النص تعبيرا وتصويرا، أما الطريقة الثالثة فتتمثل في الطريقة الأنموذجية المعبرة عن ذلك النص إلى جانب مراعاة التأني من خلال إخراج الحروف من مخارجها وضبط الكلمات والتعبير عن الانفعالات بصوت واضح مع تحديد مواطن الجمال في الكلمات والعبارات والصور، وتُعنى الطريقة الأخيرة بتحديد مضامين النص ومواطن الجمال في اللفظ والتعبير ثم مناقشته مناقشة جماعية'' ([34])؛ ومنه فإن هذه الطرق التي سبق ذكرها '' تؤدي إلى الإلمام بجو العمل الأدبي، وتكوين رأي معين بالقيمة الفنية للنص، وتذوق العمل الأدبي بتفهم أسرار اللغة وقدرتها التعبيرية، وقيمة حروفها وألفاظها، وأنماط تعبيراتها أو نسق عباراتها'' ([35])؛ يتجلى هذا الموقف في أنه لا تتوفر هذه المواقف أو بالأحرى هذه الطرق ''إلا بالتدريب على المهارات المراد اكتسابها، وتوفير خلفية معرفية ووجدانية، كذلك وجب على الأستاذ أن ينمي في الطالب قدرة القراءة وتذوقه للملكة النقدية، كما يشترط على الأستاذ وهو يدرّس مادة النقد الأدبي أن يسمح لطالبه بإصدار الأحكام النقدية والأدبية فيما يدرس ويحفظه، مع الإشارة إلى شرح القواعد النقدية باعتبار أن الطالب في المرحلة المتقدمة ( الجامعية) أحوج ما يكون إلى تنمية القدرة النقدية لديه، والإحساس بالجمال، كما وجب على الأستاذ أيضا أن يتيح للطالب فرصة القيام بالمقارنات والموازنات؛ أي المناقشة الجماعية للطالب باعتبارها الطريقة الملائمة للتدريس حول المقصود سواء من النص الأدبي أو من طريقة تدريسه، إذ أنه من خلال تلك المناقشة يتأمل الطالب النص ثم ينقده ، كذلك نجد من أسباب تطور قدرة النقد لدى الطالب كتابة التقارير وهذه المهمة ـــ أي الطريقة ــــ يطلبها الأستاذ من الطلبة لكي تناقش هذه التقارير مناقشة صحيحة وتنقد نقدا علميا ([36])؛

نستنتج من خلال هذا الطرح أنّ طريقة المناقشة الجماعية وإعداد التقارير أنجع الطرق لتدريس المفاهيم النقدية، وذلك لتنمية القدرة النقدية لدى الطالب وتعزيزها.

خلاصة:

نخلص من هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج التي أسفرت عن أسس تدريس النقد الأدبي في الجامعة وطرقه والتي تظهر كالأتي:

1.  إنّ من أهم النتائج التي أسفر عنها المقال هو: قلة الدراسات والبحوث حول تعليمية النقد، والتي عرفت عزوفا كليا كما أشار إلى ذلك توفيق الزيدي، ما دفع بالقارئ أو الطالب إلى عدم الاكتفاء بالقراءة النظرية، بل ويحتاج إلى تلك الكتب المنهجية أي ما هو تطبيقي، لكي يتعود على التحليل والشرح والتعليل ثم إصدار الأحكام.

2.  إن تدريس النقد الأدبي يتحدد بالوقوف على الدراسات القديمة ـــ أي الأصيلة ـــ لأن أيّ دراسة ( درس) أو عمل سواء كان نقدي أو أدبي أو غيره ...لابدّ أن يتأسس على قاعدة يُبنى عليها لكي يستفيد الطالب أو القارئ من تلك الدراسات وينطلق منها في دراساته، كما تمكنه من التعرف على المناهج النقدية سواء كانت قديمة أو معاصرة.

4. عدم الفصل بين النقد والبلاغة ولا حتى بين وظيفتيهما وأهدافهما، وقيمتهما، ويؤكد هذا الرأي كذلك (محمد زكي العشماوي) حين قال... '' فالبلاغة كالنقد من أهم وأخطر الدروس في حياتنا الفنية والأدبية على ألا تنفصل في دراستها على الأثر الفني، وأن يراعي في منهج تدريسها إفادة الطالب بأهمية الصورة البلاغية وتحديد قيمتها وأهميتها بحكم كونها نواة متطورة ونامية في كيان عضوي موحد وهو العمل الفني الذي لا ينفصل فيه الجزء عن الكل والذي تنصهر فيه كافة العناصر وتمتزج امتزاجا يصهر بين المتناقضات والمتباعدات المتفرقات في الطبيعة ويوحد بينهما'' ([37]).

5.  غياب الجانب التطبيقي؛ أي الدراسة التطبيقية في الجامعة ( تحليل النصوص الأدبية)، وهذا ما أدى إلى انخفاض مستوى الطلبة وإضعاف ملكتهم النقدية، لاعتماد الأسئلة والتلقين؛ أي حشو   للمعلومات النظرية فقط، لأن أهمية الدراسة التطبيقية تتجلى في الجمع بين الجانب النظري والجانب التطبيقي، بحيث أن الدراسة التطبيقية أساس للدراسة النقدية وبالخصوص النقد الأدبي، باعتبار أنّ تدريس النقد ماهو إلا تذوق النصوص وفهمها والحكم عليها، وهذا ما أكده الدكتور محمد زكي العشماوي حين قال: '' إن أهمية الدراسة التحليلية التطبيقية تعتبر أساسا صلبا وهاما للدراسة الأدبية بوجه عام، والدراسة النقدية والبلاغية بوجه خاص، ويرى أن درس النصوص ينبغي أن يشغل الحجم الأكبر من الدراسة، لا في تحليل النص الأدبي فحسب، بل لخدمة الدراسة النظرية ذاتها، إيمانا منا أن كل دراسة نظرية لا يمكن أن تصب هدفها وتبلغ غايتها إلا بالتطبيق ـ والمقترح أن تخصص ساعات في كل فرق الدراسة لهذه الدراسة التطبيقية التي ستخدم ساعات النقد في مختلف اتجاهاته'' ([38]).

6.  إنّ طريقة المناقشة الجماعية وإعداد التقارير من أهم الطرق التي تمكن الطالب من التعبير عن أرائه النقدية وفهمها فهما جيدا، من خلال المناقشة الجماعية لتلك التقارير.    

وخلاصة القول، فقد كانت هذه أهمّ أسس وطرق تدريس النقد الأدبي في التعليم العالي، من خلال الوقوف على أراء بعض الدارسين، بالرغم من أن القائمين على تدريس هذه المادة وإن كانوا يتفقون حول الهدف المنشود والمرجوّ - والمتمثل في تربية الذوق الفني لدى الطالب وتنمية ملكة الفهم والتعليل والنقد ـــ إلا أنهم يختلفون حول الوسيلة التي تحقق لهم هذا الهدف، وربما يعود هذا إلى اختلاف مناهج الأساتذة في تدريس هذه المادة.

ونأمل أن نكون قد قدمنا للقارئ أرضية حول ما ورد في هذا المقال ولو بالجزء اليسير، بما توفر لنا من مراجع ومصادر وأراء .



الإحالة:

[1]- عبد السلام المسدي. مباحث تأسيسية في اللسانيات. مؤسسة عبد الكريم بن عبد الكريم للنشر والتوزيع.1997. ص: 52.

[2] - جمال الدين أبي الفضل محمد بن مكرم ابن منظور الأنصاري الإفريقي المصري. حققه: عامر حيدر. راجعه: عبد المنعم خليل إبراهيم. لسان العرب. منشورات محمد علي بيضون. دار الكتب العلمية. بيروت ــ لبنان. مج: 12. ص. ص. ص: 485. 486. 487.

hachette.1976.P :151.152 [3] - Galisson et Coste. Dictionnaire de la didactique des langues. Edition 03 France.-

   [4] - Danielle Baillez.les mot de la didactique des langues (le ca de l’anglais –lescique-) éditionophrys.France.1998.p : 68. .. p :

[5]- Jean Paul Berniet Michel Wavelet .Français (Fr 65 – 66) références.Textes analyses.toulous cedex : 11.

[6] - إميل يعقوب وآخرون. قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية.عربي ـ إنجليزي ــــ فرنسي. دار العلم للملايين. بيروت ـــ لبنان. فبراير.1987.ص: 41.

[7] - عبد الملك مرتاض. في نظرية النقد. دار هومة. الجزائر. د ط. 2002. ص: 75

[8] - ابن منظور. لسان العرب. ص: 425.

[9] - الزمخشري. أساس البلاغة. قاموس عربي ـــ عربي ــ مراجعة وتقديم: إبراهيم قلاتي. دار الهدى. عين ميلة.الجزائر. 1998ص: 687 .

[10] - أحمد مندور النقد المنهجي عند العرب ومنهج البحث في الأدب واللغة. دار نهضة مصر للطباعة والنشر. الفجالة القاهرة. أفريل 1996. ص: 14.

[11] - شوقي ضيف. النقد. دار المعارف. القاهرة. ط1. 1984. ص: 09.

[12] - مجدي وهبة. كامل المهندس. معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب. مكتبة لبنان. بيروت. ط 2. 1984. ص: 417.

[13] - حسين خمري. سرديات النقد ــــــ في تحليل آليات الخطاب النقدي المعاصر. دار الأمان ـــ الرباط. منشورات الاختلاف. ط1. 1432ــــ 2011. ص: 37.

[14]- إبراهيم محمد عطا. المرجع في تدريس اللغة العربية. مركز الكتاب للنشر. د ط. د س. ص: 359.

[15] - ينظر: محسن علي عطية. الكافي في أساليب تدريس اللغة العربية. دار الشروق للنشر والتوزيع. عمان ـــ الأردن. ط1. الإصدار الأول..ص: 370

[16] - عثمان موافى. دراسات في النقد العربي. دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـــ الإسكندرية. د ط. 2004. ص: 14.:

[17] - محمد زكي العشماوي. الرؤية المعاصرة في الأدب والنقد. دار النهضة العربية. بيروت. ص: 138.

[18] - توفيق الزيدي. في علوم النقد الأدبي ــــــ المنهج أولاـــــــ قرطاج. د ط. 2000. ص: 19 ـــــ 20.

[19]- ينظر: المرجع نفسه: ص: 20

[20] - ينظر: المرجع نفسه. ص: ن.

[21] - توفيق الزيدي. في علوم النقد الأدبي. ص: 21.

[22]- المرجع نفسه. ص:21 ــ 22.

[23] -عثمان موافى. دراسات في النقد العربي. ص: 19 ـــ20

[24] -ينظر: المرجع نفسه. ص: 20

[25] - ينظر: محمد زكي العشماوي. الرؤية المعاصرة في الأدب والنقد. ص: 143.

[26] -عثمان موافى. دراسات في النقد العربي.ص: 21

[27] - المرجع السابق. ص: 142

[28] -عثمان موافى. دراسات في النقد العربي. ص: 22.

[29] - محمد زكي العشماوي. الرؤية المعاصرة في الأدب والنقد. ص:140

[30] -المرجع السابق.ص: 22

[31] - المرجع نفسه. ص: 32.

[32] - المرجع نفسه.ص: ن.

[33] - المرجع نفسه. ص: ن.

[34] - ينظر: طه علي حسين الدليمي. سعاد عبد الكريم الوائلي. الطرائق العملية في تدريس اللغة العربية. دار الشروق للنشر والتوزيع. ط1. الإصدار الأول. 2003. ص: 171.

[35]- ينظر: المرجع نفسه. ص: ن.

- ينظر المرجع نفسه . ص ن [36]

- محمد زكي العشماوي. الرؤية المعاصرة في الأدب والنقد. ص: 146 - بتصرف-[37]

[38]المرجع نفسه. ص: 147