الشفويّ والكتابيّ من التعبير إلى التواصلpdf

قراءة في منهاج اللغة العربية(السنة الرابعة متوسط)

د/ مليكة بوراوي

أستاذة محاضرة (أ )

قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة باجي مختار . عنابة (الجزائر)

الملخص بالعربية:

تتجه المدرسة الجزائرية في العقود الأخيرة إلى إقدار المتعلمين على التعامل مع الكفايات وترجيح معرفة حسن التصرف، وذلك تلبية لحاجيات المجتمع المعاصر ومن أجل تكوين أفراد قادرين على مواجهة الحياة الاجتماعية والمهنية، ولكن المقاربة الجديدة المطبقة في مدارسنا "المقاربة بالكفايات" تعترضها مجموعة من الصعوبات تتضح على مستوى المناهج الدراسية وبخاصة في تصميم الأهداف نذكر منها: عدم التمييز بين التعبير الشفوي والتواصل الشفوي والتعبير الكتابي والتواصل الكتابي، كما لايحظى الشفوي بالأهمية نفسها التي يحظى بها المكتوب مع غياب تصور دقيق للمنهاج والفاعلين التربويين للعلاقة بين الشفوي والمكتوب، من هذا المنظور سنقرأ أهداف الشفوي والمكتوب في منهاج اللغة العربية-السنة الرابعة متوسط-

الكلمات المفاتيح: كفاية- منهاج - تعبير- تواصل-التواصل الشفوي-التواصل الكتابي

Résumé :

Ces dernières décennies, l'école algérienne s'oriente à rendre les apprenants capables d'utiliser leurs compétences et de bien agir afin de mieux répondre aux besoins de la société contemporaine et de former des individus aptes à affronter les vies sociale et professionnelle. Cependant, la nouvelle approche appliquée dans nos écoles dite "Approche par compétences" rencontre plusieurs difficultés qui se montrent au niveau des syllabus scolaires notamment dans la conception des objectifs, telles que: la non distinction entre: l'expression et la communication orales et l'expression et la communication écrites, et la préférence de l'écrit au détriment de l'oral en l'absence d'une conception exacte d'une méthode et des acteurs pédagogiques pour la relation entre l'oral et l'écrit.

En somme, cette étude porte sur les objectifs de l'oral et de l'écrit dans la méthode didactique de la langue arabe pour les élèves de quatrième année moyenne.

Mots-clés:Compétence - Méthode - Expression - Communication - Communication orale - Communication écrite. 

Abstract :Summary:

In recent decades, the Algerian school is oriented to make the students able to use their skills and do good to better meet the needs of contemporary society and to train individuals able to cope with social and professional lives . However, the new approach applied in our schools called "powers Approach" encounter several difficulties which appear at the school syllabus including the design goals, such as: not distinguish between: expression and oral communication and expression and written communication, and the preference of the writing at the expense of oral in the absence of an exact design of a method and teaching actors to the relationship between speech and writing.
In sum, this study focuses on the objectives of the spoken and written in the teaching method of the Arabic language for students in fourth year average.
                                                  

Keywords:Jurisdiction - Method - Expression - Communication - Oral communication - Written communication.

اعتنت الأنظمة التربوية في إطار المقاربة بالكفايات (1) باللغة واستخدامها استخداما وظيفيا بعد أن كان يركز في تدريسها على استرجاع مجموعة من القواعد اللغوية ( إملائية، ونحوية، وصرفية ) وعلى تجزيئ المعارف اللغوية إلى عناصر ذرية ، وبات من الضروري- حسبأنصار المقاربة الجديدة - إعادة النظر في العملية التعليمية منطلقين من مجموعة مبادئ نذكر بعضها :

-   الاهتمام بالمتعلم ووضعه داخل وضعيات حقيقية ذات دلالات تمكنه من شحنمجموعة من الموارد وتعبئتها :معارف وقدرات ومهارات لغايات تواصلية متنوعة ( حوار ، تفاوض ،مناقشة ، مناظرة ...إلخ ) .

-      النظر في المناهج والكتب المدرسيةوالطرائق التعليمية التي تعمل على إكساب المتعلمين مجموعة من القدرات والخبرات .

-      الاهتمام بالفهم والتحليل والابتعاد عن الحفظ والتلقين والانتقال من التعليم الاستهلاكي إلى التعليم الاستثماري .

-      إثراء الرصيد التربوي للمدرسين ومساعدتهم على كيفية تناول الأنشطة المقررة في الكتب المدرسية وفق المبادئ الأساسية للمقاربة بالكفايات .

تبنت الجزائر هذه المقاربة منذ 2003 ،وهي ــ أي هذه المقاربة- ـتتمركز حول المتعلم وتهتم بتمثلاته (représentations) الفكرية التي تمر عبر سيرورات ذهنية في إنتاج المعرفةوتحصيل التعلمات وحل مجموعة من الوضعيات ، كماتتجه إلى فلسفة التكوين لتحقيق النجاعة في التربية والتعليم .

والكفاية (la compétence) هي عبارة عن مجموعة من المعارفوالقدرات والمهارات والمواقف والاتجاهات يستضمرها المتعلم لحلّ مجموعة من المشكلات أو الوضعيات للتأقلم مع المحيط والاستجابة أيضا لمتطلبات سوق الشغل ، وقد عبر عنها لوبوترف Guy le boterfبمعرفة حسن التصرف(2) أو(le savoir faire) .ويحيل هذا التعريف المقتضب إلى قدرة الشخص على حسن التصرف أمام مشكلة ما تعترضه ، وكذلك تعبئة (savoir mobiliser) مجموعة من المعارف والقدرات والمهارات ودمجها(savoir integrer)وتحويلها (transformer) إلى إنجاز في وضعية مناسبة .إن مفهوم الكفاية مفهوم مدمج يستحضر محتويات المواد والأنشطة والوضعيات التي تطبق فيها الأنشطة . ولهذا تحرص هذه المقاربة على إكساب المتعلم القدرة على إقامة تعالق أو ترابط بين مختلف تعلماته داخل وضعيات مركبة يشترط فيها أن تستوفي شرط الدلالة بالنسبة للمتعلم ،كما تشدد على ضرورة إشهاد مكتسبات المتعلم على أساس حل وضعيات مركبة ، وليس بناء على لائحة من المحتويات والمهارات لايدرك المتعلم كيفية توظيفها في الحياة العامة وتكون عرضة في الغالب الأعم للنسيان "(3).

الكفاية والتواصل أية علاقة بينهما ؟

تركز نصوص الكفايات في صياغتها على البعد التواصلي ، كما تشترط في الوضعية التواصلية أن تكون حاملة لدلالات حتى يكون لها معنى فعلي وحقيقي لااصطناعي لدى المتعلم ؛تثير مشاعره وتحفزه على التفاعل مع محيطه وحياته اليومية ، كما تستحضر معطيات ثقافية واقتصادية واجتماعية ...إلخ.ومن نماذج صياغة الكفاية :

جاء في منهاج(4)اللغة العربية ( السنة الثالثة من التعليم الثانوي ) ما يلي : " في مقام تواصلي دال يكونالمتعلم قادرا على تسخير موارده القبلية لإنتاج مشافهة وكتابة أنماط متنوعة من النصوص لتحليل فكرة أو التعبير عنموقف أوإبداء رأيه بما يجعله قادرا على مواصلة مساره الدراسي أو الاندماج في وسط مهني ."(5). لقد استفتحتالكفاية بعبارة ( في مقام تواصلي دال) مما يدل على أهمية البعد التواصلي في الكفاية الذي ينفتح من خلاله المتعلم على المحيط ويتفاعل معه .وعلى حد تعبير أحد الباحثين " التواصل يقتضي توسيع المحيط المعرفي المشترك وليس إعادة الأفكار "(6).

يعني التواصل بالمفهوم البسيط الإبلاغ والإخبار أي "نقل خبر ما من شخص إلى آخر وإخباره به وإطلاعه عليه "(7).وينفتح التواصل في مستوى ثان على دلالات متعددة ،ويصبح غير محصور في مجال الإخباروالتبليغ وإنما يقوم على الروابط الإنسانية والاجتماعية التي تربط بين المتخاطبين . كما لايعني التواصل التمكن من القواعد اللغوية فقط (صوتية وإملائية و تركيبية ومعجمية ودلالية )وإنما يعرج على قواعد، ومعايير تخاطبية تستحضر جوانب ثقافية واجتماعية فلا يمكننا عزله عن السياق الاجتماعي.

وإذا كان المتعلم في المقاربة بالكفايات يتعامل مع مركب :معارف (connaissances) وقدرات (capacités) ومهارات (habiletés) ومواقف (attitudes) فإنه أيضا يتعامل مع مركب في الجانب التواصلي : قواعد لغوية وقواعد تخاطبية تداولية، وموروثات، وأعراف اجتماعية وشعبية .ويمكن إدماج هذين النوعين من القواعد فيما يعرف بالكفاية التواصلية وهي كفاية تعمل على إكساب المتعلم اللغة في تنوع خطاباتها واستعمالاتها .وتراعي في عملية " إكساب المتعلم اللغة عدم الفصل بين اللغة والثقافة ، والتبرير العلمي الذي تقدمه الكفاية التواصلية هنا هو أن الأفراد المنتمينلمجموعة لغوية موحدة يقتسمون نوعين من الكفايات : المعرفة اللغوية والمعرفة الاجتماعية اللغوية وبتعبير آخر نقول : إن هؤلاء الأعضاء يشتركون في معيارين اثنين : معيار النحو، ومعيار الاستعمال. "(8).

إننا لانعبر عن أفكارنا باللغة ولا نتواصل من أجل الإفصاح عما يختلج بصدورنا وعما تخفيه ضمائرنا فحسب ولكن نعبر أيضا من أجل " أن نربط علاقة اجتماعية مع الغير من أجل التأثير في مخاطبنا لتغيير منظومته الفكرية، أو من أجل إحداث بعض الآثار على إحساسات مخاطبنا أو أفكاره ،أو تصرفاته أو أعماله ، فالمتكلم يعمل دوما من أجل التأثير في مخاطبه وذلك باستحداث استراتيجيات خطابية محكمة تختلف باختلاف الوضعية التواصلية ."(9).

إن مناهجنا التربوية الحديثة التي تستمد أسسها من المقاربة بالكفايات تتبنى فكرة التواصل إلى جانب الكفاية . جاء في مقدمة منهاج اللغة العربية ( السنة الرابعة من التعليم المتوسط ) " يرتكز تعليم اللغة في السنة الرابعة على تنمية القدرة على التواصل الشفوي والكتابي لدى المتعلم ، ويتحقق ذلك بتوسيع مكتسباته وإثرائها ودعمها وتعزيزها اعتمادا على وضعيات متنوعة ... كما أن الغاية المنشودة من أنشطة اللغة في هذه السنة هي تنمية كفاية التواصل لدى المتعلم بما يضمن له حسن التعامل والتفاعل الإيجابي مع غيره "(10).

يطرح منهاج اللغة العربية ( السنة الرابعة متوسط ) في مقدمته فكرة التواصل في الشفوي والكتابي -ويستدعي التواصل مجموعة من القواعد اللغوية والتداولية التخاطبية مثلما تستدعي الكفاية مجموعة من المعارف والقدرات والمهارات . إن الكفاية والتواصل كلّ مركب ، وبات من الضروري في مجال تعليم وتعلم لغة تطوير ما يسمى بالكفاية التواصلية لدى المتعلم التي تهتم باستعمال اللغة في مختلف السياقات.      

هل الأهداف المسطرة في الشفوي والكتابي في منهاج السنة الرابعة تنشد فعلا التواصل مثلما ذكر ذلك المنهاج في مقدمته ؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال نعرج على الكفاية الختامية (11) في المنهاج وهذا نصها " في نهاية السنة الرابعة من التعليم المتوسط يكون المتعلم قادرا على إنتاج شفويا وكتابيا كل أنماط النصوص :الإخبارية الوصفية السردية،الحوارية والحجاجية مع التركيز على النص الحجاجي .(12).

بالنظر إلى هذه الكفاية الختامية، واستحضارا للخصائص (13) المميزة للكفاية بصفة عامة نقف على الشروط والعناصر الآتية :

- الصياغة اللغوية : نص الكفاية مصاغ صياغة لغوية سليمة .

- الوضوح والدقة : لايختلف اثنان في تفسير نص الكفاية .

- الواقعية : ممكنة التطبيق لارتباطها ببرنامج دراسي من جهة، ومراعاتها لمستوى المتعلمين .

- الشمولية : إنتاج نصوص متعددة (شفويا وكتابيا ) إخبارية – وصفية – سردية – حوارية مع التركيز على النمط الحجاجي .وإن إنتاج هذه النصوص جميعها فعل مركب يتطلب معارف وقدرات ومهارات ومواقف ...إلخ .

- الوظيفية : ( غير محددة في نص الكفاية) والمقصود بها الوظيفة التواصلية الدالة (ولها أهمية بالغة في حياة المتعلم)

ب - العناصر :

-      الموارد المطلوبة :معارف وقدرات ومهارات متعلقة بنصوص ( إخبارية ووصفية وسردية وحوارية وحجاجية)

-      ظروف الإنجاز : غير محددة في نص الكفاية وتتعلق بالأنشطة الاجتماعية المختلفة التي لها علاقة ودلالة في حياة المتعلم .

-   معايير الإنجاز :غير محددة أيضا ،وهي المعايير التي في ضوئها يكون الأداء مقبولا ( نسبة كذا ــ عدد الأسطر ــ بشكل جيد ــ بلغة سليمة ...إلخ .)

-   هي كفاية غير مكتملة لأنها تفتقد إلى بعض الشروط والعناصر المشار إليها سابقا ، ويمكن أن نقترح نص الكفاية الختامية في منهاج السنة الرابعة متوسط على النحو الآتي :" في نهاية السنة الرابعة من التعليم المتوسط يكون المتعلم قادرا على إنتاج شفويا وكتابيا وبلغة سليمة كل أنماط النصوص الإخبارية والوصفية والسردية والحوارية والحجاجية مع التركيز على النص الحجاجي في وضعيات تواصلية دالة مرتبطة بحياته اليومية ".

ولتحقيق الكفاية الختامية استنجد منهاج اللغة العربية (السنة الرابعة متوسط ) بمجموعة من الأنشطة نذكرها :

-      القراءة ودراسة النص .

-      التعبير الشفوي .

-      التعبير الكتابي .

أما أهداف التعبير الشفوي والكتابي فأجملها المنهاج فيما يأتي (14):

أ - أهداف التعبير الشفوي :

-      ممارسة اللغة وتوظيف المكتسبات اللغوية بشكل جيد .

-      تحسين الأداء الشفهي وتنمية القدرة على الارتجال .

-      التدريب على المناقشة الفاعلة الوظيفية .

-      اكتساب الجرأة والقدرة على المواجهة والإقناع .

-      تفعيل روح المبادرة والثقة بالنفس .

-      تحقيق التواصل الأفقي .

ب - أهداف التعبير الكتابي :

-      كتابة أنماط نصية (سرد – وصف-حوار - إخبار - حجاج ) باستعمال السندات المختلفة في التعبير (رسالة – خطبة- قصة - مسرحية ) .

ملاحظة : يخصص الأستاذ قسطا من حصة التعبير الكتابي للتصحيح الوظيفي مركزا على جانب إجرائي (هيكلة رسالة إدارية -بناء مقدمة -عرض شاهد من الشواهد - توظيف ظاهرة لغوية مدروسة ...)مراعيا حاجات التلميذ وأخطاءه ، ويقع التصحيح إلى جانب تقديم موضوع التعبير الجديد ومتابعة المشروع وحل الوضعية المشكلة .

بالنظر إلى الأهداف المتوخاة من التعبيرين الشفوي والكتابي يتضح لنا الآتي :

بداية قبل الحديث عن الأهداف يلاحظ أن منهاج اللغة العربية السنة الرابعة متوسط يستخدم مصطلح التعبير عوض التواصل في حديثه عن الشفوي والكتابي، وهو بذلك يتناقض مع أسس المقاربة بالكفايات المبنية على التواصل. إن التعبير في مفهومه العام يدل على الإبانة والإفصاح ويكون هذا الإفصاح باللفظ أو الإشارة أو تعبيرات الوجه أو غيره ،ولا يشترط التعبير المشاركة . أما التواصل فهو مصدر مأخوذ من الفعل تَواصَلعلى وزن "تفاعل" الذي يشير إلى حدوث المشاركة في الفعل بين طرفين أو أكثر "حول رسالة معينة أي مفهوم أوفكرة أو رأي أو مبدأ أومهارة أوقيمة إلى أن تصير الرسالة مشتركة بينهما، ويعتمد في ذلك على الكلمة والكتابة والإشارة والحركة ، وهو بشكل خاص السيرورة التي يكون فيها التفاهم مصدرا لتبادل المعلومات. فالمرسل "أ" يتجه إلى التأثير في المتلقي "ب" بطريقة تخلّف في هذا الأخير أفعالا وعواطف تمكن من ضبط أنشطته أو ضبط أنشطة الجماعة التي ينتمي إليها" (15) وبالنظر إلى الكفاية الختامية يتّضح من فحواها أنها تنشد التواصل لا التعبير :فالنص الحجاجي هدفه التأثير في المتلقي، ولإقناع هذا الأخير يستعمل المرسل طرقا متعددة في الحجاج منها البحث عن البراهين والأدلة والربط بين الفقرات والأفكار والقيام بمجموعة عمليات في الاستدلال مثل الاستقراء والاستنباط والقياس، والاستدلال السببي والجدلي...ويفيد المرسل المتلقي في النص التفسيري بالمعارف الجديدة وتوضيحها ، كما يجيب عن أسئلته بمعنى أن التواصل قائم بين المرسل والمتلقي، ويتحدان أيضا - أي المرسل والمرسل إليه – في النص الحواري الذي يتم فيه التبادل الكلامي والتفاعل بين طرفين أو أكثر متخذا أشكالا متعددة مثل المحادثات والندوات والاستجوابات ... وقس على هذه الأنماط بقية أنواع النصوص الأخرى "إن سيرورة التواصل تبنى على عملية التفاعل على أساس أن كل تفاعل يتضمن بالضرورة فعلا مشتركا بكيفية تجعل أوتبرز نوعا من المشاركة في الفعل بين الذات والغير في إطار العلاقة، أو في حضور مشترك "(16) . إنمن الصعوبات التي تواجهها المقاربة بالكفايات في المنهاج الجديد هو عدم التمييز بين التعبير الشفوي والتواصل الشفوي،وبين التعبير الكتابي والتواصل الكتابي ، كما يتّضح أيضاعلى مستوى الممارسة البيداغوجية أن الشفوي لا يحظى بالأهمية نفسها التي يحظى بها المكتوب مع غياب تصور دقيق للمنهاج والفاعلين التربويين للعلاقة بين الشفوي والمكتوب.

أما أهداف الشفوي- كما هي مرصودة في المنهاج - فهي أهداف بعيدة عن فكرة التواصل ، بسيطة في مفهومها مرتبطة بمفهوم الإخبار ونقل الأفكار والآراء ، وقد عبر المنهاج صراحة عن هذا المفهوم متناقضا مع ما ذكره في بداية تقديمه للمادة حين ركز على أهمية الجانب التواصلي " يمثل التعبير الشفوي وسيلة من وسائل الاتصال المباشر للفرد مع غيره ،تنقل إليهم خلاله الأفكار والآراءوالمعلومات باستعمال اللغة المنطوقة "17) ، كما أن هذه الأهداف لاتخدم نص الكفاية الختامية بوضوح لأن هذه الأخيرة تصنف النصوص أو الخطابات وترصد أنواعها ( وصفي  وإخباري و حواري و حجاجي ) في حين تتجاهلها أهداف الشفوي . وتبدو الغاية من تدريس الشفوي هي خدمة المكتوب " إنه نشاطـــ دعامته المطالعة والقراءة ، وهو حقل تطبيقي لكثير من المهارات ومقدمة للتعبير الكتابي وخادم له ..."(18) .

وتغيب أيضا مؤشرات الكفاية التواصلية في إعداد هذه الأهداف ويركز في الغالب على سلامة"اللغة وتوظيف المكتسبات اللغوية بشكل جيد ..."(19) ، كمايغيب الشق الثاني من الهدف وهو استعمالها - أي المكتسبات - استعمالا وظيفيا من خلال دمجها في وضعيات تواصلية شفوية لأن التركيز على استضمار النسق اللغوي من قبل المتعلم بضوابطه الصوتية والصرفية والتركيبية غير كاف في ممارسة التواصل الشفوي، فالنمط الحجاجي الذي يركز عليه في السنة الرابعة مثلا يعتمد شفويا وكتابيا على وسائل الإقناع لغوية وتداولية تواصلية :

أ - لغوية : كاختيار المعجم المعبر عن الأطروحة المقترحة أو المرفوضة والتركيب المتضمن لأفكار رئيسة وفرعية متماسكة ومنسجمة ،والروابط والعوامل الحجاجية (20) ، وكذلك الأساليب الخبرية والإنشائية وبعض الصور البلاغية التي تحدد وظيفتها في الإقناع والإثارة والتأثير كالتشبيه والاستعارة ...إلخ .

ب - تداولية تواصلية : كأن يتمكن المتعلم (شفويا وكتابيا ) من مجموعة استراتيجيات منها :

-      استراتيجية البرهنة : ويرمي من خلالها المتعلم التأكيد على صحة أطروحة أو قضية .

-      استراتيجية التفسير : وفيها يستدرج المتلقي بوساطة التفسير إلى التسليم بصحة الأطروحة المفسرة وتصديقها .

-   استراتيجية الدحض : وفيها يرسم المتعلم منهجية معينة للدفاع عن أطروحته وهدم الأطروحة المضادة مما يؤدي إلى استدراج المتلقي إلى قبول الأطروحة المدافع عنها ،ورفض الأطروحة    المدحضة (21).

إنه من غير المعقول أن نعتبر إنتاج اللغة وتأويلها مجرد عملية قائمة على التسنين وفكه ؛ فالاستعمال اللغوي يقتضي مجموعة من العمليات والاستراتيجيات .

لأن اللغة ترمي أيضا إلى خلق علاقات اجتماعية بين المتكلمين من جهة والملفوظات التي ينتجونها من جهة أخرى . لقد استطاعت المقاربات الجديدة " أن تلبي حاجيات تعليمية حقيقية في مجال التواصل حيث عمل واضعو برامج تعلم الشفهي على هندسة التعلمات اللغوية في ضوء الحاجيات التواصلية     للمتعلمين "(22). كما تغيب حدود الفصل بين الشفوي والكتابي في منهاج اللغة العربية وفي تصور عدد من المبرمجين والمدرسين أيضا وذلك راجع إلى قلة الاطلاع على نتائج البحث اللساني في تحديد خصوصيات الشفوي والكتابي نذكر منها :

-    على المستوى التركيبي : تقل بعض القيود التركيبية في الشفوي مقارنة مع المكتوب كالميل إلى تسكين أواخر الكلمات ، والتخفيف من استعمال بعض الروابط (23) النحوية . ويرى عدد من الباحثين أن هذه المخالفة بين المنطوق والمكتوب من قبيل الأخطاء اللغوية " وهذا غير صواب على إطلاقه إذ ينبغي اعتبار كل ذلك من السمات التي تختص بها اللغة المنطوقة ،إلا إذا نُظر إلى تلك الأخطاء من ناحية فردية تتعلق بفرد بعينه جاءت نتيجة لظروف نفسية أو اجتماعية أو مقامية ."(24).يوظف الشفوي معجما بسيطا لكنه وظيفي في حين يتأنق الكتابي في اختيار مفرداته والمفاضلة بينها ، فهو ــ أي المكتوب ــ " في الجانب المعجمي أشد إعدادا وأقوى تنظيما " (25).

يستعمل الشفوي علامات غير لغوية مساعدة كإشارات اليدين وتغييرات الوجه وإيماءات أخرى تسد مسد الجمل المعقدة التي تكثر عادة في اللغة المكتوبة "مما يقوي أثر التعبير المنطوق في عملية التبليغ "(26)

تكثر في المنطوق ظواهر الحذف والإضمار وتعوّض هذه الظواهر بإشارات غير لغوية ، كما يطوع المتكلم في المنطوق اللغة حسب مقاصد المخاطب في حين لايتفاعل المتكلم مع المخاطب في المكتوب بشكل مباشر ، فيبذل جهدا في توضيح أفكاره ليتفطن مخاطبه إلى مقاصده " ولهذا يستعين بطرق لغوية حرفية أي يستند إلى منطق إظهاري يبرز العناصر اللغوية في سطح النص درءا لأي لبس        محتمل. "(27).

أما على المستوى الصوتي فيركز النطق على الصوت وتلوينه وإيقاعه ،وتنغيمه في حين يحرص المكتوب على الإعداد الجيد للكلمات، والتوسع اللغوي لتقريب المفهوم من المتلقي . لقد بات من الضروري التعامل بمرونة مع المتعلمين في استخدامهم للشفوي وعدم معاملته - أي المنطوق - بمنطق المكتوب ويتضح من خلال قراءة الأهداف من المكتوب في المنهاج القيمة التبجيلية للمكتوب على حساب المنطوق وهي نظرة تقليدية سادت في غياب ظهور اللسانيات،إذ يعد المكتوب - في المنهاج - المجسد الفعلي للكفاية الختامية رغم استخدام هذه الأخيرة عبارة " أن يكون المتعلم قادرا على إنتاج شفويا وكتابيا كل أنماط النصوص " (28) ورغم التركيز على الجانب الإجرائي في المكتوب الذي يعد جزءا مما يسمى بالقدرة النصية(29)التي تنضوي أيضا تحت الكفاية التواصلية والتي تضم مجموعة من الخطوات في الجانب الإنتاجي نذكر منها: تصور الموضوعات وتصميم خطة النصوص وبناء النصوص وفق النوع والتصنيف، والربط بين البنيات...إلا أن الهدف التواصلي في المكتوب يبقى مفقودا في منهاج اللغة العربية من التعليم المتوسط، لأن المنهاج مازال أسير النظرة التقليدية التي تحصر المكتوب في الإملاء وسلامة الأسلوب ونقاوة اللغة وهي نظرة يتبناها كثير من المعلمين إذ يركزون على الأخطاء الإملائيةوالنحوية والصرفية والأسلوبية في تقويمهم للأعمال الكتابية للمتعلمين وتلّخص ملاحظاتهم في:أسلوب ركيك- انتبه إلى الأخطاء- أخطاء كثيرة- أخطاء نحوية- أخطاء إملائية- لم تتوسع في الموضوع...

رغم أن الكتابي أحادي الجانب بخلاف المنطوق إلا أنه يدرب المتعلم على التفكير:فالنص الوصفي مثلا يتطلب مجموعة من القدرات إضافة إلى القدرات اللغوية منها التعرف على الموصوفات وكيفية تنظيم الوصف داخل الخطاب السردي، والقدرة على إ بداء الرأي من خلال التنويع في وظائف الوصف (الحجاج –الإقناع-الإخبار-التفسير...) والتعرف على البنى الدلالية الكبرى للوصف والبنى التركيبية العليا للوصف(30)....

إنّ منهاج اللغة العربية(السنة الرابعة من التعليم المتوسط) في حاجة إلى إعادة النظر في أهداف بعض الأنشطة ومنها الشفوي والكتابي مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب التواصلي في تصميمها، ولتحقيق الغاية التواصلية ينبغي على المشرفين الساهرين على إعداد المناهج والكتب المدرسية الوعي بخصوصية الشفوي مقارنة بالمكتوب ،والتركيز على ما يسمى بالأهداف التواصلية، لأن التواصل لا يختزل في إطار المعرفة اللغوية، كما أن معيار اختيار المعرفة أضحى يركز على نتائج البحث اللساني ونظريات الأدب بدليل أن نصوص الكفايات أغلبها يرتكز على النظريات النصية التي تصنف النصوص وترصد أنواعها بناء على محددات لسانية واضحة،كما لم يعد النص يقرأ من خلال مجموعة من الوحدات اللسانية، بل يقرأ انطلاقا مما يسمى" بموسوعة القارئ" المخزنة في ذاكرته والتي تتيح له ربط المعلومات والأفكار بتجارب ومعارف سابقة مخزونة. وإذا كنّا في التعبير نركّز – غالبا- على أن يفهمنا غيرُنا فإننا في التواصل مجبرون على أن نفهم غيرَنا :من هم؟ ما هي ثقافتهم؟ماهي موروثاتهم؟ ماهي تمثلاتهم القبلية؟فلكي نتواصل مع الآخر يجب امتلاك قدرات لفهم علامات الطرف الآخر ومعرفة استعمالاتها المختلفة ،وكذا الدلالات المختلفة التي تحملها. وتعد المقاربة بالكفايات خير مجسد لفكرة التواصل في المجال التربوي على المستوى النظري أما على المستوى التطبيقي فتجابه هذه المقاربة صعوبات جمة مما يستلزم إعادة النظر في التكوين بصفة عامة والإصلاح التربوي بصفة خاصة، وعلى قول جورج موكو: إن أي عملية تعليمية إذا لم تسبقها عملية تواصلية مآلها الفشل.

هوامش البحث :

1– بين الكفاية والكفاءة لغة :

كفى يكفي إذا قام بالأمر .ويقال استكفيته أمرا فكفانيه ،ويقال كفاك هذا الأمر أي حسبك ، ويقال كفاه مؤونته كفاية ،وكفاك هذا الشئ .

كفأ:والكفئ: النظير وكذلك الكفء والكفوء وتقول لاكفاء له بالكسر لانظير له ، والكفء النظير والمساوي ومنه الكفاءة في النكاح وهو أن يكون الزوج مساويا للمرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغيرها ، وتكافأ الشيئان : تماثلا ،وكافأه مكافأة وكفاء ماثله .

انظر : ابن منظور ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ،مادتي (ك .ف . ي )و (ك ، ف ، أ )

ملاحظة : نؤثر استخدام مصطلح كفاية بدل كفاءة لأن المصطلح الأخير يعني في أغلب المعاجم العربية النظير والمساوي ومن قوله تعالى ( ولم يكن له كفؤا أحد )الإخلاص:آية 4.

أما المصطلح الأولففيه معنى الاستغناء وحصول الاكتفاء وهو ما نرمي إليه في دراستنا هذه مع العلم أن مناهجنا تستخدم مصطلح كفاءة .

2-Guy le Boterf : de la compétence ,un atracteur étranger ;les éditions d’organisation , 1994,p33 .

3- لحسن توبي : بيداغوجيا الإدماج وديداكتيك التواصل الشفهي ، إفريقيا الشرق ،المغرب ، 2012 ، ص 93 .

4 ـ المنهاج أوcurriculum لفظة أصلها إغريقي وتعني سباق الخيلcourse، ويقصد بها في المجال التربوي التخطيط للعمل البيداغوجي وهو-أي المنهاج- أكثر اتّساعا من المقرر التعليمي،فهو لا يتضمّن فقط مقررات المواد، بل أيضا غايات التربية، وأنشطة التعليم والتعلم، وكذلك الكيفية التي سيتمّ بها تقويم التعليم والتعلّم.( D HAINAUT L .1983(انظر:عبد الكريم غريب،المنهل التربوي،معجم موسوعي في المصطلحات ، والمفاهيم البيداغوجية والديداكتكية ،والسيكولوجية ، مطبعة النجاح الجديدة المغرب ط1، 2006، ج1 ص 234.

5ــ مناهج السنة الثالثة من التعليم الثانوي (اللغة العربية وآدابها )، الشعب : الرياضيات ، العلوم التجريبية ،تسيير واقتصاد،   تقني ،2006 ، ص26.

6ـ عبد السلام عشير ،الكفايات التواصلية ، اللغة وتقنيات التعبير والتواصل ،منشورات  top édition ، المغرب،ط1 2007، ص 19.

7ــ عبد الكريم غريب ، المنهل التربوي ، مطبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء ،ط1 ، 2006،ج1 ،ص157.

8-محمد مكسي ،ديداكتيك الكفايات ،دار الثقافة ، الدار البيضاء، المغرب ،ط1، 2003 ،ص 50 .

9 - عبد السلام عشير ،الكفايات التواصلية ،اللغة وتقنيات التعبير والتواصل ، ص 27 .

10-ــ مناهج السنة الرابعة من التعليم المتوسط ( منهاج اللغة العربية ) ،جويلية 2005 ، ص 19 .

11-ــ الكفاية الختامية :competence finale :تصف كليا وتتميز بطابع الشمولية وتعبر عن مفهوم إدماجي لمجموعة من الكفايات المجزأة،ويمكن أن نعبر عنها بالنتيجة المتوقعة في نهاية مرحلة تعليمية.

انظر دليل الأستاذ السنة الثالثة من التعليم الثانوي(جميع الشعب ).الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية . ص8 .

12- مناهج السنة الرابعة من التعليم المتوسط (منهاج اللغة العربية )، ص 20 .

13-عبد الرحمن التومي ، منهجية التدريس وفق المقاربة بالكفايات ، مطبعة الجسور ، المغرب ، ط1 ، 2007 ، ص 11 .

14-مناهج السنة الرابعة من التعليم المتوسط ( منهاج اللغة العربية )، ص 27 .

15-المنهل ، ج1 ، ص158

16- عبد الكريم بلحاج ، مفهوم التواصل : مظاهره ومحدداته في علم النفس الاجتماعي :ندوة المفاهيم وأشكال التواصل ، تنسيق محمد مفتاح وأحمد بوحسن ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الرباط ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 2001 ، ص 49 .

17ــ مناهج السنة الرابعة من التعليم المتوسط ( منهاج اللغة العربية )، ص27 .

18- المصدر نفسه ، ص 27 .

19-ــ المصدر نفسه ، ص 27 .

20-ــينبغي أن نميّز بين صنفين من المؤشرات والأدوات الحجاجية:الروابط الحجاجية:les connecteurs والعوامل الحجاجيةles operateurs ،فالروابط تربط بين قولين أوحجتين على الأصح أو أكثر وتسند لكل قول دورا محددا داخل الاستراتجية الحجاجية العامة ويمكن التمثيل للروابط بالأدوات التالية:بل -لكن حتى- لاسيما –إذن- بماأن- إذ....أما العوامل الحجاجية فهي لا تربط بين متغيرات حجاجية أي بين حجة ونتيجة أوبين مجموعة حجج ،ولكنها تقوم بحصر، وتقييد الإمكانات الحجاجية التي تكون لقول ما وتضم مقولة العوامل أدوات من قبيل:ربما-تقريبا-كاد-قليلا-كثيرا-إلا وجل أدوات القصر.

لمزيد من المعلومات حول الروابط والعوامل الحجاجية .

انظر:أبوبكر العزاوي،اللغة والحجاج ،دار العمدة في الطبع ، المغرب ، ط 1 ،ص 27-28-29 -30 .

21ــ لمزيد من الاطلاع على هذه الاستراتيجيات انظر محمد حمود ،دليل الإقراء المنهجي لأصناف النصوص ، دار ، top édition ، المغرب ، ط 1، 2005 ، ص142.

22ــ-لحسن توبي،بيداغوجيا الإدماج وديداكتيك التواصل الشفهي،ص 132.

23-المرجع نفسه،ص169.

24 –جمعان عبد الكريم،إشكالات النص(دراسة لسانية نصية)، النادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي ، المغرب ط1 ، ،2009 ،ص104.

25-محمد العبد،اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة (بحث في النظرية)،دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع القاهرة ،ط1،1990،ص156.

26-المرجع نفسه،ص 134.

27-لحسن توبي،بيداغوجيا الإدماج وديداكتيك التواصل الشفهي،ص 157.

28-مناهج السنة الرابعة من التعليم المتوسط (منهاج اللغة العربية )، ص20.

29-عبد الكريم غريب، المنهل التربوي،الجزء الاول ص 183.وانظر أيضاRUK (H) linguistique textuelle etenseignement du français ,Paris Hathier- credif 1980 .

30-مليكة بوراوي، البناء الوصفي في شعر ابن حمديس ، مجلة دراسات أندلسية، تونس ، عدد 36 ، 2006 ، ص31 وما بعدها .وانظر أيضا فيليب هامون : في الوصفي ، تعريب سعاد التريكي ، مطبعة بيت الحكمة ، تونس ،ط1 ، 2003 .