التّرجمة الروائية العربية لنص الآخر
pdf

ثقافة المترجم وآليات تحويل النص

د/ عبد الغني بن الشيخ

جامعة محمد بوضياف المسيلة ( الجزائر )

Abstract :

Translation from or into any other language is considered as the most important modes in the identification of the other`s novel

If we translated it and if we definite our Arabic novel to him by translated it from Arabic into his language

Or if he chose some models from this novel then translated it.

Moreover; novel`s translation from foreign language into Arabic is flourished in the Arab world since the Renaissance till nowadays

This translation helped us to know the other`s novel

Such as:The Western novel

And it lead us to benefit from His experiences in novel`s writing and its (subjects;methods; techniques.... etc...)

So;the question is:How did Arab translators react with other`s novel?

And How did its effects appear in the translated texts?

Keywords; Translation, novel, Narration , Text.

Resume:

La traduction des œuvres romanesques d’une langue à une autre et vice versa est considérée comme un intermédiaire incontournable afin d’avoir accès et  de connaître les productions romanesques d’autrui, de même elle contribue à faire découvrir les nôtres dans des langues autres. Dans ce sillage, la traduction des romans de différents langues vers la langue arabe a connu dans le monde arabe un mouvement considérable depuis la renaissance  jusqu’à nos jours.

 Cela a permis de connaître les romans d’autrui allant même à s’inspirer de leurs expériences dans l’écriture romanesque que ce soit sur le plan technique ou thématique.

Mots clés; Traduction, Roman, Narration,Texte.

A ce propos, nous  essayerons de montrer dans le présent article  comment les traducteurs arabes ont-ils réagi vis-à-vis du roman d’autrui, comment l’ont-ils traité et à quel degré l’impact et la trace de ce dernier (le roman traduit) se manifestent-ils au sein du texte traduit ?

الملخص:

تعتبر الترجمة الروائية ( من وإلى) أحد أهم الوسائط في التعرف إلى رواية الآخر إذا ترجمنا عنه، وتعريفه  بروايتنا العربية إذا ترجمناها له بلغته،أو قام هو نفسه بترجمة نماذج منها، وفي ذلك عرفت الترجمة الروائية من اللغات الأجنبية إلى العربية حركة نشيطة، منذ عصر النهضة في وطننا العربي إلى يومنا هذا ، ساهمت في التعرّف على رواية الآخر(الرواية الغربية) والإستفادة من تجاربه  في كتابة الرواية ، سواء من حيث التقنيات أو الموضوعات، والسؤال المطروح: كيف تفاعل المترجمون العرب مع رواية الآخر وكيف تجلت آثارها في النصوص المترجمة ؟ ذلك  ما تحاول هذه المقالة الإجابة عنه.

الكلمات المفتاحية : ترجمة ، رواية

مدخل: تعد الترجمة أحد الوسائط الهامة في الإنفتاح على أدب الآخر والإطلاع عليه، و قد شهدت ازدهارا  كبيرا  في العصر الحديث على مستوى الممارسة، حيث ساهمت في تقريب آداب الأمم من بعضها البعض والتعريف بآداب الأمة المترجم عن لغتها لقراء الأمة أو الأمم  المترجم لها، والترجمة الأدبية كما يدل عليها اسمها تهتم حصرا بترجمة الأدب بأجناسه المختلفة كالشعر والمسرح والرواية، وهي عملية معقّدة للغاية، يقوم المترجم من خلالها بتحويل شفرة لغوية منتظمة في بنية من العلامات المنطوقة أو المكتوبة إلى شفرة أخرى مختلفة عن الأولى،ويدخل في هذا الإطار النص الروائي المترجَم، حيث يقوم المترجم بعملية تحويل لشفرته من لغة إلى أخرى مغايرة [1]

ومن ثمَّ،فإن عملية الترجمة هي بمثابة إعادة صياغة وتشكيل للنص،ضمن ما تقتضيه قواعد الترجمة واللغة المترجم لها على حد سواء، كما دلت عليه  تجارب ترجمة النص الروائي الغربي إلى العربية،ومثلها تجارب ترجمة النص العربي إلى لغات أجنبية أخرى مختلفة.

1- ثقافة المترجم وآليات الترجمة الروائية :تجدر الإشارة بدءا إلى أنّه من الصّعب إجراء مسح شامل للأعمال الروائية التي تمت ترجمتها إلى اللّغة العربية، منذ بداية ما سُمي بعصر النهضة إلى يومنا هذا، وهذا لأسباب متعدّدة، من ذلك العدد الهائل لتلك المؤلفات المترجمَة التي لا يمكن حصرها من جهة، وغياب دراسة إحصائية توثيقية، من شأنها أن تعين الباحث المهتم بهذا المجال في مهمته من ناحية أخرى،غير أنّ ذلك لا يلغي إمكانية تتبّع مراحل تطوّر التّرجمة الروائية في البلاد العربية بصفة عامة، وما نجم عنه من تحوّلات في الأدب والثقافة العربيين عموما. 

ونحن إذا حاولنا تتبّع مسار تلك الإنجازات في مجال التّرجمة الأدبية- في بداياتها- بصفة عامة وجدنا أنّه كان لها علاقة وطيدة بالتحوّلات التاريخية والاجتماعية التي عرفها المجتمع العربي،منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذْ وجد العرب أنفسهم مباشرة في مواجهة ثقافة و علوم الآخر (أي الغرب)،هذا الآخر الذي كان قد خطا خطوات بعيدة جدا في مجال تحليل الإنسان، والتاريخ، والمجتمع، ومختلف النشاطات التي نجمتعن علاقات الإنسان بالعالم،وكان على المثقّف العربي- إذْ ذاك- أن يتفاعل مع هذه المعرفة، التي هي غريبة عن محيطه وسياقه الثقافيين[2]

وقد كانت التّرجمة  أحد أهم الوسائل التي يسّرت الإطلاع على تلك العلوم المختلفة،كما يسّرت في مجال الأدب الإطلاع على الرواية الغربية بصفة خاصة، ومكّنت القارئ العربي من قراءة أعمال روائية عالمية كثيرة، لم يكن ليتسنى لجمهور عريض قراءتها في لغاتها الأصلية لو لم تترجم إلى اللّغة العربية، كالروايات الإنجليزية والفرنسية والروسية.

إلا أنّ ثمة ما يمكن ملاحظته بخصوص طرائق التّرجمة والتعامل مع النص في نسخته الأصلية،في المراحل الأولى للإحتكاك المباشر بالأدب الغربي،أبرزه غياب ثقافة التّرجمة لدى عدد كبير من المترجمين، وعدم التزامهم بقواعدها، التي تتطلّب- في أدنى شروطها- الأمانة في نقل محتوى النّص الأصلي في مضمونه على أقل تقدير، أثناء ترجمته من لغته الأصلية إلى اللّغة العربية المترجَم إليها، حتى وإن كان معلوما أنّ الإلتزام بتلك القواعد في مجال التّرجمة الأدبية ليس بالأمر السهل.

وهو ما يذهب إليه جون كوين (Jean Cohen) عندما يقول: " التّرجمة تتمّ عندما تتطابق الرسالة الثانية مع الرسالة الأولى من النّاحية المعنوية،أيْ: إذا كانت المعلومة المنقولة واحدة، والتّرجمة مهمّة شاقة تتجمّع ضدّها الاتهامات التي يلخصها المثل الإيطالي المعروف:كل مترجم خائن، لكن المترجِم لا يخون أبدا إلا النّص الأدبي، أمّا اللّغة العلمية فهي تبقى قابلة للتّرجمة " [3]

وهو،وإنْ كان يذهب إلى الإقرار بصعوبة ترجمة النّص الأدبي بأمانة خالصة، إلا أنّ ذلك لا يعني عنده استحالة ترجمته أو نقله كيفما اتفق، بل يدعو المترجِم - قبل كل شيء - إلى ضرورة التّفريق بين شكل المحتوى وجوهره ، إذ يرى أنّ ترجمة الجوهر ممكنة للغاية،أما ما هو غير ممكن فهو ترجمة الشّكل[4] نظرا لاختلاف المستويات الصوتية والتركيبية في أشكال التّعبير بين اللّغات، وبالخصوص إذا ما تعلق الأمر بترجمة نص شعري من لغة إلى أخرى،أين يواجه المترجِم صعوبة جمّة،لعدم قابلية اللّغة الشعرية للتّرجمةفي جانبها الشكلي[5] 

ويدلّل كوين على صحة رأيه، بالإستناد إلى تعريف لأحد كبار المختصين في هذا المجال، كما يشير هو نفسه إلى ذلك ، إذِ " التّرجمة تهدف إلى أنْ تنتج داخل لغة الوصول (اللّغة المترجَم إليها) معادلا طبيعيا أقرب ما يكون إلى الرسالة في لغة القيام (المترجَم منها) من ناحية المعنى أولا والأسلوب ثانيا" [6]

وعنده أنّ جوهر المحتوى هو المعنى وأنّ شكله هو الأسلوب، وأنه عندما تكون لغة النّص الأصلي نثرية وكذلك لغة الوصول- المترجَم إليها-  فإنه تنتفي عن المستوى الشكلي صفة اللّزوم ، بما أنّ النثر هو درجة الصفر في الأسلوب[7] وهذا ما ينطبق على النص الروائي عندما  تُراد ترجمته،إذْ لا يجد المترجِم صعوبة كتلك التي يواجهها في حال عزمه على ترجمة ديوان شعري مثلا.

في هذا السياق، تُطرَح مجموعة من الأسئلة التي هي مدار إشكالية في الترجمة : ماهي الآليات التي ينبغي العمل بها لإنجاز نسخة نصية معادلة نسبيا للنسخة النصية الأصلية؟ وإلى أيّ مدى يمكن للمترجم أن يتصرف في مادة ترجمته الروائية؟

فالترجمة ليست عملا آليا يقوم به المترجم،أو نقلا حرفيا للنسخة الأصلية إلى لغة أخرى، مثلما لو تعلق الأمر باستنساخ لوحة فنية، حيث يقوم الرسام  بتتبع الخطوط والألوان والنسب والأبعاد التي يقلّدها[8] بغرض إنجاز لوحة شبيهة إلى حد كبير بالنسخة الأصل.

وإذًا، فإنه لا يكفي أن يكون المترجم متمكِّنا من اللغة التي يترجم منها،إضافة إلى تمكّنه من اللغة التي يترجم إليها، كما يتصوّره العديد من المترجمين حسب ما يذهب إليه أرنست ميرسييه (Ernest Mercier) الذين يعتقدون أن معرفة اللغات الأجنبية يكفي لنقل الكلمات أو نص ما  من لغة إلى اللغة المنقول إليها [9] والمترجم - في هذه الحال- ليس سوى أداة ناقلة للأصوات، يتصرّف بطريقة آلية، و من ثمّ، لا تتجلى أهمية ما يقوم به، إلا في التزامه بالأمانة في نقله لتلك الأصوات، دون أن إضافة شيء من عنده[10]   

في المقابل، يوضّح ميرسسيه أنه لا يعني بالترجمة غير الأمينة تلك التي ينزح  فيها المترجم عمدا إلى تغيير معنى الكلام الذي يترجمه، فذلك راجع إلى عدم فهمه لفكرة الكاتب الأصلي بدرجة كافيه[11] وهو ما يجعل نصه المترجم  مًعرّضا للانحراف عن المعنى الأصلي بطبيعة الحال.لهذا وُضِعتْ شروط خاصة تقيّد فعل الترجمة كما يرى أهل هذا الاختصاص، ومنها: أنه ينبغي على المترجم في المقام الأول ألا يكتفي بنقل نص أدبي ما ـنقلا أمينا، بل عليه  أن يثير تلك الإنطباعات التي حملها النص الأصل، ولا يرضى بإنجازه الذي حقّقه إلا إذا استطاع أن يثير تلك الانطباعات لدى قارئ نصه المترجم ذاته[12]

 من ثمّ، تصبح الترجمة الأدبية أقرب إلى الفن منه إلى العلم أو العمل الآلي، ولكنها ليست فنا بمفهومه الدقيق، فالفنان يبدع في إطار ما يمليه عليه خياله في حين يتعامل المترجم مع فكرة سابقة جاهزة ، يسعى لنقلها والتعبير عنها، مجتهدا في تمثيلها بشكل مختلف، ولكن، بدقة متناهية،أي: بكيفية تجعلها أكثر قابلية للفهم، ضمن وسط آخر ومن طرف قراء يجهلون اللغة الأصل [13]

من هذه الزاوية، يبدو المترجم /الأديب أكثر إبداعا في تعامله مع النص المترجم مقارنة بالمترجم غير الأديب، فالأول أكثر قدرة في اختيار التعابير الملائمة لنقل الانطباعات والأفكار بأسلوبه الأدبي الخاص، فتظهر بذلك بصمته الأدبية جليا في النص الذي يقوم بترجمته[14]

ورغم ذلك، فإن عملية ترجمة النصوص الأدبية تصبح أكثر تعقيدا وصعوبة حين تكون اللغة المترجم عنها بعيدة في نظامها الصوتي وتراكيبها النحوية عن اللغة المترجم إليها،كما هو الشأن بالنسبة للعربية لغير العربي أو الروسية أو الألمانية بالنسبة للعربي[15] وهذا ما تؤكده النصوص الروائية المترجمة إلى العربية ومثلها النصوص الروائية العربية المترجمة إلى لغات أخرى أجنبية على حد سواء.

 فإذا عدنا إلى المحاولات الأولى في ترجمة الرواية الغربية إلى العربية،وحاولنا الوقوف عند خصائص تلك الترجمات من ناحية الشّكل والمحتوى،وجدنا أنها لا تتّفق في كثير من النواحي مع ما يذهب إليه كوين، ولا مع ما يذهب إليه المختصون في مجال التّرجمة عموما، وهي القضية التي سلّط عليها الضوء أكثر من ناقد وباحث، ومنهم عبد الله إبراهيم في كتابه " السّردية العربية الحديثة " إذْ يسجّل جملة من الملاحظات الجوهرية المتعلقة بعدد كبير من الروايات الأجنبية، التي تُرجمت إلى العربية،في المراحل الأولى للإحتكاك بالأدب الغربي، وأهمها عدم التزام المترجمين العرب بقواعد التّرجمة مثلما لم يلتزموا بأخلاقياتها، مع ملاحظة أن عبد الله ابراهيم يفضل استخدام مصطلح التعريب في هذا الشأن بدل الترجمة.

في نفس السياق يسجل عبد الله ابراهيم – دائما- تمادي المترجمين العرب في التّصرف في النّصوص الأصلية التي ترجموها إلى العربية، حيث يقول " كشفَتْ لنا المعطيات التي وقفنا عليها، فيما يخصّ التّعريب، ونحن نتتبّع مساره العام منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى العقود الأولى من القرن العشرين عن حقيقة ثقافية جديرة بالإهتمام، وهي أنّ أساليب المرويات السّردية وأبنيتها،وموضوعاتها،وجَّهتْ عملية التّعريب بما يوافق طبيعة تلك المرويات، فقد كانت هي الرّصيد الموجِّه لكيفية تلقي الآداب السّردية،وكان المعرّبون قد تشبّعوا بذلك الرّصيد،فكانت اختياراتهم،ودرجة تصرّفهم بالنّصوص الأجنبية،وعمليات التّكييف التي يجرونها عليها، تتمّ في ضوء ذلك الرّصيد " [16]

وهذا يدلّ على أنّ تلك  الروايات المترجمة عن لغات أجنبية  كانت تتعرّض أثناء ترجمتها لتغيير كبير،لتوافق تلك الحاجات" [17] وهو الأمر الذي كان من جهة أخرى يلبي حاجة الذّوق الشائع لدى جمهور القراء،المعتاد على تلقي المرويات السّردية العربية المعروفة والمألوفة[18]  

والتّصرف في النّص الروائي بهذا الشّكل من طرف المترجمين له أكثر من جانب سلبي،فمن ناحية نلمس فيه إساءة وتشويها للنّص الأصلي، ومن ناحية أخرى هو تشويه لخصوصيات جنس أدبي في حد ذاته هو الرواية، والتي لها مميزاتها التي تميّزها عن المقامة وعن المسرودات العربية المألوفة،ونقل النّص بهذا الشكل المشوّه يصبح نوعا من التحريف اللاّمقبول لما أبدعه الكاتب الأصلي، بل هو نقل مشوه لخصوصية الإبداع عند الآخر.

 في هذا الشأن، يعرض عبد الله إبراهيم إلى ظاهرة خطيرة أخرى ،ميّزت التّرجمة العربية عند بعض المترجمين العرب، تحديدا عند المنفلوطي، وقد  أشار إليها أكثر من باحث، إذْ لم  يكن المنفلوطي يتقن أيّة لغة أجنبية، بما في ذلك الفرنسية، ومع ذلك لم يجد حرجا في الإستعانة بمن يترجم له بعض الأعمال الأدبية من الفرنسية إلى العربية،ليتكفّل هو نفسه بعد ذلك بالتصرّف في مادتها بأسلوبه الخاص وبطريقته الخاصة، ويعطي لنفسه في ذلك حرية واسعة، حتى لكأنّه يعيد كتابة النّص الأصلي من جديد، معتمدا على الإسترسال والإنطلاق الوجداني والوعظ الأخلاقي[19]

 وهذا ما يمكن ملاحظته دون عناء لمن يقرأ بعين النّاقد ما ترجمه المنفلوطي من أعمال أدبية، حتى وإن كان لا يمكن إنكار أنّ تلك الأعمال قد حقّقت مقروئية واسعة في الوطن العربي،لما يتميز به المنفلوطي من سلاسة في التعبير وإثارة لعنصر التشويق في المتلقي.

غير أنّ كل ذلك لم يرق للعديد من النّقاد – الذين عاصروه -  فقد عبرّ طه حسين عن  موقفه بشكل حاد  منتقدا هذا النوع من التّرجمة، حيث وجده منافيا لقواعدها، كما عارضه في ذلك أدباء ونقاد آخرون، من جانب أنّ للتّرجمة قواعدها وآلياتها وأخلاقياتها أيضا.

ومثل ردود الأفعال المبكرة تلك،كان لها أهميتها في تطور التّرجمة الأدبية العربية، نحو ما يعزّز وظيفتها المعرفية والتثقيفية،بالتّنبيه إلى خطورة ما ينجرّ عن التّرجمة المشوِّهة للنّص الأصلي، إذْ لا يسلب ذلك النوع من الترجمات النّصوص المترجمة هويتها الأصلية فحسب، بل من شأنه أنْ يورّث الجيل المتأثّر بها من المترجمين طرائق غير منهجية، في ترجمة الأعمال الأدبية وغيرها.

ولعلّ السبب الرئيسي في تجلي تلك الظاهرة يرجع بشكل أساس إلى غياب ثقافة التّرجمة،عند أولئك المترجمين الأوائل ومعه غياب المتخصصين في مجال التّرجمة، نتيجة عوامل مختلفة، بينما نلحظ في مراحل لاحقة تطورا تدريجيا في الإلتزام بقواعد الترجمة،والاهتمام بانتقاء النّصوص الأدبية المراد ترجمتها إلى العربية، مع بروز مترجمين متخصصين لهم دراية كافية باللّغة العربية وباللّغة أو اللّغات التي تتم الترجمة منها، بالخصوص بعد الستينيات من القرن العشرين.

 وقد تزامن ذلك مع التطور الحاصل في مجال " نظريات الترجمة " في الغرب بوصفها علما له أسسه ومنهجه والذي ارتبط بدوره بتطور اللسانيات وتعدد اتجاهاتها، وهو ما كان له أثره في تطور طرائق الترجمة ومناهجها، وكما استفاد من ذلك المترجمون الغربيون فقد استفاد منه المترجمون العرب الذين هم في معظم الأحوال أكاديميون لهم اطلاع حول التطور الحاصل في ميدان الترجمة واللسانيات.

وفي ذلك، برز في ذلك العديد من المترجمين العرب المعاصرين، ترجموا أشهر الروايات الغربية، ملتزمين في ترجماتهم بما تمليه قواعد الترجمة في عمومها، ومنهم سامي الدروبي الذي برز في ترجمة روايات الأديب الروسي دوستويفسكي العالمية، و منير البعلبكي الذي ترجم روايات فرنسية مثل رواية البؤساء الشهيرة لفيكتور هيجو  وأخرى إنجليزيةوأمريكية كرواية أوليفر تويست لـ  تشارلز ديكنز.دون أن ننسى الجهود التي يبذلها بعض المترجمين في المغرب العربي في الجزائر والمغرب وتونس.

ومع هذه الطفرة في مجال الترجمة،لم يعد المترجِم يسمح لنفسه بالتّصرف في محتوى النّص حسب أهوائه،كأن يحذف أو يضيف دونما مبرر، كما تخلّص من لغة التنميق المبالغ فيه،وقلّما نجد تدخلا من جانب المترجم قي ثنايا النّص، وهو وإنْ وجد – للضرورة لا أكثر - فإن ذلك يتم بالإشارة إليه في الهامش أو في ملحق ،أيْ خارج حدود النص.

في خضم هذا التحول، سعى المترجمون لمواكبة التطور الحاصل في الرواية الغربية فاهتموا بترجمة نماذج عديدة من الرواية الجديدة الفرنسية كما ترجموا الروايات العالمية الشهيرة،وحاول بعضهم مواكبة أي جديد في الرواية يصنع الحدث الثقافي لدى الآخر فيسارع إلى ترجمته كما هو جارِ على أيامنا هذه.

وهو ما ساهم بشكل أو آخر في تطور الرواية العربية المعاصرة،إذ ساهمت الترجمة في إبراز التجارب الروائية الغربية الحديثة، ومن ثم استفاد الروائيون من تقنياتها ومن طرائق سردها و الإحاطة بالموضوعات التي تطرقها،ويكفي أن نعود إلى التجارب الروائية المعاصرة في المغرب العربي ليتضح لنا ذلك بجلاء، ونستثني من ذلك فئة الروائيين الذين يقرؤون تلك الروايات الغربية في لغاتها الأصلية ويتأثرون بها بشكل مباشر.

ورغم أنّ التّرجمة الأدبية في البلاد العربية على أيامنا مازالت في حاجة إلى اهتمام أكبر، من جانب أنها تندرج عادة في محاولات فردية معزولة لا تلقى الاهتمام اللازم ، فإنه من الضروري أن تتضافر الجهود في مجال ترقيتها،ونقلها من الإطار الشخصي الخاص إلى إطار أوسع وأشمل.

 ومع ذلك،فأنه يمكن القول أنّ ما تم ترجمته إلى حد الآن يكون قد مكّن القارئ العربي - إلى حد بعيد من الإحتكاك الفعلي بأدب الآخر-  الذي نعني به عادة الغرب، غير أنّه ينبغي أيضا توسيع دائرة التّرجمة إلى ما هو أبعد، بغية الإطلاع على آداب أخرى، نكاد لا نعرف عنها شيئا كالأدب الياباني و الأدب الصيني والأدب التركي وآداب شعوب أخرى تظل روايته مجهولة لدينا.

2- الترجمة الروائية والتأثير الثقافي : يحيل موضوع الإحتكاك الأدبي الحاصل بواسطة الترجمة إلى قضية هامة، تتعلق بالتأثير الثقافي الذي تمارسه النصوص المترجمَة في الوسط المترجَم إليه- إنْ سلبا أو إيجابا- إذْ أن ّ " ترجمة أي منتج ثقافي، سواء كان مصطلحا أو كتابا أو منهجا فكريا أو فلسفة أو قصيدة،بنقله إلى لغة أخرى، يعني في أبسط صوره الدخول في علاقة مع تلك الثقافة، تلك العلاقة يصفها البعض بأنها حوار يقوم فيه المترجِم بوظيفة الوسيط المنسِّق[20] 

وبما أن المتلقي و المعني الأول بذلك التأثير الذي يحدثه النص المترجم في ذهنه ونفسه بصفته قارئا ،فإنّ طبيعة تأثير الثقافة المترجمة تتحدّد من خلال مستويات المتلقي المستقبِل لها، ومدى قدرته أو عدم قدرته على التفاعل الإيجابي مع تلك الثقافة، ويشاركه في ذلك المترجِم نفسه، فهذا الأخير هو من يقوم أساسا بانتقاء المادة المترجمَة ،كاختيار رواية بعينها، من لغة مخصوصة، لروائي معيّن،وربما في ظرف محدّد أيضا،وهنا تدخل مسؤولية المترجِم، بحسب ما ينتقي من مادة أدبية ليترجمها، بحسب مقاصده ونواياه واتجاهه الفكري وربما نزعاته الفردية.

ومن المظاهر السلبية لتلقي الآداب الغربية المترجمَة أن يتماهى المتلقي في فضائها تماهيا يجعله محتقرا لثقافة بيئته، وأدب بيئته، فتصبح الثقافة الوافدة نموذج تفكيره وسلوكه،بل وقد تصبح في ناظره نموذج الثقافة البديلة، وفي ذلك ينبغي ألا نتجاهل أنّ لكل نص مترجَم كثافته الثقافية، وأبعاده الفكرية المختلفة عن ثقافة المتلقي، فخطاب الآخر مهما كان نوعه يحمل في مضمونه حمولة ثقافية لهوية الآخر المختلفة .

فنحن حين نقرأ روايات مترجمة إلى العربية مثل " الغريب " لألبير كامو ( Albert Camus) أو " مدام بوفاري " لفلوبير (Gustave Flaubert) أو " البحث عن الزمن المفقود " لمارسيل بروست ( Marcel Proust) ، فإنها كلها روايات مشبّعة بقيم ثقافية، تختلف جذريا عن أبعاد ثقافة المتلقي لها وقد ترجمت إلى العربية، من جانب أن أيّ " معطى ثقافي،أو مذهب فكري،أو اتجاه فلسفي، أو ما شاكل ذلك، إنما يتحدّد- في العادة- في ضوء الرجوع إلى أراء صانعيه، وأفكار رموزه و مؤسسيه " [21]

وإذا اعتبرنا الترجمة هي الوسيط الأكثر فعالية للاتصال بالآخر، فإنه ينبغي للمستقبِل ألا يكتفي بالإستقبال بل أن يتحوّل بدوره إلى مرسل من جهته،بأن يجعل من أدب بيئته مادة أدبية تترجم إلى لغات أخرى ، مثلما تشهده ترجمة الرواية العربية إلى لغات عالمية مختلفة على أيامنا،وهو أمر يدعو إلى التفاؤل، فقد تُرجمت  في العشرين سنة الأخيرة العديد من الروايات المكتوبة باللّغة العربية إلى اللّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها من اللّغات الأجنبية.

 وهي  روايات تتجسّد فيها كثير من المقومات الثقافية العربية شكلا وأسلوبا ، كرواية " كتاب التجليات "  لجمال الغيطاني التي ترجمها خالد عصمان سنة 2005 إلى الفرنسية تحت عنوان:  Le livre des Illuminations،إذْ من شأن هذه الرواية المتميزة أن تقدم للقارئ الغربي صورة مختلفة عن تلك الصورة المألوفة عن الرواية العربية في مراحل  سابقة لها، لما تتميز به من خصوصية سردية عربية .

إنّ الترجمة في الإتجاه الآخر في مجال الرواية - وخاصة إذا كانت الترجمة من طرف الآخر– لها أهمية كبيرة، فهي بمثابة ٌ إقرار بوجود أدب عربي، بات له موضعه في الأدب العالمي، وهو موضع يمكن تعزيزه إذا ما كثف المترجمون العرب من مجهوداتهم ، بترجمة المزيد من الروايات العربية إلى لغات أخرى لتعزيز هويتنا الثقافية الأدبية.

لقد أصبحت الرواية على المستوى العالمي فضاءً يجسد الحياة الإنسانية المعاصرة، بكل تناقضاتها وتنوعها أوجهها واشكالها بتعدد الثقافات واختلافها، بل لقد أصبحت إلى جانب ما يمارسه الإعلام بالصورة والصوت وجها آخر للتعريف بالمجتمع وثقافته، من خلال ما يطرحه الروائي عن ذلك المجتمع،حين يكتب عنه والذي هو ينتمي إليه في غالب الأحيان .

ولمّا كان يتعذّر على القراء العرب قراءة  معظم النصوص الروائية، في لغاتها الأصلية حتى وإن كان البعض منهم يتقن لغة أو لغتين فإن قراءة روايات مترجمة عن لغات يجهلها تماما إلى اللغة الغربية ،ستتيح له الانفتاح على ثقافات مجتمعات أخرى قد لا يعرف عنها شيئا يذكر .

وهنا يكمن دور المترجم الذي يتوجب عليه أن يطور قدراته وكفاءته، كي يتمكن من تحويل ثقافة الآخر عبر الرواية التي يترجمها،آخذا بعين الاعتبار طبيعة السياق الذي ينقل منه وذلك الذي ينقل إليه، وهذا في حد ذاته يحتاج إلى ثقافة حديثة في مجال الترجمة تتماشى والتطور الحاصل في ميدانها،كما تتماشى مع التحولات الإجتماعية والثقافية وكذلك الرقمية، كون قارئ اليوم يختلف اختلافا كبيرا عن قارئ الأمس،لذلك ينبغي أن يكون مترجم الرواية اليوم واعيا كل الوعي بمثل هذه التحولات، ملما بثقافة الترجمة وآلياتها حتى يتسنى لنصه المترجم التأثير في قارئه فيتفاعل ويتواصل وإياه بالشكل الذي يبتغيه.

الهوامش:



[1] - محمد عناني:الترجمة الأدبية بين النظرية والتطبيق،ط2،الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان،الجيزة، مصر، 2003، ص7/8

  ـ  سعيد يقطين، فيصل درّاج:آفاق نقد عربي معاصر، دار الفكر،دمشق،سوريا، ط 1 ، 2003 ، ص:19/20 [2]

[3] ـ جون كوين:النظرية الشعرية ، ترجمة أحمد درويش،دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع،القاهرة،مصر، 2000، ص56

[4] -  المرجع نفسه،ص57

[5] ـ المرجع نفسه،ص.ن

[6] ـ المرجع نفسه،ص.ن

[7] - المرجع نفسه،ص.ن

[8] ـ أرنست مرسييه، الترجمة في الجزائر، ترجمة حسين خمري،دار أقطاب الفكر،2006، ص31 

[9] ـ المرجع نفسه، ص 29

[10] ـ المرجع نفسه،ص.ن

[11] ـ المرجع نفسه، ص30

[12] - المرجع نفسه، ص32

[13] ـ المرجع نفسه، ص35

[14] - المرجع نفسه، ص40

 - المرجع نفسه، ص41[15]

[16] -  عبد الله إبراهيم:السّردية العربية الحديثة ( تفكيك الخطاب الإستعماري وإعادة تفسير النشأة)،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،المغرب،ط1، 2003، ص:162

[17] - المرجع نفسه ، ص،ن

[18] - المرجع نفسه، ص: 143

[19] - المرجع تفسه ،ص155

[20] - سعد البازغي:استقبال الآخر( الغرب في النقد العربي الحديث) المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2004، ص: 232 

[21] - جمال شحيّد وليد قصاب : خطاب الحداثة في الأدب ( الأصول والمرجعية ) دار الفكر، دمشق ، سوريا،ط1 ، 2005 ، ص : 115