المتخيل وتماثل نور التجلي
pdf

في رواية حُبَّى، لـ " رجاء عالم

" Imagination is similar to the light of the Transfiguration

In the novel , Hobba , for " Raja Alem "
 

أ.د. عبد القادر فيدوح

كلية الآداب جامعة قطر

ملخص:

لقد جعلت رجاء عالم من (حُبَّى) أيقونة ملغزة، تمارس سحرها في كل محطات الرواية، وتضاعيف دلالاتها، وتزاول نشاطها العجائبي مع كل حادثة، وتتقن دورها في كل لحظة نظر، سواء أكان ذلك مع الشخوص الورقية، أم مع المتلقين للرواية، حين وُضِع عليها وَسْمٌ بما يشبه الزئبق، يترجرج بين أحداث الرواية، تدهش المتلقي في توظيفها بين ما هو إنساني، وما هو أسطوري، أو ديني، أو ما هو شيء محسوس، أو شمولي لمعنى الكون، أو الكيان، وبين هذا وذاك تحمل صورتها المتاحة لها في حدود مقام الملاءمة لوقعها بين صورة المدرك وصورة المتخيل، وبين الوظيفة والأداء، وبين الواقع والخيال، كل ذلك يتماثل بقدر المراد لها. والحال هذه، أين تبرزالحدود الفاصلة بين الحقيقي والمتخيّل في توظيفها؟ وهل يمكن أن تكون (حُبَّى) إنتاجًا ذهنيًا مصورا؟ أم مطابقا تمامًا للشّيء المُتَمَثَّل في مغزاه الذي وظفت من أجله؟ وكيف يمكن لعالم مسميات الرموز من الشخصيات التي تدور حولها معظم الأحداث أن تعكس صورة المتمثَّل؟ وهل كان لاندماج (حُبَّى) مع باقي الشخصيات غاية في بلوغ الهدف في تماثل الحقيقة؟ هذا ما سيتناوله البحث بالتفصيل.

الكلمات المفاتيح: رجاء عالم، حُبَّى، أيقونة، رواية، المتلقي.

Abstract:

RajaaAalem turned (Hobba) into an enigmatic icon, practicing her charm in every station in the novel, doubling their implications, applying her miraculous activity on every incident and mastering her role in every moment of the view whether with the characters or with the recipients of the novel  as she is given the stamp like mercury roaming around in the events of the novel, which amazes the recipient by applying her between what is human and what is mythical or religious or what is tangible comprehensive to the meaning of the universe or the entity. And between this and that she carried her image that is available for her within the boundaries of for being placed between the aware recipient and the imaginary and between the function and the performance and between reality and fantasy. In this situation where do the boundaries stand between what is real and what is imaginary in using her? And is it possible for "Hobba" a visualized mental production? Or exactly identical to the significance that she's used for? How can the world of symbols of characters in most of the events to reflect the image of the represented? And is there an objective to merge "Hobba" with the rest of the characters to reach the truth?

Key words: RajaaAalem, Hobba, icon, novel, Narration, recipients

التماثل الجغرافي/الافتراضي: لقد أثْرت الروائية رجاء عالم روايتها (حبَّى) بفضاءات لأمكنة دالة، وأسماء لشخصيات معبرة عن كل ما هو عجيب وغريب، وسلكت مسلكًا وعرًا، دون مهابة منها،بتصور تخييلي جالبا الحيرة للقارئ. والرواية عبارة عن جرد لأحداث الذاكرة التاريخية لمدينة مكة المكرمة، تحت مسمى(مقا)، ورؤية سردية تتضمن وقائع لتجربة اجتماعية واصفة، والكشف عن عالمها الروحي في منظومته الدينية، من خلال علاقة الوجدان بالخالق. وعلى الرغم من فضاء الرواية المتخيل للمحتوى المكاني container view of spaceبوصفه فضاء جغرافيا/ فنيا تجرى فيه الأحداث بكل تفاصيلها، فإنها في المقابل تتضمن في تضاعيفها فضاءات صغرى تتنوع بتنوع دلالاتها وفق سياق النص، وهو ما يطلق عليه بالوحدات الفضائية الصغرى المتساوقة مع عناصر السرد الحكائي، الكلي، للرواية. لقد كان تاريخ مكة مادة خصبة في تضاعيف النص، بوصفه نصا تخييليا حاول أن يعيد نسيج هوية ثقافية/دينية، حيث كان التاريخ هنا خادما للفن الروائي، وسادنا للكعبة، بدافع إحياء مجد ماضي المدينة، وما يضيئ جوهر حقيقة هذا المكان المقدس، وليس غريبا أن تتناول رجاء عالم مدينة مكة بهذا التماثل التخييلي لإظهار القيم الإنسانية، وما انتابها من مزالق عمتها بعض المخاطر، بطرائق فنية يطغى عليها استحضار الذاكرة الجمعية في سياقها الزماني والمكاني، وبما تنطوي عليه من قيم كانت تسعى ـ حينذاك ـ إلى تحقيق جوهر الإنسان، وهو ما أشار إليه جورج لوكاتش Georg Lukácsمن أن "جوهر العمل الروائي الأكثر عمقا يعبر عن ذاته في السؤال التالي: ما هو الأنسان؟ يقول الروائي نظريا ما يقول المؤرخ اتكاء على جوهر إنساني عصي على الثبات، يستقيم زمنا في انتظار انحناء لا هروب منه"[1]

ومن ثمَّ، تعد أحداث الرواية في (مُقا) حيزا[2] فنيا وظيفيا تحدده مجموعة من البرامج السردية، بوصفها مرآة عاكسة لحالة اجتماعية سادت مجتمع مكة، بخاصة، ومجتمع الجزيرة العربية ـ على وجه العموم ـ بكل ما يحمله التدفق الدلالي لفكرة احتواء المكان في حيز علاقاته الجغرافية Geographic space."وإذا كانليبنتز Leibnizيؤكد أن المكانهو "مجرد نظام للعلاقات system of relations" فإن المكانالجغرافي أيضاً هو كَنَفٌ وإطار لنظام العلاقات، تعد البيئة والإنسان لحمته وسداه، والحضارة نسيجه الذي حاكه التاريخ جيلاً بعد جيل على مر العصوروالأزمان. وهذا المفهوم يتفق مع مفهوم كانْت KantوجامّرJammer عن المكان، في أنه يتكون من "نظام للعلاقات بين الطاقة والمواد". وتجدر الإشارة هنا إلى أن آينشتاينEinstein في نظريته النسبية يرى أن خصائص المكانتعتمد على طبيعة المادة الموجودة فيه؛ أي إنه يتفق مع نظرية كَانْتKantالنقدية في المكان، والتي اكتشف فيها وجود العلاقة بين خصائص المادة وطبيعة المكان، وإذا عرفنا أن كل ما في الوجود يتألف من مادة وطاقة، فإنه يمكن القول إن المجال الجغرافي يتحدد بخصائص المادة والطاقة وعلاقاتهما المتبادلة. ويمكن القول إن النسبية بدَّلت بمفهوم المحتوى مفهوم المجال field الذي يتحدد بخصائص المادة والطاقة وعلاقاتهما القابلة للقياس.[3]

وعلى الرغم من أن (مقا) في رواية (حبَّى) مجرد مكان افتراضي، بوصفه حيزا ورقيا، فإن المحتوى المكاني فيه ـ بما يتضمنه من دلالات ـ يشير إلى العلاقات المتضمنة فيه، وبالشخصات التي تندرج فيه(مكة)، وهو إلى جانب ذلك يكتسي صبغة التعبير عن الانتماء الديني الذي يشع بفضائه على دعائم إثبات الروح وسموها، بخاصة إذا ارتبط بالسياق الزمني، بدءًا من الإيمان بوحدانيته تعالى، إلى مرتبة ترقي التوحيد من الخلق إلى الخالق في صورة ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ‌ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ‌ضَ حَنِيفًاۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِ‌كِينَ إلى أن  جاء الدستور الخالد الذي ظهر به عهد الإسلام ليهتدي به البشر حيثما كانوا.   

وإذا كانت (مقا) حيزا خياليا، منظورا إليه في خصوصيته الدلالية المليئة بكل ما هو عجيب وغريب، وبصور مجازية فيما لها من أبعاد دينية، فإن (مكة) بوصفها البديل الواقعي للحيز الافتراضي (مقا) تعد بناء جغرافيا، لها خصوصيتها بما ندب الشرعُ إليها من شعائر، ومن ثم فهي مكان يعكس حيز متخيل الرواية، من منظور أن المكان في صورته الحقيقيةهوالذييبنيالحيز الروائي[4]، ومعنى ذلك أن صورة المكان في (مكة) أسهمت، بتماسك عناصر الرواية، في بناء استعارة المتخيل في صورة (مقا)؛ ولعل الرابط بين الحيز والمكان هو أن مجموع الأمكنةالمعبر عنها باللفظ، داخل السياق اللغوي، مشار إليها في الواقع الخاجي. وفي كلتا الحالين (الحيز المتخيل والمكان الواقعي) تشتغل اللغة لتخلق منهما تصورات حسية، قدمتها رجاء عالم إلى المتلقي كما لو أنها تقع فعلا، نظرًا إلى ما تحمله الصورة الواصفة من تفاصيل لأدق صفات النعت، كما في استهلالها للرواية بهذا المقطع:" أطال (سارح) بعد انحسار السيل على (مقا)، جاءها من جهة (المناسكة) البوابة المسكونة بالمنذورين لحرم المقام المحتل لقلب المدينة، مهوى القلوب والقوافل، ذاك كان معروفا منذ الأزل بـ ( قصر حبَّى).[5]

ولعل المتأمل في هذا المشهد، المتخيل مجازًا، يجده خارج بنائه الوصفي للمكان؛ لأنه لم يكن مبنيا على واقع افتراضي، كما أنه لم يكن متوقعا حدوثه؛ أي بما لا يمكن تجسيده في مخيلة المتلقي على أرض الواقع، إلا بوصفه حيزًا مفتوحًا خارجًا عن الحدود الوصفية في لوحة مرسومة رسمًا لغويًا، وهو ما يمكن إدراجه ضمن سياق حيز مفتوح لمشهد فوق واقعي، خارج حدود الوصف، حين يستند إلى الأسلوب الإنشائيالذي يتناولذكرالأشياءفيمظهرهاالحسيويقدمهاللعين[6]، كما لو كان الأمر متعلقا بوصف مكان مكة الواقعي، حيث الارتباط بالمدرك الحسي، في صوره الملائمة للواقع، بحسب مقتضى نظام اللغة التي يتشكل فيها، ويشتغل من خلالها النظام السردي.

وحيث تتعدد شعرية السرد، كذلك تتعدد أوجه المقاربة والاختلاف ضمن السياقات البنائية والدلالية، وبذلك فإن ظاهرة السرد الحديث لا تتعامل مع الوجود من حيث هو تعبير عن مجتمع، أو واقع، أو حالة، إنما هي إعادة مستمرة لصياغة كينونة متجددة. وطبيعة السرد وفق هذا المنظور تخرج عن السائد والمألوف السردي إلى اعتناق أفق المغايرة، قصد البحث عن نموذج جديد يستوعب وعي العصر، ووعي الذات في جدلها وتشابكها.[7]

ويتداخل في (حبَّى) السرد بالوصف، والحكمة بالعفوية، والذاكرة بالفن، والتاريخ بالدين، والحقيقة بالخيال، والسيرة بالقصة، والحاضر بالماضي، والتسامح بالعقاب، والحقيقي بالأسطوري، والمنظور بغير المنظور، والمؤتلف بالمختلف، والواقعي بالروحي، والخشوع بالتمرد، والطاعة بالمعاندة، والتعبد بالشرك، والاجتماعي بالصوفي، وكل ما شابه ذلك من سيرة الذاكرة الجمعية، بكل ما هو غريب وعجيب وخَوَارِقِي، في غير هدى من السرد التصاعدي للأحداث، واللاتجانس في ربط عناصر موضوعات الرواية التي جاءت منفصلة عن بعضها في شكل فقرات، بعيدة نسبيا عن إثبات التلازم بين الأسباب والمسببات إلا من حيث ربط الصلة بينهما بوجود المعنى المشترك في بعض الأسماء والحوادث الدالة، ضمن سياق ما يستدعيه " فن التوثيق"، وبصورة عجائبية " نتيجة الكم الكبير الموجود في (روايات رجاء عالم) الذي يوحي بذلك، وهو ما حرصت على تكريسه الروائية التي تحمست لتعويم كثير من عناصر النص، وإعطائها بعدًا أسطوريًا وسحريًا وعجائبيًا، انسجاما مع حالة الأشياء إلى الزمن العتيق لجعل الأحداث أكثر لفتا للانتباه؛ لأن مطالب الواقع كانت تعي الشخصيات، فتضطر للاستعانة بهذه العوالم لتحقيق ما تريده، واندماجًا مع الجو العام الذي توحي به وتحيل إليه النصوص".[8]

وإذا كانت رجاء عالم قد جعلت موصوفات (مقا) متحركة بوسيلة اللغة، فهل استطاعت هذه اللغة أن تنقل الأحداث، وتصور الأشياء ـ في منظورها التاريخي ـ بما ينطبق عليه الواقع آنذاك؟ أي من خلال حقيقة الشيء الذي تنتزع منه الصورة الذهنية، أم في صورة ما يستدعيه الإيهام بالتماثل؟ أم هما متضايفان معا؟ بحث يكون وجود أحدهما سببًا لوجود الآخر في مثل هذه الحال التي تستوجبها العملية الإبداعية.

لقد سعت الرؤية الدلالية الكشفية، دوما، إلى إنجاز تساؤلات حول الآليات المتحكمة بفضاء الرواية، ضمن وظيفية اشتغالها في حدود معطيات فنية تعتزم على فض الخطاب السردي وشبكة التعالقات التي تخضع بدورها إلى سلسلة من التعقيدات والفراغات والالتواءات لتشكيل نسيج الحبكة، أو نواتها؛ مما أفضى إلى تعدد مستويات التحليل السردي بتعدد مراحل النص ومستوياته وطبقاته. ومن ثم فإن توليد المعنى واعتصاره لا بد أن يخضع لاعتبارات جمالية وذوقية، إضافة إلى الإدراك الواسع المصحوب بالتخمين التأويلي، ومصاحبة البعد الاشتقاقي للأثر.. وهذا ما يجعل مختلف المفاهيم الافتراضية التي تعمل على تفكيك الخطاب السردي، وإعادة تركيبه، ومعرفة مضامينه الخفية والكشف عن مكنوناته الدلالية تدور حول الخلية الرحمية التي يتشكل في باطنها المعنى الجوهري، وفي هذا الشأن يقترح تودوروف تقديم الحبكة في شكل عصارة، أو خلاصة ومواجهة كل فعل مميز بقضية تحدد نواياه ووظائفه مع تحديد العلاقة بين القضايا نفسها وفق مبادئ الزمان والمكان[9].

وإذا كانت شعرية السرد تقترب مما يسميه روبرت يوس Robert Jauissبأفق الانتظار الذي يولد لدى القراء ردود أفعال، أو استجابات مضادة تكمن فاعليتها في تجاوز التطابق بين النص والفعل التقبلي، إلى اختراق ساردية المتلقي، إذا كان الأمر كذلك فما عسانا نقول عن قراء قصة حُبَّى الذين أجمعوا على أنها رواية وعرة بتصورها التخييلي الذي جلب لهم الحيرة، لما فيها من طلاسم، وألغاز، ورموز شاقة على الفهم، كما يتكشف التباسها في غموض لغتها، وتواري معانيها، وطرائق سردها المتجلية في دلالة الكشف الصوري بمعانيه العَليَّة ـ على النحو الذي يرد في لغة المتصوفة ـ من حيث كونها رواية عصية التوارد في ربط الصفات بالموصوفات، ومتينة الذلاقة بعبارات مصقِعة، وببيان فصاحتها الحادة، وتلاعبها بزمن السرد من حيث التقديم والتأخير، والاستباق والاسترجاع، وهو ما عزز صورة الإيهام التي جعلت المتلقي ـ في منظورهم ـ يجنح مع مجازات الصورة إلى طيف الخيال، يُيَمِّم قصده بخبطٍ في عَمْيَاء، لا يعرف يمنته من يسرته في ربط الأحداث بعضها ببعض، ناهيك عن تدارك الموصوفات، وتتابع حركات الشخصيات، وعلاقة المتن بالهامش، وما شابه ذلك من تتابع الصور على غير هدىً، نتيجة " الاتكاء على التركيبات التي لا تنسجم مع السياق العام، واعتماد التجاور والإزاحة والتداخل في الصور التي ضيّعت الكثير من الجماليات وسط هذا التشظي اللغوي الحصيف، باللفظ المشترك، دون أن ننسى الطاقة العقلانية للتراكيب الأسلوبية التي حرصت عليها الروائية، ومحاولة التخفف من الأبعاد الشعورية والهروب ـ قدر المستطاع ـ من تقديم نص يوحي بالتنظيم.[10]

ولكن، هل تصديق إسناد نص (حبى) إلى التحذلق هو في حِلٍّ من نظرية القراءة، ومتخلص من نظرية التلقي؟ لعل "القدرة على تواصل الفاعلية النقدية، من منظور نظرية القراءة، التي تكتنفها هالة من الممكنات، هي بالأساس قدرة على تمكين الناقد من فرضياته الموجهة التي تربطه بقارئه رابطة "الفهم اللامتناهي"؛ لأن من شأن القراءة النقدية أن تورّث الاستمرارية في الخلق حتى يسمح للنص بالانتشار عبر مجازاته المفتوحة، وإذا كان الأمر كذلك فإن القراءة التواصلية بوصفها رسالة ذات وظيفة مرجعية ـ للبدء من حيث انتهت مهمتها ـ تمنحنا القدرة على اكتناه العالم الباطني، من أجل ترك المجال للعالم التخييلي حتى يؤدي وظيفته بتصويب هويته للرؤيا الانفتاحية، بعيدا عن تداول النص لذاته، أو كما يسميه "رولان بارت" Roland Barthes بلذة النص؛ لأن في هذه المتعة ما يبعد المكانة الاستراتيجية التي يتوخاها النص، في تعاملنا النفعي معه. وهكذا، فإذا كانت صلاحية المقروئية الإنتاجية تسبر الأعمق، فإن النص بوصفه تتويجا للانفتاح عليه أن يحتوي قدرًا كبيرًا من القواعد الجمالية المؤهلة لذلك" وهو ما نلمسه في نص (حبى) المليء بالدلالات المعبر عنها بالوصف الإيهامي، حيث يشعر المتلقي ـ وهو يحاول فهم النص ـ بنوع من الحيرة في التعمية اللصيقة بمعناها المبهم، ويخرج من النص وهو لا يعرف (ما) أو (من) هي حبَّى؟، على الرغم من العلامات الوافرة في النص للدالة على أنها تشير إلى معنى في نفسها. ومع ذلك يثير وجودها، هنا، إشكالية الربط في تتبع خيوطها في متن النص، فهي مرة "أميرة القبيلة المحجوبة"... وتطلع في كل قرن من الزمان... وهي أنثى مأسورة بقصر مشيد في (مقا)... خطفها ملك لا يرد له طلب، ص11، مقيمة في حيوان أبدي تجريه نار عرشها الذي من مروٍ" ص 66، "وحبى كالعسس لا تنام، تطوف في الأبراج وبين عسكر السور من حجر" ص 150، يتحرك نحوها "الموكب الرهيب في شوارع (مقا) حتى مال بجلالٍ صوب قصر حبى" 209، "تنادي عشاقها فيجتمعون، ويوقد من أجسادهم لتنوير مقامها ص 82، يقف الموكب" في الركن اليماني لحجرة حبى" ص 105، وهي" ذات حبى التي جاء يطلبها ـ سارح ـ  في (مقا) ص206، وهي إلى جانب ذلك "تخاطب مريديها بمكتوب منها في قولها": كل من يراني تنكشف له حاجته" ص 313، وهي من قال عنها (العارف): هي التي بدأت الربط بالأسماء... سكنتني منها عذوبة وسرحتني في الأسماء. بالمقابل منحتها عقيقة مربعة محفورة بقلب رقمي: الكتاب الأم، ذاك سجلي، فيه كل معارفي، وكينونتي، ولقد علقتْه في أحجبتِها وطلبتِ المزيد ... وختمت الكتابات قصاصة سقطت من صدره على الأرض:" أنا طاسين البنَّاء الفاعل لما قام من حُبَّى  من مادة يمكن القبض عليها في هيئة كالحجر والصخر، أنا من بنى من جسدها مدينة، وأسكنها قبرَها لكي ينفرد بعشقها في كل الهيئات لا ينافسه منافس" ص 313.

والحال هذه، ما دلالة حبى؟ وقبل ذلك من هي (حبَّى)؟ وهل هي اسم مجرد؟أم اسملصفة لما يُدرك بالذِّهن دون الحواسّ؟ أم اسم مستدعى من الذاكرة الجمعية لاقترانه بالحب في كل ما هو مقدس؟ وما الذي يعنيه توظيفها بهذا الشكل القدسي؟  وهل يمكن أن يعكس اسم (حبى) رمزا قدسيا، تيمنًا بزوجة قصي بن كلاب الجدّ الرابع لرسول الله " ص"؟ أم هي اسم من الأسماء الأسطورية، التي وظفتها رجاء عالم، شأنها في ذلك شأن بقية الأسماء الماثلة في النص، بوصفها أسماء أسطورية، وفوق ما يمليه العقل في الاستيعاب، وهي أسماء كثيرة، خليط، من مخلوقات وسمتْها الروائية بكل ما هو غريب وعجيب،  نذكر منها على سبيل المثال: حيان/ خردذبة/ الملك طاسين/ سرمد/ القرمزاني/ ترنجان/ ميلكان/  سندر/ سيميائيل، طامي، وتتفرد أعمال رجاء عالم بشخصياتها التي تميز رواياتها التي أحاطتها بهالة من المرجعيات الخرافة أو الأسطورية " لكنها تأخذ طابع الرمز الذي تحيل إليه الرواية بمجموع بنياتها، ولذلك تجيء بعض شخصياتها باسم عددي مثل شخصيتي:(أربعة) و(صفر) في روايتها، الأولى (سيدي وحدانة)، وتجيء باسم صياغي مثل شخصية (سيدي وحدانة) في روايتها (سيدي وحدانة)، وتجيء أحيانًا ملفعّة بمروط أسطورية، لها أبعاد تاريخية وفلسفية تناصية، كما نجد في شخصية (جواهر بنت العابد) في روايتها (مسرى يا رقيب)."[11]

التماثل  التاريخي/ المحوري: تستهل الرواية بالوظيفة التعيينية  Fonction Désignativللمكان في (مقا) "من جهة المناسكة" للإشارة إلى حثّ المتلقي ـ من أول تجلٍّ لنسيج النص ـ على اتخاذ التدبر في تبني الوظيفةالإيحائية Fonction Conativeوالبحث عن حل لفهم معنى هذا الاسم ( مقا) الملغز، بوصفه مرسلة لغوية تطرح مسمى غير معلوم. وإذا كانت بداية الرواية تبدأ بهذا الاسم، فإن نهايتها مختتمة به، قبل أن تروي لنا الساردة سقوط قصاصة للصحاري، فيها تبين أننا من خلالها " كل ذاك البهاء، نحن الجونة تبرق من كمال طاسين بحُبَّى، من غطسته في لار"[12]، وفي صورة (لار) ما يستوضَح في استهلال سورتي إبراهيم، ويونس، غير أن الساردة تعتمد على قلب الحروف، كما هو عليه الشأن في كثير من محطات الرواية. ولعل في (لار) ما يعكس الحروف الأولى التي سبقت الآية ﴿الر‌ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِ‌جَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‌ بِإِذْنِ رَ‌بِّهِمْ إِلَىٰ صِرَ‌اطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [13]، وإذا كانت صورة (لار) غامضة التفسير، فقد اختلف المفسرون أيضا في تفسير معنى(الر)، إلا أنهم يجمعون على أنها فواتح، افتتح الله بها القرآن، ومن أسماء الله تعالى، أو هي مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله، وذهب آخرون إلى أنها بيان للإعجاز، ودعوة للحياة فى ظلال القرآن، وأن البشرية تستظل بظله تعالى، وتهتدي بهدايته، وتستمد منهج حياتها، لتكون على بينة من طريقها، بنوره، وبرعايته.

وما بين (مقا) في أول سطر في الرواية و(لآر) في آخر كلمة في الرواية هناك أسماء وافرة، وأحداث كثيرة، وأوصاف متتالية، لها وسْمٌ من العلامات الدالة لهذه النعوت التي وظفتها رجاء عالم من بيئة مكة، المدينة الدينة والاقتصادية، بنقلة تاريخية من الذاكرة الجمعية، لتصبح رواية (حبَّى) زاخرة بواقع مكة القديم، واستثمارا لتسجيل مقام تأريخ هذا المَغْنى، وكتابة أحداثه في صورة فنية " وتجليات الطواف في فعله السردي، وفي تأويله، وفي استبطانه لحركة شخصياته وتأملاته.. وإذا كان نص رجاء يتقاطع بين المشهود والمتخيل، والحاضر والغائب في التاريخ، أو في مسافة الاستشراف، ويصنع من حركة الناس، وضجيجهم، ودعائهم، وحنينهم، عالما تبحر فيه سردياته، فقد كان استنطاق هذا النص للتجلي في المقام، وللتوق، والإشراق، والطهر في الطواف يفيض على النص حركة فيض وعبور نحو عالم تترقى فيه الذات الإنسانية، وتتعالى على همومها الدنيا"[14].

لقد أولت الروائية عناية بالغة لمكان (مقا)، لما لها من منزلة تاريخية ودينية، وشرف المنزلة في بيتها العتيق، وهي عند أهل المسلمين عامة تورث مريديها إخلاص النفس وأسرار عبوديتها، وهي عند أهل الذوق من المتصوفة مكان إشراقي، تعطي المشاهدة قاصدها، وهي إلى جانب ذلك كانت، وما زالت، إقليدا فتحيا يطلبه أهل العلم ـ الروحي ـ على اختلاف مشاربهم[15]، وهو وصف خليق بمكانتها الروحية قبل الجغرافية، أو الطبوغرافية حين أسهم في بناء حيز الرواية، واكتسى قيمته الفنية من احتوائه جميع مكونات عناصرها، ومن هنا أصبح مكان(مقا) جزءًا من نسيج حيز نص (حبى) بوصفه موزعا في تضاعيف أحداث الرواية ومكوناتها، ولا موضع له إلا بما تحركه الشخصيات بمسمياتها الدالة تاريخيا، والتي لا تكتمل دلالتها إلا به، ولا يمتلك وجودها الرمزي إلى سياق حيز (مقا) في بعده ومداه، بتقنيتي الوصف والسرد، وهو ما يتطابق مع ما أشار إليه جيرارجنيتإلى أن "كلحكييتضمن ـسواءبطريقةمتداخلةأوبنسبشديدة التغييرـ أصنافامنالتشخيصلأعمالأوأحداثتكوِّنمايوصفبالتحديدسردا Narrationهذامنجهة،ويتضمنمنجهةأخرىتشخيصالأشياءأو لأشخاص،وهوماندعوهفييومنا هذاوصفا Description"[16]

وتتنوع أصناف الوصف في سرد (حبى) ومداراته؛ لتشير إلى وظائف مؤطرة في حيزها الزمني داخل الرؤية السردية لمكان (مقا) بحيزه السردي من حيث الجانب التأريخي للأحداث بسياق موصوفاتها، كما في هذا الوصف: " تيقن أهل (مقا) من غدر الأمير طامي بهم، قادهم للثورة بالوعد بالحوطة، فما أن آل الأمر إليه حتى تبع سنة أسلافه دون تردد أو حساب لمن ضحوا بأرواحهم لتنصيبه. ليلتها لم تنم زقاق الندَّابات، لم تبق ندّابة لم تؤجَّر لبكاء قتيل في بيوت (مقا)...ذاك قدر(مقا) أعاصير الأمراء وثوراتهم فيها لا تنقطع حتى لم يبق قلب سكنها لم يحترق بالفقد، كل الآلام كانت متجسدة في طرقات المدينة وجبالها المحيطة مثل خاتم، وفي كل حين تنحدر لتتجمع وتسكن في صدور النسوة اللواتي حرصن في تاريخهن على تجنب الدم"[17]

أيقونة حبَّى

أ ـ  تماثل افتراضي: لقد جعلت رجاء عالم من (حبى) أيقونة ملغزة، تمارس سحرهافي كل محطات الرواية، وتضاعيف دلالاتها، وتزاول نشاطها العجائبي مع كل حادثة، وتتقن دورها في كل لحظة نظر، سواء أكان ذلك مع الشخوص الورقية، أم مع المتلقين للرواية، حين وُضِع عليها وَسْمٌ بما يشبه الزئبق، يترجرج بين أحداث الرواية، تدهش المتلقي في توظيفها بين ما هو إنساني، وما هو أسطوري، أو ديني، أو ما هو شيء محسوس، أو شمولي لمعنى الكون، أو الكيان، وبين هذا وذاك تحمل صورتها المتاحة لها في حدود مقام الملاءمة لوقعها بين صورة المدرك وصورة المتخيل، وبين الوظيفة والأداء، وبين الواقع والخيال، كل ذلك يتماثل بقدر المراد لها. والحال هذه، أين تبرزالحدود الفاصلة بين الحقيقي والمتخيّل في توظيفها؟ وهل يمكن أن تكون (حبى) إنتاجًا ذهنيًا مصورا؟ أم مطابقا تمامًا للشّيء المُتَمَثَّل في مغزاه الذي وظفت من أجله؟ وكيف يمكن لعالم مسميات الرموز من الشخصيات التي تدور حولها معظم الأحداث أن تعكس صورة المتمثَّل؟ وهل كان لاندماج (حبى) مع باقي الشخصيات غاية في بلوغ الهدف في تماثل الحقيقة؟

اعتقد أنه ليس من مصلحة البحث أن ينجرف وراء التمثلات الانعكاسية للمتخيل في مسعاه الفلسفي، مادام المتخيّل نتاج ثقافة بوجه عام، أضف إلى ذلك أن ارتباط تماثل المتخيل بالواقع من عدمه ليس علة لاستبعاده من المدرك المتعين، مادامت الصورة المتخيلة تعني "الإنتاج الذّهنيّ للتّمثّلات المحسوسة التي تختلف عن الإدراك الحسّيّ للحقائق المتعيّنة من جهة، وعن مفهمة الأفكار المجرّدة من جهة أخرى[18]. وإذا كان ذلك كذلك فإن تحليلنا سيناظر فعل التأليف من خلال طلب الشيء في معناه، ولعل العلة في ذلك هو فتح تعدد معنى (حبى) على مصراعيه، وانبثاقها في النص نحو كل ما هو مبهم وسحري، ومن ثم فإن كل ما لا ينتهي إلى معنى واضح، لا يعبر عنه إلا ما لا ينتهي بتحليل افتراضي قائم على مغامرة الاكتشاف، نظرًا إلى أن نص (حبى) تحكمه تجربة الانفلات في الوصف بمغامرة في اللاحدود، وهو ما يعني أننا قد نصل إلى "رؤيا هرمسية"، من قبيل أن الرؤيا هي الحامل الحقيقي للاقتراب من المعنى المراد، وأن التأويل هو العلة الطيعة التي تقدر على انتزاع معنى هذه الرؤيا، أو ما يشبهه، مادام نص (حبى) ـ في تقديرنا ـ لعبة شطرنج، مثلت حبى دور الملكة، في حين قام(سارح) بدور (الملك)، وتوزعت بقية الأدوار على الشخوص والأشياء الماثلة في النص، بشكل متقن في مقاطع النص، ومركب في مجمله، وبما يدل جزؤه الضمني في المقطع بصورة واضحة، على جزء معناه في المجمل بوصورة منفلتة، ومربكة.

وإذا كان اسم (حبى) يدل على امرأة بعينها، تمحور حولها نسيج النص، فإن الرواية تقترب، نسبيا، من "رواية السيرة التاريخية" وفقت فيه رجاء عالم بين الأدبي والتاريخي؛ لأن الشخصية المحورية فيها لا تعبر إلا عن نفسها بما أطره السياق التاريخي، ومن ثم تكون حبى في هذا المقام "شبه شخصية" حسب تعبير بول ريكور؛ لأنها تجمع بين الحقيقة والخيال، وتتوحد مع التاريخ والصورة التخييلية، كونها تشكل كيانا افتراضيا، وتنسجم مع زمان الفعل وزمان السرد في ماضيه المركب، من خلال التركيز على التعاقب الزمني الذي يُعنى بربط علاقة السبب بالنتيجة، وهو ما تشير إليه صيغ الأفعال المكررة، والجمل الظرفية المنجزة، في صيغ الماضي المركب التي تحاول ربط الأسباب بالنتيجة، فاستعمال صيغة الماضي المركب في الرواية يتلازم مع نسيج الرؤية السردية لـ (حبى) وهو هنا وصف (مقا)؛ أي وصف مكان مكة ومجريات الأحداث التي مرت بها. وهنا قد يبدو للقارئ على أن هناك تعارضا بين ما قلناه سابقا ـ من أن الرواية تنهج سبل الفضاء الذي يتعامل مع صيغ الأفعال بوصفها أفعالا ممتالية، تتوالد بفعل وحدة ربط السبب بالمسبب؛ لتخلق عالما ممكنا في كل آن، في حين تأتي الصيغ المشروطة في فضاء المكان متجاورة ومنغلقة على نفسها؛ لأنها تصف حالة منتهية من الأحداث، وثابتة في رؤيتها السردية. وفي هذه الحال نرى أنه قد يتطابق موقع (حبى) مع الاسم الحقيقي، بالإشارة إلى ارتباط العلاقة الزمنية بالصيغة السردية المنتهية، ومن ثم فإن حبى هنا تمثل قيمة تاريخية؛ لأنها تسرد زمنا مركبا منتهيا بالفعل والنتيجة، والثابت بدلالاتها التاريخية، بخاصة إذا انطلقنا من فرضية استدعاء هذا الاسم من الذاكرة الجمعية على حد ما ذكرناه سابقا من أنها رمز قدسي، وظف تيمنا بزوجة قصي بن كلاب الجدّ الرابع لرسول الله " ص، أو لأنها اسم امرأة على وزن فعلى كما جاء في قول هبة بن خشرم:

         فما وجدت وجدي بها أم واحد       ولا وجد حُبَّى بابن أم كلاب

أو كما في قول الفرزدق

وما حل من جهل حبى حلمائنا     ولا قائل المعروف فينا يعنف

خاصة إذا انطلقنا من أن الرواية يبتدئ فيها المحكي بوصف ليلة بلوغ (حبى) أميرة القبيلة، يتبعها سرد لكيفية ولادة حبى[19].

ولكن، أنَّى لنا هذا بدليل قطعي من عمل يستوجب سردا خياليا؟ وهل هناك ما يمنع من أن يتحول الوجود الحي للشخصية إلى وجود فني تدور حولها معظم الأحداث؛ لتسند إليها مواقف متباينة للإفصاح عن الوجود الحقيقي للواقع؟ وهل يكشف اسم حبي ـ إذا كان لها دور حقيقي ـ عن دلالة العلاقات المتواشجة مع بقية الأسماء والأحداث؟ وما علاقة اسمها بالتحليل المحايث لمضمون الرواية؟

أعتقد أن شكل الوظائف الدلالية لنص (حبى) يتجاوز أحداثه في المنظور السطحي إلى وجود معناها في علاقتها التشاكلية والتضادية، ولن يكون ذلك ممكنا في تصورنا إلا بمساءلة الدوال، واستقراء العلاقات القائمة على البيانات السطحية للوصول إلى المستوى الأفقي، وبما يتضمنه المعنى الشامل؛ أي بما نستنتجه من دلالاته الكبرى على حسب تعبير بنفنيست Emile Benvenisteلمعرفة معنى خطاب النص الذي تئول إليه العلاقات المتجاورة في ربط الدلالات بعضها ببعض، وبما يضمنه السياق الزمني الداخلي، على النحو الذي نجده في نص (حبى) باستعمال ضمير الغيبة، وارتباط الحقيقة التاريخية بالصورة المتخيلة، كما في هذا المقطع ـ مثلا ـ الذي رصد أحداث حبى وسجلها في شكل خرافي: " هي أنثى مأسورة بقصر مشيَّد في (مقا) بوادي تصلال، خرجت من قبيلتنا مخطوفة، خطفها ملك لا يُردُّ له طلب، فلما آلت إليه حبسها في واديه، وبنى من جسدها مدينة، وفي كل مطلع قمر ترفع حبَّى رأسها في مقامها البعيد، وتطلب من فتيان الدروع من يخرج إليها"[20]

تؤدي الشخصية وظيفة جوهرية في تصورها للأحداث خاصة عندما تنوب مناب الروائية، سواء من حيث الوعي الفكري، أو من حيث المسئولية تجاه ما تسرده من أحداث تاريخية محكومة بروابط مدارات الهوية، فهل لنا أن نحدد هوية (حبى) انطلاقا وعي ذاكرة (مقا) التي عبرت عنها رجاء عالم وهي تروي قصتها مع مكة، حين قالت:"مكة اعتبرها اعتباطاً كنزي الشخصي، إرثي الذي آل إليَّ عشقًا، استحقيته حبًا وافتتانًا بمكان يحكيه أبي وجدتي، مكة التي قبضتُ ختام ملامحها في طفولتي". وأكثر ما يحبطها وتشعر حياله بخسران كبير، موت أحدهم: "لو لم يمت أبي من سبع سنوات لأنقذتُ المزيد من مكة، كلما توفي رجل من رجالات مكة، أو امرأة من نسائها الأسطوريات شعرت بفقد حقيقي، لأن معهم تذهب مكة الفريدة". لأنها تكتب من ذاكرة هؤلاء، أو تكتب بذاكرتهم."وألاحق تلك الذاكرة، التي تكفي أحياناً كلمة أو حكاية صغيرة لتلهمني كتاباً... تسأل: "أتعرف كيف تكون في الحب؟"، ثم تجيب نفسها: "هكذا أنا مع مكة، نظرة منها تكفي لكتاب، آخر زيارة لي لمكة كانت لحرمها، مجرد ارتقاء طلعاتها ضربني بشوق طاغٍ. لم أنم لليالٍ أحاول قبض ذلك الشوق. إنها مسألة ترصُّد، أترصد كل حجر ومساحة رمل واختناق زقاق. كل رائحة لأعيد تجسيد مدينة تتلاشى"، وإذا كانت مكة حاضرة بسشكل جلي، وعلى هذا القدر من الوصف لها، منها، فهل (حبى) هي(مكة)؟ أو هل كانت (مقا) هي (حبى).[21]

ليس بوسع التحليل أن يؤكد أو ينفي ذلك، بل وليس من مهمته، اعتقادا منه، أن مسألة تذكر التجارب التي تميز مرحلة ما في حياة الفنان قد يكون لها دور في رصد الوعي المصاحب لأحداث فاعلة للمكان الذي نشأ فيه، أو خلد فيه ذكريات، فترسبت في لاوعيه مظاهر رمزية، يعبر عنها دون وعي منه بوصفه أداة تحت ضغط  قوة اللاشعور الجمعي الذي يعيش في كنفه، بمعنى أنه لا بد من أن يضطلع بمهمة إعادة التوازن النفسي إلى الحقبة التاريخية التي ينتسب إليها، وسواء أشعر الفنان بذلك أم لم يشعر، فإن عمله الفني لا بد من أن يعني في نظره شيئا أكثر مما تعنيه حياته الشخصية، أو مصيره الفردي؛ لأنه هو نفسه ليس سوى مجرد أداة في يد عمله الفني، كما أنه القادر على تجليات اللاشعور الجمعي واستكشاف خفاياه بسبر أغوار الماضي واستنطاقه...هكذا يبدو أن الأعمال العظيمة تنشأ من مصدر ميتولوجي يتميز بها المبدع الأصيل؛ لأنه الوحيد الذي يستطيع تجسيد الرموز في صورة أقرب إلى الوضوح من الشعور عن طريق الإسقاط بوساطة عملية الإدراك اللاشعوري التي يطلق عليه يونج Carl Jung" الحدس الذي يعد قوة فطرية في حياة الفنان"[22]

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى رجاء عالم، فأين نضع شخصية (حبى) في عملها الفني هذا؟ وإلى أي نوع من الشخصيات التي حددها فيليب هامون Philippe Hamonتنتمي شخصية (حبى)؟ وهل تعد ضمن الشخصيات الإشارية، أو الشخصيات الاستذكارية، أو الشخصيات المرجعية التي تضم الشخصيات التاريخية، والأسطورية، والمجازية؟

قبل الخوض في تحليل ذلك، خليق بنا أن نستشهد بهذا النص علّه يحدد لنا مسار شخصية (حبى) في مقطع مع شخصية (سارح):

"ولفحت أنف (سارح) أرواح الريحان النفَّاذة، صارت الحجرة تنبض حوله، نظر إلى جسده فوجده عاريا، وإلى يديه فإذا راحتيهما من عنبر وريحان... وانطبع في دخيلة (سارح) أنه إذا ما قُيضت له مغادرة تلك الزنزانة فإن حِجَّته الأخيرة (لمقا) هدفها أن يعيد صياغة الأنثى:

ـ "استولدُها من نور ..." باغته الاسم، فسارع يخفي تلك النية عميقا في هيكله!. لكنها ظلت تطل:

ـ "نور ..."  مِن لا مكان دلَّ عليها قلبُه، طفت على جلده معرفةُ كونها: ذات حُبَّى التي جاء يطلبها في (مقا)... دقق النظر في الصورة فخرجت له أنثى، حُبَّى من مجموع النجوم كاملة، ملتوية في سُرَّة الوديان، واستمرت النجوم تهوي نجمة وراء نجمة جتى تمام السبع كيات انغلقت تدور حول سُرَّته... رَوَّحَتْ كل عرق فيه وعَصَب، دلَّتْه فيها من ألفِ قامةٍ وألف حتى لم تبق ذروةٌ  لم تسلُكه جزرا ومدًّا، جمعته إليها كعقدة ...فإذا هو يتدفق من حباب الطين حالا على حال، ولا يكف هاتفه: (حبى)، يتدفق من من كل صوبٍ برابخ تجرف مكانها فيه"[23] 

وبالإشارة إلى الإجابة عن سؤال أيٍّ من الشخصيات تنتمي (حبى)، يمكن القول إن رجاء عالم توظف هذه الشخصيات الثلاثة في شخصية حبى، ولكن بنوع من التحفظ على الشخصية المرجعية التي تضم في مضامينها الشخصيات الأسطورية؛ لأن شخصية (حبى) في هذا المقام لا يليق بها وسم الشخصية الأسطورية، إللا بما يمكن ربطها بالتماثل الروحي.

بـ ـ تماثل روحي/ كشفي: نتصور أن الطابع الجلي في (حبى) هو الاغتراف من الوعي الصوفي، بعدما أصبحت الرواية الحديثة تأخذ من النزعة الصوفية ما يليق بها، من ثم فإن العلاقة بين الرواية والتصوف باتت علاقة مطردة، ومتماثلة في كثير من المواقف، وقد لانستغرب ذلك من روائية متشبعة في تنشئتها بالتكوين الديني الذي مرت به، أضف إلى ذلك أنه ليس غريبا أن تتواشج الأجناس المعرفية، وتتداخل في الطرح، وتتشاكل معها الرؤيا، وليس النهج الصوفي بمعزل عن هذه الأجناس، ولا الرواية بمعزل عن احتضان الرؤيا الصوفية، ولنا في رواية (حبى) شواهد كثيرة على ذلك، نقتطف منها هذا المقطع، من فقرة مسهبة في الرؤية الصوفية:

 وتحقق (سارح) من الآلة في يد المجذوب(قا) كانت مِزْوَلَة من مادة تعكس الصور مثل صفحة ماء ألا أنها لا تشف، قال القبروجي مستجيبا لفضول سارح:

هي مزولة لا نعرف من أي زمن بناها المجاذيب في رواق اليتيم، وحصنوها فلا يجرؤ أمير ولا فقير على نقضها... وتهامس أهل العلم بخبرها:

إنها مسبوكة في الدنيا البيضاء المخفية عن دنيانا، حيث لا تقع من المخلوقات هناك خطيئة قط، لذا فإن المزولة قادرة على تقطير روح الزمن وتحويله لماء من شَرَب منه لا يظمأ، ولا يشيخ، ولا يبلى...وبدأ المجذوب منهمكا يرعى مزولته، كان لا يغيب عن المزولة في ليل أو نهار، فيشاهَد راكعا أمام تدويرتها، يميل بجسده لهذا الصوب حينا ولذاك حينا...فكان يختزل حركة الليل وحركة النهار وحركة الأجرام الكونية والبشرية في ظلال، ويصفِّي ما تعتَّق فيها من أرواح"[24]

ولعل في صورة "إنها مسبوكة في الدنيا البيضاء المخفية عن دنيانا" ما يعكس رؤية "الدرة البيضاء"، بحسب مصطلحات المتصوفة، بوصفها "العقل الأول"، نقطة مركز العماء، وأول منفصل من سواد الغيب، وهو أعظم نيرات فلكه، ولهذا وصف بالبياض ليقابل بياضه سواد الغيب، فيتبين بضده كمال التبين، وأيضًا هو أول موجود، وترجح وجوده على عدمه، والوجود بياض، والعدم سواد.[25]

والرواية مليئة بالمواقف والمصطلحات الصوفية، وهو ما نلمسه من خلال استقاء مثل هذه النفحات الملكوتية في بعض من الأسماء والمسميات الواردة في الرواية بكل محمولاتها الدلالية، على نحو: ( طاسين/ المجذوب/ خروق/ شطح/ درويش/ مقام/ انبعاث الروح/ تنوير/ منزلة/ واصل/ كور) وهذا قليل من كثير ليس في وارد حديثنا هنا.

ولقد تحقق لـ (حبى) بدافع هذا التوظيف ما ينم عن روح التصوير الصوفي، سواء من حيث اللغة، أو من حيث الرؤيا الكشفية، أو من حيث الملامح المشار إليها ـ في صيغ متعددة ـ في الصورة الفنية التي تنتمي إلى جوهر الحياة الصوفية، ولعل حجتنا في ذلك الاستناد إلى ما توصل إليه التحليل النفسي لتحريك غرائز الإنسان بالطابع الرمزي لا شعوريا، وتبعا لذلك فإن رجاء عالم قد تكون معنية بتسلل صورة (حبى) من لا وعيها، أو أنها نابعة من وجدانها، وفي كلتا الحالين فإن مدار التصوير الصوفي وافر في الرواية، وأن البعد الروحي لـ (حبى) سمة جوهرية لتمثيل حقيقة المسعى الإنساني، ومن ثم فإن السياق الدلالي يعزز هذا التوجه الكاشف عن حقيقة فضاء مكة الروحي، وتفاعل المجتمع الديني المستظل بظلال ذاته تعالى في صحنها.

وإذا كان المنحى الصوفي أساسه الروح فإن وعي (حبى)، برمته، حاصل من الجناب الأقدس؛ أي من كل ما هو مفعم بالروح في علاقتها بالمطلق، من حيث كونها محاطة بجميع مكونات الخفاء والتجلي لمركز الكون في (مقا) الظاهر فيها والباطن. وقد يكون هذا المقطع المعبر عن وصف البيت العتيق والدعوة إلى الإيمان به، دالا على ذلك "... حين تأكد للسدنة والحرس اشتعال كل حصى الصحن غادروا أميرهم وحده في وقفته لـ (حبى) ...جلس الأصطرخي أشهر مؤرحي(مقا) ينصت لما يجيء من الأمير من أخبار ويسجله. بحر من النور انفرط تحت الأقدام وعلى الرؤوس وصون بقلبه، هتف:

لو نعرف لك بابا غير النور يا (حبى) لولجناه، كيف لامرأة قائمة على العشق مثلك أن ترفع بينها وبين أميرها هذا البحر من الأستار، ممن تتزودين في عزلتك؟ أي عاشق بوسعه أن يقرِّب لك ما قربناه من خزائن الطيب، يا (حبى) أقشعي غيبك وانظري قرابيني...أنشأنا لمدينتك تكية على كل جهة، تنادي عشاقك، فيجتمعون، فنوقد من أجسادهم لتنوير مقامك "[26]

إنه تصوير لدواخل (حبى) الروحي في تفاعله مع المناسك المتجلية في شعيرة ما دعانا به ذاته تعالى القيام به في مكة، بوصفها معلمًا يَمْثُل لعظمته الخلق: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ‌ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ومن هنا، كان توظيف (حبى) في تجلٍّ مستمر لما أمرنا الشرع القيام به في مكة والإخلاص بالإيمان لها. وما دام أصل الوجود هو المحبة، فإن مركز المحبة يتجلى في مكة بوصفها مبادىء النهايات، والوصول إلى المعرفة، عند المتصوفة، ومن هذا القبيل كانت (حبى) منتهى كل مقام؛ لمعرفة إدراك حقيقة الكشف عن أسرار الكون في مقام الكعبة، والتماهي في شعائرها، وهو ما تعززه مواقف شخصية (سارح) الحاضر في مشاهدته الرصدية، مع باقي حضرة الأسماء الوصفية المحيطة بتحركات (حبى) في تجلياتها الكشفية: " وهكذا تنقل المسلوب في المقام، كلما أوقفه سادن هتف:

"أنا سارح ..." ويغطس لسِرِّه ويلفظ الاسم:

"حبى" فانحسروا عنه كما ينحسرون عن المجاذيب، تذكر سارح أن الاسم حصن بين الظاهر والخفي... حدث نفسه  مستجيرا مما يتكشف له:

"يا حبى أهذا فعلُك في المنقطع؟!. هأنذا كلما أقبلت عليك غِبْتِ لترديني لذاتي، فأنتهى كمن جاء يطلب سارح لا حُبَّى، تلهينني عنك بما تكشفينه لي منِّي، لا تجعليني بصيرا سميعا ما لم تُقيمي في سمعي وبصري"[27]

صحيح أن (حبى) طافحة بطاقات هائلة من الدلالات والرموز التي يصعب تداركها لدى قارئ الروايات المألوفة، لغة ومعنى، ولما تحمله ـ هذه الروايات ـ من صور معبرة، عن حالة ما. ولكن في رواية (حبى) الوضع على غير استقامة مع هذا النوع من القراءات، حيث تتداخل الصورة، والرمز، والعلامة، والأمارة، والإشارة، وبلغة مكثفة، أبعدت المعنى عن مرامه في الظاهر وفي الخفاء، في منظور سياقه الفني، وأدخلته ـ في اعتقادنا ـ في مبدأ التغير في الثبات بوصفه أسلوب التجلي وارتباطه بالوجدان الكلي لمقام قصر (حبى) في ثلاثية: المعرفة، والمحبة، والمشاهدة، أو ثلاثية القلب والروح والستر، بشكل جعلت منها رجاء عالم أسلوبا لإبداع وحدة السر، فالقلب هو المعرفة، والروح هو المحبة، والسر هو المشاهدة[28] في حقيقة (حبى) المحاذية لصحن الحرم، المطاف الذي يطوف المسلمون فيه حول الكعبة المعظمة، وداخل البيت المعمور في نقطة الكعبة، الحجر الأسود. وكم تبدو (حبى ) دالة عن هذا القطب الثلاثي كما في هذه الصورة: " وانطلق مجذوب... ووقف على الركن اليماني لحُجرة حبى[29]...اختل طيران الحمام على حُجرة حبى وغار النور على الركن الشرقي[30] .... ويوما وراء يوم، ومن جلسته هناك شعر سارح بحُجرة حبى تغوص في بخار الدم وتختفي من موقعها بقلب الصحن، ولم يشعر السدنة بحركتها الخفية.... مضت أيام على القتال في (مقا) وقصر حبى موصد أبوابه[31]

وبذلك تمثل حبى حصيلة تجربة روحية عجيبة مع فضاء الكعبة المشرفة، وتحديدا في مقام النصوص المعبرة عن الحجر الأسود، فإذا كانت مكة تمثل المدينة الدينية، فإن الكعبة تعكس المنزلة الألهية، في حين يمثل الحجر الأسود في النص النور الرباني الذي تلمعت به حبى لتضيء الإنسانية، نور السر الأعظم. ومن الصعب جدا الكشف عن مستور هذه الصورة، إلا أن شاهدنا على ذلك هذه العبارات: (الركن اليماني لحُجرة حبى/ الحَمَام على حُجرة حبى/ الركن الشرقي/ بقلب الصحن) في نسيج من فسيفساء العبارات التي تخاطب بها حالات وجدانية خالصة، وبما يناسب مقام فضاء (مقا) " قلب الأرض" وهي اللغة التي درج عليها المتصوفة، "بتأسيس لغتهم الخاصة التي تخلِّص اللغة من مضامينها التواضعية، وأساليبها المتوارثة، وتخلق لغة جديدة، تحمل جديدا مع كل تجربة صوفية"[32]، تستند في لغتها إلى الإشارة في العبارة ، ضمن ما عرف عندهم بـ " ما يدرك ولا تحيط به الصفة)[33]

ولعل في استحضار الركن اليماني الذي جاء توظيفه في ذكر اسمه باعتبار اتجاهه من زوايا مقام الكعبة الأربعة، دليلا على أن حبى هي الكعبة التي يدور حولها النور الرباني، بوصفها مركز الدائرة، وسُرَّة الأرض، حيث يلتقي المكان كله في منزلة العبادة والتمكين ـ  ومستوى الرحمن ـ  في يمين الله في الأرض، كما جاء في قوله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنّة"[34] فظاهر الركن[35]والمقام أنّهما بناء من الحجارة، ولكنّ النبيّ، صلّى الله عليه وآله وسلّم، أشار إلى جوهر هذين المكانين وحقيقتِيهما عند الله تعالى. ومثله أيضًا قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض"[36]، فالحجر الأسود معلوم من حيث الشكل واللون والصلابة، ومعناه في العرف اللغوي لا يتعدّى ما يتّصل بمفهوم الحجريّة، ولكنّه هنا يُؤوَّل بيمين الله، ويمينه تعالى غيب منزّه عن الحدّ والكيف، ولعلّ العلاقة الظاهرة الجامعة بين الحجر الأسود ويمين الله هي علاقة التقبيل، كما أن العلاقة بين الحجر الأسود ومكة هي علاقة من قبيل حماية أحكام مقام الإسلام، وأنوار مقام الإيمان ببركة الحجر الأسود، وحماية النفس من الضلال إلى الاستقامة، والتخلق بأخلاق الحق. والمحافظة على المعاملة الإنسانية، ومن يستظل بحبى في وسْمها بالحجر الأسود كمن يستظل بنور الحق تعالى، أو النور الذي أطلق عليه ابن عربي بالنور "الشعشعاني إن وقع فيه التجلي ذهب بالأبصار"، وقد تتعدد معاني أمارة حبى في هذا المقام، فهي إما نوره تعالى في معناه من الضياء والظهور، أو أنها الإسلام بإشعاعه الرباني، وفيضه الرحماني، المنتشر في مقام العبادة، أو أنها حجج الله ودلائله، أو أنها الحق؛ لأن مقامها فوق كل محنة أو نازلة، حسب وصف رجاء عالم لِما وقع لمكة من نكبات السيول منذ القديم، بخاصة حين أفسد سيل أم نهشل مباني المسجد الحرام في عهد الخليفة عمر بن الخطابعام 17هـ ، وما تلاه من سيول أضرت بالكعبة حسب ما ترويه الدراسات التاريخية، ومع ذلك فـ "حبى في طلوعاتها الليلية ترصد كل ما يدور بـ (مقا)... وحبى كالعسس لا تنام، تطوف في الأبراج وبين عسكر السور من حجر، حتى إذا فاض القتل لم ترجع لحجرتها، يتعلق عبقها على الأسوار مثل صيحة"[37]  

وتصور رجاء عالم(حبى) بين المتخيل وتماثل الواقع لـ (مقا) حينًا، والمتخيل وتماثل نور التجلي أحايين أُخر، بما فيها من الأحوال في ذات الحق، أو بين ما حدث لها تأريخيا، وما يحدث لها ـ في منظور الروائية ـ من مكاشفة روحية بوصفها تمثل قيمة الحجر الأسود الرابط بين الخلق والحق. كما صورت رجاء عالم (حبى) بوصفها بؤرة نور التجلي، ووسيلته، من خلالها تُدرَك حقيقة الله في الكون. ولا يدرك النور الإلهي في (حبى) إلا من كان في مقام شخصية (سارح) الذي وُظف على أنه ممن تظهر عليه الأحوال والمعرفة، امتثالا لمقولة المتصوفة " علامة الحق على قلوب العارفين" في إشارة من رجاء عالم إلى أن هذه الشخصية هي من تمد (حبى) بالوجود الظاهر في صورة النور الرباني، وهي من تسهم في حمايتها من كل النوائب كما في واقعة أصحاب الفيل، مع عبد الطلب الذي قال لأبرهة حين عزم على هدم الكعبة: إني أنا رب الإبل، وللكعبة رب يحميها، وبعدها نزلت الآية ﴿ أَلَمْ تَرَ‌ كَيْفَ فَعَلَ رَ‌بُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ[38]، وهي صورة تريد منها رجاء عالم حماية الكعبة من كل نائبة، كما ورد في نص حبَّى: " ليلة فناء الفيل انتهز سارح غفوة السدنة فأطفأ قناديل الصحن... لكأن حبى تقوده لمدِّ العتم بينهما صراط، واستجاب فجاء جسده ملتجئا لجدران حجرتها، التحم بالحجر، أراد أن يتسلل لجوف الحجر؛ ليفرض لونه على الوعورة بالباطن... وبدأ ينفك عن مقامها، عندها باشرته منحنية عليه، وبسنِّ جديلة من جدائلها المسنونة بدأت تحبر: في قوس قفصه الصدري وحتى السرَّة نقشت اسمَها مقلوبا (حبى)"[39]

وإذا كانت الشخصية في السياق الفني للدراسات الروائية لا وجود لها خارج الكلمات، بوصفها كائنا ورقيا، على حد تعبير تودوروف Tzvetan Todorov[40]، أو أنها مورفيم morpheme لا تحيل إلا إلى ذاتها كما هو عند فيليب هامونPhilipe Hamon[41]، مثلا. فإن شخصية (حبى) أسمى من أن تكون من هذا القبيل، إنها نتاج فني، وروحي، وتاريخي؛ للتعبير عن هوية مرحلة تاريخية مرت بها مكة المكرمة من خلال الأوصاف التي تستند إلى أماكن وأسماء، ودلالات معبرة. وما ذِكْر (حبى) عنوانا للرواية، وواعتبارها شخصية محورية فيها، إلا علامة لمسار رؤيتها السردية، وحَّدت بين عدة أبعاد، منها ما هو تاريخي، وما هو ديني/صوفي، وما هو تخييلي، مستمدة في ذلك وظيفتها في متن النص كما لو أنها تنقل مراحل تاريخية مرت بها مكة، ولكن في سياق امتزج فيه الفني مع السيري، بحسب المعطيات والظروف التي أرادتها رجاء عالم أن تكون تاريخية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية، غير أن الطابع الروحي هو السمة الغالبة في تجسيد اسم (حبى)؛ لما لهذا الاسم من دلالات تقتضي المحبة إنسانيا، والمحبوبية صوفيا، بدافع الانجذاب إلى الجانب الروحي بقوة الحب، حين "يراد به التحرك للوجد والأُنس، وهذا شأن من علم الحق من جهة الإخبار والتعريف، فيتعلق حبًا بما أعطاه الخيال في الخبر عنه محدودًا ممثلًا، فيزعجه طلب وصاله، وأنسه، ورؤية وحديته على ما اعتاد المحب في حبه مع أمثاله وأشكاله، وهو يتجلى لهم بصورة ما تمثل في خيالهم مع تنزهه في ذاته عنها.[42]

أضف إلى ذلك أن (حبى) تستبطن في داخلها قيما ثقافية واجتماعية بفعل مجموعة من العوامل المتراكمة في تاريخ مكة، والجزيرة العربية، ولا نستبعد هنا إبراز بعض القيم الذكورية على حساب قيم الأنوثة ـ ولو بشكل باهت ـ ولكن ليس بالمفهوم السردي الفاضح والمعبر عن مغريات الجسدي/الإيروتيكي كما أشارت إلى ذلك منيرة الفاضل من أن صورة (حبى) تمثل قمة الإغواء لتفجُّر أنثوي صارخ، حين وصفت العلاقة بين سارح وحبى على أنها كانت علاقة قائمة بكل أشكال الإغواء[43]، مستشهدة بهذا المقطع" .. عندما باشرته منحنية عليه، وبسنّ جديلة من جدائلها المسنونة بدأت تحبر: في قوس قفصه الصدري وحتى السُّرَّة نقشت اسمها مقلوبا (حبى) فبدا مثل أنثى مستلقية رافعة ذقنها المدبب لعنقه بساقيها تلتويان للانغلاق وراء ظهره"[44]

وإذا كان رأي منيرة الفاضل يستند إلى موقف مستمد من صراع الذكورة/الأنوثة في الدراسات الثقافية والنسوية، فإننا نعتقد أن هذا الموقف بحاجة إلى ما يبرره في غياب الشواهد الأخرى التي تدعم رأيها في النص برمته، ومع ذلك فإن كل الاحتمالات واردة عدا أن يكون توظيف حبى توظيفا إيروتيكيا بحتًا؛ لأن بهذا التحليل يمكن أن نحيد عن سبيل متن النص البريء من كل طابع جنسي، أو كون حبى اسمًا لأنثى قد تمثل حالة ما، ومن ثم فإن حبى ـ كما مر بنا ـ لا تتشكل في متنها إلا بالقدر الذي يصبغه الطابع الديني الروحي، كما صبغت وتخلقت بفعل فضاء مكة، وتأثير أحداث هذا الفضاء على حبى بوصفها منصهرة فيه، ولعل هذا ما يجعلنا نميل إلى أن حبى رمز روحي، في حين تعكس صورة (سارح) الوجود المنير المضاف إلى حبى في نورها الرباني، وإذا كان هناك من علاقة حب ـ كما تبين لمنيرة الفاضل ـ فهي من قبيل علاقة ارتباط وعبور نحو الحقيقة الوجودية للإنسانية، وأن اكتمال النور بين سارح وحبى جاء بصفة ملازمة بعضهما لبعض "بينهما صراط"[45] أي سبيل إلى طريق الحق "واستجاب فجاء جسده ملتجئا لجدران حجرتها"[46] بعد أن اكتنهت عالمه بعزيمة رأيها حين" باشرته منحنية عليه، وبسنّ جديلة من جدائلها المسنونة"[47] ثم بدأت تزين كيانه وصلبه بعد أن رسمت صورتها مقلوبة؛ لما تعنيه من دلالة قلب الوقائع التاريخية لمكة، وهي المرحلة التي تمخضت فيها وقائع مكة، علامة على ظهور شيء على غير سبْق، فتهيأت لميلاد عهد جديد، ظهر فيه مولد الرسول الأعظم، وكأن الحياة انقلبت من الضلال إلى النور، وهو ما عبرت عنه أحداث الرواية قبل هذه الفقرة بالصراعات القبلية التي دارت بين العرب في مكة قبل الإسلام، وما جاء من وصف مغاير لهذه الفقرة التي تمثل العقدة ( بالمفهوم الاصطلاحي للرواية) لتعطي للأحداث طابعا مغايرا، فيها تم التوصل إلى حقائق كان بمقتضاها الوصول إلى نتيجة، وهو ما نستشفه فعلا من الأحداث المرسومة بعد هذه العقدة التي تشير في سياقها الدلالي إلى مجيء الإسلام. وقد كان الحسم في ذلك دالا في صورة ذكر قصة عام الفيل المعبر عنها في هذه الفقرة التي تعد نقطة الحسم  بين مرحلتين فاصلتين بفضل عناية الله، كما عبرت عنه صورة العلاقة بين (العارف): نور المعرفة و( حبى): نور المشاهدة "عندها ألقى العارف آخر قصة مكتوبة... هي التي بدأت الربط بالأسماء، جاءتني أول طلوع حواسي. خرجتُ ملحة خضراء من دهاليز الخالد ذات ضحى فلقيتْني، هتفتْ بأعذب ما تهبُّ الصَبَا (حيان) وسمتني، ياللغتها !.سكنتني منها عذوبة وسرّحتني في الأسماء، بالمقابل منحتُها عقيقة مربعة محفورة بقلب رقيمي: أم الكتاب، ذاك سجلي ، فيه كل معارفي وكينونتي، ولقد علقته في أحجبتها، وطلبتِ المزيد.."

هنا أضافت حبَّى كتابة: وكذا ...كل من يراني  تنكشف له حاجته، حتى تلك الحاجة للجبروت ...والشهادة"[48]

ولا أتصور أن النص بحاجة إلى توضيح أكثر مما تعبر عنه صورة ( أم الكتاب) للدلالة على ما في القرآن من أحكام: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ[49]في إشارة إلى أن كل آية من آيات الذكر الحكيم هي أم الكتاب.

وقد لا نغالي إذا قلنا إن ربط "نور المشاهدة"  لحقيقة التوحيد في صورة حبى هو الجامع المشترك بين الأسماء والصفات، بخاصة شخصيات مثل (سارح، والعارف، وطاسين)، بمستوى فوق واقعي على مسمياتها الطبيعية في الواقع، فهي مجردة من الصفات الواقعية؛ أي إنها بحسب المنظور الصوفي صفات لما بالذهن دون المشاهدة بالمحسوس، لذلك جاء توظيف هذه الشخصيات ـ وغيرها كثير ـ بحسب موقف قدسية (حبى) في صورة النور الخالص في ياقوتة[50] الحجر الأسود، وقد يصدق هذا فيما قاله طاسين ـ الذي ناب عن السراج كما في طاسين الحلاج ـ في هذا المقطع الذي تبدو فيه الصورة واضحة فيما كتبته حبى، بقولها " وختمت الكتابات قصاصة سقطت من صدره على الأرض: أنا طاسين البنَّاء الفاعل لما قام من حبى من مادة يمكن القبض عليها في هيئة كالحجر والصخر، أنا من بنى من جسدها مدينة، وأسكنها قبرها؛ لكي ينفرد بعشقها في كل الهيئات لا ينافسه منافس"[51].

ولعل تجلي المشاهدة في هذه الأسماء، كما يقول المتصوفة "هو مايظهرللقلوبمنأنوارالغيوب" وهوظهورالحقبصورأسمائهفيالألوانالتيمنصورها،وذلكالظهورهونفسالرحمنالذييوجدبهالكل[52]، وهو ما عبرت عنه شخصيات (العارف) و(سارح) و(طاسين) بوصفهم أنوار: (العلم) و(التحقيق)، و(العناية) بدلائل التوحيد، لتأكيد نور التجلي في حبى.

قائمة المراجع

القرآن الكريم

أولا ـ المصادر:

$1·   إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي: كشف الخفاء ومزيل الإلباس، أشرف على طبعه وتصحيحه والتعليق عليه: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، ط4، بيروت، 1985، ج1.

$1·      جلال الدين السيوطي: صحيح الجامع الصغير وزياداته، ، تحقيق: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط1، دمشق، 1969، ج3.

$1·      رجاء عالم: حبَّى (رواية) المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2000.

$1·      عبد الرزاق الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية، تحقيق: د. عبد العال شاهين، دار المنار - القاهرة - الطبعة الأولى - 1992

ثانيا ـ المراجع

$1·      حميدلحمداني:بنيةالنصالسرديمنمنظورالنقدالأدبي، بيروت، الدارالبيضاء،المركز الثقافيالعربي، ط 3، 2000.

$1·      خالد الرفاعي: الرواية النسائية السعودية قراءة في التاريخ والموضوع والقضية والفن، النادي الأدبي بالرياض عام 1430هـ/ 2009م.

$1·      سيزا قاسم: بناءالروايةدراسةمقارنةلثلاثيةنجيبمحفوظ،القاهرة، الهيئةالمصرية للكتاب، 1984.

$1·      عبد القادر فيدوح: الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1991.

$1·      عبد القادر فيدوح: شعرية القص،ديوانالمطبوعاتالجامعية، وهران، 1996.

$1·      عبدالملكمرتاض:فينظريةالرواية،عالمالمعرفة-  سلسلة عالم المعرفة الكويت.

$1·      عبد الوهاب أمين أحمد: المغامرة اللغوية في الفتوحات المكية، دار المعالارف، مصر، 1995.

$1·   علي سرحان القرشي: تجليات المقام والطواف في سرديات رجاء عالم، موسوعة، مكة المكرمة الجلال والجمال، قراءات في الأدب السعودي، ج 2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

$1·       فيصل دراج: الرواية وتأويل الترايخ، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2004.

$1·      محمد علي كندي: في لغة القصيدة الصوفية، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2010.

$1·      مي السادة: السرد العجائبي في الرواية الخليجية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2014.

$1·      ميثم الجنابي: حكمة الروح الصوفي، دار المدى، 2001.

ثالثا ـ المراجع الأجنبية.

$1·      Henri Mitterrand, Le discours du roman,

$1·      Jean-Jacques Wunenburger, L’Imagination, PUF, « Que sais-je? », Pa­ris, 1991.

$1·      Philipe Hamon, Pour un statut sémiologique du personnage in poétique du récit, collection point seuil, paris,

$1·      Todorov et Ducrot, Dictionnaire encyclopédique des Sciences de Langage, Paris : édition du seuil, 1972.

رابعا ـ الدوريات

أحمد جاسم الحسين: الرواية العربية الجديدة وخصوصية المكان ـ قراءة في روايات رجاء عالم، مجلة جامعة دمشق، المجلد 25، العدد الأول والثاني، 2009.

منيرة الفاضل: جغرافية الرغبة: المرأة والمكان في روايتي (حبى) لرجاء عالم، و(مزون) لفوزية شويش السالم، مجلة ثقافات، ع 14، 2005

خامسا ـ المواقع الإلأكترونية

أمين يوسف عودة: التأويلُ الإشاريُّ عند الصُّوفيَّة: معالمه وضوابطه ومدوَّناته، موقع مجمع اللغة العربية الأردني http://www.majma.org.jo/

صفوح خير: المجال الجغرافي، الموسوعة العربية، الرابط  http://www.arab-ency.com



[1] نقلا عن، فيصل دراج: الرواية وتأويل الترايخ، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2004، ص 9

[2] نميل إلى توظيف مصطلح الحيز بديلا للفضاء، استنادا إلى ما أشار إليه عبد الملك مرتاض من أن مصطلح(الفضاء) قاصربالقياسإلىمصطلح( الحيز)؛لأنالفضاءيحيلبالضرورةإلى الخواءوالفراغ،في حينيحيل(الحيز)إلىالحجموالشكلبمافيهمامنوزنومسافة،علىحين أنمصطلح(المكان) يقتصرعلىالموقعالجغرافيفيأضيقمساحةلهفيالعملالروائي. ينظر، عبدالملكمرتاض:فينظريةالرواية،عالمالمعرفة-  الكويت، ص 141.

[3]صفوح خير: المجال الجغرافي، الموسوعة العربية، الرابط  http://www.arab-ency.com

[4]ينظر Henri Mitterrand, Le discours du roman, opcit, , P194

[5] رجاء عالم: حبَّى (رواية) المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2000، ص 7

[6] ينظر، سيزا قاسم: بناءالروايةدراسةمقارنةلثلاثيةنجيبمحفوظ،القاهرة، الهيئةالمصرية للكتاب،1984، ص 180

[7] ينظر، عبد القادر فيدوح: شعرية القص،ديوانالمطبوعاتالجامعية. المطبعةالجهوية. وهران، 1996، ص 77

[8] أحمد جاسم الحسين: الرواية العربية الجديدة وخصوصية المكانـ قراءة في روايات رجاء عالم، مجلة جامعة دمشق، المجلد 25، العدد الأول والثاني، 2009، ص 113.

[9] ينظر، كتابنا، شعرية القص، ص 19 وما بعدها

[10] ينظر، أحمد جاسم الحسين: الرواية العربية الجديدة وخصوصية المكانـ قراءة في روايات رجاء عالم، ص 115

[11] خالد الرفاعي، الرواية النسائية السعودية قراءة في التاريخ والموضوع والقضية والفن، ص260. وينظرأيضا، مي السادة: السرد العجائبي في الرواية الخليجية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2014، ص 217 وما بعدها.

[12] رجاء عالم: حبى ص 320

[13] سورة إبراهيم، آية 1.

[14] علي سرحان القرشي: تجليات المقام والطواف في سرديات رجاء عالم، موسوعة، مكة المكرمة الجلال والجمال، قراءات في الأدب السعودي، ج 2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 851.

[15] ينظر، عبد الوهاب أمين أحمد: المغامرة اللغوية في الفتوحات المكية، دار المعالارف، مصر، 1995، ص 72.

[16]حميدلحمداني:بنيةالنصالسرديمنمنظور النقدالأدبي، بيروت، الدارالبيضاء،المركز الثقافيالعربي، ط3، 2000، ص 78.

[17] حبى، ص 132، 133.

[18] ينظرJean-Jacques Wunenburger, L’Imagination, PUF, « Que sais-je? », Pa­ris, 1991, p. 3

[19] ينظر، مي السادة: السرد العجائبي في الرواية الخليجية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 2014، ص 2015.

[20] حبى، ص 11

[21] ينظر، مي السادة: السرد العجائبي في الرواية الخليجية، وينظر أيضا، موقع جهة الشعر، http://www.jehat.com

[22] للمزيد من التوسع ينظر، كتابنا الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص 69 ـ 72 .

[23] حبى، ص 206 ـ 207.         

[24] حبى، ص 78،79.

[25] ينظر، كمال الدين عبد الرزاق القاشاني: اصطلاحات الصوفية.

[26] حبى، ص 82

[27] حبى، ص 58،61.

[28] ينظر، ميثم الجنابي: حكمة الروح الصوفي، دار المدى، 2001، ص 310.

[29] حبى ص 105.

[30] حبى ص 123

[31] حبى، ص 125.

[32] محمد علي كندي: في لغة القصيدة الصوفية، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2010، ص 82.

[33] المرجع نفسه، ص 81.

[34]صحيح الجامع الصغير وزياداته، جلال الدين السيوطي، تحقيق: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط1، دمشق، 1969، ج3،  ص189، عن أمين يوسف عودة  التأويلُ الإشاريُّ عند الصُّوفيَّة: معالمه وضوابطه ومدوَّناته، موقع مجمع اللغة العربية الأردني http://www.majma.org.jo/

[35] والمقصود به هنا الحجر الأسود: قال رسول الله (ص) : إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله تعالى نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب

[36]ينظر، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، أشرف على طبعه وتصحيحه والتعليق عليه: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، ط4، بيروت، 1985، ج1، ص348- 349، عن عن أمين يوسف عودة  التأويلُ الإشاريُّ عند الصُّوفيَّة: معالمه وضوابطه ومدوَّناته، موقع مجمع اللغة العربية الأردني http://www.majma.org.jo/

[37] حبى، ص 149،150.

[38] سورة الفيل، الآية 1

[39] حبى، ص 167

[40] Todorov et Ducrot, Dictionnaire encyclopédique des Sciences de Langage, Paris : édition du seuil, 1972, p

286

Philipe Hamon , Pour un statut sémiologique du personnage in poétique du récit, collection point seuil, paris,

1977,p 128.

[42]ينظر، عبد الرزاق الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية، تحقيق: د. عبد العال شاهين، دار المنار - القاهرة - الطبعة الأولى - 1992

[43] ينظر، منيرة الفاضل: جغرافية الرغبة: المرأة والمكان في روايتي (حبى) لرجاء عالم، و(مزون) لفوزية شويش السالم، مجلة ثقافات، ع 14، 2005، ص 120،121.

[44] حبى، ص 167.

[45] حبى، ص 167.

[46] حبى، تتمة للفقرة الأولىص 167.

[47] حبى، ص 167.

[48] حبى، ص 312،313.

[49] سورة آل عمران، من الآية 7

[50] يروى عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لاضأتا ما بين المشرق والمغرب

[51] حبى، ص 313

[52]معجمإصطلاحاتالصوفیة-ص17