المقصدية وترتيب الخطاب القرآني
pdf

 

 عثمان بريحة( طالب دكتوراه)

مركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربية وحدة ورقلة (الجزائر)

أ.د. بلقاسم مالكية

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

Abstract:

If we take a look at the works of exegetes; we found out that they gave a particular priority to the pragmatic aspects in their approach to understand the coranic discourse, and grasp its Intentions through the receptor pursuit to discover and comprehend the relations that constitute the text and realize its cohesion and the coherence of its parts. This subject took a great place in the work of the exegete (Al Imam al-Biqai) (The organization of pearls and the correspondence of verses and chapters) where he discusses the role of intention or the pragmatic meaning in the classification of the of the coranic discourse and the structuring of its parts (verses, paragraphs and sections). A cursory reading of his work would reveal that he obliged himself to follow a strict and clear method in his exegesis of the Coran, which is based essentially on determining the intention of each coranic chapter, and the reasons behind its revelation, explaining at the same time the secret behind the ordering of its verses and sections, according to a method that transcend the two criteria of cohesion and coherence of discourse to realize in the end its primal goal, which is inspiring and convincing the receptor.

Key words: Coran, Discourse, Intention, Classification, Pragmatics.

Résumé ˸

Si nous revenons aux chercheurs d'interprétation, nous constatons que les aspects délibératifs ont donné une priorité particulière à la compréhension du discours coranique, et d'atteindre ses objectifs grâce à la poursuite du récepteur pour détecter et reconnaître les relations qui composent le texte et vérifier sa cohérence et l'harmonie de ses parties, et ce fut pour cette part des paroles de l'Imam Biqai Son interprétation ( systèmes Durar correspondent aux versets et la clôture) sur le rôle de destination ou de sens délibérative dans l'ordre des coraniques sections de discours et de relais vers et les paragraphes et les sections, et, en conséquence, nous constatons qu'il a lui-même commis approche est évidente dans le interprétée comme appuyée sur l'intention de la sourate et la déclaration des fins pour lesquelles ils ont été donnés à lui, et expliquer l'ordre des versets et des paragraphes d'une manière discours normatif au-delà de l'harmonie pour atteindre son but dans la délibération finale un effet chez le receveur.

Mots-clés:Coran-discours-Intention-organisation-pragmatique.

الملخص:

إن عدنا إلى علماء التفسير نجد أن الجوانب التداولية لديهم تحظى بأولوية خاصة في فهم الخطاب القرآني، والتوصل إلى مقاصده من خلال سعي المتلقي إلى اكتشاف وإدراك العلاقات التي تشكل النص وتحقق اتساقه وانسجام أجزائه، ولقد كان لهذا الأمر نصيب من كلام الإمام البقاعي صاحب تفسير (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) عن دور المقصد أو المعنى التداولي في ترتيب الخطاب القرآني وتتابع أقسامه آيات وفقرات ومقاطع، وتبعا لذلك نجد أنه ألزم نفسه بمنهج واضح في تفسيره إذ يتكئ على مقصد السورة، وبيان الغرض الذي سيقت له، ويعلل ترتيب آياتها وفقراتها على نحو يتجاوز الخطاب معياري الاتساق والانسجام ليحقق في الأخير هدفه التداولي وهو التأثير في المتلقي.

الكلمات المفتاحية: قرآن- خطاب – مقصدية- ترتيب-تداولية.

مقدمة:

يستشرف البحث اللغوي اليوم آفاقا جديدة ويحاول التوصل إلى أساليب تنظيرية حديثة تستفيد من التراث بقدر استفادتها مما تقدمه التوجهات اللّسانية المعاصرة  منهجا وفلسفة وطرائق مغايرة في التعامل مع المنتج الأدبي، كما أنّ بعض الدراسات الحديثة التي يخطئها الحصر بيّنت أن التراث بكلّ مستوياته الفكرية والمعرفية لا يزال قابلا للحياة والتمثل، ومنفتحا أمام إمكانات التطوير والتحوير والإضافة والتصويب، وأثبتت أنه يمتلك ثراء وتنوعا لا يمكن إلغاؤه بفضل رؤاه التنظيرية التي تحوي العديد من المفاهيم والأسس تعدّ علامات طريق أولى ، الأمر الذي يجعل منه معطى فكريًّا جديراً بالاحترام، وحقيقاً أن نعيد اكتشاف طاقاته المختزنة وفق رؤية علمية سليمة لدقائقه وتصوراته اعتمادا على جهد ناقد يتصف بالموضوعية والاستقلال عن التأثيرات الهامشية وصيغ التوفيق المتهافتة.

والتراث العربي رغم ما قُدّم من قراءات تناولت مضامينه المعرفية لا يزال حافلا بجوانب عدّة لم يكشف عنها بعد، لذا تبدو ضرورة استكمال ما بدأه الرّواد مهمة يجب أن تتصدى لها الجماعة من الباحثين لتحقيق قدر عال من العلمية والتوصيف الدقيق.

فضلا عن ذلك كلّه ظل التأثير البلاغي للبيت أو الجزء من القصيدة حاضرا في ذهن البلاغي والناقد العربي وكان اشتغاله تبعا لنبض النص وإيحاءاته، وقد قدّمت التوجهات اللّسانية الحديثة أنموذجا متكاملا يعرف بلسانيات النص ونظريات تحليل الخطاب يعين على استكناه هذا النبض والكشف عن إيحاءاته وإشراقاته، كما جرى على ألسنة المشتغلين باللّسانيات والدّراسات الأدبية والنقدية فيض من المصطلحات كعلم النص ونحو النص وتحليل الخطاب وبلاغة الخطاب والتماسك النصي ... وغيرها كثير، بالقدر الذي يؤكد أن الأفق الثقافي العربي في العقود الثلاثة الأخيرة بدأ يتفاعل إيجابا مع التوجهات اللّسانية لدى الغرب وأن هذا التفاعل في طريق سليم نحو النمو المتزايد في الدّراسات اللّغوية العربية ومدفوعا بالعديد من العوامل التي تنميه وتضمن أسباب بقائه وتطوره.

وحقل (لسانيات النص) أو (علم النص) مجال يستهوي الكثير من الباحثين العرب، وذلك لمجمل المفاهيم والتصورات والأفكار التي طرحها والتي تتجاوز نطاق الجملة إلى أفق النص، إضافة إلى القدرة العالية على الاحتواء والمرونة التي أبان عنها هذا التوجه الجديد حيث تمكن من احتلال صدارة المناهج اللغوية، فكانت النتيجة أن أسهم بشكل كبير في تعميق وعينا بتراثنا.كما أنهاتعدّ توجها جديدا في الفكر اللّغوي، وتحولا جوهريا في الممارسات السّائدة في حقل الدّراسات اللّسانية، وهيفي إطارها العام الهادف تعد بديلا إجرائيا عن المناهج السّابقة، مما يفسر تعدد وتنوع الأطر والمداخل التي تستند لها فلسفة وإنجازا، وهي بهذا تمثل مجالا معرفيا واسعا ورحبا يضم اختصاصات عدّة تجاوز من خلالها اللّسانيون قصور الدّراسات اللّسانية الجملية بمختلف توجهاتها (البنوية، التوزيعية، والسّلوكية، الوظيفية، التوليدية التحويلية)، حيث أن الجملة لم تعد مجدية أو كافية لكلّ مسائل الوصف اللّغوي، فجاءت لسانيات النص لتخلص علماء اللّغة من«مأزق الدراسات البنوية التركيبية التي عجزت في الرّبط بين مختلف أبعاد الظاهرة النّصية»[1].

ومنذ منتصف الستينيات تقريبا تزايد اهتمام الدارسين بالبحث في قضايا النص، ونتج عن هذا الاهتمام المتزايد تبلور اتجاه لساني جديد عرف بلسانيات النص وأهم ما شغل به هذا العلم الفتي قضية تماسك النص بنمطيه الاثنين: التماسك الرصفي والتماسك الدّلالي. وكانت البداية الفعلية على يد فان ديك (Van Dijk) الذي وصل بلسانيات النص ونظريات تحليل الخطاب إلى وضع قائمة وسائل تحدّد اتساق وانسجام النص، وتمكن من تحديدها بدقة في كتابه الذي صدر عام 1977 والمعنون بـ: (Text and Context)، متجاوزا ما خلفته نظريات تحليل الخطاب السابقة ومبينا منهجه في مقاربته للنص بقوله:«لقد توقفت القواعد واللسانيات التقليدية غالبا عند حدود وصف الجملة، أما في علم النص فإننا نقوم بخطوة إلى الأمام ونستعمل وصف الجمل بوصفه أداة لوصف النصوص، وما دمنا نتتبع هذه المكونات المعتادة للقواعد ونستعمل النصوص المستخدمة بغية وصف الجمل، فإننا نستطيع أن نتكلم عن قواعد النص»[2].

فضلا عن ذلك يمكن أن نشير إلى أن الهدف الذي ترمي له اللسانيات النصية هو السّعي إلى تأصيل واضح يستوعب كل الأسس النظرية والمنهجية وإجراءات التحليل التي خلفتها التوجهات اللسانية السابقة، ويحدّد الأستاذ أحمد عفيفي وهو أحد المهتمين بلسانيات النص هذا الهدف بدّقة في قوله: «هو الوصف والتحليل والدّراسة اللّغوية للأبنية النصية، وتحليل المظاهر المتنوعة لأشكال التواصل النصي»[3].

وبهذا يمكن اعتبار لسانيات النص فرعا من فروع اللسانيات يعنى بدراسة النص وأبرز مميزاته وحدّه وتماسكه واتساقه والبحث عن محتواه الإبلاغي التواصلي، ويؤكد بارت أن التحليل النصي هو الذي يقدم المادة الخام للمناهج النقدية المختلفة التي تسلك سبيلاً واحداً من السبل العديدة التي كشف عنها التحليل النصي، فالمحلل ينتج نصاً جديداً هو النص الواصف عبر عمليات التحليل وترتيباته التي أجراها على النص الأصلي الذي هو موضوع التحليل.هذا النص الواصف حسب بارت: هو النص الأصلي نفسه، وقد تشظى وانبذرت معانيه، وتفاعلت أنساقه، وتجلت إيحاءاته، وتشكلت صورة حركته الداخلية.

ولعلّ أهم ما ركز عليه أصحاب الدّراسات النصية معيارا الترابط والتماسك، أو الاتساق والانسجام و نمط ترتيب الخطاب، ورصد العلاقات الظاهرة والخفية في النص، والتي من شأنها أن تحقق نصيته المحتملة. وبالعودة إلى تفسير (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور)  للإمام البقاعي وتتبع ما ضمنه صاحبه من مفاهيم وتصورات، غني عن البيان أنّ بعضها اقترب وفق حداثة لافتة إلى ما توصلت إليه آخر الدراسات في مجال النص والخطاب وأبحاثهما، وبخاصة ما يتعلق بالأبعاد التداولية ودور المقصد في تراتب أجزاء الخطاب.

1/. مقاصد الخطاب القرآني: من يتأمل أسلوب وبلاغة الخطاب القرآني يتبيّن أنه خطاب متفرد، فكل من عرفه يعترف بهذه الخصيصة الأكيدة فيه، وإعجازه لا يقتصر على هذا الحد –وحسب- بل يتجاوزه إلى أبعاد أُخَر على نحو يفسر حجم الفعاليات التراثية التي تناولت مستوياته الصرفية والنحوية والدلالية والتداولية. وهذا الخطاب هو في المقام الأول نص لغوي «وبهذه الصفة تنزّل ومع إدراكنا لخصوصيته ومزاياه فهو كلام الله المعجز إلا أنه يظل وفيا لمفهوم النص ومكوناته بل ومحدداته. وهو نص لم يكن هامشيا في سياق الحضارة الإسلامية ، بل كان نصا مركزيا حتى إن الباحث يمكنه أن يعلن أن الثقافة العربية الإسلامية كانت "ثقافة نص" بامتياز، وحين يقال "ثقافة نص" فلا يعني ذلك أن النص القرآني وحده، فالنص هو الذي شكل هذه المركزية الثقافية، والقرآن الكريم –بما هو نص- شكل البؤرة في مفهوم النص في الوعي الثقافي العربي الإسلامي»[4].

والقرآن من حيث هو خطاب متميّز لم يترك فئة من المخاطبين إلا وشملها وهذا لغرض تحقيق شمولية الرسالة، فحين تدبر واستقراء آياته نجد أنه خطاب لجميع أصناف المخاطبين على اختلاف أجناسهم وأعمارهم وأمكنتهم وبيئاتهم ومللهم ونزعاتهم، وهو في ذلك يقرن الدعوة إلى الفضائل السامية بالدعوة إلى التشريعات الهادية لكل نفع وخير، مراعيا أحوال المخاطب وقدرته على الوصول إلى فهم مراد الخطاب ومقاصده الدلالية والتأثيرية، وعليه فهو «خطاب إلهي معجز ومن ثم يمتلك من الأدوات ما يجعله مؤهلا –وبشكل دائم- لأن يكون من أهم الوسائل التعبيرية التواصلية القادرة على استيعاب الأنساق الحضارية. إنه رسالة ربانية لكل الناس دون تحيز أو طائفية أو جغرافية معينة. فهو خطاب هداية وخير، وهذه الخيرية لم تكن فيه امتيازا لطبقة أو طائفة دون أخرى، بل جاءت عامة ينعم بها كل بني البشر»[5].

والخطاب القرآني –في المنظور اللساني- يعتمد أساسا على أساليب اللغة العربية وما تحويه من أنماط تعبيرية خاصة عن المعنى، فهو –إن صح القول- منظومة تواصلية إبلاغية تنتج مستويات فهم متعددة تبعا لمستويات المتلقين والمعنيين بالخطاب على نحو يجعله يسمح بالتمييز بين «النص القرآني المقدس والثابت والفهم والتأويل المتغير والمتجدد عبر علاقة تبادلية مفتوحة بين المعرفة الدينية والمعارف التي تنتجها البشرية في كل عصر، فتتعدد أبعاد المعنى في النص طبقا لتعدد القراء ومستوياتهم في الفهم داخل إطار اللغة الواحدة»[6]. وعليه يمكن –إلى حد بعيد- أن نفسر اختلاف مستويات الفهم في النص القرآني بأنه خطاب قابل إلى تعدد الفهوم شرط ألا يتجاوز ذلك الفهم حدود مقاصد الشريعة التي حددها العلماء ثم أصبحت بعد ذلك من قبيل المسلمات لديهم.

وتبعا لذلك لنا أن نفهم وعي المفسرين بملاحظة دور المتلقين في فهم الخطاب ومراده، لذلك نص علماء الأصول على وجوب عدم مخاطبة المستمع بما لا يفهم؛ لأن القرآن رسالة غرضها الإفهام والتكليف، والتكليف –كما يقر الشاطبي- لا يكون إلا بما يُفهم أو يُعقل[7].

إذاً ففهم القرآن والتوصل إلى مقاصده يجب أن يتم في حدود العلم بالبنية اللغوية التي نزل في سياقها، ولا يصح أن يخضع تأويل هذا الخطاب وفهمه خارج تلك البنية استنادا إلى قوله تعالى:﴿ô‰s)s9urãNn=÷ètRóOßg¯Rr&šcqä9qà)tƒ$yJ¯RÎ)¼çmßJÏk=yèãƒÖt±o03Üc$|¡Ïj9“Ï%©!$#šcr߉Åsù=ãƒÏmøŠs9Î)@‘ÏJyfôãr&#x‹»ydurîb$|¡Ï9?†Î1ttãêúüÎ7•B﴾ (النحل:103)، وقوله:﴿¼çm¯RÎ)urã@ƒÍ”\tGs9Éb>u‘tûüÏHs>»yèø9$#ÇÊÒËÈtAt“tRÏmÎ/ßyr”9$#ßûüÏBF{$#ÇÊÒÌÈ4’n?tãy7Î7ù=s%tbqä3tGÏ9z`ÏBtûï͑ɋZßJø9$#ÇÊÒÍÈAb$|¡Î=Î/<c’Î1ttã&ûüÎ7•B﴾ (الشعراء:44)، وقوله كذلك:﴿Ò=»tGÏ.ôMn=Å_Áèù¼çmçG»tƒ#uä$ºR#uäöè%$|‹Î/ttã5Qöqs)Ïj9tbqßJn=ôètƒ(فصلت: 26). ومعرفة وتحديد مقاصد الخطاب يتطلب مجموعة من القرائن اللفظية والحالية،  ولكي يتم التواصل والإبلاغ بين طرفي الخطاب بنجاح على المخاطَب إدراك مقاصد المخاطِب لذلك ميّز علماء الأصول بين مستويين:

$1-      منطوق الخطاب أو ما يدعوه التداوليون المعنى الحرفي.

$1-      مفهوم الخطاب أو ما يدعونه المعنى المستلزم.

وفي نفس السياق يميز أحد الدارسين بين نمطين من مقاصد الخطاب بقوله:«وقد يعبر عنها – تبعا للسياق- بمقصود النص، أو مقصود الآية، أو مقصود الحديث، ويستعمل هذا الاصطلاح خاصة عندما يتوارد على النص الشرعي معنيان يكون أحدهما غير مقصود، والآخر هو المقصود، وقد يكون المعنى الظاهر وهو المتبادر إلى الفهم، ولكن بمزيد من التأمل والتدبر، وبالاحتكام إلى القرائن التفسيرية المساعدة يتبين أن للنص مقصودا هو غير ما يتبادر إلى الذهن من ظاهر الألفاظ، فيقال حينئذ: المقصود كذا، أو مقصود النص كذا..»[8]، ويوضح ما ذكره في قوله:«ومما يجدر التنبيه عليه في هذا السياق: أن تفسير النصوص الشرعية يتجاذبه عادة اتجاهان: اتجاه يقف عند ألفاظ النصوص وحرفيتها مكتفيا بما يعطيه ظاهرها، واتجاه يتحرى مقاصد الخطاب ومراميه، ويستند هذا الاتجاه إلى التسليم العام بكون الشريعة ذات مقاصد وحكم مرعية في عامة أحكامها، فيعمد أصحاب هذا الاتجاه عند النظر في أي نص شرعي إلى استحضار تلك المقاصد والحكم، وأخذها بعين الاعتبار في تحديد معناها المقصود»[9].

وفي هذا الإطار وبالرجوع إلى معنى مقاصد الخطاب لدى الأصوليين فإن معنى هذا المصطلح لم يتحدد بصفة واضحة لدى المتقدمين، وإن اجتهد من خلفهم في ضبطه فجاءت المقاصد بمعنى الأغراض والأهداف والأسرار والمعاني والغايات والحكم لدى ابن عاشور والفاسي والريسوني وغيرهم.

هذا وإذا عدنا إلى ما قدمه الإمام البقاعي في تفسيره (نظم الدرر) نجد أن الجوانب التداولية تحظى بأولوية خاصة في فهم القرآن كونه خطابا تنتظمه بنية كلية يجب أن يسعى المتلقي إلى اكتشافها عبر إدراكه للعلاقات التي تشكل النص وتحقق اتساقه وانسجام أجزائه،ولقد كان لهذا الأمر نصيب من كلام شيخنا حين وضع معايير نصية للسورة القرآنية، فجعل شرطا من شروط استيفائها ما أسماه (وحدة المقصد)، وإذا عدنا إلى نص صدّر به الإمام تفسيره نقلا عن شيخه أبي الفضل المشدالي المغربي البجائي المالكي يقول فيه: «الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنّك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، وإن فعلته تبين لك –إن شاء الله- وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة»[10]، أقول إذا عدنا إلى هذا النص نجد أن التناسب يقع في جهات أربع هي[11]:

الأولى: النظر في الغرض واستكشافه وتحديد، وهذا ليس بالأمر الهين؛ لأن الغرض والمقصد لا يظهر إلى بفحص الكلام كلمة كلمة، وتركيبا تركيبا، وصورة صورة، ويشترط في  ذلك النظر أن يكون نظر اليقظ الدراك الذي تهديه موهبته إلى إصابة المغزى وإدراك المقصود. والغرض هنا يعني الدلالة المستخلصة من مجمل الموضوعات، فالغرض هو خلاصة الموضوعات أو القصص أو الأحكام التي تتناولها السورة، وقد يكون ذلك الغرض جملة محورية تلتقي حولها أجزاء الخطاب،  وقد يستخلصه المتلقي وهو في كلا الحالين ضرب من التفسير والتأويل، فالغرض ذو طابع دلالي، وهو نتاج تفاعل المتلقي مع الخطاب. وتجب الإشارة إلى أن هذا المذهب يشبه كثيرا مفهوم (البينة الكبرى) لدى العالم الهولندي (فان ديك)، ويتفق مع الإمام في أولوية تحديد مفهوم (البنية الكبرى) أو (مقصد الخطاب)، فالتحليل النصي يبدأ من الكشف عن البينة الكبرى Macro-structureالمتحققة بالفعل، والتي تتسم بدرجة قصوى من الانسجام والتماسك.

الثانية: النظر في ما يحتاجه ذلك الغرض من مقدمات باعتباره محور لرسالة التي ينطوي عليها النص، أو التي يريد بها التأثير في المتلقي، والغرض يتكون من مقدمات/موضوعات مختلفة تؤسس له وتشكله، ويعني هذا التعرف على منازل المعاني في ضوء المعرفة الواضحة للغرض الذي انعقد عليه الكلام، وبهذا يتضح المعنى الذي هو بمثابة الأصل، والمعنى الذي هو مهاد ووطاء، وهذا باب من النظر يحتاج إلى مراجعة وأناة حتى يصل المرء إلى المقاصد الكلية ومقدماتها.

الثالثة : النظر إلى مراتب تلك المقدمات في قربها وبعدها من المطلوب؛ فبعضها ستبتعد دائرته دون أن تنقطع عن (الغرض/المقصد) وبعضها الآخر سوف يتماس أو يتطابق معه، وهذا يعني أن علينا أن نستكشف العلاقات بين المقدمات قريبها وبعيدها والغرض، وهذا يعني أن نعيد الكرة مرة أخرى فننظر في الغرض الذي ارتأيناه في ضياء هذه العلاقات التي استكشفناها؛ إذ أن العلاقة بين المتلقي و(الغرض/المقصد) تتسم بالتفاعل الذي يؤول في نهاية الأمر إلى انسجام النص.

الرابعة: لهذه المقدمات هدف تداولي في المقام الأخير يتخطى انسجام الخطاب عبر الارتباط بالغرض، وهو التأثير في المتلقي، أو بتعبير الإمام "استشراف نفس السامع" كي تتنزل المقدمات أو الهدف منها من المخاطب منزلا يتمكن به الخطاب من التأثير فيه كي يستجيب إلى "الأحكام واللوازم التابعة له"، أي أن الهدف النهائي له طابع تداولي يهدف إلى التأثير في المتلقي.

وقد ترى أن هذا النص على وجازته يمكن أن يستوعب مجمل نظريات تحليل الخطاب المعاصرة كونه يشمل العناصر الأساسية في الخطاب (المخاطِب-الخطاب- المخاطَب) حيث يبدأ من (مقصد الخطاب) وينتهي إلى ما يثيره هذا الخطاب في نفس المخاطَب. وقد ألزم الإمام –في هذا- نفسه بمنهج واضح في تفسيره إذ يتكئ دوما على مقصد السورة وبيان الغرض الذي سيقت له في بداية تفسيره لها، ثم يتبعه بتفسير البسملة بما يوافق ذلك المقصد.

ذلكم وقد اعتمد الإمام على طرق شتى في معرفة وتحديد مقصود السورة وغرضها، فمن بين الطرق أن يتعرف على مقصدها من خلال اسمها، وهذا ما صرح به في قوله:«وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها؛ لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه،...، فأذكر المقصود من كل سورة، وأطبق بينه وبين اسمها»[12]، وذلك مثل تعرفه عل مقصد العديد من السور كفاطر والزمر ونوح والمزمل، ومن الطرق أن يتعرف على مقصود السورة من اسمها ومن دليل من آية أو آيات منها كالفتح، ومن الطرق كذلك أن يصل إلى تحديد مقصد السورة عن طريق النظر إلى آخر التي قبلها، وإضافة ذلك إلى ما تحتويه السورة نفسها من دلالات على ذلك المقصد كالشورى والقمر، ومن الطرق أيضا أن يكون الدليل على مقصد السورة قصة أو حدثا بارزا كما هو في التوبة والأنبياء والرعد والنحل.

2/. المقصدية وترتيب الخطاب القرآني: يشكل النص القرآني نسيجا خاصا واستثنائيا، ويكتسي بناؤه اللغوي دلالة نوعية متميزة، فضروب إعجازه وروعة نظمه وعجائب صنعته لا تنقضي، الأمر الذي يجعل منه شبكة متداخلة من الرموز والدلالات، ولو سُئِل المرء «البيانَ عن وجه الحسن فيه لعجز عن وصفه، بل لو سئل أين موضع الوصل منه لصعب عليه تحديده بقاعدة علمية. على أنه لو تناسى تلك الألقاب الاصطلاحية والأسئلة الفضولية وخلى نفسه ووجدانها ثم اتصل بهذه المواضع تلاوة أو استماعا لما شعر بينها بشيء من الخروج أو الانتقال ينبو عنه الذوق أو يتعثر فيه السمع، بل يحس بينها بروح الاتصال وحلاوة الانتقال من قبل أن يهتدي لناحية محدودة أو علة معينة»[13].

والترتيب الذي عليه النص القرآني هو من أَجلِّ ضروب إعجازه، ويعود الحُسن في نظمه إلى بديع المجاورة بين أجزائه وأقسامه، وعليه وجب التنبه إلى دور القصد في ترتيبه، وهو من المسائل التي تلفت النظر في عمل شيخنا –رحمه الله- إذ يولي المقاصد عناية خاصة، وينصُّ على أن القصد هو العلة في أن ينحو الترتيب نحوا معينا، فانظر قوله في تفسير سورة (الجاثية) بعد أن خلص من بيان مقصدها وضرب تناسبها مع سابقتها (الدخان) نقلا عن ابن الزبير الغرناطي:«...والتحمت الآي عاضدة هذا الغرض (القصد) تقريعا وتوبيخا ووعيدا وتهديدا إلى آخر السورة.»[14]، وفي أغلب سور القرآن يبين الإمام ارتباط القصد بنمط ترتيب أجزاء النص ووحداته.

ومن قبل كان القصد مدار اهتمام البلاغيين والنحويين والنقاد، فالجاحظ يبرز دور المقاصد والأحوال في بناء النص وترتيب أجزائه بقوله:«ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين المستمعين وبين أقدار الحالات...حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم المعاني على أقدرا المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات»[15]، وابن طباطبا في حديثه عن صناعة الشعر يقدم القصد على الاعتبارات الأخرى في بناء القصيدة (النص)، ويبين دور القصد في بناء الشعر بقوله:«فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة (نص) مَخَضَ المعنى (الغرض/ القصد) الذي يريده بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه»[16]، ويشير إلى قانون التخلص الذي يحقق حبك النص:«ويسلك (يقصد الشاعر) منهاج أصحاب الرسائل في بلاغاتهم وتصرفهم في مكاتباتهم، فإن للشعر فصولا كفصول الرسائل، فيحتاج الشاعر أن يصل كلامه صلة لطيفة، فيتخلص من الغزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة، ومن وصف الديار والآثار إلى وصف الفيافي بألطف تخلص وأحسن حكاية، بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله، بل يكون متصلا به وممتزجا معه»[17]، ويشير إلى خروج الشاعر من غرض إلى غرض ومن معنى إلى معنى آخر بأسلوب سلس حتى يغدو النص  في سلك واحد متصلا أوله بآخره بقوله: «ويكون خروج الشاعر من كل معنى يضيفه إلى غيره من المعاني خروجا لطيفا، حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغا لا تناقض في معانيها، ولا وَهْيَ في مبانيها، ولا تكلف في نسجها تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقا بها مفتقرا إليها»[18]. وفي تفصيله لوصية أبي تمام يشترط حازم على الناظم أن «يقسّم المعاني والعبارات على فصول، ويبدأ منها بما يليق بمقصده أن يبدأ به، ثم يتبعه من الفصول بما يليق أن يتبعه به، ويستمر هكذا على الفصول فصلا فصلا، ثم يشرع في نظم العبارات التي أحضرها في خاطره منتثرة فيصيّرها موزونة، إما بأن يبدل فيها كلمة مكان كلمة مرادفة لها، أو بأن يزيد في الكلام ما تكون لزيادته فائدة فيه، أو بأن ينقص منه ما لا يخلّ به، أو بأن يعدّل من بعض تصاريف الكلمة إلى بعضها، أو بأن يقدّم بعض الكلام ويؤخر بعضا، أو بأن يرتكب في الكلام أكثر من واحد من هذه الوجوه»[19].

 إذًا فمسألة ترتيب الخطاب ليست بالأمر الهيّن بل تحتاج إلى حذق ومهارة وحسٍّ يمكِّن منشئه من أن يتفهم منازل المعاني والأغراض، ويعرف أيها أصل وأيها فرع، وأيها أجدر بالبدأ وأيها حقيق بالختام وأي الأغراض أصلح أن يكون في الموضع بينهما. وقد تبين مما ورد أن هناك علاقة بين الخطاب وشكله اللغوي، لذا يجب الربط دوما بين قصد منشئ النص (المرسِل) الذي يريد التعبير عنه في خطابه وشكل اللغة الدال عليه في سياق التلفظ بالخطاب.

وعليه فالقصد يتحكم بصفة أكيدة ومباشرة بالبنية الشمولية للنص على أساس أن هذه البينة تعد إحدى الروابط النصية عل المستوى الأعلى، باعتبارها أداة تنظيمية لأجزاء النص، لا تكشف في النص عن بنية خاصة تالية لها فحسب، بل إنها تحدد في الوقت ذاته النظام الكلي لأجزاء النص أيضا، فالخطاب لا يحتوي فقط على بنية المعنى، ولكن يحتوي أيضا على بنية الشكل form structureأو البنية العليا a super structureأو هيكل الخطاب وداخل هذه البنية يمكن أن يتنوع المحتوى. لذلك نلحظ اهتماما بالغا من قبل النصيين في تحديد مفهوم واضح لهذا المفهوم فمنهم من يعتبرها الهيكل العام الذي تنتظم فيه أجزاء النص، ومنهم من يعدها البنية التنظيمية للنص، بمعنى الطريقة التي ترتب بها التفاصيل طبقا لخطة عامة، بما يساعد القراء على فهم وتذكر النص مرة أخرى، ويعني هذا أنها تتضمن مخطط إنتاج يدركه المتكلم، ومخطط تفسير يعرفه القارئ، وعليه فإن البنية العليا تمثل بناء ذهنيا يمثل معرفة المرء بالشكل النمطي لنوع النص. وهناك من الدارسين من يدرك الفروق بين الأبنية الكبرى والأبنية العليا، فالأبنية الكبرى تتعامل مع المحتوى أو مضمون النص، أو المعنى العام للنص، في حين تتعامل الأبنية العليا مع الشكل الذي تنتظم فيه أجزاء النص[20].

في ظل ذلك يمكن أن نلحظ لدى الإمام عناية بدور المقصدية في عملية ترتيب الخطاب ليس على مستوى الأجزاء والوحدات الصغرى في الآية أو الفقرة القرآنية وحسب، بل على مستوى نص السورة القرآنية كاملا، والترتيب أو التناسب لا يختص به جانب الاتساق دون الانسجام، إنما ينهض على بعد لغوي ظاهر وبعد آخر معنوي باطن، وإن كان اشتغال الإمام على الأخير أظهر، لكن الجانبين يضمنان ترابط سطح النص وانسجام عالمه.

وانظر إلى سورة (الجاثية) وهي من قسم المثاني من النص القرآني المجيد، وهي مكية نزلت في الفترة الأخيرة التي قضاها المسلمون بمكة، ونزولها كان بعد (الإسراء) وقبيل الهجرة، وهذه السورة لها اسمان: الجاثية لقوله تعالى:﴿3“ts?ur¨@ä.7p¨Bé&ZpuŠÏO%y`4‘@ä.7p¨Bé&#Ótçô‰è?4’n<Î)$pkÈ:»tGÏ.tPöqu‹ø9$#tb÷rt“øgéB$tB÷LäêZä.tbqè=yJ÷ès?﴾ (الجاثية:28)، وسورة الشريعة لقوله عز وجل: ﴿OèOy7»oYù=yèy_4’n?tã7pyèƒÎŽŸ°z`ÏiB̍øBF{$#$yg÷èÎ7¨?$$sùŸwurôìÎ7®Ks?uä!#uq÷dr&tûïÏ%©!$#ŸwtbqßJn=ôètƒ

(الجاثية:18). وهذه السورة المباركة تصور «جانبا من استقبال المشركين للدعوة الإسلامية. وطريقتهم في مواجهة حججها وآياتها، وتعنتهم في مواجهة حقائقها وقضاياها، واتباعهم الهوى اتباعا كاملا في غير ما تحرج من حق واضح أو برهان ذي سلطان. وكذلك تصور كيف كان القرآن يعالج قلوبهم الجامحة الشاردة مع الهوى المغلقة دون الهدى، وهو يواجهها بآيات الله القاطعة العميقة التأثير والدلالة، ويذكرهم عذابه، ويصور لهم ثوابه، ويقرر لهم سننه، ويعرفهم بنواميسه الماضية في هذا الوجود»[21].

  وسورة (الجاثية) خلافا لسورة (الدخان) التي تتميز بقصر الآيات وعنف الإيقاع كأنها مطارق تقرع القلوب، تسير في يسر وهوادة، وإيضاح هادئ وبيان دقيق عميق، فالله سبحانه وهو منزل القرآن يأخذ القلوب تارة بالقرع والطرق، وتارة باللمس الناعم، وتارة بالبيان الهادئ الرقيق[22].

والمحور (القصد) أو البنية التي تهيمن على هذه السورة يبينها الإمام في قوله:«مقصودها الدلالة على أن منزل هذا الكتاب –كما دل عليه في الدخان- ذو العزة لأنه لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء، والحكمة لأنه لم يضع شيئا إلا في أحكم مواضعه، فعلم أنه المختص بالكبرياء، فوضع شرعا هو في غاية الاستقامة لا تستقل العقول بإدراكه ولا يخرج شيء منه عنه، أمر فيه ونهى، ورغب ورهب ثم بطن حتى أنه لا يعرف، ثم ظهر حتى أنه لا يجهل، فمن الملفين من حكم عقله وجانب هواه فشهد جلاله فسمع وأطاع، ومنهم من اتبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ وأضاع فاقتضت الحكمة أن يجمع سبحانه الخلق ليوم الفصل فيظهر كل الظهور ويدين عباده ليشهد رحمته المطيع وكبرياءه العاصي»[23]. وهذا القصد الذي أوضحه الإمام والمتمثل في بيان حجة التوحيد وتهديد المعاندين، وبيان الإيمان وشريعة الإسلام، وأن الكبرياء لله وحده الذي له العزة القادرة والحكمة المدبرة اقتضى أن يرتب الخطاب ترتيبا مقصودا على هذا النحو الذي تبينه هاته الخطاطة:

وإذا تأملنا المحور الذي عقدت عليه السورة وهو التوحيد وخطورة المعاندة والكبر نفهم الترتيب الذي رتبت عليها آيات وفقرات السورة القرآنية، فكان من حسن إظهار القصد منها التقديم له بالقسم على حكمة تنزيل الكتاب وعزته بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم والأناة، لذلك بدر المولى –عز وجل- الخطاب بقوله:﴿ üNmÇÊÈã@ƒÍ”\s?É=»tGÅ3ø9$#z`ÏB«!$#͓ƒÍ“yèø9$#ÉO‹Å3ptø:$# (الجاثية:01)، ثم تأتي الآيات مدللة بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة هذا الكتاب على الصفتين ( الحكمة-العزة) وعلى وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق.

  فإذا انقضى ذلك تتبعها آيات أخر من قوله تعالى: :﴿y7ù=Ï?àM»tƒ#uä«!$#$ydqè=÷GtRy7ø‹n=tãÈd,ysø9$$Î/(Äd“r'Î7sù¤]ƒÏ‰tny‰÷èt/«!$#¾ÏmÏG»tƒ#uäurtbqãZÏB÷sム(الجاثية:06) وتستقر على قوله: :﴿#x‹»yd“W‰èd(tûïÏ%©!$#ur(#rãxÿx.ÏM»tƒ$t«Î/öNÍkÍh5u‘öNçlm;Ò>#x‹tã`ÏiB@“ô_Íh‘íOŠÏ9r&(الجاثية:11) في تهديد المعاندين المكذبين بآياته مشيرا إلى علو رتبتها بأداة البعد ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك﴾ وأنكر عنادهم وكفرهم وإعراضهم وإصرارهم واستكبارهم مبشرا إياهم بالعذاب، وأشار إلى أن الهدى في هذا الكتاب المتلو آناء الليل وأطراف النهار، ومن خلال الآيات نرى فريقا من الناس مصرا على الضلالة مكابرا في الحق شديد العناد سيء الأدب في حق الله تعالى.

  ثم تعرض السورة بعد ذلك نعم الله على عباده وعلى بني إسرائيل من الآية (13) إلى الآية (22)، ويواجههم الله سبحانه وتعالى بآياته في الآفاق وفي أنفسهم وفي البر والبحر ﴿ª!$#“Ï%©!$#t¤‚y™â/ä3s9tóst7ø9$#y“̍ôftGÏ9à7ù=àÿø9$#Ïm‹Ïù¾Ín̍øBr'Î/(#qäótGö;tGÏ9ur`ÏB¾Ï&Î#ôÒsùö/ä3¯=yès9urtbrãä3ô±s?ÇÊËÈt¤‚y™ur/ä3s9$¨B’ÎûÏNºuq»yJ¡¡9$#$tBur’ÎûÇÚö‘F{$#$Yè‹ÏHsdçm÷ZÏiB4¨bÎ)’ÎûšÏ9ºsŒ;M»tƒUy5Qöqs)Ïj9šcr㍩3xÿtGtƒ(الجاثية:12-13).

  وتأتي آيات أخر فيها تعجيب ممن اتخذ هواه إله يهيم على غير سنن في أودية الضلال، ويعرض المولى –جل شأنه- أقوال المشركين وإنكارهم البعث والحساب، ويتناول دعواهم الباطلة أن الدهر هو من يتولى آجالهم فينهيها، ويلحق بأجسادهم البلى والفناء، ويتعامل القرآن بحكمته مع ذلك فيفند هذه الدعوى، ويظهر أنها لا تستند على يقين، فإذا قرعتهم الأدلة على ثبوت البعث لم يجدوا لهو حجة إلا أن يقولوا﴿s(#qçGø$#!$oYͬ!$t/$t«Î/bÎ)óOçFZä.tûüÏ%ω»|¹ (الجاثية:25).

  أما الآيات الأخيرة من هذه السورة المباركة ففيها تصوير لمشاهد يوم الآخرة ترى فيها المشركين وقد جثوا على الركب، والناس وقد تميزوا أمة أمة في ارتقاب الحساب، ثم ينقسمون إلى فريقين اثنين، الذين آمنوا فيدخلهم الله في رحمته، والذين كفروا فيلقون المهانة ويحيق بهم العذاب الشديد وتوصد عليهم أبواب جهنم ﴿Nä3Ï9ºsŒâ/ä3¯Rr'Î/öNè?õ‹sƒªB$#ÏM»tƒ#uä«!$##Yrâ“èdâ/ä3ø?§xîuräo4qu‹ysø9$#$u‹÷R‘‰9$#4tPöqu‹ø9$$sùŸwtbqã_tøƒä†$pk÷]ÏBŸwuröNèdšcqç7tG÷ètGó¡ç„ (الجاثية:35). وفي هذا المشهد العظيم ينطلق صوت التحميد معلنا وحدة الربوبية، وعزة الله القادرة وحكمته المدبرة اللتان استحقهما، وكبرياءه المطلق في هذا الكون ﴿¬Tsù߉÷Kptø:$#Éb>u‘ÏNºuq»yJ¡¡9$#Éb>u‘urÇÚö‘F{$#Å_Uu‘tûüÏHs>»yèø9$#ÇÌÏÈã&s!urâä!$tƒÎŽö9Å3ø9$#’ÎûÏNºuq»yJ¡¡9$#ÇÚö‘F{$#ur(uqèdurⓃ͓yèø9$#ÞOŠÅ3ptø:$# (الجاثية:36-37).

ونلاحظ كذلك أن السورة ختمت بذكر استحقاق الله للحمد واتصافه بالكبرياء، وذكرت ما أعدّ لأهل الجنة ولأهل النار، وكل ذلك يقتضي من عباده الحمد، ويدل على كبريائه وعظمته ومجده. وكما ترى أن المقصد أو المعنى التداولي الذي ألاح إليه الإمام في مقدمة تفسير السورة كان له دور في أن ينحو ترتيب الخطاب منحى محددا حتى يحدث فعله التأثيري في المتلقي.



الإحالات:

[1]- طالب الإبراهيمي، خولة: مبادئ في اللسانيات، دار القصبة للنشر، الجزائر، الجزائر، ط1، 2000، ص 167.

[2]- فان ديك، توين: النص بنى ووظائف: مدخل إلى علم النص، ترجمة: منذر عياشي ضمن كتاب العلاماتية وعلم النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2004، ص 147.

[3]- عفيفي، أحمد: نحو النص توجه جديد في الدرس النحوي، مكتبة زهراء الشرق، ط1، 2001، ص 31.

[4] -  أبو زيد، نصر حامد: مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1998، ص 9.

[5]- الجودي، لطفي فكري محمد: جماليات الخطاب في النص القرآني (قراءة تحليلية في مظاهر الرؤية وآليات التكوين)، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة ، مصر، ط1، 2014، ص 93.

[6]- المرجع نفسه: ص 97.

[7]- ينظر: الشاطبي، أبو إسحاق: الموافقات، تح: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1997، ج2، ص 397.

[8]- الريسوني، أحمد: مدخل إلى مقاصد الشريعة، دار الكلمة للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط1، 2010، ص09.

[9]- المرجع نفسه: ص10.

[10]- البقاعي، برهان الدين: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور،تح:عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1995 ج1، ص11.

[11]- ينظر: أبو موسى، محمد : البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية، دار التضامن للطباعة، القاهرة، مصر، ط2، 1988، ص11-16

[12]- البقاعي، برهان الدين: نظم الدرر، ج1، ص11-12.

[13]- دراز، عبد الله: النبأ العظيم (نظرات جديدة في القرآن)، دار القلم، الكويت، الكويت، ط1، (د.ت.ط)، ص 162.

[14]- البقاعي، برهان الدين: نظم الدرر، ج7، ص 90.

[15]- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتبيين، تح: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، د ت، ص138-139.

[16]- ابن طباطبا، محمد بن أحمد العلوي: عيار الشعر، تح: محمد زغلول سلام، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، د.ت.ط، ص43.

[17]- المرجع نفسه: ص09.

[18]- المرجع نفسه، ص 43.

[19]- القرطاجني، حازم: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تح: محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط3، 1986، ص 204.

[20] - ينظر: عزة شبل، محمد،: علم لغة النص النظرية والتطبيق، مكتبة الآداب، القاهرة، مصر، ط2، 2009، ص242-244.

[21]- حوى، سعيد: الأساس في التفسير، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، ط1، 1985، ج10، ص5211.

[22] - ينظر: محمود شحاتة، عبد الله: أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن الكريم، المكتبة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، 1986، ص367.

[23]- البقاعي، برهان الدين: نظم الدرر، ج7، ص88.