نحو نقد لساني صرفي مؤسس
pdf

_ منطلقات ونماذج _

مبروك بركات )   طالب دكتوراه)

وحدة البحث اللساني وقضايا اللغة العربية في الجزائر

مركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربية(الجزائر)

أد . عبد المجيد عيساني

مخبر التراث  اللغوي والأدبي في الجنوب الشرقي الجزائري

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

                            

الملخص : يسلط هذا المقال الضوء على المستوى الصرفي في النقد اللساني العربي،  متناولا مفهوم هذا النقد، ومبرزا بعض الصعوبات التي اكتنفت البحث فيه في الدراسات التراثية، لينطلق منها نحو الحديث عن منطلقات اللسانيين المحدثين في تأسيس نقد صرفي حديث مستفيد من اللسانيات، ليعرض البحث في الأخير نماذج على هذا النقد .

Résumé : Cet article aborde le sujet du niveau morphologique dans la critique linguistique arabe, en identifiant cette critique, tout en évoquant certaines difficultés qui avaient entouré cette recherche dans les études linguistiques traditionnelles. Le chercheur parle par la suite sur les linguistes modernes et les bases sur lesquelles ils ont fondé une critique linguistique moderne qui s’appuie sur la linguistique, tout en donnant quelques exemples sur cette critique.

Abstract : This article talks about the morphological critics in Arab linguistics writings .

Mentioning some of the encountered difficulties , its basis and some samples to end with extracted conclusions.

أولا : مفهوم النقد اللساني العربي : استخدم الباحثون مصطلحات متعددة تحمل مدلول النقد اللساني ؛ إذ استعمل مصطفى غلفان مصطلح « التحليل النقدي اللساني »[1]للدلالة عليه ، واختارت فاطمة البكوش مصطلح « النقد اللساني »[2] وأسندته إلى مستوى النحو من بين المستويات اللسانية الأخرى ، واستعمل نعمان بوقرة المصطلح نفسه في الدلالة على المراجعات اللسانية في شتى الفروع والمستويات اللغوية[3]، وأما حافظ اسماعيلي علوي وامحمد الملاخ فقد آثرا مصطلح     « الكتابة النقدية » وجعلاه منضويا تحت مصطلح آخر وهو « ابستمولوجيا اللسانيات العربية»[4].

والمصطلح الذي يُقِر به المقال هو « النقد اللساني » لأنه مختصر، ومبين للغاية  المنوطة به، أما مصطلح التحليل النقدي اللساني فلا يدل دلالة مباشرة على النقد ، ولأن كلمة " التحليل " تسوغ للقارئ أن يفهم منها تحليل النقود اللسانية ، فينتج عن ذلك نقد على نقد ، وهذا المدلول - وإن كان مقصودا - فالمصطلح الذي ارتضيناه من الممكن أن يحتمله ، وأما مصطلح الكتابة النقدية فإنه إذا جاء في غير السياق الذي ورد فيه فإنه لا يتيح للقارئ بيان المجال المقصود بالنقد ، إلا بإضافة تحديدية تحيل إلى الكتابة النقدية اللسانية أو فرع من فروعها[5] .

ولمصطلح « النقد اللساني »عدة تعريفات منها تعريف توصلنا إليه من خلال توضيح مصطفى غلفان لبعض الأسس التي ينبغي أن يكون عليها التحليل النقدي اللساني، ويمكن أن نصوغها في التعريف الآتي : النقد اللساني هو مجال دراسي يستطيع أن يخلق بينه وبين العمل المستهدف نقدا حوارا علميا مثمرا غير مختصر في إصدار أحكام قيمية بالسلب أو الإيجاب دون تبرير أو تفسير يستند لمبادئ منهجية محددة بغية التوصل إلى نتائج نظرية ومنهجية أو تطبيقية في مجال لساني معين [6].

وقد استفاد الباحث حسين بوشنب من المفاهيم التي أوردها غلفان فأورد تعريفا للنقد اللساني، مفاده  أنه " ذلك النقد الذي ينطلق إلى موضوعه المستهدف نقدا، بمرتكزات وأسس لسانية عامة أو جزئية خاصة" [7]، ويُقصد بالمرتكزات اللسانية العامة الأسس المشتركة بين المدارس اللسانية المعروفة، وأما المرتكزات الخاصة فيعني بها الأسس التي تختص بها نظرية لسانية معينة [8].

وأما مصطلح « النقد اللساني العربي »  فيأخذ جانبا من مدلوله من مفهوم النقد اللساني العام الذي سلف ذكره، ولكنه يحمل مدلولا تخصيصيا من الناحية الجغرافية والموضوعية، يتمثل في  لفظة « العربي »، والتي تدل على أن هذا النقد يُعنَى بالكتابة اللسانية العربية، ومن هذا المنطلق يمكن تعريفه بأنه : النقد الذي يعنى بالكتابات اللسانية التي تعنى باللغة العربية سواء أكانت بهذه اللغة أم بلغة أجنبية، متتبعا مسيرتها ومقيما ومقوما لمنجزها اللساني ، ومحاولا الكشف عن جدية تطبيق النظريات اللسانية من عدمها عند اللسانيين العرب، وذلك باستخدام أدوات علمية مضبوطة وضابطة .

ثانيا : مفهوم النقد اللساني الصرفي :  يُعْنَى هذا النقد بمتابعة الدراسات اللغوية التي تهتم بالتحليل المورفولوجي " لبنية الكلمات والقواعد التي تكونها وتنظم أشكالها " [9]، مستخدما أدوات منهجية وإجرائية ونظريات لسانية، ليبين السبل الكفيلة بترقية البحث اللساني الصرفي، محاولا تصحيح ما قد يقع فيها من مثالب بغية تجاوزها، ومسهما في فسح المجال لها لتأخذ المكان الذي تستحقه لكي تكون فرعا لسانيا له خصوصيته واستقلاله .

ثالثا : صعوبات البحث في المستوى الصرفي : ويبدو أن مهمة الناقد للدراسات الصرفية ليست هينة ويسيرة بالنظر إلى أن مباحثها جاءت في رتبة وسطى بين الدراسات الصوتية والنحوية[10]، الأمر الذي جعل قضاياها موزعة بينهما، بالنظر إلى هذه الحالة وجب على اللسانيين أن يحسموا نظريا ومنهجيا مسألة تداخلاتها لتنظيم الدراسة، وتأسيسها.

ويقف المطالع للدراسات اللسانية العربية بمختلف مستوياتها على واقع بارز يتمثل في أن الدراسات الصرفية من أقل الدراسات حظا في التناول والتحليل والمراجعة، مقارنة مع المستويات الأخرى، وقد حاول الباحثون تشخيص الأسباب التي أدت بها إلى هذا الوضع، ومن أبرزها :

- إن الدراسة الصرفية عند العرب  – في بداياتها – لم تكن قائمة بذاتها، وإنما كانت منضوية ضمن الدراسات النحوية، على الرغم من أن بعض النحاة سعوا إلى جعل المباحث الصرفية في تآليف منفصلة، ولكن بقي علم الصرف يدور في فلك الدراسات النحوية [11] ، ويتجلى ذلك بوضوح في عدم الفصل بين المدارس الصرفية والنحوية، بالإضافة إلى أن أصول الصرف مرتبطة بأصول النحو أيضا[12] ، على الرغم من اختلاف المستويين اللغويين عن بعضهما من الناحية النظرية والمنهجية، وإن كان بينهما نقاط تداخل واشتراك كثيرة .

- تتميز مباحث الصرف بالتجريد والتعقيد الظاهري نتيجة استناده إلى التعليلات المعمقة والمشدودة إلى الرغبة في الانتقال من الشذوذ إلى الاطراد في الأحكام .

- هناك سبب آخر قد يكون وجيها ويتمثل في أن القضايا الصرفية  - بالنظر لما فيها من التعليل – أكثر مواءمة لمفاهيم النظرية التحويلية التوليدية، وبحكم أن الجانب الصرفي لم يجد صدى في هذه النظرية في أول أمرها، وإنما اتضح في طورها الثاني[13]، فقد انعكس ذلك على الدراسات الصرفية العربية أيضا علما بأن جل لسانيينا لا يواكبون جديد النظريات إلا بعد أن يمر عليها ردح من الزمن، بالإضافة إلى صعوبة تطبيق مفاهيم النظريات الغربية على اللغة العربية لاختلاف النظام المورفولوجي بين اللغات .

رابعا : منطلقات النقد اللساني الصرفي الحديث : وقد سعى اللسانيون والباحثون المحدثون سعيا حثيثا لكي يكون لهذه الدراسات خصوصية يفرضها العمل الإجرائي بغية الوصول إلى بناء نظرية لسانية صرفية لها دعائمها وأسسها، ومن الملاحظات التي انتبهوا إليها هي هيمنة المباحث الصرفية التراثية على الدراسات الحديثة هيمنة تتجلى في أن بحوث الدارسين المحدثين لا تنفك عن القضايا المطروحة في التراث ، ولهذا وجهوا أصابع اللوم إليها، محاولين الكشف عن مظاهر القصور والخلل فيها إضعافا منهم لتلك الهيمنة التي تتمتع بها، ومن أهم النقود الموجهة للنظرية الصرفية التراثية

- لم يول اللغويون العرب القدامى الدرس الصرفي الأهمية التي يستحقها، كونه ممهدا لمسائل النحو، وتجلى ذلك في تأخير أكثرهم مباحث الصرف أو جلها إلى نهاية مؤلفاتهم .

- التزم الصرفيون القدامى بمبدأين كانا السبب المؤدي إلى التعقيد والتمحل الذي يصدم طالب علم الصرف، وهما :

1 - التزام فكرة الأصل : والتي تعني " أن هناك أصلا ثابتا ترجع إليه كل الصيغ المشابهة بطريق مباشر إن أمكن، وإلا بطريق غير مباشر مبني على الافتراض والتأويل[14].

2-  التزام فكرة النظام : فقد حاول الصرفيون حشد الأمثلة المتفقة في شيء، أو المختلفة في شيء واحد أيضا تحت نظام موحد، وكثيرا ما جرهم هذا الالتزام إلى التأويل والتخريج والافتراض لأنهم مضطرون إلى جمع الأشتات من الأمثلة تحت قاعدة عامة واحدة، وإن لم تنطبق عليها كل الانطباق [15].

وتدل هاتان الفكرتان الملتزم بهما على رغبة الصرفيين في بناء نظرية محكمة يغلب عليها الاطراد والشذوذ تسهيلا على المتعلمين ؛ إذ كانت الغاية تعليمية كما هو معلوم، ولكن هذا لا ينفي وقوعهم في الهنات المنهجية والإجرائية .

- تضمنت مسائل الصرف عمليات ذهنية عميقة نتجت عن الإغراق في بحث الجزئيات والمبالغة في الجري وراء فكرة الأصول والزوائد، وقد تسبب ذلك في وسم النظرية الصرفية التراثية بالصعوبة والعسر.

- وقع الصرفيون العرب في خطأ منهجي تمثل في تعليل التغييرات الصوتية انطلاقا من الرسم الإملائي لا من سلسلة الأصوات المسموعة، ولا جرم أن هناك فرقا بين ما ينطقه المتكلم، وما تحاول الكتابة أن تسجله، فهي قاصرة عن " تسجيل جملة من الظواهر، والوظائف النطقية كالنبر، والتنغيم في حالات الاستفهام والنفي، والإنكار والتعجب، والتحسر، وهي وظائف ذات دلالة مباشرة في الحدث اللغوي "[16]

وهناك مثالب أخرى سجلها اللسانيون المحدثون على النظرية الصرفية العربية التراثية، غير أن ملاحظاتهم تلك لم تسلم بدورها من النقد والتمحيص، نتيجة جنوحها إلى التعميم وعدم التدقيق أحيانا، ولتحكيم مفاهيم اللسانيات الحديثة عليها باعتبارها معيارا للسلامة والصواب، وهذا قد يؤدي إلى مزالقَ لا تحمد عقباها .

وقد شجع نقد النظرية الصرفية العربية التراثية على فتح المجال لبعض اللسانيين المحدثين لإعادة النظر في النظرية الصرفية والدرس الصرفي، وحفزهم على تأليف كتب تتضمن رؤى واجتهادات يأملون أن تكون جديدة وممحصة لهذا الدرس، ومن نماذجها دراسة الطيب البكوش المعنونة بـ : « التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث » ودراسة أخرى لعبد الصبور شاهين موسومة بــ : « المنهج الصوتي للبنية العربية – رؤية جديدة في الصرف العربي » ، فقد حاولتا الوقوف على بعض عيوب النظرية الصرفية التراثية بغية تلافيها في منظورات ورؤى جديدة تستلهم أسسها من اللسانيات .

وعلى الرغم من خوض هاتين الدراستين في تلمس مصاعب الدرس الصرفي، ووقوعهما في بعض الهنات التي استلهمتاها من النظرية التراثية، فإنهما كانتا محل تشجيع من النقاد اللسانيين، لأنهما أسهمتا في تقريب الباحثين من هذا الدرس الموسوم بالتعقيد والتجريد، ومهدت لهم الطريق إلى معالجته .

خامسا : بعض صور النقد اللساني الصرفي الحديث: وقد عرف النقد اللساني الصرفي عدة صور، نذكر منها :

1 - نقد جهد من جهود اللسانيين العرب في مجال الصرف شريطة أن يتميز هذا الجهد بالجدة والجدية، والنهل من مفاهيم اللسانيات الحديثة حتى يصنف في ما نحن بصدده، وأما إذا كان الجهد إعادة نسخ لما في الكتابات الصرفية القديمة فهناك مجالات أخرى تهتم بنقده[17]، ومن الجهود الصرفية التي تستحق النظر والنقد جهود تمام حسان المبثوثة في  بعض كتبه، وخاصة ما ضمنه في كتاب اللغة العربية معناها ومبناها .

ومن النقود الموجهة لهذا الجهد نقد فاطمة بكوش الذي غلب عليه عرض الأفكار، وتحليل التصنيفات التي أوردها الأستاذ تمام، وفي سياق ذلك نلمح عبارات تدخل في مضمار النقد اللساني الصرفي، ومن ذلك قولها : " يبدو النظام الصرفي للغة العربية ، بحسب النموذج الذي يقترحه تمام حسان جهازا معقدا متشابكا"[18]، وقولها أيضا : " وتأتي أهمية هذه المحاولة التي قدمها تمام حسان من وقوعها منفردة أمام جهود صرفية كثيرة "[19] .

وفحوى هذه العبارات التركيز على تميز جهد الأستاذ تمام عن غيره من الدراسات، نظرا لما اشتملت عليه من تجديد وربط للمفاهيم التراثية بمباحث اللسانيات الحديثة بطريقة استطاعت الجمع بينهما إلى حد لا يوغل في مجال ويغفل عن آخر، فقد نجا من هيمنة الصرف التراثي فينسخ منه كليا، ونجا من الاستلاب للسانيات الغربية أيضا ، إذ لم يغرق في إيراد كم هائل من المفاهيم الحديثة دون مراعاة لتوافقها مع اللغة العربية من عدمه، فتزيد المنجز عقما وغموضا، لأنها وردت بمنهجية لا تحتكم إلى العلمية .

2 - قد يكون النقد غير شامل لجهد أحد اللسانيين، وإنما يركز على نقد أحد كتبه التي تضمنت مباحث صرفية، ومن نماذجه نقد كتاب « التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث » ، ونصنف نقدها إلى قسمين :

2 - 1 نقد إجمالي : فقد أسدت فاطمة بكوش ملاحظات عامة عن الكتاب ومضمونه، دون الخوض في التفاصيل ؛ إذ ذكرت أن هذه المحاولة التمست دراسة جزء من النظام الصرفي فحسب، تمثل في البنية الصرفية للأفعال المجردة ولم تنظر في شتى مباحث الصرف[20]، وهذا الملمح قد يبدو سلبيا من ناحية عدم الشمول، ولكنه قد يكون إيجابيا إذا كان بغرض الاستيفاء والتدقيق.

ويبدو الإجمال واضحا في هذا النقد ، إذلم يُتَطرق فيه إلى عرض أمثلة مما ورد في الكتاب تشخص تلك الملاحظات وتدعمها، فقد فضل هذا النقد الإشارة إلى السلبيات والتنبيه إليها، لتضطلع نقود أخرى بالتفصيل والتوضيح.

2- 2 نقد تفصيلي : فقد وقفنا على نقد لعبد القادر المهيري للكتاب سالف الذكر يندرج في النقد التفصيلي المؤسس ، إذ التزم بمنهجية علمية في الطرح والمعالجة قوامها النقاط الآتية :

1 - تحديد أهم المزايا التي اشتمل عليها الكتاب، بالإضافة إلى ذكر بعض الملاحظات العامة، ومنها  أنه يشتمل على مظاهر الجدية والإقدام ، وتواصل المجهود من أول البحث إلى آخره على وتيرة واحدة، إذ حظيت كل أصناف الفعل المجرد بالعناية نفسها، كما تنوولت المشاكل التي تراءت للمؤلف واحدة واحدة بالنظر والتمحيص، وبحث لها عن الحلول التي تبدو متماشية مع النظام الصرفي، ومحاولة اجتناب الالتجاء إلى مبدأ الشذوذ .

حرص المؤلف على معالجة القضية من أساسها فقد أخذ على نفسه ألا يصوغ مبدأ عاما أو يسجل نزعة قبل جمع المادة التي يدرسها وحصر حدودها، فلقد قام بعملية إحصائية للأفعال المجردة، وقدم نتيجة إحصائية في جداول مرقمة تبرز تواتر الأفعال باعتبار حركة عينها ماضيا ومضارعا، وباعتبار كل من حروفها الثلاثة[21]، وهذا جهد مشكور لما يحتاج إليه من الدقة والصبر في الإحصاء والدراسة .

وعلى الرغم من هذه المزايا التي تضمنها كتاب البكوش فإن المهيري وقف على بعض الهنات المنهجية التي تجلت في التعارض بين غايتين رام المؤلف لدراسته أن تضطلع بهما، وهما الغاية التعليمية باعتبار المنطلق الدراسي الذي صرح به في مقدمة الكتاب، وله غاية علمية أكاديمية باعتبار انتمائه إلى النظريات الحديثة وبحثه عن التجديد [22].

2-  استنتاج فرضيات قام عليها جهد البكوش ، وقد حددها المهيري في ما يأتي :

- إن النحاة العرب – وإن توصلوا إلى نتائج يمكن الاحتفاظ اليوم بنسبة كبيرة منها - لم يحسنوا استغلالها في بناء نظرياتهم الصرفية.

- إن تغليب النحاة للهجة الحجازية – ولأسباب عاطفية – تسببوا في إدخال بعض الخلل على النظام الفعلي العربي .

- يمكن تعليل النظام الصرفي العربي اعتمادا على خصائص الأصوات، وعلى مبدأ التقابل أيضا .

- إن جزءا من مسائل الصرف ينبغي اطراحه لكونه أمثلة تتضمن عمليات ذهنية عميقة[23].

3 - مناقشة الفرضيات وإخضاعها للتمحيص والنقد انطلاقا من العمل نفسه، والمرجعيات العلمية المستند إليها، وسنقتصر على بعضها لتتجلى الرؤية النقدية عند المهيري :

- إن انتقاد البكوش للنحاة بعدم حسن استغلال ما توصلوا إليه من نتائج، ودعوته إلى ضرورة التجديد لها مسوغاتها، ولكنه هو في حد ذاته لم يسلم من المآخذ التي تؤخذ على القدامى، فهو مثلا ينتقد الالتباس في المصطلحات عندهم، ولكنه يشترك معهم في استعمالها .

اعتبر البكوش أن من أسباب خطأ النحاة تعسفهم وتناقضهم في ميدان الصرف اعتمادهم على الرسم دون النطق، وهذا الحكم – في نظر المهيري - وإن لم يخل من الصواب فإن صيغة التعميم فيه توهم بسذاجة النحاة، وتبعث على الظن بأنهم ما كانوا يفقهون للصوت معنى، وهو بذلك قد أثار قضية خطيرة من حق القارئ أن يطالبه بالتعمق في تراثهم ، على الرغم من أن لغتهم الفنية قد يستنتج منها أن التغييرات الطارئة على الصيغ تصيب الرسم لا الصوت، ولكن مناقشاتهم النظرية لا يمكن له ألا يجد فيها ما يدل على أن الأساطين منهم على الأقل قد تنبهوا إلى أولوية الصوت على الرسم [24] .

ويختم المهيري نقده لهذا الكتاب بتقديم بعض الملاحظات الجزئية التي جمعت بين الجانب الخارجي والداخلي له، ومن ذلك استفساره عن الأسباب التي جعلت المؤلف يختار المصطلح القديم للعلم والمتمثل في « التصريف » على المصطلح الحديث الشائع نسبيا « الصرف »[25]، ولعل البكوش اختار المصطلح الأول لدلالته على العملية الصرفية التطبيقية، مقدما إياه على المصطلح الثاني الذي يدل على العلم في جوانبه النظرية .

ويبدو أن المنهجية التي سار على منوالها المهيري، والأمثلة التي سقناها في طريقة تحليله تجعلنا نتشبث برأينا في قرب نقده إلى التأسيس، لاعتماده لغة نقدية هادئة في الطرح والمعالجة، لم تأت في صورة تنويه خالص يغفل الهنات، ولم تكن  قدحا يغض الطرف عن المحاسن أيضا، وإنما جاءت جامعة بين المسلكين . وما نخلص إليه بعد هذه العجالة المقتضبة حيال النقد اللساني الصرفي هو أن الدراسة الصرفية وإن بدت متعثرة الخطى فإنها – وبفضل هذا النقد – تملك في طياتها سبل النجاح والعلمية أيضا، بالنظر لخضوعها لأدوات علمية دقيقة كالإحصاء والجدولة، ولكن ينبغي أن ينبري الباحثون في خوض غمارها على ما فيها من تعقيد، ويزامل النقد هذه السيرورة بغرض التقصي والتطوير والعلمنة .

خاتمة :  في ختام البحث نستخلص بعض النتائج

- إن النقد اللساني أداة تقييمية تقويمية للأعمال اللسانية الحديثة بمختلف فروعها اللغوية الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والترجمية ..... الخ .

- يعد النقد الصرفي أداة نقد تتابع النتاج البحثي في مجال الصرف العربي لتحديد مكامن القوة والضعف فيه بغية علمنته وجعله موضوعيا في الطرح والمعالجة، خاصة أن الدراسات الصرفية من أقل الدراسات حظا في التناول والتحليل والمراجعة، مقارنة مع المستويات الأخرى .

- إن اتسام الصرف بالتجريد والتعقيد جعله موسوما بالصعوبة في نظر الدارسين قديما وحديثا، ولكن مع تهاطل المناهج اللسانية الحديثة اضطلع بعض الدارسين بالتوغل في بحث مفاهيمه ونقدها أيضا.

- للنقد اللساني الصرفي عدة صور منها نقد جهد أحد اللسانيين العرب في هذا الفرع اللغوي على غرار نقد فاطمة الهاشمي بكوش الفكر الصرفي عند تمام حسان، وقد يأتي النقد منصبا على كتاب معين جدير بالاهتمام، ومن الكتب المهمة التي نالت اهتماما قرائيا من الدارسين كتاب  التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث للطيب البكوش .

الإحالات والهوامش :



[1]- مصطفى غلفان : اللسانيات العربية الحديثة – دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية ، جامعة الحسن الثاني عين الشق ، رسائل و أطروحات  ، رقم 4 ، 1991 ، ص 56 – 57 .

[2]- ينظر : فاطمة الهاشمي بكوش ، نشأة الدرس اللساني العربي الحديث دراسة في النشاط اللساني العربي ، إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع ، ط1 ، 2004، ص 57 .

[3]- نعمان بوقرة : ملامح التفكير اللساني الحديث عند حمزة بن قبلان المزيني ، مجلة الأثر ، جامعة ورقلة ، ع10 ، ص 36 .

[4]- ينظر : حافظ إسماعيلي علوي – امحمد الملاخ ، قضايا إبستمولوجية في اللسانيات ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ط1 ، 2009 ، ص 187 .

[5]- ينظر : مبروك بركات ، نحو نقد لساني عربي مؤسس – جهود مصطفى غلفان نموذجا - ، مجلة الذاكرة ، جامعة ورقلة ، الجزائر ، ع1- 2 ، 2013 ، ص 182 .

[6]- ينظر : مصطفى غلفان ، اللسانيات العربية الحديثة دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية - ، مصطفى غلفان ، جامعة الحسن الثاني عين الشق ، المغرب ، سلسلة رسائل و أطروحات  ، رقم 4 ، 1991 م ، ص 56 - 57 .

[7]- حسين بوشنب : النحو العربي القديم والنقد اللساني الوصفي الخارجي ، مذكرة ماجستير ، إشراف عمار ساسي ، المدرسة العليا للأساتذة  بوزريعة ، الجزائر ، 2006 ، ص 95 .

[8]- ينظر: المرجع نفسه ، الصفحة نفسها  .

[9] -  محمد زكي حسام الدين ، أصول تراثية في اللسانيات الحديثة ، مكتبة النهضة العربية ، ط3 ، 2001 م ، ص 183.

[10]-  ينظر : المرجع نفسه ، ص 183 ، ونشأة الدرس اللساني العربي الحديث ، ص 120 .

[11]- ينظر : خديجة الحديثي ، أبنية الصرف في كتاب سيبويه ، مكتبة النهضة ، بغداد ، ط1 ، 1965 ، ص 27 ، ونشأة الدرس اللساني العربي الحديث ، ص 121 .

[12]ينظر : محمد عبد العزيز عبد الدايم ، النظرية اللغوية الحديثة في التراث العربي ، دار السلام ، ط1 ، 2006، ص 51 – 52.

[13]- ينظر : المرجع نفسه ، ص 51 .

[14]- نشأة الدرس اللساني العربي الحديث ، ص 121 .

[15]- المرجع نفسه ، الصفحة نفسها .

[16] - المنهج الصوتي للبنية العربية – رؤية جديدة في الصرف العربي – عبد الصبور شاهين ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، دط ، 1980،ص 10 .

[17]- إننا لا نقصد من كلامنا الاستنقاص من الجهود الصرفية التراثية، إذ لها فضل لا ينكر ولاينسى علميا وموضوعيا ، فهي المصادر الذي نهلت منها المراجع الحديثة ، ولكن غايتنا تصب في التنظيم المنهجي للدراسة النقدية .

[18]- نشأة الدرس اللساني العربي الحديث ، ص 129 .

[19]- المرجع نفسه ، الصفحة نفسها  .

[20]- ينظر : نفسه . 

[21]- ينظر : عبد القادر المهيري ، نظرات في التراث اللغوي العربي  ، دار الغرب الإسلامي ، ط1 ، 1995 ، ص 207 – 208 .

[22]- ينظر : المرجع نفسه ، ص 208 .

[23]- ينظر  : المرجع نفسه ، ص 209 .

[24]- ينظر : المرجع نفسه ، ص 210 – 211 .

[25]- ينظر : المرجع نفسه ، ص 219 .