توظيف المفسرين للشواهد اللغوية
pdf

"قطوف دانية من سور قرآنية" للشيخ الأخضر الدهمة أنموذجا

أ. سليمة عياض ( طالبة دكتوراه)

أ.د. أبو بكر حسيني

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

الملخص:

يتناول هذا المقال الشواهد اللغوية في كتب التفاسير، إذ يلقي نظرة على مفهوم التفسير اللغوي، ونشأته، ثم يعرض لأصناف الشواهد اللغوية من حيث مصادرها، ممثلة في القرآن الكريم، الحديث النبوي الشريف، وكلام العرب شعره ونثره، ثم من حيث موضوعاتها النحوية، والبلاغية، وغيرها. ثم يمضي ليوضح علاقة اللغة العربية بالتفسير، مقدما نماذج من التراث العربي، ومن الدراسات الحديثة، ليصل في الأخير إلى دراسة نموذج من التفاسير المعاصرة وهو قطوف دانية من سور قرآنية للشيخ الأخضر الدهمة، والذي يظهر فيه استحضار المفسر للشاهد اللغوي أثناء تحليل للآيات القرآنية.

الكلمات المفتاحية: الشواهد اللغوية، التفسير اللغوي ، مصادر الشواهد، موضوعات الشواهد.

Résume:
Cet article examine les preuves linguistiques dans les livres d'interprétations, il donne le concept d'interprétation linguistique, et ses origines, il présente ensuite les variétés de preuves linguistiques en termes d'origines et en termes de thèmes. Il explique ensuite la relation entre l'interprétation et la langue arabe. En fin il étudie  un exemple: l'interprétation de lakhdar dahma  dans lequel apparait l'interprétation de langage pour le témoin. 

Les mots clés: les preuves linguistiques-livresd'interprétations linguistiques – origines des preuves- thèmes des preuves.

Abstract:
This article examines the linguistic evidence in the books of interpretations , it gives the concept of language interpretation , and its origins , then it presents the linguistic evidence varieties in terms of origins and then in terms of themes. it explains the relationship between interpretation and Arabic. In the end it studied an example: the interpretation of lakhdar Dahma in which appears the interpretation of language to the witness.
Keywords:linguistic evidence - linguistic interpretations books – origins proofs - themes proofs
مقدمة

كان نزول القرآن الكريم على نبينا محمد يواكب الأحداث ويجيب عن أسئلة الصحابة، متدرجا في التشريع بما يهيأ النفوس لقبوله،والالتزام بأحكامه.وكان أن استمر هذا النزول ثلاثا وعشرين سنة، ظل خلالها الرسول الكريم  يجيب عن استفسارات الصحابة، بحسب ما تقتضيه الأحداث، وتستدعيه المستجدات، وذلك ببيان معنى أو توضيح غموض؛ فكان هذا باعثا حقيقيا لهم لسبر أغوار النص القرآني، الذي كان ولا يزال مرجعا حقيقيا في حياتهم، و لا يمكن الإحاطة به دون فهمٍ لكلام العرب شعرِه ونثرِه، وكذا الإحاطة بالعلوم والمعارف التي تتصل به، و التعرّف على أسباب التنزيل وملابساته.ويظهر أثر هذا الاستيعاب واضحا في نبوغ بعض الصحابة في التفسير كعبد الله بن عباس(ت68هـ) الذي كان من أسباب نبوغه، حفظه للّغة العربية ومعرفته لغريبها وآدابها، وخصائصها، وأساليبها،وكثيرا ما كان يستشهد للمعنى الذي لا يفهمه من لفظ القرآن بالشعر العربي كما ذكر العلماء.  

وبعد تولي عصر الصحابة، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحا للعودة إلى لغة العرب،من أجل استجلاء دلالات ومعاني كتاب الله، ولهذا فقد شدّد أهل التفسير على ضرورة معرفة المفسر بأوضاع اللغة وأسرارها، هذه الأخيرة التي تعينهم على فهم معاني الآيات، التي يتوقف استيعابها على تذوق لغة العرب المودوعة في شعرهم ونثرهم، وفي هذا يقول ابن عاشور:"إن القرآن كلام عربي، فكانت قواعده العربية طريقا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط، وسوء الفهم، لمن ليس بعربي السليقة، ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي وهي: متن اللغة، والتصريف، والنحو والمعاني والبيان، ومن وراء ذلك استعمال العرب المتَّبَعَ من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم، وتراكيب بلغائهم، ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل، والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسِهم لمعاني آيات غير واضحة الدلالة عند المولدين "(1).

ولذلك فإن هذا المقال سيحاول أن يعرض لهذا الموضوع الذي يتعلّق بتوظيف الشواهد اللغوية في التفاسيرالقرآنية، مستعينا بنموذج في التفسير والموسوم: بقطوف دانية من سور قرآنية للشيخ الأخضر الدهمة، والذي لم ينل حظه من الدراسة،خاصة وأنه يقدم لنا باقة من المعاني يستفيد منها دارس القرآن ودارس اللغة على حد سواء. وقبل التفصيل في الموضوع نعرض لمفهوم الشاهد لغة واصطلاحا.  

الشاهد لغة 

$1-  جاء في لسان العرب:"الشهادة هي خبر قاطع، تقول شهد الرجل على كذا.وأصل الشهادة الإخبار بما شهده، وقال تعالى:﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهَآ فآمَنَوَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾(2)...وشهد الشاهد عند الحاكم :بين ما يعلمه وأظهره، وفي الحديث:"سيد الأيام يوم الجمعة، هو شاهد، أي: يشهد لمن حضر صلاته"(3)،وروى شمر في حديث أبي أيوب الأنصاري: أنه ذكر صلاة العصر ثم قال:ولا صلاة بعدها حتى يُرى الشاهد، قال: قلنا لأبي أيوب ما الشاهد؟ قال النجم سمّاه الشاهد لأنه يشهد في الليل، أي يحضرويظهر"(4)والشاهد اللسان من قولهم لفلان شاهد حسن، أي عبارة جميلة.والشاهد الملك، قال الأعشى:(5)

فـلا تَحْسَبَنِّي كافِـرًا لك نَعْـمَـةً        عَـلَى شَـاهِـدِي يا شـــاهِدَ اللهِ فاشْهَدِ"(6)

- وجاء في القاموس المحيط:"الشهادة خبر قاطع وشهد كعلم، وقد تُسكّن هاؤه، والشاهد الذي لا يغيب عن علمه شيء، وسمي الشهيد بذلك لسقوطه على الشاهدة أي الأرض، أو لأنه عند ربه حاضرا، وصلاة الشاهد صلاة المغرب، واليوم المشهود هو يوم الجمعة، أو يوم القيامة،أو يوم عرفة"(7).

- أما الشاهد عند المفسرين، فقد قال الكفوي:" قال المفسرون:شهد بمعنى (بيّن) في حق الله وبمعنى (أقر) في حق الملائكة، وبمعنى(أقر واحتج) في حق أولي العلم من الثقلين"(8).

الشاهد اصطلاحا: الشاهد اصطلاحا هو جملة من كلام العرب أو ما جرى مجراه،كالقرآن الكريم، تتسم بمواصفات معينة، تقوم دليلا على استخدام العرب لفظا لمعناه، أو نسقا في نظم أو كلام، أوعلى وقوع شيء إذا اقترن بغيره أو على علاقة بين لفظ وآخر، أو معنى وغيره، وتقديم أو تأخير، واشتقاق أو بناء، ونحو ذلك مما  يصعب حصره، ومما هو محسوب في مناحي كلام العرب الفصحاء(9).

والشواهد كما استعان بها اللغويون في إرساء قواعد اللغة العربية، فقد لجأ إليها المفسرون اللغويون في فهم دلالاتومعاني كتاب الله، وكذا في الاستشهاد على لغة القرآن على أنّها جاءت على أساليب العرب، وطرائقهم في التعبير والكلام، وحديثنا عن الشواهد اللغوية في كتب التفاسير يقودنا حتما إلى تعريف التفسير اللغوي:

التفسير لغة: التفسير مشتق من مادة فسر، وهي تعني الوضوح والبيان(10) ،ومنه قوله تعالى:﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا(11)أي بيانا وتفصيلا، وهو مأخوذ من الفسر وهو الإبانة والكشف. 

- وجاء في القاموس المحيط:"الفسر الإبانة وكشف المغطى كالتفسير،والفعل كضرب ونصر... (12)".    

- كما جاء فى لسان العرب:"الفسر البيان، و فسر الشيء يفسِّره-بالكسر ويفسُّره-بالضم فسرا. وفسره أبانه. والتفسير مثله...ثم قال:الفسر كشف المغطى، والتفسير المراد اللفظ المشكل".(13)

- وقال أبو حيان فى البحر المحيط: "... ويطلق التفسير أيضا على التعرية للانطلاق، قال ثعلب: تقول: فسرت الفرس:عريته لينطلق فى حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذى يريده منه من الجرى.."(14).إذن ومن خلال تتبعنا لمادة (فسر) في المعاجم العربية يتضح لنا أنها تدور حول معاني الكشف والوضوح  والبيان، ومن ثم يمكن القول أن التفسير يُستعمل لغة في الكشف الحسي، وفي الكشف عن المعاني المعقولة، واستعماله في الثاني أكثر من استعماله في الأول. 

التفسير اصطلاحا: يقول الذهبي(تـ748هـ):" يرى بعض العلماء أن التفسير ليس من العلوم التى يُتكلف لها حد؛ لأنّه ليس قواعد أو ملكات ناشئة من مزاولة القواعد كغيره من العلوم التي أمكن لها أن تشبه العلومالعقلية، ويُكفى في إيضاح التفسير بأنه بيان كلام الله، أو أنه المبين لألفاظ القرآن ومفهوماتها.ويرى بعض آخر منهم:أنالتفسير من قبيل المسائل الجزئية أو القواعد الكلية، أو الملكات الناشئة من مزاولة القواعد، فيتكلف له التعريف، فيذكر فى ذلك علوما أخرى يحتاج إليها في فهم القرآن، كاللغة، والصرف، والنحو، والقراءات... وغير ذلك"(15).

التفسير اللغوي: أمّا التفسير اللغوي فيعرفه مساعد الطيار بأنه:" بيان القرآن بما ورد في لغة العرب، فالشق الأول من التعريف وهو بيان معاني القرآن عامٌّ يشمل كل مصادر البيان في التفسير،كالقرآن والسنة، وأسباب النزول، وغيرها وأما الشق الثاني، وهو بما ورد في لغة العرب فإنه قيدٌ واصفٌ لنوع البيان الذي وقع لتفسير القرآن، وهو ما كان طريق بيانه عن لغة العرب"(16).

نفهم من هذا التعريف أن هذا النوع من التفسير يتناول مفردات القرآن الكريم وتراكيبه.وقد انصب اهتمامه في مراحله الأولى على إعراب القرآن والبحث في غريبه والبحث أيضا في الوجوه والنظائر.وقد قال الطبري (تـ310هـ)عن أحق المفسرين بإصابة الحق"...وأصحهم برهانا-فيما ترجم وبين من ذلك-مما كان مدركا علمه من جهة اللسان،إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنا من كان ذلك المتأول والمفسر بعد أن لا يكون خارجا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة،والأئمة،والخلف من التابعين وعلماء الأمة(17)"

نشأة التفسير اللغوي: ظهرت الحاجة إلى شرح غريب مفردات القرآن، والبحث في إعرابه خلال عصر التابعين،، فقد كانت السليقة العربية في عصر الصحابة تغني عن السؤال والبحث في هذا الموضوع، وكان من المتعذر أن نجد من ألفاظ القرآن، وإعرابه ما خفي على جمهور الصحب، وإن وجد من تلك الألفاظ ما استعصى على بعضهم، فإن ذلك لا يخفى على جمهورهم حتى لا يعرفه أحد منهم، قال أبو عبيدة (تـ210 هـ):"فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي أن يسألوا عن معانيه، لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه.."(18) والسبب في حاجة التابعين إلى شرح غريب القرآن والبحث في إعرابه كما هو معروف يعود إلى:

$1-      ضعف السليقة، وقد كان العرب قديما يربون أبناءهم في البادية حفاظا عليها.

- اختلاط المسلمين العرب من الفاتحين بغيرهم من الأقوام عن طريق المصاهرة.

- دخول عامة العَجم إلى الإسلام وحاجتهم لمعرفة تعاليمه.   

فظهرت بذلك الحاجة إلى البحث في لغة القرآن بسبب انتشار اللحن، وفساد اللسان، واهتم المفسرون منذ عصر التابعين بإعراب القرآن، وحرصوا على ذلك قبل تقعيد علم النحو، لإدراكهم بأن الإعراب هو الذي يقيم المعنى، حتى رُوي عن عمر بن الخطاب tقوله:"تعلموا إعراب القرآن كما تعلمون حفظه"(19)؛كما اهتم الصدر الأول ببيان غريب مفردات القرآن،وكانوا يحتجون للغريب بنظم الشعراء قبل ظهور الإسلام، فقد أخرج أبو عبيد بسنده إلى ابن عباس"أنه كان يسأل عن القرآن، فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني بذلك أنه كان يستشهد به على التفسير"(20).

وتضمنت كتب الآثار و التفسير روايات أُسندت إلى ابن عباسt بشأن احتجاجه بالشعر الجاهلي لتفسير غريب القرآن، واشتهرت عنه بهذا الخصوص"مسائل نافع بن الأزرق"(21)التي درسها القدامى والمعاصرون على حد سواء .

وفي آخر القرن الأول الهجري ومطلع القرن الثاني اتسع مجال الاهتمام بلغة القرآن، وتنوعت العلوم التي تخدم هذه المادة، فظهر علم نقط القرآن وشكله، وعلم الوقف والابتداء، وعلم الغريب، وعلم لغات القرآن، وغيرها من العلوم، وقبل أفول القرن الثاني الهجري ظهر في إطار الاتجاه اللغوي التأليف في إعراب القرآن الكريم، وفي غريب مفردات القرآن وفي علم الوجوه والنظائر(22).

علاقة التفسير اللغوي باللغة العربية: لا يمكن الحديث عن التفسير اللغوي دون الحديث عن اللغة العربية، وذلك لحاجة هذا الأخير الماسة إليها، فالتفسير لا يستقيم إلا بها ولا تقوم له قائمة إلا عليها؛ ولذلك فقد استعان المفسرون بمخزون اللغة العربية من شعر ونثر في تفسيرهم للقرآن الكريم، واتخذوا من الشواهد اللغوية وخاصة الشعرية منها مرتكزا في إضاءة بعض جوانب النص القرآني، إذ نزل القرآن بلغة العرب متحديا إياهم بروعة سبكه ودقة رصفه وجلال نظمه وسمو بلاغته، فكان من الضروري الاستعانة بعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة من أجل فهم آياته وإدراك معانيه، هذه العلوم التي قعّد لها العلماء بالعودة إلى كلام العرب من شعر ونثر بشروط زمانية ومكانية تحدث عنها العلماء وفصلوا فيها  الشيء الكثير.

وقد حذى المفسرون–ومعظمهم نحاة وبلاغيون–حذوعلماء اللغة في تفسيرهم لكتاب الله بالرجوع إلى كلام العرب، من أجل الإحاطة بمعانيه في جانبيه الفقهي التشريعي واللغوي على حد سواء، فتزاحمت الشواهد اللغوية في كتب التفاسير لتميط اللثام عن معان خفيت، وتكشف النقاب عن دلالات نأت وبعدت.وإذا تحدثنا عن الشواهد اللغوية في كتب التفاسير فإننا نجد أكثرها حضورا الشواهد الشعرية؛ وإذ نكاد نجزم بهذه الحقيقة فإننا نستأنس بموقف علمائنا من الشعر ودوره في تفسير القرآن الكريم، حيث ثبت عنهم أنه إذا استعجم عليكم شيء في القرآن فاطلبوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب.

أصناف الشواهد اللغوية في كتب التفاسير: وعندما نتصفح كتب التفاسير اللغوية تستوقفنا هذه الظاهرة اللغوية التي تتمثل في توظيف المفسرين وإيرادهم للشواهد اللغوية، هذه الشواهد التي تناولها العلماء بالدراسة وصنفوها إما بحسب مصادرها وإما بحسب موضوعاتها :

1-الشواهد بحسب مصادرها: اتفق الدارسون قديما وحديثا على تقسيم الشواهد اللغوية من حيث المصادر إلى شواهد قرآنية، شواهد الحديث النبوي، والشواهد من كلام العرب ويمكن أن نتناول كل نوع على حدة:

-الشواهد القرآنية: يتفق المفسرون على نجاعة تفسير القرآن بالقرآن؛ مما يستدعي استحضار المفسر للشاهد القرآني، استجابة لمنزع معرفي ديني ظهرت بموجبه -قديماً وحديثاً- عدّة كتب باركت منهج تفسير القرآن بالقرآن، ولم يقتصر استحضار المفسر للشاهد القرآني على الجانب الفقهي الديني، وإنما تعداه إلى الجانب اللغوي البحت، حينما يعرض لدراسةألفاظ القرآن الكريم وتراكيبه وأساليبه المختلفة .

$1-   شواهد الحديث:إن الكلام عن شواهد الحديث مرتبط بالكلام عن المنهج الأثري في التفسير، والمراد بالأثر ذلك الأثر الصحيح الوارد عن النبي وآله، أو الصحابة والتابعين مرفوعاً إليه(23)، يقول ابن كثير(تـ774هـ) "فإن أعياك ذلك (أي فهم القرآن بالقرآن) فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل لقد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي(تـ204هـ) ـ:" كل ما حكم به رسول الله  فهو مما فهمه من القرآن"(24) ، ومدرك هذا التفسير السنَّة الشريفة، والرواية الثابتة الصحيحة عن الأهل، أو المرفوعة إلى النبي عن الصحابة، أو من في حكمهم من أوائل التابعين.

أ- السنة الشريفة: لاشك أن السنة شارحة للقرآن، ومبينة لمجمله، وموضحة لغامضه، وقد روي عن النبي قوله:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه(25)"(26).

ب- الرواية الثابتة عن الصحابة أولاًوعن التابعين ثانياً:يقول الحاكم(تـ405هـ)"إن تفسير الصحابي الذي شاهد التنزيل له حكم المرفوع إلى رسول الله (27).لأن الصحابي شَاهَدَ قرائن الأحوال ومقتضيات المقام ومناسبة الحال، نظراً لقرب عهد الصحابة من الرسول، ودراية الثقات منهم بأسباب النزول مضافاً إلى الفهم العربي المحض الذي تميزوا به"(28).

 ويبدو أن ابن عباس وابن مسعودyيحتلان المنزلة الكبرى من بين مفسري الصحابة، فقد كان ابن عباس يُلقب بحبر الأمة، وترجمان القرآن، وقد دعا له رسول الله  بالتفقه  في الدين،ومعرفة وتعلم التأويل كما في بعض الآثار،وهو ذو حس عربي أصيل،واجتهاد بمعاني كتاب الله وهو يعتمد على التفسير القرآني للقرآن والسنة، والاجتهاد المستند إلى اللغة وشواهد الأبيات،وكتب التفسير حافلة بآرائه،وكذلك الحال بالنسبة لابن مسعود فقد قال:"والذي لا إله إلا هو ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته"(29).وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حرص الصحابة y على الإحاطة بكل ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم(30).

الشواهد من كلام العرب: نزل القرآن الكريم بلغة العرب، ولم يكن الصحابة على اطلاع كامل بمفردات اللغة العربية؛ ولذا فقد كانوا يتوقفون في بعض الأحيان عند بعض الكلمات القرآنية لخفاء مدلولاتها، حتى يقع في أيديهم شيء من كلام العرب،يتضح به ما غمض لديهم من القرآن.كما أن طبيعة المرحلة وهي التصدي لتفسير كتاب الله الذي نزل بلغة العرب، تفرض أن يكون من أبرز مصادر التفسير اللغة العربية نفسها.ولذا نجد أن علماء التفسير يؤكدون على ضرورة الاطلاع على اللغة العربية في كل مستوياتها كشرط أساس للتمكن من تفسير القرآن الكريم، وعن هذا المعنى يقول الزركشي(تـ794هـ):"روى البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن أنس قال:"لا أوتَى برجل غيرِ عالم بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا".(31)

وقد لجأ المفسرون إلى كلام العرب شعره ونثره للاستعانة به على تفسير كتاب الله، إلا أن حظ الشعر كان الأوفر وبخاصة الجاهلي منه،"إذ يُعد المرجع الموثوق به لأساليب العرب البلاغية والبيانية، والمصدر الأصيل لمفرداتهم اللغوية وطرقهم التعبيرية،فضلا عما يحويه الشعر العربي من مآثر العرب ومفاخرها،وأحداث أيامها ووقائعها، فهو الوثيقة الرسمية الأولى التي دونت تاريخ العرب الوجداني والاجتماعيمنذ بزوغ الجنس العربي ونبوغ عقليته."(32)

ونظرا لهذه الأهمية التي اختص بها الشعر وجعلته مصدرا ضروريا لفهم القرآن الكريم، فقد حرص المفسرون على جمع الدواوين وحفظ الأشعار،وإلى هذا يشير أحد الباحثين بقوله:" فقد كان المفسرونمن علماء اللغة الذين يحرصون على حفظ الشعر وقراءة الدواوين ودراستها، حتى ذكر الواحدي أنهدرس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي..."(33).

وتشير المصادر إلى أن حبر الأمة عبد الله بن عباسt ورد عنه كثير من الشواهد الشعرية في تفسير آي الذكر الحكيم، يقول عكرمة:"ما سمعت ابن عباس فسر آية من كتاب الله U إلا نزع فيها بيتًا من الشعر،وكان يقول:"إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر،فإنه ديوان العرب"(34).

2-الشواهد بحسب موضوعاتها:  أما الشواهد من حيث الموضوعات فهي كثيرة، وذلك لكثرة المسائل اللغوية التي تستدعيها؛إذ يمكن الحديثعن الشواهد المعجمية، والشواهد النحوية، والشواهد الصرفية، والشواهد الصوتية، والشواهد البلاغية، وشواهد القراءات وغيرها، ونظرا لهذا التنوع سأكتفي بإيراد بعضها على سبيل التمثيل والتوضيح لا الحصر:

$1-   الشواهد المعجمية :وهي من أكثر الشواهد حضورا في كتب التفاسير لحاجة المفسر الماسة إلىالإبانة عن الدلالات المعجمية للألفاظ القرآنية، وذلك لتعلقها المباشر بفهم معاني الآيات من جهة، ولارتباطها الوثيق بتحديد الظواهر اللغوية والنحوية والبلاغية والكشف عنها، كالترادف، والتّضادّ، والمشترك اللفظي، والمعرَّب والدخيل، واختلاف الصيغ والتراكيب، والنحو والإعراب، وحروف المعاني، والمجاز،والإيجاز، والتوسع في المعنى، والتقديم والتأخير، وتقارض الألفاظ، والتكرار، والسياق، والتضمين،والقراءات القرآنية، والوجوه المعنوية... وغيرها .

وتحقيقا لهذا المطلب فقد ازداد اهتمام التفسير اللغوي بالشواهد المعجمية  التي تدعم الكشف عن دلالات الألفاظ القرآنية من حيث أصلها اللغوي، ثم توضيح دلالات هذه الألفاظ داخل النص القرآني باعتبار السياقات التي ورد فيها ، والاستعمالات التي استعمل بها في كتاب الله؛ لأن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى استنباط الأحكام الشرعية، والقواعد الفقهية التي نص عليها القرآن الكريم،ومن أمثلة ذلك ماجاء في غريب القرآن لابن قتيبةفي باب اشتقاق أسماء الله وصفاته،وإظهار معانيها حيث يقول:"ومن صفاته "سُبُّوح"، وهو حرف مبني على فُعُّول من سبّح الله إذا نزهه وبرّأه من كل عيب.ومنه قيل سبحان الله أي تنزيها لله وتبرئة له من ذلك،ومنه قوله﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾(35)،

وقال الأعشى: أقـول لَمّـا جـاءنـا فـخرُه          سبـحان من عـلقمةَ الفـاخــرِ(36)

أراد التبرء من علقمة، وقد يكون تعجب بالتسبيح من فخره كما يقول القائل إذا تعجب من شيء سبحان الله، فكأنما قال عجبا من علقمة الفاخر"(37).

-الشواهد النحوية: يعد الاحتجاج بالشاهد النحوي من أبكر صور الدراسات اللغوية العربية، وذلك لما له من أهمية في إبراز المعاني والدلالات المختلفة من جهة، وفي التأصيل للقواعد التي بنيت عليها العربية من جهة ثانية.وعندما نعود إلى كتب معاني القرآن الكريم التي هي فرع من كتب التفسير فإننا نلاحظ أنها جمعت بين تحليل الآيات القرآنية تحليلا لغويا، ثم ذكر ما تعلق بها من شواهد نحوية تعين على تطوير هذا التحليل، وكذلك فإن كتب إعراب القرآن الكريم تعتبر فرعا عن المعاني، وذلك لتناولها بعض مقاصد المعاني، ويتضح من عناوينها أن أصحابها اهتموا كثيرا بالإعراب، وأن اعتناءهم بالشواهد النحوية يأتي في مقدم ذلك الاهتمام(38)، وعلى سبيل المثال نلاحظ ذلك في "إعراب القرآن للنحاس" الذي أولى أهمية خاصة لإيراد الشواهد النحوية، ومن ذلك ماجاء في إعرابه لقوله تعالى:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾(39) ،حيث يقول:"يجوز أن تكون﴿كُنتُمْ﴾ زائدة، أي أنتم خير أمّة  وأنشد سيبويه:

وجـِيـرَانٍ كَانُـوا لنا كِـرَامٍ(40)" (41).

$1-   الشواهد البلاغية:مما لاشك فيه أن هناك علاقة وطيدة بين علمي البلاغة التفسير، فضلاً عن علوم اللغة الأخرى ، وعن هذا المعنى يقول أبوحيان(تـ745هـ) في مقدمة تفسيره البحر المحيط:"اعلم أنه لا يرتقي من علم التفسير ذروته، ولا يمتطي منه صهوته، إلا من كان متبحراً في علم اللسان، مترقياً منه إلى رتبة الإحسان..."(42) ثم يقول: "ولنبين أن علم التفسير ليس متوقفاً على علم النحو فقط، كما يظنه بعض الناس؛ بل أكثر أئمة العربية هم بمعزل عن التصرف في الفصاحة والتفنن في البلاغة، ولذلك قلّت تصانيفهم في علم التفسير، وقلّ أن ترى نحوياً بارعاً في النظم والنثر، كما قلّ أن ترى بارعاً في الفصاحة يتوغل في علم النحو.وقد رأينا من يُنسب إلى الإمامة في علم النحو وهو لا يحسن أن ينطق بأبيات من أشعار العرب، فضلاً عن أن يعرف مدلولها، أو يتكلم على ما انطوت عليه من علم البلاغة والبيان، فأنّى لمثل هذا أن يتعاطى علم التفسير؟ ولله در أبي القاسم الزمخشري حيث قال في خطبة كتابه في التفسير ما نصه:" إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكُها، ومستودعات أسرار يدق سلكها؛ علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم، كما ذكر الجاحظ في نظم القرآن، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار، وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه؛ لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني، وعلم البيان..."(43)،وتحقيقا لهذا المسلك الذيانتحاه المفسرون في تفسيرهم لآي القرآن الكريم، فقد غصت تفاسيرهم بالمباحث البلاغية، والتي استدعت بدورها استحضار الشواهد اللغوية، ويعتبر تفسير الكشاف للزمخشري من أهم التفاسير التي عنيت بهذا الجانب، ومما جاء فيه عند تفسيره لقوله تعالى:﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(44) قوله: "...ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلا كقولهم:سال به الوادي، إذا هلك، وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها نحو قلوب الأغتام(45) التي هي في خلوها عن الفطن كقلوب البهائم، أوبحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدر ختم الله عليها حتى لاتعي شيئا ولا تفقه، وليس له Uفعل في تجافيها عن الحق ونبوها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك، ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير الله لله، فيكون الختم مسندا إلى اسم الله على سبيل المجاز، وهو لغيره حقيقة، تفسير هذا:أن للفعل ملابسات شتى، يلابس الفاعل والمفعول به، والمصدر، والزمان والمكان، والمسبب له، فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة، وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته ويستعار له اسمه، فيقال في المفعول به:عيشة راضية، وماء دافق، وفي عكسه سيل مفعم(46)،وفي المصدر شعر شاعر وذيل ذائل، وفي الزمان نهاره صائم، وليله قائم، وفي المكان:طريق سائر، ونهر جار، وأهل مكة يقولون: صلى المقام، وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة ضبوث(47)وحلوب وقال:

..........................     إذا رد عـافي القـدر من يسـتعـيرها(48)"(49)

- شواهد القراءات:إنَّ لتعدد القراءات القرآنية واختلافها فوائد جليلةً وآثارًا بالغةً في تفسير كتاب الله تعالى واستنباط المعاني الجديدة واتساعها، ولكن من غير تناقضٍ في المعاني أو تباينٍ بينها، فالاختلاف الحاصل بين القراءات اختلاف تنوعٍ وتغايرٍ لا اختلاف تضادٍ وتناقضٍ، وفي ذلك يقول ابن الجزري(تـ833هـ):"وأمَّا حقيقة اختلاف هذه السبعة أحرف المنصوص عليها من النبي وفائدته، فإن الاختلاف المشار إليه في ذلك اختلاف تنوعٍ وتغايرٍ لا اختلاف تضادٍ وتناقضٍ، فإنَّ هذا محالٌ أن يكون في كلام الله تعالى، قال تعالى:﴿أفَلا يَتَدَبَرُونَ القُرآنَ وَلَو كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾(50)"(51).ولا شك أنَّ القراءات القرآنية لون من ألوان الإعجاز القرآني، إذ إنَّ كلَّ قراءةٍ بمنزلة الآية، وتعدد القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، فبتعدد القراءات تتسع المعاني وتتعدد، وفي هذا يقول الشيخ الزرقاني:"إن تنوع القراءات، يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضربٌ من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز،وينتهي إلى كمال الإعجاز.أضف إلى ذلك ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة، والأدلة القاطعة على أنَّ القرآن كلام الله، وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد، ولا إلى تهافت وتخاذل..."(52).ونظرا لهذه العلاقة المتينة التي تربط بين علمي القراءات والتفسير فقد أبدى علماء التفسير اهتماما خاصا بأوجه القراءات وتعددها في تناولهم للآيات القرآنية من خلال ردها إلى لغات العرب المختلفة، وتحديد المقاصد التي تستنبط من اختلاف القراءة للآية الواحدة، وتأكيدا لما ذهبوا إليه في جانب القراءات فقد لجئوا إلى استحضار الشواهد اللغوية، ومن ذلك ما جاء في تفسير الطبري لقوله تعالى:﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾(53)،يقول الطبري:"واختلفت القراءة  في قوله" وولدا" فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة : "ووَلدا "بفتح الواو من الولد في كل القرآن، غير أن أبا عمرو بن العلاء خص التي في سورة نوح بالضم فقرأها "ماله ووُلده"، وأما عامة قراء الكوفة غير عاصم فإنهم قرءوا من هذه السورة من قوله"مالا وولدا" إلى آخر السورة، واللتين في الزخرف، والتي في نوح بالضم وسكون اللام.وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك إذا ضمت واوه فقال بعضهم:ضمها وفتحها واحد، وإنما هما لغتان مثل قولهم:العَدم والعُدم، والحَزن والحُزن واستشهدوا لقولهم ذلك بقول الشاعر:              

فليـت فلانا كان في بطن أمه          وليت فلانا كان وُلـد حمار(54)

ويقول الحارث بن حلزة :

ولقد رأيت مـعـاشرا            قد ثمّروا مـالا ووُلـدا(55)

وقول رؤبة :                                                                                                      

    الحمد لله العزيـز فـردا            لم يتخذ من ولده شــيـــئا وُلدا(56)

وتقول العرب:"وُلْدَكِ من دَمَّى عَقِبَيْكِ"(57)،قال وهذا كله واحد، بمعنى الولد، وقد ذُكر أن قيسا تجعل الوُلد جمعا والوَلد واحد، ولعل الذين قرءوا ذلك بالضم فيما اختاروا فيه الضم، إنما قرءوه كذلك ليفرقوا بين الجمع والواحدوالذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي:أن الفتح في الواو من الولد والضم فيها بمعنى واحد،وهما لغتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، غير أن الفتح أشهر اللغتين فيهما فالقراءة به أعجب إلي لذلك". (58)

الشواهد اللغوية في تفسير الأخضر الدّهمة: اعتنى الشيخ الأخضر الدهمة،كغيره من المفسرين بإيراد مجموعة من الشواهد اللغوية في تفسيره أثناء عرضهللمسائل اللغوية المختلفة،وقد استقى هذه الشواهد من مصادرها المعروفة عند علماء اللغة، والتي أشرنا إليها سابقاوهي القرآن الكريم،الحديث الشريف، وكلام العرب شعره ونثره، في مسائل لغوية مختلفة:نحوية، صرفية، بلاغية، وغيرها،و من ذلك:

$1-  ماذكره في تفسير قوله تعالى:﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾(59)، أثناء تناوله لمسألة لغوية معجمية؛ حيث يقول:"...الضالين اسم فاعل مشتق من (ضلّ)، ومادة الضلال قد وردت في القرآن الكريم بمعان مختلفة:منها غيبة شيء في شيء،كقوله تعالى:﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ"﴾.(60) وكقول العرب:ضل الماء في اللبن.ومنها النسيان،كقوله تعالى﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَاالأخرى.(61)، ومنهاالحيرة كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾(62) إلخ...".(63).

الملاحظ في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق ثلاث آيات قرآنية، وقول عربي للاستشهاد على مسألة لغوية معجمية تتعلّق بمفهوم مادة(ضلال)التي ورد اسم فاعلها(الضالين) في الآية الكريمة؛حيث عدّها مشتركا لفظيا،إلا أنه لم يصرح بذلك، وذكر من بين معانيها غيبة شيء في شيء، والنسيان، والحيرة إلخ...

$1-   وذكرفي تفسير قوله تعالى:﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾(64)،عند تناوله لمسألة صرفية:"...ومؤنث الأقصى:القصوى ومنه قولهUفي سورة الأنفال:﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾(65)،والصفة المشبهة من قصا يقصو،أو قصى يقصى قصيٌّ.ومنه قوله U في سورة مريم:﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾(66) "(67).

الملاحظ في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق آيتين قرآنيتين للاستشهاد على مسألة صرفية تتعلّق بمؤنث كلمة (أقصى) والصفة المشبهة منها، وقد وردت هذه الكلمة في الآية الكريمة،فذكر أنّ مؤنثها(قصوى)،وأن الصفة المشبهةمنها (قصّي).

$1-   وجاء في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾(68)عند تناوله لمسألة نحوية قوله:"وقوله تعالى﴿وَنُفِخَ﴾...ولكن عدل إلى صيغة الماضي الذي يدل على حصول شيء في زمن مضى قبل التكلم، فقيل "نفخ" لإفادة التحقيق، أي تحقيق وقوع النفخ.ونظير ذلك قوله Uفي مفتتح سورة النحل:﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾(69) بدلا من (سوف يأتي أمر الله)"(70).

الملاحظ في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق آية قرآنية للاستشهاد على مسألة نحوية تتعلّق بعدول الفعل(نُفِخَ) الذي ورد في الآية الكريمة من صيغة المضارع إلى صيغة الماضي لإفادة التحقيق، أي تحقيق وقوع النفخ.

$1-   وذكر في تفسير قوله تعالى:﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰيُبْصِرُونَ﴾(71)أثناء تناوله لمسألة نحوية"...وفعل استبق يصل إلى مفعوله بواسطة حرف الجر (إلى) ولكنه حذف هنا كما حذف حرف الجر (على) من قول الشاعر:

تمرون الديار ولم تـعُـوجُـوا            كلامُكم -إذن- علي حـرامُ(72)

أي تمرون على الديار...ويصح أن يكون فعل(استبق) متضمنا معنى(ابتدر)الذي يتعدى إلى مفعوله بنفسه"(73).

الملاحظ في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق شاهدا شعريا للاستشهاد على مسألة نحوية تتعلّق بحذف حرف الجر

(إلى)من الفعل (استبق)الذي ورد في الآية الكريمة، فتعدّى إلى مفعوله بغيرحرف الجر.

$1-   وجاء في تفسيره لقوله تعالى:﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾(74)في تناوله لمسألة صرفية:"...والملكوت على وزن (فعلوت) بزيادة الواو والتاء مبالغة في الملك أي الملك الواسع العظيم؛ وقد وردت في اللغة كلمات بهذا الوزن، قالوا :رحموت ورهبوت وجبروت. ومن أقوال العرب الشبيهة بالأمثال قولهم:رهبوت خير من رحموت، أي لأن تكون قويّا يرهبك الناس، ويحترمونك خير لك من أن تكون ضعيفا ذليلا تستجلب الرحمة والشفقة منهم"(75). 

الملاحظ في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق شاهدا نثريا يتمثل في قول عربي للاستشهاد على مسألة صرفية تتعلّق بميزان كلمة (رحموت) التي وردت في الآية الكريمة على أنّه (فعلوت).

$1-   وجاء أيضا في تفسيره لقوله تعالى:﴿أَنتَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾(76)،عند تناوله لمسألة بلاغية:"... ويقال(حبَط)عمله بفتح الباء،(يحبِط)بكسرها(حُبوطا)بضم الحاء،والمعنى الحقيقي للحبط انتفاخ يحصل في بطن الدابة، بعد أن تأكل نبتة سامة تؤدّي بها إلى الموت.ومن ذلك قوله :"إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبَطا أو يُلِمُّ"(77) رواه ابن حبان، وهو مثل للحريص المفرط في الجمع والمنع. ثم استعير الحبط لتلاشي أعمال الإنسان الصالحة وبطلان ثوابها، ومن ثم هلاكه ودماره وعذابه، كماتهلك الدابة من جراء انتفاخ بطنها لأكلها ما يضرها"(78).

الملاحظ في هذا النموذج إذن أنّ الدهمة قد ساق حديثا نبويا للاستشهاد على مسألة بلاغية تتمثل في مفهوم كلمة(حبط) التي وردت في الآية الكريمة؛ حيث أشار إلى انتقال مفهومها من معناه الحقيقي إلى معنى مجازي.

$1-   وذكر في تفسيره لقوله تعالى:﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾(79)، أثناء تناوله لمسألة بلاغية قوله :"...والتعبير عن الغيبة بأكل لحوم الناس معروف في لغة العرب منذ القدم، ومن ذلك قول الشاعر:

فإنْ أَكَلُـوا لَـحْمِي وَفَـرْتُ لُحُــومَهُمُ        وإنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْــتُ لَهُمْ مَجْــداً(80) "(81).

الملاحظ في هذا النموذج  كذلك أنّ الدهمة قد ساق شاهدا شعريا للاستشهاد على مسألة بلاغية تتمثل في التعبير عن الغيبةبأكل اللحوم كما ورد في الآية الكريمة.

$1-   و ذكر الدهمة في تفسير قوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾(82)، أثناء تناوله لمسألة نحوية:"...واللام في "لِأَوَّلِ الْحَشْرِ" هي لام التوقيت التي يؤتى بها لبيان الوقت الذي يبتدئ فيه عمل من الأعمال، وتفسر بـ"عند" أي عند أول الحشر... وقد وردت هذه اللام التوقيتية في آيات أخرى من القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى من سورة الإسراء:﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾(83)، أي عند دلوك الشمس أي ميلها إلى جهة الغرب، وهو وقت الظهيرة الذي تصلى فيه صلاة الظهر.ويستمر الوقت الصالح لإقامة الصلاة فيه إلى غسقالليل أي ظلمته، ويدخل في ذلك أربع صلوات:هن الظهر والعصر والمغرب والعشاء"(84). 

نلاحظ إذن في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق آية قرآنية واحدة للاستشهاد على مسألة نحوية تتعلّق بلام التوقيت التي وردت في الآية الكريمة، والتي تفسر بـ"عند".

-  في تفسير قوله تعالى:﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾(85)أثناء تناوله لمسألة نحوية:"...(كلا) يحتمل أن تكون للزجر والردع، وهو الغالب في استعمالها،كقوله تعالى في سورة الشعراء:﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَقَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾(86)،أي انزجروا عن هذا القول. وإذا كان الكلام الذي سبقها –هنا- ليس فيه ما يقتضي الزجر فمضمون الكلام بعدها يقتضيه وهو قوله﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾(87)ويحتمل أن تكون بمعنى(ألا)التي يفتتح بها الكلام للتنبيه.ومن المفسرين من اعتبرها-هنا-بمعنى(حقا)،ولكن بعض اللغويين يرون أنها تكون بمعنى حقا إذا كانت مع القسم كقوله تعالى:﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ كَلاَّ وَالْقَمَرِ﴾(88) "(89).

الملاحظ في هذا النموذج كذلك أنّ الدهمة قد ساق آيتين قرآنيتين للاستشهاد على مسألة نحوية تتعلّق بـ(كلا) التي وردت في الآية الكريمة؛ حيث ذكر أنها تستعمل عادة للردع والزجر، وقد تكون بمعنى(ألا) التي يفتتح بها الكلام للتنبيه،وقد تكون بمعنى(حقا)شرط أن تجيء مع القسم كما ذكر بعض المفسرين.

-وذكر في تفسير قوله تعالى:﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾(90)،أثناء تناوله لمسألة بلاغية:"... والنادي في الآية ليس المقصود منه مكان الاجتماع، وإنما المجتمعون فيه أنفسهم، أي: فليدع أنصاره الذين يلتقي بهم في ناديه، وأضيف النادي إلى ضميره باعتبار رئاسته فيه.وإطلاق النادي، وإرادة المجتمعين فيه من باب إطلاق المحل وإرادة الحال فيه (وهو مبحث بلاغي)، ومن ذلك قوله تعالى في سورة يوسف:﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾(91)، فالمراد بالقرية أهلها الحالّون فيها، ضرورة أن القرية –وهي أبنية-لا تُسأل حقيقة، ولا تجيب إن سئلت"(92).

نلاحظ إذن في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق آية قرآنية واحدة للاستشهاد على مسألة بلاغية تتعلّق بإطلاق المحل وإرادة الحال فيه في الآية الكريمة ، وهذه علاقة من علاقات المجاز المرسل.

$1-   وجاء في تفسيره لقوله تعالى:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾(93) أثناء تناوله لمسألة لغوية معجمية قوله:"والأقرب إلى الصواب في دلالة لفظ(ألف)هنا أنه للدلالة على مجرد الكثرة لا على العدد المعين المعروف في الحساب، وذلك كقول العرب (رجل كألف وألف كأف)،لا يقصدون العدد المضبوط، ومن هذا الوادي قوله تعالى في سورة البقرة:﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾(94)، ومن ذلك قوله :"رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل"(95).ومنالألفاظ التي استعملها العرب لمجرد الدلالة على الكثرة لفظ سبعين،وتمشيا مع هذا الاستعمال العربي جاء قوله تعالى مخاطبا النبيفي شأن المنافقين:﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾(96)،فلا مفهوم للعدد...وإنما جاء تمييز العدد ألف بلفظ شهر، دون لفظ عام أو يوم(مثلا) لمراعاة الفاصلةالتيهي الراء(القدر-شهر-أمر-الفجر)"(97).

الملاحظ كذلك في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق شواهد لغوية، وهي آيتان قرآنيتان وحديث نبوي، للاستشهاد على مسألة بلاغية تتمثل في استعمال لفظة(ألف) في الآية الكريمة لا للدلالة على العدد المعين المعروف في الحساب وإنما للدلالة على الكثرة تماشيا مع استعمال العرب لهذا العدد ولأعداد أخرى كسبعين.

$1-   وذكر في تفسير قوله تعالى:﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾(98)، أثناء تناوله لمسألة بلاغية:"..واختيارالتعبير عن الموت بزيارة القبور يوحي بأن الأموات لا يبقون في قبورهم إلى ما لا نهاية له، فكما أن الزائر لا يلبث عند مزوره إلا مدة قصيرة يعود بعدها إلى منزله،كذلك الميت يبقى في قبره مدة يعلمها الله، ثم يُبعث منه فيصيرإلى منزله المعدّ له في الجنة أو في النار... والكناية عن الموت بزيارة القبور شائعة في لسان العرب، قال الشاعر جرير:زَارَ القُبُورَ أبُو مَالـكٍفـَأَ صْـبَحَ  أَلأَمَ  زُوَّارِها(99)

وذُكر أن بعض الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية، فقال:" بُعثوا ورب الكعبة"، فقيل له فيما ذلك، فقال:"لأن الزائر لا بد

أن يرحل"(100).

فالملاحظ إذن في هذا النموذجأنّ الدهمة قد ساق شاهدين من كلام العرب،وهما بيت من الشعر و قول لأحد الأعراب للاستشهاد على مسألة بلاغية تتعلّق بالتكنية عن الموت بزيارة القبور، كما جاء في الآية الكريمة، وهذا على ماثبت استعماله عند العرب.

$1-   وجاء في تفسيره لقوله تعالى:﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾(101)،أثناء تناوله لمسألة صرفية قوله"...أبابيل جماعات متلاحقة،وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، يقال: جاءت إبله أبابيل، وقيل إن له واحدا من لفظه وهو إبّالة،ومن ذلك قول العرب(ضغث على إبّالة)أي حزمة صغيرة من الحشيش أو العيدان أو نحوهما فوق حمل كبير من الحطب، يضرب مثلا لهمّ صغير يضاف إلى همّ كبير"(102).

الملاحظ في هذا النموذج كذلك أنّ الدهمة قد ساق شاهدا نثريا وهو مثل عربي للاستشهاد على مسألة صرفية معجمية تتعلّق بواحد (أبابيل) التي وردت في الآية الكريمة على أنّه (إبّالة).

$1-   وجاء في تفسيره لقوله تعالى:﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾(103)،أثناء تناوله لمسألة لغوية معجمية قوله:"... الكوثر: كلمة على وزن فَوْعَل، تدل على الشيء الكثير من العدد أوالقدر، أو الخطر، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر، بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر؛ ويطلق (الكوثر) أيضا على السيد الكثير الخير، الذي ينفع الناس، قال الكميت يمدح أحد الأمراء

وَأَنْتَ كَثِيـرٌ يَا ابْــنَ مَـرْوَانَ طَيِّـبٌ        وَكَانَ أَبُـوكَ ابـنُ الْعَقَائِـلِ كَـوْثَـرا(104)"(105)

الملاحظ في هذا النموذج أنّ الدهمة قد ساق شاهدين من كلام العرب، قول لأعرابية وبيت من الشعر للاستشهاد على مسألة لغوية معجمية تتعلّق بمفهوم كلمة كوثر التي وردت في الآية الكريمة، على أنها تدل على الشيء الكثير من العدد أوالقدر، أو الخطر، كما تدل أيضا على السيد الكثير الخير، الذي ينفع الناس.

وختاما، ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الشواهد اللغوية عُدت ركيزة من الركائز التي استند إليها التفسير اللغوي؛إذ يرجع إليها المفسر في أبعادها التفسيرية، ومنها البعد الفقهي و التشريعي والأخلاقي و الاجتماعي، إضافة إلى ما يستوقف المفسر من مسائل لغوية تعترضه أثناء التفسير، ومنها المسائل النحوية، والبلاغية، والمعجمية، والصرفية، والصوتية، وأوجه القراءات، إلى غيرها من المسائل.

وتأتي أهمية الشواهد اللغوية في تفسير القرآن لكون هذا الأخير نزل بلغة العرب، فهي إذن المرجع والأصل الذي نعود إليه في فهم معانيه واستنباط أحكامه، وهذا ما أكده الصحابة y، وعملوا به في عهد النبوة، واقتفى أثرهم بعد ذلك من جاء من المفسرين .

وقد رأينا من خلال النموذج المدروس" قطوف دانية من سور قرآنية" للشيخ الأخضر الدهمة، أن هذا المفسر قد حذى حذو سابقيه في تفسيره لآي القرآن الكريم، فاستعان بالمصدر الأول للاستشهاد وهو القرآن الكريم، في فهم دلالات كتاب الله، إضافة إلى ما ساقه من شواهد الأحاديث، ولم يُغْفِل مخزون اللغة العربية من شعر ونثر، ليعضد به ما ذهب إليه في توضيح المسائل اللغوية، وغير اللغوية.

غير أن ما يجب أن نؤكد عليه أن هذه الشواهد التي استعان بها المفسرون بصفة عامة، في بيان وتوضيح معاني كتاب الله - وإن تناولها كثير من الباحثين بالدراسة – لا تزال أرضا خصبة ومجالا غضا  يستهوي الباحثين ،  ويفتح لهم آفاقا رحبة  في البحث والتحليل.

الإحالات:

1 التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر ، تونس 1984، الجزء 1، ص18.

2 سورة الأحقاف ،الآية 10 .

3 النهاية في غريب الحديث و الأثر،مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري الأثير، دار ابن الجوزي، السعودية،ط1، 1421ه، ص 497.

4 نفسه، ص 497.

5 البيت من ديوان الأعشى، تحقيق محمد محمدحسين، مكتبة الآداب الجماميز، المطبعة النموذجية، مصر ص193.

6 ينظر لسان العرب، ابن منظور أبو الفضل جمال الدين بن مكرم، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف القاهرة ،ص2348.

7القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي،تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، ط8 ،1426هـ، 2005مـ ،ص896.

8 الكليات،أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، قابله على نسخة خطية وأعده للطبع ووضع فهارسه عدنان درويش و محمد المصري، مؤسسة الرسالة ناشرون ، ط2 ،1419هـ-1998مـ، ص527.

9وينظر جبر،يحيىعبدالرؤوف ، الشاهد اللغوي،مجلةالنجاح للأبحاث،ج2،العدد السادس،1992مـ،ص256.

10المصباح المنير، أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقرئ، مكتبة لبنان،1987مـ، ص180.

11 سورة الفرقان ، الآية33.

12القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص456.

13 لسان العرب، ابن منظور،ص3412.

14 التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة القاهرة، ج1، ص13.

15نفسه ، ج1، ص12.

16 التفسير اللغوي للقرآن الكريم، مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار، دار ابن الجوزي المملكة العربية السعودية، ط1، رجب 1422هـ، ص38.

17 جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر بن محمد بن جرير الطبري، تحقيق  عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ط1، القاهرة، 1422هـ-2001مـ.ج1، ص88.

18مجاز القرآن، أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، عارضه بأصوله وعلق عليه محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي القاهرة،ج1، ص 8.

19فضائل القرآن ومعالمه وآدابه،  أبو عبيد القاسم بن سلام ،تحقيق أحمد بن عبد الواحد الخياطي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ،المملكة المغربية، 1415هـ-1995مـ،ج 2 ،ص178.

20فضائل القرآن ومعالمه وآدابه، أبو عبيد القاسم بن سلام ،ج 2، ص 173.

21"مسائل نافع بن الأزرق" أخرجها الطبراني(الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني) في المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة ج 10، ص من(304 إلى 312 )من رواية جويبر بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس، وجويبر متروك عند جمهور نقاد الحديث النبوي، لكنها عند السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ، أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي،تحقيق مركز الدراسات القرآنية ج3، ص 848 مائة وتسعة وثمانون مسألة.

22ينظر بحوث في أصول التفسير ومناهجه، فهد بن عبد الرحمان بن سليمان الرومي،مكتبة التوبة، الرياض، ط4، 1419هـ، ص (من 114إلى135)

23 المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، محمد حسين علي الصغير، دار المؤرخ العربي ، بيروت ، ط1، 1420هـ-2000مـ، ص94. 

24تفسير القرآن العظيم، الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير،تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع،ط1، 1418هـ-1997مـ، ط2، 1430هـ-1999م،ج1، مقدمة ابن كثير، ص7.

25سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السّجستاني حققه وضبظ نصّه، وخرّج أحاديثه وعلّق عليه مجموعة من الأساتذة، دار الرسالة العالمية،ط 1، 2009مـ-1430هـ، ج7 ص 13 رقم الحديث (4604).

26المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، محمد حسين علي الصغير،ص94.

27الإتقان في علوم القرآن ، أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي،ج6، ص2275.

28المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، محمد حسين علي الصغير، ص95.

29البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث،ج2، ص157.

30 المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، محمد حسين علي الصغير ص96، وينظر أقسام التفسير ومناهجه عند المسلمين،محمد حسين علي الصغير، مجلة التقريب تصدر عن المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، العدد 3 ،محرم 1424هـ-2003مـ.

31البرهان ، الزركشي، ج2، ص 160 وص164

32 دور الشعر العربي في تفسير القرآن الكريم ،هاني إسماعيل محمد، مجلة الوعي الإسلامي ،العدد557، نوفمبر 2011مـ.

33 الشاهد الشعري في تفسير القرآن أهميته ومناهج المفسرين في الاستشهاد به، عبد الرحمن بن معاضة الشهري، مكتبة دار المنهاج المملكة العربية السعودية الرياض، ط1، ذو القعدة 1431هـ، ص 209 .

34شرح ديوان الحماسة، أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي الشهير بالخطيب، عالم الكتب، بيروت، ج1، ص3.

35 سورة الجمعة، الآية1، وسورة التغابن، الآية 1.

36راجع تفسير الطبري ،ج1 ص 504.والمفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف  بالراغب الأصفهاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، لبنان ، ص221.

37تفسير غريب القرآن، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ،تحقيق السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت ،لبنان، 1978 مـ،ص8.

38الشاهد النحوي مصادره وأهميته في الدرس النحوي، عمار مصطفاوي، مجلة عود الند، العدد 101.

39سورة آل عمران، الآية 110.

40 قائله الفرزدق، وشطره الأوّل:    فكَيفَ إذا مَرَرْتُ بِدَار قَوْمٍ

 وهو في ديوانه، شرحه وضبطه وقدّم له علي فاعو، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط1، 1407ه-1987مــص597.

41إعراب القرآن ،أبو جعفر النحاس ،ص890.

42 البحر المحيط ،أبو حيان الأندلسي، دراسة وتحقيق وتعليق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان،ط1،1413هـ- 1993مـ، ج1، ص109.

43نفسه ، ج1، ص111.

44سورة البقرة، الآية 7.

45الغتمة العجمة،والأغتم الأعجم الذي لا يفصح شيئا.

46جاء في الصحاح:أفعمت الإناء ملأته،وفيه أيضا:ذيل ذائل،وهو الهوان والخزي.

47 ناقة ضبوث ،يشك في سمنها فتضبث ، أي تجس باليد.

48وجاء أيضا في تهميش الصفحة نفسها :فلا تسأليني واسألي عن خليقتي      إذا رد عافي القدر من يستعيرها

فكانـوا قـعـودا فوقها يرقبونها        وكانت فتاة الحي ممن يعــيرهـا

49 الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل،جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ،تحقيق عادل أحمد عبد الموجود ،وعلي محمد معوض، مكتبة العبيكان، ط1 ،1418هـ-1998مـ،ج1 ،ص167.

50 سورة النساء ، الآية82.

51 النشر في القراءات العشر،الحافظ أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري (تـ833هـ)،دار الكتب العلمية،بيروت،ج1،ص49.

52 مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت،ج1 ،ص142، و النشر في القراءات العشر،ج2، ص52.

53سورة مريم الآية ( 77-78).

54 البيت في اللسان(و ل د)، وفي المحتسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها، عثمان بن جني أبو الفتح، تحقيق علي النجدي ناصف، وعبد الحليم النجار، وعبد الفتاح شلبي، وزارة الأوقاف ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1415هـ-1994 مـ،ج1 ص365، من غير نسبة، وفيه (زيادا) بدل (فلانا) في الشطرين.

55 البيت في معاني القرآن للفراء، أبو زكريا يحي بن زياد الفراء، عالم الكتب، ط3، 1403هـ-1983مـ، ج2 ص173،واللسان(ولد).

56 البيت ليس في ديوانه، وذكره ابن كثير في تفسيره تفسير القرآن العظيم، أبو الفدا إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي،ج5 ، ص260.

57 مجمع الأمثال،أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم النيسابوري، الميداني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، 1374هـ- 1955مـ،ج2 ص363.

58تفسير الطبري، ج15 ،ص(619-620).

59 سورة الفاتحة، الآية 8.

60سورة السجدة، الآية 10 .

61سورة البقرة، الآية 282.

62سورة الضحى، الآية 7.

63قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، مطبعة مداد-غرداية- الجزائر،1431هـ-2010م ،ج1، ص(46-47).

64 سورة يس، الآية 20.

65سورة الأنفال ، الآية 42.

66 سورة مريم، الآية 22.

67قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج1، ص97.

68سورة يس، الآية 50.

69سورة النحل، الآية 1.

70قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج1، ص 144.

71سورة يس، الآية 65.

72 البيت لجرير وهو في ديوانه، دار بيروت للطباعة والنشر،1406هـ-1986مـ،ص416 برواية:

 أتمضون الرسوم ولا تُحَيَّا.

73قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج1، ص 161.

74سورة يس، الآية 82.

75 قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج1،ص194.

76سورة الحجرات ، الآية 2.

77 صحيح مسلم، مسلم بن حجاج، تحقيق نظر بن محمد الفاريابي أبو قتيبة، دار طيبة، ط1،سنة النشر 1427هـ-2006مـ، رقم الحديث (1052) ص465.

78قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج1، ص213.

79 سورة الحجرات ، الآية 12.

80 البيت في الشعر والشعراء، ابن قتيبة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف،ج2، ص739.

81قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة ، ج1،(276-277).

82سورة الحشر، الآية 2.

83سورة الإسراء، الآية7.

84قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة،ج1،(333-334).

85سورة العلق، الآية 6-7.

86سورة الشعراء، الآية61-62.

87 سورة العلق، الآية 9 -10.

88سورة المدثر، الآية31-32

98قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة،ج1،ص70.

90 سورة العلق، الآية 17-18.

91 سورة يوسف، الآية 82.

92قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج2،ص80.

93 سورة القدر، الآية3.

94سورة البقرة، الآية 96.

95 الترغيب والترهيب، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري،حكم على أحاديثه وآثاره وعلّق عليه محمد ناصر الدين الألباني،

مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض، ص522

96سورة التوبة، الآية 80.

97قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج2، ص(95-96).

98سورة التكاثر، الآية 1-2.

99لسان العرب (ك ث ر).

100قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة، ج2،ص(176-177).

101 سورة الفيل، الآية 3.

102قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة،ج2،ص(226-227).

103 سورة الكوثر، الآية1.

104 ديوان الكميت،جمع وشرح وتحقيق محمد نبيل الطريفي،دار صادر بيروت، ط1، 2000مـ،ص177.

105 قطوف دانية من سور قرآنية، الأخضر الدهمة،ج2، ص257.