المعارف الفلاحية المحلية في الجزائر:منطقيات و دينامياتpdf

على حرودي

                                                 جامعة محمد الأمين دباغين سطيف(الجزائر)

الملخص:

تحاول هذه الورقة إثارة إشكالية المعارف المحلية في الحقل الفلاحي باعتباره يحتوي على أهم تشكيلة من الممارسات التقليدية أو الذاتية من أي نشاط إنساني أخر والسعي لإيلاء الاهتمام لهذا الموضوع على المستويين النظري والمنهجي أوفيسياق الدراسات حول التنمية.

كما سعى المقال إلى الإشارة لبعض صور الإضرار التي تعرضت لها معارف المزارعين المتسمة بالفعالية والقدرة على التكيف مع شروط المحيط المحلي و الاحتياجات الاجتماعواقتصادية, وذلك بالارتكاز على حالة الفلاحة الجزائرية و ما واجهته من اكراهات و هزات عبر مراحل متعاقبة.

هذه الاكراهات التي لم تؤثر فقط على مدى استجابة القطاع الفلاحي المحلي للطلب المتزايد للسكان و لكن أيضا على قاعدته الحيوية من المعارف و الموارد الذاتية المتوارثة و المشكلة عبر الأجيال فيما يتعلق بمناهج التعاطي مع العمل الزراعي بأوجهه المختلفة.

كلمات مفتاحيه: فلاح-عمل-هوية-معارف-معارف محلية.

Résume :

Cet article tente de soulever la problématique des savoirs locaux dans le champ agricol étand celui qui contient le plus important réservoir de pratiques traditionnelles plus que tout autre activité humaine et essayer d’attirer l’attention des chercheurs à ce domnaine sur le plan théorique et méthodologique ainsi que dans le contexte des études sur le développement.

La participation s’attèle à mentionner certaines formes d’atteintes aux savoirs des agriculteurs qui se caractérisent par leurs efficacité et leurs grande capacité à s’adapter aux conditions de leurs environnement local et à leurs besoins socio-économiques en s’appuyant sur le cas de l’agriculture algérienne et les contraintes et bouleversements dont elle a fait face pendant des étapes successives.

Cet affrontement a non seulement influencé ses capacités à satisfaire les besoins grandissants de la population mais aussi sur son stock de savoirs et de ressources endogènes hérités sur le niveau des méthodes d’agir avec le travail agricol dans ses différents aspects.

Mots-clés: savoirs- paysan-travail-identité- savoirs locaux.

مقدمة

  • العمل الفلاحي وهويته
  • معارف فلاحية ام علمية
  • الفلاح الجزائري والمعارف الفلاحية: سياسات وهزات

تعرضت الفلاحة الجزائرية على مدى فترات متعاقبة إلى هزات عميقة لم تسمح بنشوء طبقة فلاحية مستقرة بالمفهوم المتعارف عليه على الرغم من الدور الذي اضطلعت به في أصعب الظروف التي مرت بها البلاد واحتلالها مكانة قوية في الخلفية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الجزائري.

هذه الهزات الناتجة عن الاتصال العنيف بالمستعمر أو بسياسات ما بعد الاستقلال وما تخلل هذه التدخلات من قرارات وإجراءات وإن لم تكن متعادلة في محتواها وأهدافها وتأثيراتها على الفلاح الجزائري وعالم الريف بالذات فإنها مست بعمق علاقة الإنسان بالأرض علاقة الفاعل بالوسائل وحدت من عملية كسب وانتقال المعارف والمهارات وكذا خروج فئات عديدة من دورة الإنتاج الفلاحي والرعوي بما يعني انقطاع في تحول المعرفة العملية المحلية خاصة من جيل الى جيل وتوقف في تواصل للمعارف المميزة لعالم الريف قد يصل الى حد التعطل في بعض الأحيان بما يهدد ديمومة الروح الفلاحية ومجتمع الريف.

فما هي أسباب تأخر معارف فلاحية محلية ي الجزائر؟ وماهي مظاهر تفكك إرث المعارف فيها؟ إلى أي مدى ساهمت التدخلات المتوالية على عالم الفلاحة والريف في الجزائر في إحداث نوع من التعطل في انتقال المعارف الفلاحية؟ وما علاقة تراث علاقة الفلاح الجزائري بالعمل الفلاحي بأشكال العصرنة والتحديث المنتهجة منذ دخول الاستيطان الزراعي الى البلاد؟

تلك هي الأسئلة التي تحاول هذه الورقة الإجابة عنها من خلال التعرض الى المعارف الفلاحية المحلية وإلى خصوصيات العمل في الفلاحة وهويته، الموضوع الذي لم يعرف حتى الأن الاهتمام اللازم والبحث المستفيض في مسعى عام يهدف الى توصيف شريحة مهمة ومركزية والوقوف على تجاربها وإبداعاتها ومواردها المجندة في مخزونها إنها تلك القوة الاجتماعية المشكلة من الفلاحين على مرور الزمن.

العمل الفلاحي وهويته: يجزم العديد من الباحثين اللامعين في المجال (1) بأن اول من اكتشف الفلاحين كان الباحث المعروف في الأنتوغرافيا روبيررادفيلد الذي أدهش زملائه في أمريكا عندما شرح لهم بأنه وجد في المكسيك فلاحين لم يكونوا ابدا يحملون سمات "البدائيين".

فقد كان لزاما التحقق بأن الفلاحين المكسيكيين ورثة الفلاحين ما قبل الكولومبيين المتحضرين بفعل ممارسات الفلاحين الإسبانيين لم يكونوا في أي حال من الأحوال مشابهين للهوبز أو الشايان.

وكان من بين الخصائص التي تميز الهوية الفلاحية،حسب دفيلد،الحجم الضيق للمجموعة المحلية، فيما كان يبحث عن ذلك عن السمات البنيوية لمجموعة ذات حجم ضيق في أغلبها مكتفية ذاتيا على مختلف المستويات ديمغرافيا، اقتصاديا وثقافيا مع اختلافاتها التراتبية الخاصة وتوحدها الثقافي ولكنها في نفس الوقت، منغمسة في مجتمع أوسع يفرض عليها قواعده وسلطته ويقتطع منها جزءا من ثرواتها.

وبين رادفيلد بأن المجتمعات ما قبل الصناعية لم تكن جميعها فلاحية، وقدم سمات لهويته الفلاحية، مناقضة عن سمات المجتمعات التي يسميها بالوحشية لأنها تكتفي ذاتيا كلية في حين أن الفلاحين هم مندمجون في مجتمع أوسع، مجتمع شامل، يخضعون له بصورة مختلفة دون فقدان استقلاليتهم، وبعبارة واحدة، مادام ليس هناك مدينة أو إقطاعية، فليس هناك فلاحين ولكن مجتمعات زراعية أو بدائية.

ويؤكد مندراس(2) ، بأن رادفيلداكتشف خاصية موضوعية جدا لأجل تحديد المجتمعات الفلاحية، دون حتى اللجوء الى عمل الأرض لأن المجتمعات الزراعية بنيت هي الأخرى على فلاحة الأرض ن وهذا الاكتشاف كان له أثر عميق باعتباره اظهر بطلان المتصلات التي تعرقل ومازالت علم الاجتماع والمسترجع من فريدمان (وسط طبيعي وسط تقني) وكذا من رادفيلد نفسه (فولكور، حضري) والتي كان يستعملها كل علماء الاجتماع في تلك الفترة بصورة مختلفة تحت مسمى" تقليدية" "عصرية" في انتظار بروز مفهوم ما بعد العصرنة.

ومع إن التركيز كان أكثر على إبراز مفهوم الفلاح وشريحة الفلاحين عبر الحقب فإن العمل افلاحي أو بالأحرى الفعل الإنتاجي في هذا النشاط لم يعرف تحديدا دقيقا ولم يشهد تركيزا واضحا لاستجلاء طبيعة هذا العمل، افعاله تقنياته هويته المهنية التي هي كلها موضوع تساؤل بحيث أننا لا نعرف الكثير عن العمل في الفلاحة نوعن واقع عمل الفلاحين من ناحية الإكراهات التي يتعرض إليها والديناميكيات التي تميزه. ومن هذا المنطلق يبدوا أن إقصاء العمل الفلاحي من النقاش والبحث هو أمر مجحف، في وقت يشهد فيه العالم اليوم تحديات كبيرة تخص البيئة والأمن الغذائي وهي تحديات على كل لا يمكن كسبها دون الفلاحين في المقام الأول وبالتالي من الضروري إيلاء الاهتمام

اللازم للعلاقة التي تقيمها هاته الشريحة مع عملها الخاص وممارسات العمل على اعتبار انه عمل يجند بشكل واسع البنية العائلية كما انه مندرج بقوة في شبكات اجتماعية مثل شبكات المساعدة والدعم،وهنا نسجل بان قليلة هي المهن التي تتميز بمثل هذا الاندماج بين الحياة في العمل وشروط الحياة فهو مربوط أكثر بمشروع حياة.

والواقع أنه حدث هناك انتقال في تحديد الهوية المهنية للفلاح وعمله بالنظر للتطورات والتحولات التي عرفها النشاط في حد ذاته وكذا المرجعيات التي يستند إليها فإذا كان علم الاجتماع نجح في وضع تعريف للفلاح او الفلاحين من حيث أنه يرى بأن الفلاح (3) هو دائما في وسط عائلة من المزارعين تزرع قطعة أرض وتمثل بذلك وحدة اجتماعية أساسية للمجتمع القروي والزراعة عملهم الرئيسي الذي يقومون به لسد احتياجاتهم المعيشية واعتبار الفلاحين أنهم فئة من الفلاحين البسطاء والمتوسطين الذين ينتجون في مصانع عائلية أي عن طريق استغلال القدرة على العمل لدى أفراد العائلة فإنه في نفس الصدد اعتبر بأن العمل يتم أساسا لتامين المعيشة فقط أي أنه لا يتم العمل في أي مجال غير الزراعة التي يتم فيها استخدام أدوات العمل التقليدية.

ومنه فإن المنتجين الزراعيين يمثلون شريحة اجتماعية يوجد جميع أعضائها في نظام الإنتاج الزراعي على مستوى واحد، ولهم نفس العلاقة بوسائل الإنتاج ويملكون نفس القيم والمصالح التي تختلف عنقيم ومصالح الفئات الاجتماعيةالأخرى.

وعلى العموم يمكن القول بأن الوضع الحالي للفلاحة يبرز أكثر من خلال ثنائية بين الفلاحين المعتمدين على المنافسة والاحترافية والآخذين في الصعود من جهة ،وبين اولئك الذين يعتمدون على المساعدة والدعم من جهة ثانية وبالتالي إذا أرادوا أن يحافظوا على مهمتهم عليهم القيام بأنشطة متعددة تعيد النظر في هذه المهنة وتعزز من هويتها وهوية المنتسبين إليها بغض النظر عن المنحى الذي تتخذه سواء من ذلك الذي يعتمد على المرجعية التقليدية أو العصرية المجددة او ذلك الذي ينحو الى النموذج القريب من المقاول الريفي أو الفلاحي .

معارف فلاحية أم معارف علمية: لم تترك أحاسيس النظرة الاعتلائية للاستعمار المحضر، من مكانة لدراسة مركزة ومفصلة لأنظمة زراعة الأرض المبتكرة والمؤسسة من قبل من كانوا يسمون بالسكان الأهالي، وغذا كان لهذا المستعمر من نزعة للمحافظة عليها فإن ذلك لم يكن ليعطي قيمة لهذه الأنظمة أو يربطها بمصلحة مستقبلية، واللهم ما كان الغرض منه ضمان الغذاء لقوة العمل.

ودأب المستعمر في تعامله مع الأنظمةالقائمة، علىإعادةالاعتبارالكولنيالية والعصرنة الفلاحية المستوحاة عن أنماط الزراعة الإنتاجية الممارسة في الميتروبول فقد اعتبر بأن المجتمعات المحتلة ،كما إن تنوع معارفها وممارساتها كان مقتصرا على انسجام القديم والبدائي.

ومع ذلك جاز التذكير بان الممارسات والمعارف المحلية عرفت اهتماما متناسبا بحيث أضحت مواضيع للبحث والدراسة على الرغم من انها لم تتغلغل بنفس الكيفية ليتم أخذها بعين الاعتبار في عمليات التنمية فزوال هذه المعارف يسير جنبا الى جنب مع افقار الوسط الذي تشتغل داخله خاصة إذا كان هذا الوسط يشهد استغلالا لا يعتمد بشكل كبير على التخصص، إن زوال هذه المعارف (4) وافقار الأوساط المرتبطة بها هما مؤشرات أو أعراض تعبر عن أزمة المجتمعات الفلاحية في سياق التنمية.

وتتبع مبررات المقدمة في العديد من الأحيان لأجل التعبير على مزايا معارف المجتمعات الفلاحية من كونها هي نتاج تجربة طويلة للوسط وأنها تمثل تكيفا ملائما الى درجة عالية مع محيطها ،الا أننا عندما نتحدث عن تكيف المجتمعات مع محيطها فإننا نتناسى في الأوقات معينة خاصة في الماضي الاسطوري ،العصر الذهبي للمعارف المتوارثة وللمجتمعات التقليدية وما هو الثمن الاجتماعي والإنساني لذلك التكيف فالحل للأزمات العيش في الساحل لا يمكن فقط في الاستعمال الدقيق للنبات المتواجد بحيث أن موجات المجاعة تنتهي بخسائر ديمغرافية معتبرة بتخفيض ملحوظ في مظاهر الاستعباد لدى الجزء الأكبر من السكان المعوزين.

ملاحظة أخرى يجدر الإشارة هنا كذلك ، هو ان ليس هناك مجتمعات تقليدية وهذا يعني أن لا توجد مجتمعات جامدة واخرى منكفئة على ذاتها كما تعيد الإنتاج بنفس الطريقة وليس مناك أيضا كما يحيل إليه المصطلح "التقليدية" من مجتمعات منسجمة موحدة تتماهى في معيار واحد فالمجتمعات الفلاحية تتغير وتتحول وتبدع فهي بجلب من جيراها التقنيات ولكن ايضا العادات والمؤسسات السياسية وذلك ليس بالريتم البطيء بالضرورة مثلما يراد الحديث عنه وإذا حصل أن وصفت هذه المجتمعات بأنها غير متحركة فذلك راجع للنظرة التي تسلط عليها والتي تقصي قبليا ،أي تساؤل عن تاريخها ، كما يرجع ذلك أيضا الى سرعة الدراسات التي جعلت من الاستحالة حصر التغيرات الواقعة داخلها.

فالمجتمعات التقليدية لا توجد في الحقيقة فمفهوم المجتمع التقليدي يجد كما يقول بلانديه(5) نمط مضاد معادي للمجتمع الصناعي أكثر من أن يكون نمطا سوسيولوجيا إضافة الى هذا فإن اللجوء الى مفهوم " التقليدية" يعبر أكثر على وجود مكان تواجد المجتمعات المحلية منه عن الخصائص التي تحكم طبيعتها الصلبة.

إن ما تختزله النقاشات في كثير من الأحيان في مقارنة بين معارف علمية ومعارف فلاحية هو في الواقع مواجهة بين الانظمة الاجتماعية، فالمعارف سواء كانت علمية أو فلاحية هي نتاج التاريخ وضمن هذا السجل الاجتماعي يجب اخذها بعين الاعتبار فالمعارف المحلية ليس لها وجود خارج العلاقات الاجتماعية التي أخذت فيها وخارج التراتبية الاجتماعية التي مورست خلالها ومنه فإن المعارف الفلاحية خاضعة للحكم بنفس مقاربة معارف أي مجموعة اجتماعية، فكيف تقدم مجموعة هذه المواجهة إذن! هل هي مواجهة بسيطة بين العلم الغربي والمعارف المحلية؟ فإذا ما تم استعمال أطروحة ها برماس القائلة بأن العقلانية العلمية وبواسطة التقنية تبدو في العالم التكنوقراطي كحقيقة وعليها بالتالي أن تحكم كل الممارسات ، فالعلم والتقنية هما اللذان يؤديان اليوم وظيفة إكساب الهيمنة شرعياتها فهذه المواجهة قد لا تكون بالبساطة التي يمكن تصورها ،فلها ديناميكيتها في تاريخ يؤدي الى تحول في الفاعلين والى تعقد للوضعيات الأولية كما انه يمكن الإشارة بأن المعارف ليست معزولة فليس هناك نظام زراعي واحد في العالم لم يعرف تحولات جذرية بفعل إدماجه في الاقتصاد العالمي فالمعارف غير موجودة هكذا فالمعارف هي دائمة في حالة مواجهة سواء كانت معارف حاملي التنمية او معارف المجتمعات المحلية.

فالمعارف الفلاحية المستخرجة أساسا من الثقافة الكبرى هي إذن ليست متكيفة مع التنوع الكبير للإنتاج فوضعيات الإنتاج الفلاحي هي قبل كل شيء هي أقسام من الوضعيات الخاصة تتميز بالعلاقة مع ما هو حي أين نجد كل التقنيات ليست ممكنة بداهة وفي مقابل ذلك فإن معرفة العمل هذه ليست هنا على المستوى التقني فقط ولكن أيضا على مستوى العلاقاتالاجتماعية .

الفلاح الجزائري والمعارف الفلاحية: سياسات وهزات : يقول بياربورديو(6) في أطروحته حول فلاحون بدون ارض أن بين جميع الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية المتخذة في إطار فرض السلم من طرف الاستعمار الفرنسي، كان إجراء تجميع سكان الريف ودون شك هو الإجراء الذي أندرج بوضوح في مسار القوانين العقارية الكبرى للقرن التاسع عشر انطلاقا من قرار العزل(1856 -1857) مرورا بالسيناتوس كومسولت(1863) وصولا الى قانون وارنيه.

ومهما يكن من أمر وسواء عدت آلة للحرب بمقدورها فك عرى تنظيم القبيلة كأهم حاجز العملية فرض السلم أو أنها ادعت تبنيها الإيديولوجية اندماجية سخية في نواياها فإن السياسة الزراعية التي عملت على تحويل الملكية غير قابلة التجزئة إلى ممتلكات فردية، ساهمت بقوة في تفكيك الوحدات الاجتماعية التقليدية بتكسيرها لتوازن اقتصادي تشكل فيه الملكية القبلية والعصبية الواقي الأمثل ،كما أنها سهلت في نفس الوقت تمركز أخصب الأراضي بين أيدي المعمرين الأوربيين من خلال لعبة الشرعية والبيع التعسفي .فتحت تأثير عوامل عديدة مجتمعة تمثله خاصة (7) في نزع الملكية الضغط الديمغرافي والمرور من اقتصاد المقايضة إلى اقتصاد السوق وجدت الفلاحة الجزائرية نفسها في الواقع في اتجاه جارف كارثي.

يعرف الفلاح الجزائري منذ تصادمه مع المستعمر الفرق العميق بين العامل الفلاحي والفلاح هذا الأخير الذي يحافظ على كرامته والمرتبطبأرضهواجداده، وهو ليس بذلك العبد إنه سيد ارضه في حين أن العامل الفلاحي لا اعتبار له فهو مرتبط كلية بإرادة الاخر فهو يعيش حالة من الاغتراب.

ويصف بدقة لوناي (8) الفلاح الجزائري خلال الحقبة الاستعماريةويشر بأنه يكون عائلة موسعة فنجد معه ابنائه المتزوجين بناته واصهاره وهو رب هذه الأسرة وتتركز زراعة على القمح الصلب والقمح اللين والشعير أما العتاد فيتشكل من عربة خشبية من حيوانات أو حيوانيين للجر ولضمان استغلال أرضه في بعض الأحيان يستعين بجيرانه الفقراء مثله ويطلب منهم إعارة أحد الحيوانات وكان بعض الفلاحين في السنوات 1930 -1900 يستخدمون الأبقار والثيران للاستغلال ويستعملون أيضا المعول إزاء الأراضي غير الصالحة بعد سنوات أصبحوا يستعملون الأحمرة كحيوانات جر وكانوا مجبرين في وقتها على استصلاح أراضيهم بالمعاول وإزالة الأشجار .

وقد طردوا من أراضيهم بعدما كانوا سادتها وملاكها ليتحول إلى متنقل بلا عنوان في الطبيعة في بحث عن حياة جديدة ومكسب جديد وبمجرد تحديد الاختيار لمكان معين ،الفلاح او القبيلة بالأحرى تقيم هناك وتتجه إلى تقسيم الأرض الى قطع لكل رب عائلة في حين يساهم كل واحد في عمل قطعته ليمهدها ويزيح الأحجار عنها ويفصلها بمعالم معينة عن بقية القطع الأخرى كما يملك الفلاح ايضا قطيعا من الغنم والماعز والبقر او بقرتين إضافة الى حيوان يستعمله للجر أو في بعض الأحيان الحمار اما طعامه فكان يتكون من الحليب القمح الصلب واللين والشعير يستعمل للتغذية في حين أن "القرط" فيخص الحيوانات ويحوز أيضا على زريبة للدواجن تستعمل لتغذية العائلة وهي أكثر من ذلك موجهة للضيوف مع اعتبار ان اللحم لم تكن متوفرة في تلك الأثناء أما الغذاء اليومي فكان تقريبا عبارة عن طبق كسكسي أما مقر السكن فكان عبارة عن خيام صوفية بحيث كانت كل خيمة هي مأوى لعائلة بما فيها الابناء المتزوجين في حين كانت مفصولة داخليا بين الأب والابناء المتزوجين كان لباس الرجل مشكلا من قميص وعليه جلابة الصوف الرقيق ويغطي الرأس بكبوس من الصوف أيضا وينتعل نوع من خف او كان حافيا.

ومن جهته يقول ايف قيلارمو(9) أنه ومنذ سنوات قديمة اعتمدت معيشة سكان الريف على الصراع الدائم ضد مجموعة من العناصر و القوى المعادية من اكراهات الطبيعية إلى تقلبات السوق وصولا إلى ضغوط الجماعات الاجتماعية المهيمنة ,وقد اتخذ هذا الصراع خلال التاريخ و حتى يومنا هذا أشكالا مختلفة كانت عنيفة في بعض الأحيان خاصة , عندما يكون موضوع رهانها الاستحواذ على الأرض أو موارد طبيعية أخرى ومراقبتها و لكنها قد تصطبغ أيضا بإشكال غير عنيفة أو اقل بروزا تعبر عن نفسها عبر جهد مستمر من التكيف و الإبداع يكون في العموم ،أعلى من ذلك المتوفر لدى غالبية الجماعات الاجتماعية.

إن هذه القدرة المتميزة على التكيف وإعادة التشكل هي التي سمحت على الأقل لشراء عديدة من فلاحي 'العالم الثالث' المنتمين للضفة الجنوبية من البحر المتوسط و التابعين في أراضي بعيدة جدا,من مقاولة الاعتداءات متعددة الأشكال للنظام الاستعماري ثم بعد ذلك الرأسمالي المعولم .

يمثل سكان ريف المغرب العربي بعض السمات الثقافية المتميزة تفسر ذلك الانسجام الذي برهنوا عليه عبر التاريخ كثيرا ما كان متوفرا, وكذا قدرتهم على تقديم أجوبة على الضغوطات و الرهانات المطروحة في عالم اليوم, و مع ذلك , فإنهم يصطدمون أيضا باكرا هات متنامية قد تعيد النظر في المكاسب و تبعد على القلق المشروع من مستقبلهم.

بالنسبة الأغلبية السكان, فإن زراعة الحبوب المرتبطة على العموم بتربية الماشية, تشكل المورد الأساسي،بحيث أن التقنيات القاعدية التي بدا و كأنها تطورت منذ القدم, هي في الواقع تلك المنتمية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط أي الاعتماد على العمل بالمحراث البسيط و الحصاد بالمنجل, وعلى الرغم من إن فظهرها يبدو بدائيا, فغن يحمل مع ذلك تنوعا كبيرا إذا و مع المناوبة الزراعية لسنتين فإن دورة النتاج ألفلاحي في تتميز بصرامة متغيرة جدا، حيث أن ممارسة عمليات الزرع العميق هي محدودة بمدى توفر قوة الجر, كما أن اللجوء إلى السماد يتم في حالات نادرة جدا وحتى و إن تم التأكيد على إنتاجها الضعيف و تكيفها مع الشروط الايكولوجية المحلية فإنه لا يمكن الحديث عن التقنيات خارج سياقها الاجتماعي   و هنا نجد أن انسجام المجموعة و تنوع أشكال التضامن تعوض بصورة كبيرة الهشاشة المادية للتقنيات و تسمح للفلاحين بمواجهة تقلبات طبيعية قاسية نوعا ما.

وتشكل صورة الاستحواذ على الموارد الطبيعية و تسييرها عنصرا مفتاحيا في تنظيم كل مجتمع ريفي. وعلى كل فأي دراسة للأنظمة العقارية لا يجب أن تتعلق في نوع من الشكلانية القانونية المؤدية خاصة على إضفاء طابع مطلق على قواعد المذهب المالكي دون الأخذ بعين الاعتبار التكيف البارع لهذه القواعد مع قانون العرف المحلي.

نجد أن كل المختصين يتفقون على الأساس الأول لحق الملكية في منطقة شمال إفريقيا      والمتمثل في الإحياء أين نلاحظ وجود تقسيم رئيسي يواجه ما يسمى بالأراضي الميتة, بالأراضي المنتجة أو الحية فالأراضي الميتة لا توفر على قاعدة قانونية و هي موضوعية تحت تصرف الجميع مادام أنها لم تكن موضوعا الامتيازات زمن قبل السيد أو لم توضع قيد محل

أشار بيسعود (10) الى أن الأسئلة المطروحة امام المسالة الزراعية في الجزائر والتي امتد طرحها على فترة تاريخية طويلة يترجم وجود عوائق ثقيلة واجهتها الفلاحة الجزائرية وهي عوائق مرتبطة بشدة وتتعلق بالشروط الطبيعية ، الإجتماعية ،التاريخية والتقنية ثم السياسية.

العائق الطبيعي: ويتعلق بالخصوصيات المناخية والجغرافية التي تحد من الأقاليم والإنتاج الفلاحي.

العائق الاجتماعي: مرتبط بشروط ظهور فلاحة كانت أرضيتها تعرضت لهزات مع امتداد التاريخ غزو، عدم استقرار سياسي وكذا احتلال زراعي شكلت كلها عائقا أمام تكوين وإرساء فلاحة مرتبطة بالأرض فلاحة تحوز على عقود دائمة للملكية ومتحكمة في المعارف والمهارات الفلاحية المنقولة من جيل الى جيل

العائق التقني: فهو راجع الى غياب النماذج التقنية بالنسبة للزراعات ولتربية المواشي المتكيفة مع إكراهات الأرض والمناخ.

كما يذهب الباحث مارك كوت إلى نفس التحليل تقريبا في تشريحه لخصوصيات المجتمع الفلاحي في المغرب العربي عموما والجزائر خصوصا، ويتحدث بدوره عن عوائق نشوء هوية فلاحية واضحة ثابتة ويحصرها فيما يسميه بالعائق التاريخي المزدوج(11) ، فمجال بلدان المغرب والجزائر على وجه الخصوص رغم محدودية لا تستقربه مجتمعات متجانسة مثلما هو الحال بمصر وبالأقاليم الصالحة للزراعة الأرز في آسيا بل تتواجد به مجتمعات متباينة.

في بلدان المغرب العربي لا توجد المغلالية الزراعية الاف بمناطق محدودة.

أما العائق التاريخي: الثاني فيتمثل في الظاهرة الاستعمارية فقد أدخل الاستيطان الزراعي به عددا من التجهيزات الحديثة (سدود، مكننة) إلا انه ساهم في تكريس ثنائية نحشد لفلاحي في المناطق الجبلية ومنعهم من الاستفادة من الأراضي السهلية وحال دون تحديد وسائلهم الإنتاجية وأساليب عملهم ومن ناحية أخرى
أحدث اضطرابا في المجتمعات الرعوية الزراعية حين أقبل على انتزاع قسم هام من أراضيها وعمل على تفكيك قوانينها العقارية وتجريدها من صبغة فلاحية كانت تطبعها سابقا بشكل ضعيف على إثر ذلك انتهت المجتمعات الأولى الى التحجر بينما أصبحت الثانية هشة إنها ظروف سيئة للغاية لمواجهة صدمة الحداثة. وفي تحليل السياسات الاستقلالية أشار كوت إن الاستمرار في تطبيق الإصلاحات، لم يفسح المجال لا لتحول ريفيين الى شرائح فلاحية ولا بظهور طبقة مقاولين زراعيين من الطراز الرأسمالي ومن جهتها قول فاني كولونا
(12) أن الجزائر تمثل النموذج.

الجزائر هي المثال الصارخ لمقولة إيريك وولف،انها الدولة ليست المدينة من يصنع الفلاح هنا نجد مجتمعنا بلا مدن ودولة قوية هما يعملان على تشكيل داخل المجال الفلاحي المستقل ،مجموعات ريفية متنوعة جدا كما تختلف في تأثير التاريخ عليها تبين بأن هذا مسار الاستقلال هذا يمر عبر تحضر مقصود للمجال وقيم عالم الريف ،مسار وعكس الرأي السائد ليس موروثا عن الماضي الاستعماري بل أنه نتاج المشروع القصدي وبعبارة أخرى أن الاجتثاث ليس إرثا ولكن سياسة ورغم ذلك فإنه وإن كان ليس هناك ودون شك لا مجتمع ولا دولة يمكنها أن تدعي بأن قيمها العليا تستمد مصدرها من الريف وليس من المدينة فإنه وجب التأكيد ان حالة الجزائر وهي حالة استثنائية بالنظر إلى غياب حضارة مدنية في الماضي والمشاركة القوية للفلاحين في حرب الاستقلال يمكن أن تدفع الى الاعتقاد بسيطرة القيم الفلاحية على المجتمع الحالي.

خاتمة:

يبدو الاعتراف بالمعارف المحلية أمر جديرا بالاهتمام في الوسطين, العلمي و التنموي كما تبرز الحاجة أيضا إلى إنصاف هذه الموارد التي تعيل شرائح واسعة من الأسر الزراعية في مناطق شاسعة من العالم خاصة منهم المزارعين الصغار.

و مع ذلك فإنه يجب التأكيد و إن كانت لهذه المعارف أهمية ومزايا لا غبار عليها, على ضرورة لفت الانتباه إلى بعض من نقاط الالتباس التي يمكن أن تشوبها و منها أن المعرفة التقنية المحلية و قدرات الإبداع هما عاملان غير موزعين بصفة عادلة داخل المجموعة الواحدة أو بين أعضائها و إضافة إلى ذلك فإن المجموعات الاجتماعية و التراتب الاقتصادي يؤثران في نمط و مدى المعرفة التقنية المحلية في المجتمعات الريفية, في حين أن نقل و استعمال المعلومات قد لا يكون بالأمر الهين لما يعتريه من محدودية خاصة عندما تتقدم المعلومة في شكل شفوي و يكون مصدر حفظها هي ذاكرة الفلاحين فقط .

ومن هنا تبرز أهمية تعزيز التعاون بين الباحثين والأجهزة المختلفة من جهة والفلاحين أنفسهم من جهة ثانية لاستكشاف مواضيع البحث المناسبة والمنغرسة ضمن الحاجات والتطلعات الحقيقية وفي نفس الوقت وضع أدوات نظرية ومنهجية مبتكرة لفهم تحليل المعارف المحلية بما من شأنه أن يمهد لتأسيس صيغة متوازنة بين البحث العلمي المستهدف وابتكارات السكان المزارعين وقدراتهم المبدعة.

المراجع :

  1. Henli: l’invention de paysannerie : un moment de l’ histoire de la sociologie française d’après guerre . revue française de sociologie juillet sept 2000 , p 539
  2. Henli: op.cit. p-540
  3. أحمد مجدي حجازي: الفلاح المصري بين التمرد والاستكانة–تحليل سوسيولوجي لحركة الفلاحين في مصر –الدار المصرية السعودية للطباعة النشر والتوزيع القاهرة2005، ص 52
  4. Herman Tillman: savoirs paysans et developpement . karthala éditions paris 1993 p24
  5. Herman Tillman: op.cit p21
  6. PIERRE: AbdelMalek sayad : le déracinement la crise de l’agriculture traditionnelle en Algérie .Editions minuit paris1964.p16.
  7. PIERRE: op.cit. p17.
  8. Michel: les paysans algériens 1960-2006 Karthala paris2007 p214.
  9. Yves: logiques paysannes et mutations socio economiques : reflexions a partir du cas des hautes plaines cerealieres en algerie . tunisian mediterranean review of social and economic studies . number 1 May 2012 tunisia p 50.
  10. Omer: l’agriculture et la paysannerie en Algérie : les grands handicaps in l’Algérie 50 ans après : état des savoirs en sciences sociales et humaines 1954-2004 édition C RASC Algérie p359.
  11. مارك كوت: هل يوجد فلاحون في الجزائر –تعريب محمد غانم –انسانيات المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية –عدد جانفي أبريل 1999.ص7.
  12. fanny: Laville au village : transferts de savoirs et de modeles entre villes et compagnes. en Algérie in méthodes d’approche du monde rural opu alger 1984 .p259.