المعارف الفلاحية المحلية في الجزائر:منطقيات و دينامياتpdf

على حرودي

                                                 جامعة محمد الأمين دباغين سطيف(الجزائر)

الملخص:

تحاول هذه الورقة إثارة إشكالية المعارف المحلية في الحقل الفلاحي باعتباره يحتوي على أهم تشكيلة من الممارسات التقليدية أو الذاتية من أي نشاط إنساني أخر والسعي لإيلاء الاهتمام لهذا الموضوع على المستويين النظري والمنهجي أوفيسياق الدراسات حول التنمية.

كما سعى المقال إلى الإشارة لبعض صور الإضرار التي تعرضت لها معارف المزارعين المتسمة بالفعالية والقدرة على التكيف مع شروط المحيط المحلي و الاحتياجات الاجتماعواقتصادية, وذلك بالارتكاز على حالة الفلاحة الجزائرية و ما واجهته من اكراهات و هزات عبر مراحل متعاقبة.

هذه الاكراهات التي لم تؤثر فقط على مدى استجابة القطاع الفلاحي المحلي للطلب المتزايد للسكان و لكن أيضا على قاعدته الحيوية من المعارف و الموارد الذاتية المتوارثة و المشكلة عبر الأجيال فيما يتعلق بمناهج التعاطي مع العمل الزراعي بأوجهه المختلفة.

كلمات مفتاحيه: فلاح-عمل-هوية-معارف-معارف محلية.

Résume :

Cet article tente de soulever la problématique des savoirs locaux dans le champ agricol étand celui qui contient le plus important réservoir de pratiques traditionnelles plus que tout autre activité humaine et essayer d’attirer l’attention des chercheurs à ce domnaine sur le plan théorique et méthodologique ainsi que dans le contexte des études sur le développement.

La participation s’attèle à mentionner certaines formes d’atteintes aux savoirs des agriculteurs qui se caractérisent par leurs efficacité et leurs grande capacité à s’adapter aux conditions de leurs environnement local et à leurs besoins socio-économiques en s’appuyant sur le cas de l’agriculture algérienne et les contraintes et bouleversements dont elle a fait face pendant des étapes successives.

Cet affrontement a non seulement influencé ses capacités à satisfaire les besoins grandissants de la population mais aussi sur son stock de savoirs et de ressources endogènes hérités sur le niveau des méthodes d’agir avec le travail agricol dans ses différents aspects.

Mots-clés: savoirs- paysan-travail-identité- savoirs locaux.

مقدمة

  • العمل الفلاحي وهويته
  • معارف فلاحية ام علمية
  • الفلاح الجزائري والمعارف الفلاحية: سياسات وهزات

تعرضت الفلاحة الجزائرية على مدى فترات متعاقبة إلى هزات عميقة لم تسمح بنشوء طبقة فلاحية مستقرة بالمفهوم المتعارف عليه على الرغم من الدور الذي اضطلعت به في أصعب الظروف التي مرت بها البلاد واحتلالها مكانة قوية في الخلفية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الجزائري.

هذه الهزات الناتجة عن الاتصال العنيف بالمستعمر أو بسياسات ما بعد الاستقلال وما تخلل هذه التدخلات من قرارات وإجراءات وإن لم تكن متعادلة في محتواها وأهدافها وتأثيراتها على الفلاح الجزائري وعالم الريف بالذات فإنها مست بعمق علاقة الإنسان بالأرض علاقة الفاعل بالوسائل وحدت من عملية كسب وانتقال المعارف والمهارات وكذا خروج فئات عديدة من دورة الإنتاج الفلاحي والرعوي بما يعني انقطاع في تحول المعرفة العملية المحلية خاصة من جيل الى جيل وتوقف في تواصل للمعارف المميزة لعالم الريف قد يصل الى حد التعطل في بعض الأحيان بما يهدد ديمومة الروح الفلاحية ومجتمع الريف.

فما هي أسباب تأخر معارف فلاحية محلية ي الجزائر؟ وماهي مظاهر تفكك إرث المعارف فيها؟ إلى أي مدى ساهمت التدخلات المتوالية على عالم الفلاحة والريف في الجزائر في إحداث نوع من التعطل في انتقال المعارف الفلاحية؟ وما علاقة تراث علاقة الفلاح الجزائري بالعمل الفلاحي بأشكال العصرنة والتحديث المنتهجة منذ دخول الاستيطان الزراعي الى البلاد؟

تلك هي الأسئلة التي تحاول هذه الورقة الإجابة عنها من خلال التعرض الى المعارف الفلاحية المحلية وإلى خصوصيات العمل في الفلاحة وهويته، الموضوع الذي لم يعرف حتى الأن الاهتمام اللازم والبحث المستفيض في مسعى عام يهدف الى توصيف شريحة مهمة ومركزية والوقوف على تجاربها وإبداعاتها ومواردها المجندة في مخزونها إنها تلك القوة الاجتماعية المشكلة من الفلاحين على مرور الزمن.

العمل الفلاحي وهويته: يجزم العديد من الباحثين اللامعين في المجال (1) بأن اول من اكتشف الفلاحين كان الباحث المعروف في الأنتوغرافيا روبيررادفيلد الذي أدهش زملائه في أمريكا عندما شرح لهم بأنه وجد في المكسيك فلاحين لم يكونوا ابدا يحملون سمات "البدائيين".

فقد كان لزاما التحقق بأن الفلاحين المكسيكيين ورثة الفلاحين ما قبل الكولومبيين المتحضرين بفعل ممارسات الفلاحين الإسبانيين لم يكونوا في أي حال من الأحوال مشابهين للهوبز أو الشايان.

وكان من بين الخصائص التي تميز الهوية الفلاحية،حسب دفيلد،الحجم الضيق للمجموعة المحلية، فيما كان يبحث عن ذلك عن السمات البنيوية لمجموعة ذات حجم ضيق في أغلبها مكتفية ذاتيا على مختلف المستويات ديمغرافيا، اقتصاديا وثقافيا مع اختلافاتها التراتبية الخاصة وتوحدها الثقافي ولكنها في نفس الوقت، منغمسة في مجتمع أوسع يفرض عليها قواعده وسلطته ويقتطع منها جزءا من ثرواتها.

وبين رادفيلد بأن المجتمعات ما قبل الصناعية لم تكن جميعها فلاحية، وقدم سمات لهويته الفلاحية، مناقضة عن سمات المجتمعات التي يسميها بالوحشية لأنها تكتفي ذاتيا كلية في حين أن الفلاحين هم مندمجون في مجتمع أوسع، مجتمع شامل، يخضعون له بصورة مختلفة دون فقدان استقلاليتهم، وبعبارة واحدة، مادام ليس هناك مدينة أو إقطاعية، فليس هناك فلاحين ولكن مجتمعات زراعية أو بدائية.

ويؤكد مندراس(2) ، بأن رادفيلداكتشف خاصية موضوعية جدا لأجل تحديد المجتمعات الفلاحية، دون حتى اللجوء الى عمل الأرض لأن المجتمعات الزراعية بنيت هي الأخرى على فلاحة الأرض ن وهذا الاكتشاف كان له أثر عميق باعتباره اظهر بطلان المتصلات التي تعرقل ومازالت علم الاجتماع والمسترجع من فريدمان (وسط طبيعي وسط تقني) وكذا من رادفيلد نفسه (فولكور، حضري) والتي كان يستعملها كل علماء الاجتماع في تلك الفترة بصورة مختلفة تحت مسمى" تقليدية" "عصرية" في انتظار بروز مفهوم ما بعد العصرنة.

ومع إن التركيز كان أكثر على إبراز مفهوم الفلاح وشريحة الفلاحين عبر الحقب فإن العمل افلاحي أو بالأحرى الفعل الإنتاجي في هذا النشاط لم يعرف تحديدا دقيقا ولم يشهد تركيزا واضحا لاستجلاء طبيعة هذا العمل، افعاله تقنياته هويته المهنية التي هي كلها موضوع تساؤل بحيث أننا لا نعرف الكثير عن العمل في الفلاحة نوعن واقع عمل الفلاحين من ناحية الإكراهات التي يتعرض إليها والديناميكيات التي تميزه. ومن هذا المنطلق يبدوا أن إقصاء العمل الفلاحي من النقاش والبحث هو أمر مجحف، في وقت يشهد فيه العالم اليوم تحديات كبيرة تخص البيئة والأمن الغذائي وهي تحديات على كل لا يمكن كسبها دون الفلاحين في المقام الأول وبالتالي من الضروري إيلاء الاهتمام

اللازم للعلاقة التي تقيمها هاته الشريحة مع عملها الخاص وممارسات العمل على اعتبار انه عمل يجند بشكل واسع البنية العائلية كما انه مندرج بقوة في شبكات اجتماعية مثل شبكات المساعدة والدعم،وهنا نسجل بان قليلة هي المهن التي تتميز بمثل هذا الاندماج بين الحياة في العمل وشروط الحياة فهو مربوط أكثر بمشروع حياة.

والواقع أنه حدث هناك انتقال في تحديد الهوية المهنية للفلاح وعمله بالنظر للتطورات والتحولات التي عرفها النشاط في حد ذاته وكذا المرجعيات التي يستند إليها فإذا كان علم الاجتماع نجح في وضع تعريف للفلاح او الفلاحين من حيث أنه يرى بأن الفلاح (3) هو دائما في وسط عائلة من المزارعين تزرع قطعة أرض وتمثل بذلك وحدة اجتماعية أساسية للمجتمع القروي والزراعة عملهم الرئيسي الذي يقومون به لسد احتياجاتهم المعيشية واعتبار الفلاحين أنهم فئة من الفلاحين البسطاء والمتوسطين الذين ينتجون في مصانع عائلية أي عن طريق استغلال القدرة على العمل لدى أفراد العائلة فإنه في نفس الصدد اعتبر بأن العمل يتم أساسا لتامين المعيشة فقط أي أنه لا يتم العمل في أي مجال غير الزراعة التي يتم فيها استخدام أدوات العمل التقليدية.

ومنه فإن المنتجين الزراعيين يمثلون شريحة اجتماعية يوجد جميع أعضائها في نظام الإنتاج الزراعي على مستوى واحد، ولهم نفس العلاقة بوسائل الإنتاج ويملكون نفس القيم والمصالح التي تختلف عنقيم ومصالح الفئات الاجتماعيةالأخرى.

وعلى العموم يمكن القول بأن الوضع الحالي للفلاحة يبرز أكثر من خلال ثنائية بين الفلاحين المعتمدين على المنافسة والاحترافية والآخذين في الصعود من جهة ،وبين اولئك الذين يعتمدون على المساعدة والدعم من جهة ثانية وبالتالي إذا أرادوا أن يحافظوا على مهمتهم عليهم القيام بأنشطة متعددة تعيد النظر في هذه المهنة وتعزز من هويتها وهوية المنتسبين إليها بغض النظر عن المنحى الذي تتخذه سواء من ذلك الذي يعتمد على المرجعية التقليدية أو العصرية المجددة او ذلك الذي ينحو الى النموذج القريب من المقاول الريفي أو الفلاحي .

معارف فلاحية أم معارف علمية: لم تترك أحاسيس النظرة الاعتلائية للاستعمار المحضر، من مكانة لدراسة مركزة ومفصلة لأنظمة زراعة الأرض المبتكرة والمؤسسة من قبل من كانوا يسمون بالسكان الأهالي، وغذا كان لهذا المستعمر من نزعة للمحافظة عليها فإن ذلك لم يكن ليعطي قيمة لهذه الأنظمة أو يربطها بمصلحة مستقبلية، واللهم ما كان الغرض منه ضمان الغذاء لقوة العمل.

ودأب المستعمر في تعامله مع الأنظمةالقائمة، علىإعادةالاعتبارالكولنيالية والعصرنة الفلاحية المستوحاة عن أنماط الزراعة الإنتاجية الممارسة في الميتروبول فقد اعتبر بأن المجتمعات المحتلة ،كما إن تنوع معارفها وممارساتها كان مقتصرا على انسجام القديم والبدائي.

ومع ذلك جاز التذكير بان الممارسات والمعارف المحلية عرفت اهتماما متناسبا بحيث أضحت مواضيع للبحث والدراسة على الرغم من انها لم تتغلغل بنفس الكيفية ليتم أخذها بعين الاعتبار في عمليات التنمية فزوال هذه المعارف يسير جنبا الى جنب مع افقار الوسط الذي تشتغل داخله خاصة إذا كان هذا الوسط يشهد استغلالا لا يعتمد بشكل كبير على التخصص، إن زوال هذه المعارف (4) وافقار الأوساط المرتبطة بها هما مؤشرات أو أعراض تعبر عن أزمة المجتمعات الفلاحية في سياق التنمية.

وتتبع مبررات المقدمة في العديد من الأحيان لأجل التعبير على مزايا معارف المجتمعات الفلاحية من كونها هي نتاج تجربة طويلة للوسط وأنها تمثل تكيفا ملائما الى درجة عالية مع محيطها ،الا أننا عندما نتحدث عن تكيف المجتمعات مع محيطها فإننا نتناسى في الأوقات معينة خاصة في الماضي الاسطوري ،العصر الذهبي للمعارف المتوارثة وللمجتمعات التقليدية وما هو الثمن الاجتماعي والإنساني لذلك التكيف فالحل للأزمات العيش في الساحل لا يمكن فقط في الاستعمال الدقيق للنبات المتواجد بحيث أن موجات المجاعة تنتهي بخسائر ديمغرافية معتبرة بتخفيض ملحوظ في مظاهر الاستعباد لدى الجزء الأكبر من السكان المعوزين.

ملاحظة أخرى يجدر الإشارة هنا كذلك ، هو ان ليس هناك مجتمعات تقليدية وهذا يعني أن لا توجد مجتمعات جامدة واخرى منكفئة على ذاتها كما تعيد الإنتاج بنفس الطريقة وليس مناك أيضا كما يحيل إليه المصطلح "التقليدية" من مجتمعات منسجمة موحدة تتماهى في معيار واحد فالمجتمعات الفلاحية تتغير وتتحول وتبدع فهي بجلب من جيراها التقنيات ولكن ايضا العادات والمؤسسات السياسية وذلك ليس بالريتم البطيء بالضرورة مثلما يراد الحديث عنه وإذا حصل أن وصفت هذه المجتمعات بأنها غير متحركة فذلك راجع للنظرة التي تسلط عليها والتي تقصي قبليا ،أي تساؤل عن تاريخها ، كما يرجع ذلك أيضا الى سرعة الدراسات التي جعلت من الاستحالة حصر التغيرات الواقعة داخلها.

فالمجتمعات التقليدية لا توجد في الحقيقة فمفهوم المجتمع التقليدي يجد كما يقول بلانديه(5) نمط مضاد معادي للمجتمع الصناعي أكثر من أن يكون نمطا سوسيولوجيا إضافة الى هذا فإن اللجوء الى مفهوم " التقليدية" يعبر أكثر على وجود مكان تواجد المجتمعات المحلية منه عن الخصائص التي تحكم طبيعتها الصلبة.

إن ما تختزله النقاشات في كثير من الأحيان في مقارنة بين معارف علمية ومعارف فلاحية هو في الواقع مواجهة بين الانظمة الاجتماعية، فالمعارف سواء كانت علمية أو فلاحية هي نتاج التاريخ وضمن هذا السجل الاجتماعي يجب اخذها بعين الاعتبار فالمعارف المحلية ليس لها وجود خارج العلاقات الاجتماعية التي أخذت فيها وخارج التراتبية الاجتماعية التي مورست خلالها ومنه فإن المعارف الفلاحية خاضعة للحكم بنفس مقاربة معارف أي مجموعة اجتماعية، فكيف تقدم مجموعة هذه المواجهة إذن! هل هي مواجهة بسيطة بين العلم الغربي والمعارف المحلية؟ فإذا ما تم استعمال أطروحة ها برماس القائلة بأن العقلانية العلمية وبواسطة التقنية تبدو في العالم التكنوقراطي كحقيقة وعليها بالتالي أن تحكم كل الممارسات ، فالعلم والتقنية هما اللذان يؤديان اليوم وظيفة إكساب الهيمنة شرعياتها فهذه المواجهة قد لا تكون بالبساطة التي يمكن تصورها ،فلها ديناميكيتها في تاريخ يؤدي الى تحول في الفاعلين والى تعقد للوضعيات الأولية كما انه يمكن الإشارة بأن المعارف ليست معزولة فليس هناك نظام زراعي واحد في العالم لم يعرف تحولات جذرية بفعل إدماجه في الاقتصاد العالمي فالمعارف غير موجودة هكذا فالمعارف هي دائمة في حالة مواجهة سواء كانت معارف حاملي التنمية او معارف المجتمعات المحلية.

فالمعارف الفلاحية المستخرجة أساسا من الثقافة الكبرى هي إذن ليست متكيفة مع التنوع الكبير للإنتاج فوضعيات الإنتاج الفلاحي هي قبل كل شيء هي أقسام من الوضعيات الخاصة تتميز بالعلاقة مع ما هو حي أين نجد كل التقنيات ليست ممكنة بداهة وفي مقابل ذلك فإن معرفة العمل هذه ليست هنا على المستوى التقني فقط ولكن أيضا على مستوى العلاقاتالاجتماعية .