كفاءة النظام التعليمي واشكالية الهدر المدرسي.pdf

د. حديد يوسف

جامعة محمد الصديق بن يحيى – جيجل (الجزائر)

Abstract:

This article is subjected to the efficiency of the education system as an economic concept, pedagogical, and learn about the various Types of efficiency and methods of measurement by examining the impact of phenomena of repetition and dropout on the internal efficiency of the education system.

This article also aims to identify the problem of School wastage and its types, its causes and its social, educational, economic implications, and how it affects the efficiency of the educational system.

Keywords: efficiency of the educational system, School wastage

Resume:

Cet article est soumis à l'efficacité du système éducatif comme un concept économique, pédagogique et en savoir plus sur les différents types de compétences et méthodes de mesure en étudiant l'impact des phénomènes de redoublement et d'abandon sur l'efficacité interne du système éducatif.

Cet article vise également à identifier le problème du déperdition scolaire et ses types, ses causes et ses conséquences. Social, éducatif et économique, et comment il affecte l'efficacité du système éducatif.

Mots clés: l'efficacité du système éducatif, la déperdition scolaire.

الملخص :

يتعرض هذا المقال إلى كفاءة النظام التعليمي كمفهوم اقتصادي تربوي، والتعرف على مختلف أنواع الكفاءة، وطرق قياسها من خلال دراسة أثر ظاهرتي الرسوب والتسرب على الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي.

كما يهدف هذا المقال إلى التعرف على مشكلة الهدر المدرسي وأنواعه وأسبابه وانعكاساته الاجتماعية والتربوية والاقتصادية وكيفية تأثيره على كفاءة النظام التعليمي.

الكلمات المفتاحية: كفاءة النظام التعليمي، الهدر المدرسي.

مدخـــــل

إن تشعب الظاهرة التعليمية وتعقدها في النصف الثاني من القرن العشرين ، أدى إلى تغير النظرة للتربية على أنها عملية استهلاكية وأن وظيفتها هي حشو عقول التلاميذ بالمعلومات والمعارف الفلسفية والنظرية، إلى اعتبارها عملية استثمارية مربحة لرؤوس الأموال البشرية ، حيت أصبحت وظيفة التربية هي تأهيل العنصر البشري قصد تلبية مختلف احتياجات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، واصبح ينظر للمدرسة على أنها ليست مؤسسة تعليمية فحسب بل مؤسسة اقتصادية أيضا لها نظمها وقواعدها والموظفين القائمين بشؤونها كما أنها تحقق أرباح وعوائد للدولة والمجتمع والأفراد.

وفي إطار هذه المقاربة يمكن القول إن المؤسسة التعليمية ترتكز عل مقومات ثلاثة(1):

أ – حاجيات التعلم                   ب – مقومات التعلم                     جـ -نتائج التعلم.

وعلى هذا الأساس فالمدرسة مطالبة بتحديد الحاجيات التي يجب أن تلبيها وذلك لتبرير سبب وجودها والنفقات التي تصرف من أجلها وعموما فهذه الحاجيات هي الحاجيات السكانية والحاجيات الفردية وأخيرا الحاجيات الاقتصادية. ويقوم التعليم على ركائز ومقومات إنسانية متمثلة في التلاميذ الذي يزيد عددهم من عام لآخر والمدرسون الذين يجب أن يتلقوا تكوينا علميا وبيداغوجيا يؤهلهم لتربية الأجيال.

وينظر المختصون في التربية والتعليم إلى نتائج التعليم بأهمية شديدة ويعطونها عناية كبيرة، بحيث تعتبر كمبرر للمصاريف والإنفاق المالي على قطاع التربية والتعليم الذي يعتبر من القطاعات الحيوية والاستراتيجية في أية دولة من الدول، وبمكن قياس نتائج التعليم التي تحققها المؤسسات التعليمية إحصائيا لمعرفة درجة كفاءة المؤسسة التعليمية ومردودها، ويمكن حساب هذه النتائج على مستويات ثلاثة(2):

أ -المستوى البشري (عدد الخريجين الحاملين أو غير الحاملين لشهادات).                    

ب -المستوى المعرفي (كمية المعارف المتواجدة عند مجموعة ما في فترة ما).

ج -المستوى المالي (قيمة رأس المال المعرفي المخزون عند الأفراد والمتمدرسين).

وتعتبر مشكلة الهدر المدرسي مشكلة عالمية تعاني منها جميع الأنظمة التربوية بكل دول العالم الغنية منها والفقيرة، وهي ذات طابع تربوي اقتصادي باعتبارها تؤثر على كفاءة النظام التعليمي من الناحية الكمية (المدخلات والمخرجات من الطلاب) ومن الناحية الكيفية (نوعية الطلاب المتخرجين) ومدى ملائمتهم لاحتياجات سوق العمل.

   وتؤثر مشكلة الهدر المدرسي على المجتمعات، فمن انعكاساتها الاجتماعية انتشار الجريمة والانحراف والأمية بالإضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة. ومن الناحية الاقتصادية تؤدي مشكلة الهدر المدرسي إلى هدر الموارد المالية للدولة وارتفاع الميزانية المخصصة للتعليم، مع وجود تأثير كبير على الناتج الداخلي والقدرات الاقتصادية للدولة.

والجزائر كغيرها من الدول وبالنظر إلى الاحصائيات الرسمية التي تقوم بها الهيئات المختصة، نجدها تعاني بشكل خطير من مشكلة الهدر المدرسي في مختلف مراحل التعليم من التعليم الابتدائي إلى التعليم الجامعي، مما يتطلب اهتماما خاصا بهذه المشكلة، وذلك بفهم أسبابها ونتائجها ودرجة تأثيرها على الكفاءة الداخلية والخارجيةللنظام التعليمي.

وفي هذا المقال سنتعرض لكفاءة النظام التعليمي من خلال التعرف على أنواع الكفاءة التعليمية وأبعادها وطرق قياس مؤشراتها وكيفية تحسين كفاءة النظام التعليمي ومردوديته وانتاجيته، كما نتعرض أيضا لإشكالية الهدر المدرسي كظاهرة تربوية اقتصادية بأبعاد مختلفة وأثرها على كفاءة النظام التعليمي.

أولا: حول كفاءة النظم التعليمية  

1 – كفاءة النظام التعليمي ومردوديته : إن نجاعة وفعالية أي نظام تعليمي يتم تقييمها على أساس مخرجات العملية التربوية وتعتبر نتائج الامتحانات والمسابقات ونجاح المتخرجين في أداء الوظائف والمهام المسندة إليهم من المؤشرات الأساسية التي تبين نجاعة المنظومة أو عدمها. وأمام التزايد المستمر في الموارد المالية المخصصة لقطاع التربية أصبح من الضروري إجراء دراسات دورية ومستمرة حول نجاعة نظامنا التعليمي ومردوديته، ومراعاة العلاقة بين منتوج هذا النظام والعوامل المساهمة في سيرورة التمدرس، وتم تحديد تصورين لقياس كفاءة الأنظمة التربوية وهما: الكفاءة الخارجية والكفاءة الداخلية(3).

بالنسبة للكفاءة الخارجية للنظام التعليمي فالمقصود بها مدى مناسبة الاختصاصات والتكوين المقدم في المؤسسة التعليمية لاحتياجات القطاع الوظيفي والاقتصادي للمجتمع، وهنا يقاس مردود النظام التعليمي بناءا على الشروط الخارجية مثل نوعية اليد العاملة ومرونتها والإنتاج الذي تقدمه للمجتمع على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.

أما الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي فتدل على العلاقة بين مدخلات النظام التعليمي ممثلة في عدد الطلاب الملتحقين بالمؤسسات التعليمية في سنة معينة ومخرجاته بعد مرور السنوات القانونية المحددة لكل نوع من أنواع التعليم، وتقاس الكفاءة الداخلية بواسطة مؤشرات تتعلق بمردود الطلاب (نسبة النجاح، نسبة الرسوب، التخلي عن الدراسة… الخ)، وللكفاءة الداخلية مفهومين اقتصادي وتقني.

فالكفاءة بمفهومها الاقتصادي تشير إلى العلاقة بين مدخلات أي نشاط إنتاج (زراعي، صناعي، تعليمي. الخ) ومخرجات هذا النشـاط (قد يكون المخرج قمحا أو سيارات أو أشخاص متعلمين. الخ)، ويتصف النشـاط الإنتاجي بالكفاءة التقنية إذا أمكن الحصول على أكبر قدر من المخرجات من تركيبة معينة من المدخلات. كما يتصف بالكفاءة الاقتصادية إذا أمكن الحصول على مخرجات بأقل تكلفة للمدخلات ويقتضي ذلك قياس العلاقة بين القيمة النقدية للمدخلات والقيمة النقدية للمخرجات(4). وفي النظام التعليمي يأخذ المختصون في اقتصاديات التربية بمفهوم الكفاءة التقنية والذي يعني الحصول على اكبر قدر من المخرجات من تركيبة معينة من المدخلات ، وينظرون إلى العملية التعليمية على أنها عملية إنتاجية تختص في الاستثمار في رأس المال البشري، وهذه العملية الإنتاجية تتطلب بطبيعة الحال مدخلات مادية وبشرية، وأهم هذه المدخلات الطلاب الجدد حيت يتركز عليهم العمل التربوي باستخدام المدخلات الأخرى، وإكسابهم المعارف الضرورية وتزويدهم بالقيم والاتجاهات المناسبة وعند نهاية المرحلة التعليمية يتخرجون في شكل مخرجات. وهنا تبرز مدى مهارة المسؤولين عن النظام التعليمي في استقبال الطلاب الجدد وتعليمهم وتزويدهم بالمهارات والمعارف الضرورية للمجتمع والانتقال بهم من سنة إلى سنة دراسية أخرى حتى النجاح والتخرج بأقل قدر من الفاقد الذي يظهر في شكل رسوب بعض الطلاب أو تسربهم، ومن هنا برزت الحاجـة إلى الاهتمــام بدراسة التدفق الطلابي خلال النظام التعليمي حتى التخرج أو التسرب منه. ومن البديهي أن الطلاب حين يتدفقون منهم من ينتقل من مستوى دراسي إلى آخر(الناجحون) أو يترك الدراسة في أي سنة قبل الانتهاء من المرحلة التعليمية(المتسربين)، أو يبقى للإعادة بنفس المستوى الدراسي (الراسبين). وفي النهاية سيتخرج عدد من هؤلاء الطلاب ويحصلون على الشهادة مع العلم بأن بعضهم يكون قد أعاد سنة دراسية أو أكثر، وتقاس كفاءة النظام التعليمي بمدى قدرته على إنتاج أكبر عدد من المتخرجين بالنسبة لعدد الداخلين فيه من الطلاب وإذا كانت كفاءة النظام التعليمي كاملة فان نسبة المدخل/المخرج تساوي واحد صحيح، ولكنها لا يمكن أن تكون كذلك بسبب رسوب الطلاب وتسرب بعضهم(5).

إن المفهوم التقني للكفاءة والذي يأخذ به المختصون في مجال اقتصاديات التربية، مفهوم ضيق نسبيا لأنه يتجاهل التكلفة المالية والإنفاق المالي على مدخلات التعليم والقيمة النقدية لمخرجاته، ورغم ذلك فإن دراسة العلاقة بين المدخلات والمخرجات من الطلاب تعتبر مثمرة وهامة لأنها تساعد المسؤولين على شؤون التربية والتعليم على التفكير في كفاءة النظام التعليمي ومردوديته.

2-أنواع الكفاءة التعليمية: من المؤشرات الدالة على نجاح نظام تربوي ما أو فشله الإحصائيات الخاصة بتحديد حجم الرسوب والتسرب حيث أن انخفاض نسبة الرسوب والتسرب وارتفاع نسبة النجاح والتخرج بشهادات علمية من المؤشرات الدالة على الكفاءة العالية والمرتفعة للنظام التعليمي، وتهتم الدراسات الاقتصادية في المجال التربوي بما يعرف بمصطلح (الكفاءة) وهذا لمعرفة فعالية النظام التربوي وعوائده البشرية والمادية، وللكفاءة في المجال التعليمي بعدين أساسيين، بعد داخلي وبعد خارجي وهما(6):

1-1 -الكفاءة الداخلية: أي نسبة عدد المتخرجين من المؤسسة المدرسية قياسا إلى عدد التلاميذ الذين يلتحقون بها، وبقدر ما تكون هذه النسبة مرتفعة بقدر ما نتحدث عن ارتفاع الكفاءة الداخلية للمؤسسة، وتتأثر الكفاءة الداخلية بحجم الرسوب والتسرب. ويقصد بها عدد التلاميذ الذين يخرجهم النظام التعليمي بنجاح. ويرتبط هذا الجانـب من الكفاءة بدراسة حالات التسرب والإعادة والرسوب، ويعتبر بعض التربويين أن هذا الجانـب مـن الكفـاءة التعليمية هو ما يعرف بالإنتاجية لديهم أي حساب المكسب والخسارة في صـورته النهائـية، ويتطلـب ذلك معرفة حجم الأموال المستثمرة في التعليم ومقدار العائد منها، وبمعنى أخر دراسة العلاقة بين المدخلات والمخرجات.

ويعبر عن الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي بالعلاقة بين مدخلات ومخرجات النظام. بمعنى " العمليات والنشاطات الداخلية للنظام التعليمي وقدرته على القيام بالأدوار المتوقعة منه وحسن تصريفها وتكاملها والمتمثلة أساساً في الاحتفاظ بمدخلاته من الطلاب والانتقال بهم صف دراسي الى آخر دون تسرب أو رسوب(7).

ويلجأ المسؤولين عند تضرر الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي بارتفاع حجم الرسوب والتسرب أو ما يعرف تربويا بالهدر المدرسي إلى مراجعة النظام التعليمي مراجعة شاملة بإصلاح مناهجه وبرامجه وإعادة تأهيل المكونين والمعلمين، واقتراح القوانين المتعلقة بنظام التوجيه والتقويم، وكل ما يتعلق بالتنظيم التربوي والهيكلي للنظام التعليمي، حيث يدل ضعف الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي في كثير من الأحيان على ضعف في بنيته وهياكله خاصة مع انتشار التعليم المجاني وتكافؤ الفرص التعليمية أمام الجميع بدون إقصاء. وللكفاءة الداخلية بعدين أساسين وهما البعد الكمي والبعد النوعي:

- الكفاءة الداخلية (الكمية) للنظام التعليمي، وتعني مدى قدرة النظام على إنتاج أكبر عدد من الخريجين مقابل العدد الكلي من الطلاب الداخلين في النظام. (أي نسبة المخرجات إلى المدخلات). وتكون نسبة هذه الكفاءة 100% إذا تخرج الطلاب الذين التحقوا في نفس السنة الدراسية بنجاح في مدة الحد الأدنى لعدد سنوات الدراسة. لذا تعبر مؤشرات الكفاءة الداخلية الكمية المرتفعة عن تحسن الإنتاجية التعليمية، وتخفيض نسبة الرسوب والتسرب وتقليل الكلفة(8).

والواقـع أن عـامل الحجـم أيضا يلعب دورا هاما بالنسبة للكفاءة الداخلية الكمية، فحجم الوحدات التعليمية وأقسـامها والمدارس وفصولها وحجراتها ومعاملها وغيرها كلها أمور ترتبط بالكفاءة التعليمية، وإن اقتصـاديات الحجم هي أحد المجالات التي يمكن أن تؤثر في كفاءة النظم التعليمية ويأتي في مقدمـتها الفصـل الدراسي، حيث يعتبر عدد التلاميذ لكل معلم هي من أهم محددات نفقة التعليم وتكلفته، وكلما كبر حجم المدرسة زادت إمكانياتها وقلة تكاليفها(9).

- الكفاءة الداخلية (النوعية) للنظام، وتركز على نوعية المخرجات وتعبر عن تطابق نوع المخرجات للمواصفات الموضوعة لها. أي أنها تشير إلى قدرة النظام التعليمي على إنتاج خريج ذي مواصفات يفي بالغرض المعد له، فالأنظمة التعليمية الحديثة لا تحصر اهتمامها في تخريج أعداد معينة من الطلاب ولكن يمتد ذلك إلى توفير نوعية جيدة من الخريجين(10).

1-2-الكفاءة الخارجية للنظام التعليمي: ويقصد بها مدى قدرة النظام التعليمي على تحقيق أهداف المجتمع الخارجي الذي وجد النظام من أجل خدمته(11). وتتمثل في قياس العلاقة بين المكونين وسوق الشغل، فبقدر ما يتمكن إنتاج المؤسسة المدرسية من الاندماج بسرعة في الدورة الاقتصادية للبلاد بقدر ما نتحدث عن ارتفاع الكفاءة الخارجية للمدرسة والعكس بالعكس.

ويرى البعض الكفاءة الخارجية للنظام التعليمي بأنها " مدى ملاءمة التأهيل العلمي ونتائج الخبرة العلمية والنواحي الشخصية التي اكتسبها الفرد من خلال دراسته لمتطلبات العمل المسند إليه في الحياة العملية ... بالإضافة إلى اكتسابه مزيجاً من الاتجاهات الإنسانية والعلمية التي تساعد في تجديد ومواجهة مشكلات مجتمعه(12).

وللكفاءة الخارجية أيضا بعدين كمي وكيفي:

- الكفاءة الخارجية النوعية: يقصد بها نوعية التلميذ الذي يخرجه النظام التعليمي أو أن مخرجات التعليم تتصـف بـالجودة أو تـتحقق فـيها المواصـفات والمعايير التي وضعت لها. والوسيلة المتاحة المسـتخدمة فـي النظم التعليمية بلا استثناء للحكم على هذه النوعية هي الامتحانات، وهي دليلنا علـى هـذه النوعية، إلا أن هناك بعض المؤشرات الأخرى يمكن من خلالها الاستدلال على هذه النوعـية مـنها: نوعية البرامج والمناهج والكتب والمعلمين وغيرها من المؤشرات الموضوعية ذات الصـلة بـتحديد النوعـية. وهناك معايير للحكم على كل واحدة منها ومعرفة مدى جودتها وكفاءتهـا، ويعتـبر البعض أن الامتحانات وسيلة لا تكشف لنا عن كل جوانب النوعية المطلوبة(13).

- الكفاءة الخارجية الكمية: وينظر إلى الكفاءة الخارجية من المنظور الكمي بأنها " مدى تلبية النظام التعليمي لحاجات المجتمع، ومدى توازن أعداد الخريجين مع الأعداد المطلوبة لسوق العمل(14).

3-طرق قياس الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي

يستعمل المختصون في اقتصاديات التربية عدة طرق لدراسة تدفق الطلاب خلال النظام التعليمي ودراسة أثر ظاهرتي الرسوب والتسرب على الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي بالمفهوم التقني ويتوقف استخدام أي طريقة من بين هذه الطرق على مدى توفر المعلومات والبيانات الإحصائية عن نظام التعليم بمراحله ومؤسساته في أي بلد من البلدان ومن هذه الطرق ما يلي:

أ -طريقة الفوج الحقيقي: ويعتبرها الكثيرون بالطريقة المثلى في قياس الكفاءة الكمية للتعليم وتتمثل في حركة فوج حقيقي من الطلاب المستجدين الذين يلتحقون معا لأول مرة في الصف الأول خلال مرحلة تعليمية معينة حتى الانتهاء من الدراسة بنجاح أو التسرب أو الفصل بسبب الإخفاق في الدراسة، ونحسب هنا عدد الطلاب الدين نجحوا من صف دراسي إلى الصف الذي يليه وعدد الطلاب الذين أعادوا نفس الصف بالإضافة إلى عدد الطلاب الذين تسربوا في كل صف، وحينما يترك كل فرد من أفراد الفوج المرحلة التعليمية قيد البحث يمكن للمرء أن يحسب العدد الإجمالي للخريجين والعدد الإجمالي من المتسربين والعدد الإجمالي من السنوات التي درست في كل صف وعدد السنوات التي درست بالنسبة لكل خريج ونسبة المدخل/ المخرج …الخ(15). وهكذا فإنه بواسطة هذا النظام يمكن تتبع الحياة الدراسية الحقيقية لفوج أو عدة أفواج من الدارسين والحصول على بيانات تسمح بحساب مؤشرات الكفاءة الداخلية لمرحلة معينة وعن أثر الرسوب والتسرب في هذه الكفـاءة. ولكن نظام البيانـات المفردة يتطلب إمكانيـات ماديـة وبشرية كبيرة يصعب توفيرها في كثير من البلدان، هذا بالإضافة إلى أن تتبع الحياة الدراسية الكاملة لجميع أفراد فوج من الأفواج إنما يتطلب وقتا طويلا(16).

ب. طريقة الفوج الظاهري: تستعمل هذه الطريقة عند صعوبة الحصول على المعلومات والبيانات التي تتطلبها طريقة الفوج الحقيقي، وتنصب الدراسة في هذه الطريقة على فوج ظاهر من الطلاب، ويقصد به كل الطلاب المسجلين في الصف الدراسي الأول من المرحلة التعليمية قيد البحت دون أن نميز بين المستجد والراسب منهم، وحتى عند تتبع هذا الفوج في تدفقه من الصف الأول إلى الصفوف التالية الأعلى لا نميز أيضا بين طالب مستجد وآخر راسب من أفواج أخرى، وتتطلب هذه الطريقة وجود بيانات عن:

(أ) أعداد الطلاب المسجلين موزعين حسب الصفوف الدراسية.

(ب) أعداد المتخرجين وذلك في عدد من السنوات لا يقل عن عدد سنوات المرحلة التعليمية قيد البحت.

وفي هذه الطريقة يمكن قياس تطور حجم الفوج الظاهري في تدفقه من صف دراسي إلى صف آخر وحتى التخرج. وكلما كان عدد المتخرجين من فوج ظاهري قريبا من عدد المسجلين في الصف الأول كانت الكفاءة الداخلية للتعليم من السنوات لا يقل عن عدد سنوات المرحلة التعليمية قيد البحت. وفي هذه الطريقة يمكن قياس تطور حجم الفوج الظاهري في تدفقه من صف دراسي إلى صف آخر وحتى التخرج. وكلما كان عدد المتخرجين من فوج ظاهري قريبا من عدد المسجلين في الصف الأول كانت الكفاءة الداخلية للتعليم بالنسبة لذلك الفوج مرتفعة، فإذا وصلت الكفاءة الداخلية للتعليم إلى حدها الأقصى، أي إذا لم يصبح هناك رسوب أو تسرب على الإطلاق (ولا التحاق بغير المستوى الأول ولا وفيات بين التلاميذ)، أصبح عدد المسجلين في كل صف من الصفوف في كل سنة من السنوات الدراسية مساويا لعدد المسجلين في الصف الأدنى من السنة الدراسية السابقة، وأصبح عدد المتخرجين مساويا لعدد المسجلين بالصف الأخير أو النهائي(17).ولكن حجم الفوج الظاهري في الواقع يتناقص بين صف أدنى وصف أعلى، بل وبين الصف الأخير والتخرج، ويمكن قياس هذا التناقص أو الهدر عن طريق المقارنة بين أعداد المسجلين في صف معين وعام دراسي معين وأعداد المسجلين في الصف الأعلى مباشرة في العام الذي يليه(18).

في طريقة الفوج الظاهري يقارن المرء المسجلين من الطلاب في الصف الأول بالمسجلين من الطلاب في الصفوف التالية خلال السنوات المتعاقبة، ومن المفترض أن التناقص من صف إلى الصف الذي يليه إنما يتطابق مع الفاقد. ولكن هذه الطريقة التي تعتبر من أكتر الطرق شيوعا في الاستخدام حتى الآن إنما تقدم تقديرات تقريبية جدا عن التسرب. ولكن نقطة الضعف الرئيسية في هذه الطريقة هي أنها تفترض أن الأطفال إما أن يكونوا قد نجحوا أو تسربوا خارج النظام التعليمي وهي بذلك تتجاهل عامل الرسوب. وقد يظن البعض بأن الأفواج الظاهرية المختلفة يستقل الواحد منها عن الآخر ولكن عامل الرسوب يجعلها في الحقيقية مترابطة أو متداخلة، وقد يحدث تضخم في عدد الطلاب المسجلين في صف ما من الصفوف، ويرجع ذلك إلى وجود عدد كبير من الراسبين في ذلك الصف(19).

ج -طريقة إعادة تركيب الفوج: من الطرق التي تستخدم لقياس الكفاءة الداخلية للتعليم طريقة إعادة تركيب الحياة الدراسية لفوج من الدارسين في مرحلة تعليمية معينة. ويمكن استخدام هذه الطريقة إذا توفرت بيانات عن أعداد الطلاب المسجلين في كل صف دراسي موزعين ناجحين، راسبين، متسربين.

وتتضمن الخطوة الأولى في هذه الطريقة حساب معدلات التدفق الثلاثة النجاح، الرسوب، التسرب بالنسبة إلى كل فصل وكل عام دراسي. ويمكن أن تحسب لعام دراسي واحد فقط أو قد تحسب في فترة زمنية، وفي هذه الحالة الأخيرة نحسب المتوسط المرجح للسنوات التي شملها الحساب.

وتتضمن الخطوة الثانية وضع هيكل بياني يصف تقدم الفوج المعاد تركيبه يبنى على أساس معدلات النجاح والرسوب والتسرب ويعتبر خير وسيلة لمتابعة أفواج من الطلاب خلال السنوات الدراسية منذ التحاقهم بالصف الأول وحتى التخرج في المرحلة التعليمية قيد البحث(20).

إن إعادة تركيب الحياة المدرسية للتلاميذ بشكل هيكل بياني سوف يسمح بحساب عدد من المؤشرات عن الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي من أهمها(21):

- معامل الفعالية: ويمثل النسبة المئوية لعدد السنوات الطلابية اللازمة لإنتاج خريج في وضع مثالي لا إعادة فيه (ست سنوات طلابية لكل خريج مثلا من المرحلة الابتدائية) إلى العدد الإجمالي للسنوات الطلابية التي استثمرت فعلا من قبل الفوج بما فيه المتسربين.

- نسبة أو معامل المدخلات إلى المخرجات وهو حاصل قسمة عدد السنوات الطلابية لكل خريج على عدد السنوات اللازمة لإنتاج خريج في حالة مثالية، ويجدر الإشارة إلى أن نسبة المدخلات هي نظير معامل الفعالية وهي ترتفع إلى 01 صحيح عندما تبلغ الفعالية إلى حدها الأقصى وتنخفض مع تدني الفعالية.

- عدد السنـوات الطلابية التي استثمرت لإنتاج خريج واحد. ونحصل على هذا المؤشـر بقسمة مجموع السنوات الطلابية المستثمرة من قبل الفوج على عدد الخريجين.

- متوسط مدة الدراسـة لكل خريج، وهو المتوسط الموزون لعدد السنوات التي قضاها الخريج في المرحلة الدراسية، وهذا المؤشر لا يأخذ في الاعتبار السنوات الطلابية المستثمرة من قبل المتسربين.

-عدد السنـوات الطلابية التي استثمرت زيادة عن اللزوم وتوزيعها بين السنوات المعزوة إلى الخريجين نتيجة للإعادة والسنوات المعزوة إلى المتسربين ويفيد هذا التوزيع في إبراز أثر التسرب في مستوى الفعالية وينظر عادة إلى المؤشرين معامل الفعالية ومعامل المدخلات إلى المخرجات على أنهما يقيسان مستوى الكفاءة الداخلية للمرحلة أو المؤسسة التعليمية، إلا أنه ينبغي التحفظ بعض الشيء حيال صلاحيتهما لمثل هذا القياس، إذ أنهما مبنيان على فرضيتين أساسيتين وهما:

- أن إنتاج المرحلة التعليمية يقاس فقط بالإنتاج النهائي أي بالمتخرجين.

- إن ترك المدرسة مرتبط دائما بالكفاءة الداخلية للتعليم(22).

فبالنسبة للفرضية الأولى يرى العديد من الاختصاصيين بأنه ينبغي أن ننظر إلى المرحلة التعليمية كأجزاء منفصلة مكونة من وحدات من الصفوف وأن يعتبر التلميذ الذي أتم بعض أجزاء المرحلة وتسرب بعد ذلك فإنه يمثل جزءا من وحدة الإنتاج النهائي تكون متناسبة مع عدد الصفوف التي اجتازها بنجاح. أما بالنسبة للفرضية الثانية فإن دراسة أسباب التسرب قد بينت أن هذه الظاهرة تعود في حالات كثيرة إلى أسباب عائلية واجتماعية اقتصادية ولا علاقة لكفاءة النظام التعليمي بها. ولأجل ذلك اقترح البعض التمييز إحصائيا بين تسرب الطلاب الناجحين وتسرب الطلاب الراسبين الذين أعادوا الصف من جهة أخرى. غير أنه يصعب علينا التمييز بين هذين النوعين من التسرب خاصة وأن الإعادة أو الرسوب قد يكونا مرتبطين بالبيئة وليس بكفاءة النظام التعليمي(23). وعلى الرغم من الفرضيات المتعددة التي بنيت عليها طريقة إعادة تركيب الفوج والتحفظات حول نتائجها، فإن هذه الطريقة تبقى حتى الآن الأكثر ملائمة للحالة الراهنة للإحصاءات التعليمية في غالبية البلدان.

د-الطريقة الشاملة: غالـبا ما تطبق هذه الطريقة في النظم التعليمية صغيرة الحجم، وقد تعتمد على طريقة الفـوج الظاهـري أو الفـوج الحقيقي، وفي حالة اعتمادها على الفوج الحقيقي فإنها تصبح أكثر صـعوبة ولكـن بصورة أكبر دقة، وقد تطبق طريقة حساب التكلفة الكمية بالطريقة الشاملة لكل أفواج التلاميذ في المرحلة المراد دراستها(24).

ه-طريقة العينات: تعتمد طريقة العينات على اختيار عينات من المدارس من المرحلة المراد قياس كفاءتها الكمـية، وهـذا يعـنى الاقتصار على بعض المدارس وليس كلها كما في الطريقة الشاملة، فمن الطبيعـي أن يكـون اختـيار عينات المدارس خاضعا للشروط العلمية للعينة سواء كانت العينة عشوائية أم طبقية أم عينة ممثلة أو غير ذلك(25). وتعتبر هذه الطريقة أنسب مـن الطـريقة الشاملة في دراسة النظم التعليمية كبيرة الحجم، وتعتمد مثل الطريقة الشاملة على طريقة الفوج الظاهري أو الفوج الحقيقي، إلا أن طريقة العينات المحدودة واستخدام أسلوب الفوج الحقيقي يزيد من دقتها.

و-طرق التقديرات التنبؤية (المتوقعة): تستخدم هذه الطرق في الدراسات التنبؤية للتعرف على حجم الهدر المدرسي في المستقبل ومحاولة تفادى حدوثه، وتعتمد على وسائل لتوضيح البيانات المطلوبة كتحديد نسب المقبولين من التلاميذ بين الصفوف ونسب الإعادة والرسوب والتسرب وتكلفة التلميذ(26).

وتعـتمد بعـض هـذه الطـرق على التقدير التنبؤي لتكاليف مجموعة من التلاميذ أنهت تعليمها بالمـرحلة بنجاح ثم مقارنة ما تتكلفه أصلا (ما ينفق على الفوج الذي تنتمي له هذه المجموعة)، أوقـد يعـتمد بعضـها على تدوير الأفواج الحقيقية. ويؤخذ عليها أنها تعتمد على القدرة التنبؤية لمسـتخدمها وارتفاع تكلفتها لاعتمادها على بيانات رياضية معقدة، مما يتطلب استخدام الحاسب الإلكتروني، وقلة دقتها لارتباطها بتوقعات مستقبلية.

4-قياس الكفاءة الخارجية للنظام التعليمي: تقاس الكفاءة الخارجية للنظام التعليمي بالاعتماد على عدد من المؤشرات المرتبطة بمدى قدرة النظام التعليمي علىتلبية احتياجات سوق العمل في القطاعين الإنتاجي والخدماتي بالإطارات المؤهلة بالكم والكيف المناسبين وكذلك مدى قدرة النظام التعليمي على تجسيد وتحقيق الأهداف الكبرى المرسومة له والمحددة من قبل السلطات العليا في أي دولة من الدول. وتتمثل هذه المؤشرات في:

-        مؤشر القدرة على تقليص نسبة البطالة في صفوف الخريجين.

-        مؤشر القدرة على الحد من هجرة الأدمغة إلى دول أخرى.

-        مؤشر النجاح في خلق المواطن الصالح الذي يقوم بواجباته مقابل الحقوق التي يتقاضاها.

-        مؤشر قدرة الخريج على القيام بمهامه وأدواره بعد التحاقه بالوظيفة.

إن هذه المؤشرات وسواها تظهر مدى ملائمة مخرجات النظم التعليمية لمطالب المجتمع، وهذا يعنى أن الكفاءة الخارجية تزداد بارتقاء أداء الخريجين ومستوى تناسب ذلك الأداء مع احتياجات العمل ومستوياته، وتنخفض بانخفاض مستوى الأداء وعدم ملائمة عدد الخريجين لحاجات المجتمع الفعلية من الناحيتين الكمية والنوعية، ومع اتفاق توزيعهم من حيث المؤهلات والتخصصات مع احتياجات خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبالمقابل فإن زيادة أعداد الخريجين المتخصصين عن المطالب الحقيقية لهيكل العمالة أو في مجالات لا تشتد إليها الحاجة يعد هدراً كمياً ونوعياً في الكفاءة الخارجية (27).

5-أبعاد الكفاءة الداخلية للمؤسسات التعليمية

يمكننا أن نجد هنا ثلاثة أبعاد للكفاءة الداخلية للمؤسسات التعليمية وهذا حسب المخططين التربويين وهي:

البعد الأول هو البعد الكمي إلى أي مدى يتدفق الطلاب خلال النظام التعليمي من صف لآخر حتى التخرج؟ وما مقدار الفاقد في التدفق الطلابي الذي يأخذ شكل رسوب بعض الطلاب أو تسربهم من النظام التعليمي؟ فالكفاءة في تدفق الطلاب كما تقاس بالمدخل/المخرج يمكن أن تتحسن من وجهة نظر المختصين بتخفيض معدلات الرسوب والتسرب، وذلك من خلال(28):

أولا: مراجعة سياسات الانتقال، فإذا كانت معدلات الرسوب عالية على نحو غير معقول فإنه يمكن تخفيضها إما بضبط عملية التحاق الطلاب بمراحل التعليم بعد الابتدائي أو بتعديل مستويات الانتقال لتعكس قدرات التلاميذ.

ثانيا: تجميع الضعاف في التحصيل من الطلاب في دروس علاجية بأدوات تعليمية وطرائق للتدريس مناسبة.

ثالثا: تحسين البيئة المدرسية بوجه عام من أجل تخفيض معدلات الرسوب والتسرب(29).

أما البعد الثاني فيتمثل في نوعية التعلم الذي يحصل عليه الطلاب في داخل النظام التعليمي وتحدد نوعية التعلم في الواقع على أساس نوعية مدخلات العملية التعليمية المادية والبشرية. ويؤخذ المدخل في العادة على أنه مؤشر لنوعية التعلم الذي يحصل عليه الطلاب أي على ما تعلموه من معلومات ومهارات واتجاهات وسلوك. لذلك ينبغي أن ندرس العلاقة بين مدخلات العملية التعليمية وما يتعلمه التلاميذ حتى يمكن أن تحدد نوع وكم المدخلات التي ينتج عنها تعلم أفضل(30). والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو كيف يمكن زيادة فعالية النظام التعليمي لتحقيق أقصى مخرج ممكن بمعناه الكمي والكيفي؟

ويمكن زيادة فعـالية نظام التعليم عن طريق تغيير كميـات وأنواع المدخـلات أو بزيادة استغلال هذه المدخـلات. ومثال ذلك تغيير معدلات الطـلاب للمدرسين أو تغيير في مستوى ونوع المؤهـلات المطلوب توافرها في المعلمين أو زيادة التسهيلات والأدوات التعليمية المستخدمة أو تحسين استغلال المباني والمعدات أو تزويد النظام التعليمي بأساليب تعليمية وتكنولوجية جديدة (31).

ومن هذا المنظور فإن تحسن معدلات التدفق الطلابي خلال النظام التعليمي وتحسن نوعية ما يتحصل عليه الطلاب من تعلم يتطلب تغييرات في كميات وأنواع المدخلات الخاصة بالعملية التعليمية مثل خفض عدد الطلاب بالنسبة للمعلم الواحد وخفض كثافة الفصل واستخدام معلمين أكثر تأهيلا واستخدام أدوات وأجهزة تعليمية أفضل. الخ. ومن شان كل هذا أن يرفع من تكلفة التعليم ولكن ما تكسبه الأنظمة التعليمية نتيجة لانخفاض معدلات الرسوب والتسرب ربما يعوضها عن مثل هذه الزيادة في التكاليف.

ويرجع الكثير من المختصين في مجال التربية ارتفاع معدلات الرسوب والتسرب وضعف مستوى الخريج إلى رداءة نوع التعليم الذي يقدم إلى الطلاب فكثيرا ما يغلب على التعليم وخاصة في الدول النامية الطابع النظري. وهذا من شأنه أن يصيب التلاميذ بالإحباط والملل. بالإضافة إلى أن المناهج الدراسية كثيرا ما يكون ارتباطها ضعيفا بحياة الطلاب في حاضرها ومستقبلها لذا فإن تطوير المناهج كثيرا ما يعتبر عنصرا أساسيا في أي محاولة لإصلاح التعليم في أي مجتمع بما له من أثار هائلة على نوعية ما يتعلمه التلاميذ بالبيئة عند التوضيح والتطبيق على أن يكون هناك توازن بين النظري والعملي. غير أن توفير المعلم الجيد بالكم المطلوب والجودة المطلوبة يعتبر شرطا ضروريا لنجاح أي محاولة تهدف إلى إعادة النظر في أهداف التعليم ومناهجه وأساليبه(32).

أما البعد الثالث فيتمثل في تكلفة الإنتاج، التي ينبغي أن تخفض إلى أدنى مستوى ممكن دون أن يؤثر ذلك على النوعية. فمن المعروف أن التسرب يخفض من كمية الإنتاج التعليمي ويزيد من تكلفة الطالب المتخرج إذا أضيفت تكلفة المتسربين إلى تكلفة المتخرجين. أما بالنسبة للرسـوب فإنه يؤخـر موعد الإنتـاج ويجعل التلميذ الراسب يحتل مقعدا دراسيا إضافيا في كل فصل دراسي مما يؤثر أيضا على التكلفة(33).

ويدخل في نطاق المختصين في التخطيط التربوي أثر مستوى الكفاءة الداخلية الكمية على تكلفة المتخرج، ويمكنهم في هذا الصدد استخدام مؤشر معامل الفعالية لقياس التكلفة الإضافية الناتجة عن ضعف الكفاءة الداخلية الكمية. أي الفرق بين مستواها الفعلي ومستوى مثالي لا رسوب فيه ولا تسرب. كما يمكنهم حساب التكلفة الإضافية الناتجة فقط عن تأخير المتخرجين في الدراسة عن المدة المحددة دون تحميلهم نفقات المتسربين، وذلك بالأخذ بمؤشر متوسط الدراسة التي قضاها الخريج في المرحلة التعليمية ومقارنته بمدة الدراسة الرسمية اللازمة إذا لم يكن هناك رسوب(34).

ويمكننا أن نلخص حديثنا عن الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي في أنه هناك نوعان من الكفاءة الداخلية: الكفاءة التقنية والكفاءة الاقتصادية، وتوصف العملية الإنتاجية بالكفاية التقنية إذا أنتجت أكبر قدر من المخرجات من تركيبة معينة من المدخلات. وتوصف بالكفاءة الاقتصادية إذا أمكن الحصول على مخرجات بأقل تكلفة للمدخلات والكفاية التقنية تتمثل في أن التعليم يتقبل مدخلات في شكل طلاب يقوم بتدريبهم وإكسابهم مهارات خاصة تم يتخرجون في نهاية المرحلة التعليمية في شكل مخرجات لهذا النظام (الخريجون) ولدراسة ذلك لابد من توافر البيانات والإحصائيات الضرورية عن تدفق الطلاب منذ دخولهم المرحلة التعليمية حتى الانتهاء من الدراسة بنجاح أو التسرب منها.

ثانيا: إشكالية الهدر المدرسي.

1 -مفهوم الهدر المدرسي. أشكاله وعوامله: يتردد كثيرا مصطلح الهدر المدرسي أو الفاقد التربوي في الأوساط التعليمية والتربوية، وقد لا يدرك بض التربويين وكثير من العامة هذا المفهوم، والحقيقة أن الهدر المدرسي من أكبر المشكلات التي تواجه رجال التربية والتعليم وكذلك الاقتصاديين في جميع أنحاء العالم. وقد بدأ الاهتمام بها منذ منتصف القرن الماضي وبدأت الأبحاث تركز عليها ولاسيما في مراحل التعليم العام في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. وبدأ الهدر المدرسي يبرز بوصفه مشكلة تربوية في التعليم العالي في منتصف السبعينيات عندما انتشرت الجامعات والكليات وبدأ الاتجاه نحو الدراسات الجامعية وزاد التوسع في قبول الطلاب في المستوى الجامعي، وكان التركيز في البداية على الدراسات المتعلقة بأنواعه وأسبابه واقتراح أساليب لعلاجه والحد منه(35).

والهدر في الأصل مصطلح يدخل في لغة رجال الأعمال أهل الاقتصاد، إلا أنه دخل في المجال التربوي من منطلق أن التربية أصبحت تعد من أهم النشاطات الاقتصادية. ولهذا فان عبارة الهدر المدرسي تدعو إلى تشبيه التربية بالصناعة نظرا للإمكانات والموارد التي تستخدم في سبيلها، وإلى الإنفاق الذي يبدل للاستثمار في هذا المجال. ولذلك فان النظرة للعملية التربوية أصبحت غير قاصرة على أنها أنواع من الخدمة للمجتمع، وإنما هي استثمار له عائده، حيث أصبح للمؤسسات التعليمية دورها المؤثر في تكوين الثروة التعليمية من القوى البشرية المؤهلة.

ويعرف الهدر لغويا بأنه ما يبطل من دم وغيره، هدر يهدر، بالكسر، وهدر، بالضم، هدرا وهدرا بفتح الدال، أي بطل. وهدرته والسلطان أبطله وأباحه، ودماؤهم هدر بينهم أي مهدرة، وتهادر القوم، أهدروا دماءهم، وذهب دم فلان هدرا وهدرا بالتحريك، أي باطلا (36).

ويرى إبراهيم داود الداود بأن الهدر المدرسي هو نتيجة ضعف نتاج العملية التربوية وينشأ عنه مشكلات تربوية واجتماعية تتمثل في عجز النظام التعليمي عن الاحتفاظ بالملتحقين به كافة لإتمام دراستهم حيث يحدث التسرب، وعجزه أيضا عن إيصال عدد كبير منهم إلى المستويات المرجوة ضمن المدة المحددة حيث يحدث الرسوب(37).

وعلى هذا فان الهدر المدرسي يتخذ بعدين هما الرسوب والتسرب. ويمكن تعريفه على أنه حجم الفاقد من التعليم نتيجة الرسوب والتسرب في أي صف من الصفوف ولأي سبب من الأسباب، ويقصد بالرسوب تكرار بقاء الطالب في أي صف من الصفوف لأكثر من سنة دراسية، في حين يقصد بالتسرب ترك الطالب المرحة التعليمية في أي صف من الصفوف دون نيل الشهادة. وبعبارة أخرى فالهدر المدرسي حسب اليونسكو(38) يخص التلاميذ الذين لا ينهون دراستهم في عدد السنوات المحددة لها، إما لأنهم ينقطعون عنها نهائيا، أو لكونهم يعيدون السنة، أو سنوات معينة وبعبارة أوضح فهو عبارة عن الفرق بين عدد التلاميذ الذين يباشرون دراستهم (طور، سنة، وحدة تعليمية، درس) وعدد أولئك الذين ينهونها في الآجال المحددة.

ويقصد بالهدر المدرسي في مراحل التعليم المختلفة الخسارة الناجمة في عمليات التعليم من خلال أعداد الطلبة الذين رسبوا أو تسربوا وما ترتب على هذا من خسارة في الانفاق على التعليم وفي الجهد المبذول فيه(39).

هذا ويستخدم مصطلح الهدر في مجال التعليم لوصف ما يترتب عليه من ضياع في المال أو الوقـت أو الجهـد المبذول في التعليم، ويستخدمه المخططون التربويون أيضا لوصف الآثار المركبة للإعادة والتسرب وعلى تقدم مجموعة من التلاميذ خلال مرحلة دراسية معينة، كما يتمثل الهدر في كم التعليم فلا تتحقق المعدلات المنشودة من حيث عدد التلاميذ المتخرجين، أو يتمثل في الكيف على حساب جودة التعليم فتنخفض مستوياته عن المستوى المستهدف(40).وتعـد نسبة الهدر الكمي مؤشرا هاما من مؤشرات الكفاءة التعليمية والإنتاجية لارتباط الرسوب والتسرب بالمنتج النهائي ومن ثم تأثيرهما بصورة مباشرة على الكفاءة الإنتاجية.

ويمكن تحديد نسبة الهدر المدرسي في مراحل التعليم قبل الجامعي أو التعليم الجامعي بسهولة وذلك من خلال حصر عدد الطلاب الملتحقين بأي مؤسسة تعليمية في عام معين، ومقارنتهم بعدد الطلاب المتخرجين بعد مرورهم بالدراسة في سنوات هذه المرحلة. وحجم الهدر يتمثل في حجم الطلاب الذين لم يتخرجوا في الفترة المحددة، سواء الذين انقطعوا وغادروا مقاعد الدراسة، أو أولئك الدين تأخروا نتيجة للرسوب المتكرر.   وينبغي أحيانا ألا نكتفي بعرض الأرقام والإحصائيات عن حجم الهدر في المنظومة التعليمية بل يجب أن نبحت أيضا في المسببات الظرفية حتى نتمكن من اتخاذ الإجراءات العلاجية المناسبة. ويمكن تصنيف العوامل المؤدية إلى هذه الظاهرة في مجموعتين أساسيتين:

- المجموعة الأولى وهي أسباب ذات علاقة بالعوامل المرتبطة بالإطار الاقتصادي والاجتماعي والتي نشخصها في الوضعية الاقتصادية العامة، وخصائص الأسرة، وقيمة الدراسة والتعليم في المجتمع، وكلفة الدراسة والمصاريف المترتبة عنها.

- المجموعة الثانية وهي أسباب ذات علاقة بمحيط تنظيم وتسيير المدرسة ونلخصها في البرامج والمناهج والمضامين والمدرس وظروف التمدرس وأساليب التقويم وتنظيم الحياة المدرسية والخصائص العامة للطلاب فالظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها بعض الأسر والعلاقات الموجودة بين أفرادها كعدم التفاهم بين الوالدين والتفرقة بين الأبناء يؤدي أحيانا إلى انحراف التلميذ ثم إلى التخلي عن الدراسة ، بالإضافة إلى أن عدم اهتمام وعناية الأولياء بتمدرس أبنائهم يؤدي إلى نفورهم من الدراسة وضعف دافعيتهم للتعلم ، ثم إن نظرة المجتمع السلبية للعلم والمتعلمين تنعكس سلبا على اتجاهات الأبناء نحو المدرسة وتكون لديهم الاستعداد النفسي للتخلي والتسرب ، كما أن الظروف البيئية في بعض المناطق التي يعيش فيها المتعلم تكون في بعض الأحيان سببا للتسرب والتخلي عن الدراسة كما هو الحال بالنسبة لأبناء المناطق النائية التي تنعدم فيها ظروف التمدرس.

وبالنسبة للعوامل التربوية البيداغوجية فان نظام المؤسسة التعليمية يكون سببا في التسرب المدرسي خاصة إذا كان التأطير البيداغوجي دون المستوى، والمناهج التربوية لا تراعي الخصائص النفسية والعقلية للتلميذ وحاجاته، كما أن نقص الكفاءة العلمية والتربوية عند المدرسين واستعمالهم للعقاب اللفظي والجسدي ضد التلاميذ داخل الفصول الدراسية يؤدي إلى نتائج سلبية وخيمة كالرسوب والتسرب.

2 -إشكالية الهدر في المنظومة التعليمية الجزائرية: يعتبر الهدر المدرسي من القضايا الشائكة في ميدان التربية والتعليم على المستوى العالمي باعتباره يمس كل الأنظمة التربوية، ونجد أسبابها متعددة ومتفاعلة وتكاد تكون مشتركة ومتشابهة وتختلف في درجة حدتها وفي طبيعتها وفي مفعولها من بيئة إلى أخرى، ويعتبر الهدر المدرسي من أكبر العوامل مساهمة في تدمير الكفاءة الداخلية والخارجية للأنظمة التعليمية، لذلك ركزت اليونسكو في توصياتها على الدول الأعضاء بالعمل على التقليل من نسبة الهدر العالية. فإذا كان عدد التلاميذ المتمدرسين في البلدان التي هي في طريق النمو يعرف تطورا محسوسا فان الأعداد المتزايدة من التلاميذ الدين يقضون أكتر من سنة في نفس القسم (بمعنى المستوى) أو تلك الأعداد الهائلة من التلاميذ الذين ينقطعون عن الدراسة لسبب أو لآخر قبل نهاية التعليم الأساسي أصبح يرهن مفعول كل التضحيات التي تقوم بها هذه الدول لضمان تعليم قاعدي للجميع.

وتشير إحصاءات التعليم في الدول العربية إلى أن الهدر المدرسي يستحوذ على أكثر من 20% من مجمل ما ينفق سنويا على التعليم في هذه الدول(41). ويتجلى لنا من خلال تحليل مسار عينة من التلاميذ وفق معايير حددتها منظمة اليونسكو(42) أنه من بين 100 تلميذ يلتحق بمقاعد الدراسة في السنة الأولى أساسي:

-   67 يصلون إلى السنة التاسعة (46 منهم بعد أن أعادوا السنة مرة واحدة أو أكثر خلال مسارهم الدراسي، و21 دون أن يعيدوا السنة ولو مرة واحدة).

-   39 يحصلون على شهادة التعليم الأساسي (31 بعد أن أعادوا السنة مرة واحدة أو أكثر خلال مسارهم الدراسي، و8 بدون أن يعيدوا السنة ولو مرة واحدة).

وتتبلور أثار الرسوب والتسرب المدرسي بالإنفاق على 13سنة من التمدرس لكل تلميذ من نسبة 67 % الذين يصلون إلى غاية السنة التاسعة أساسي بدلا من الإنفاق 08 سنوات فقط. والإنفاق 25 سنة تمدرس بالنسبة لـ 39% الذين يتحصلون على شهادة التعليم الأساسي بدلا من التسع سنوات الضرورية(43).

وفيما يخص التعليم الثانوي في الجزائر فمن بين 100 تلميذ الذين يلتحقون بالسنة التاسعة أساسي(44):

- 34 يصلون إلى السنة الثالثة ثانوي (29 بعد أن أعادوا السنة مرة واحدة أو أكثر خلال مسارهم الدراسي و5 دون أن يعيدوا السنة ولو مرة واحدة).

- 14 يتحصلون على شهادة البكالوريا (13 بعد أن أعادوا السنة مرة واحدة أو أكثر خلال مسارهم الدراسي و01 دون أن يعيد السنة ولو مرة واحدة).

إن هذه المؤشرات الكمية كافية للدلالة على حجم الرسوب والتسرب في المنظومة التعليمية الجزائرية، مما جعل المسؤولين على القطاع يدقون ناقوس الخطر ويعلنون الحرب على ظاهرة التسرب المدرسي حيت طرح هذا الملف على رجال التربية والتعليم في الميدان لدراسته دراسة معمقة خلال الموسم الدراسي 2000 -2001 مرفق بمذكرة إعلامية رقم 760 بتاريخ 03 ماي2000 صادرة عن وزارة التربية الوطنية التي تحدد التدابير العملية لدراسة الملف وتقديم مقترحات ميدانية وعقلانية قابلة للتنفيذ للتقليص من حجم هذه الظاهرة.

إن حجم الرسوب والتسرب المرتفع المسجل في المنظومة التعليمية بالجزائر وفي كل المراحل التعليمية يتطلب الوقوف وتحليل الوضعية تحليلا منطقيا، وهذا من أجل إيجاد الحلول المناسبة ووضع استراتيجية علمية منظمة لمواجهة هذه المشكلة بشقيها الرسوب والتسرب، خاصة إذا أخدنا بعين الاعتبار تفاقم الظاهرة وازدياد حدتها والجدول التالي يوضح حجم المشكلة في المنظومة التربوية بالجزائر(*).

السنوات الدراسية

الرســـــــــــــــــــوب

التســــــــــــــــــــــرب

التعليم الابتدائي

التعليم المتوسط

التعليم الثانوي

التعليم الابتدائي

التعليم المتوسط

التعليم الثانوي

2008-2009

52690

290810

237114

185656

479319

352839

2009-2010

20737

179208

138153

229915

688124

247725

2010-2011

66914

278515

234810

202934

562955

250232

2011-2012

24394

199334

194729

229794

516115

236120

2012-2013

35038

208530

301280

232297

534021

247058

جدول يوضح أعداد التلاميذ الراسبين والمتسربين في المراحل التعليمية المختلفة بالجزائر

المصدر: المديرية الفرعية لبنك المعلومات -وزارة التربية الوطنية – الجزائر

أما في قطاع التعليم العالي فقد تميز في السنوات الأخيرة بزيادة الطلب عليه مع الارتفاع التدريجي في نسب النجاح في البكالوريا مع تلاشي المسارات التي يمكن لخريج المرحلة الثانوية أن ينضم إليها في المجالات المهنية أو العسكرية أو حتى فرص العمل في الوظيف العمومي، ورغم إنشاء جامعات جديدة في مختلف الولايات مع مختلف المرافق الخاصة بالإطعام والإيواء إلا أن العجز في طاقات الاستيعاب والاكتظاظ الذي تشهده مختلف مؤسساتنا الجامعية أصبح يشكل عائقا في التحصيل البيداغوجي للطلاب، وبرزت ظاهرة تدني مستوى التحصيل عند الطلاب كواحدة من الإفرازات حيت لاحظ الكثير من المهتمين بقضايا التعليم تدنيا تدريجيا في مستوى تحصيل الطلاب الدراسي وضعف في مستوى الخريجين، وزادت نسبة الرسوب والتسرب الذي يتضح من خلال مقارنة نسب الخريجين بالملتحقين الجدد.

إن الإعادة أو الرسوب في التعليم الجامعي ظاهرة عامة نلاحظها في كل الجامعات، بل أنها لا تقتصر على دولة دون الأخرى ولكن تختلف في حدتها وحجمها، وترتفع نسبة الرسوب في الدول المتخلفة وتقل في الدول المتقدمة اقتصاديا وصناعيا، باعتبار أن تطور النظام التعليمي بصفة عامة والتعليم الجامعي بصفة خاصة يرتبط ارتباطا وثيقا بتطور النظام الاقتصادي والاجتماعي لأية دولة من الدول.

ويمكننا الاستدلال على نسبة الرسوب والإعادة في قطاع التعليم العالي بالجزائر بمقارنة النسبة المئوية للطلاب الجدد الملتحقين سنويا بالجامعات الجزائرية مع النسبة المئوية للطلاب المتخرجين سنويا، وإن كان هذا المؤشر لا يعطينا بدقة أعداد الطلاب الراسبين، ولكنها تعطينا فكرة واضحة عن نسبة التسرب سواء تعلق الأمر بالمعيدين أو المتخليين نهائيا عن الدراسة.

إن ظاهرة الهدر في التعليم العالي بالجزائر في حقيقة الأمر واقعا يعيشه الأساتذة والطلبة بالجامعات بالإضافة إلى الأولياء، خاصة وان إعادة الطالب لسنة جامعية أخرى يكلف الدولة أموالا طائلة، كما يكلف الأهل مصاريف إضافية تشكل عبئا على ميزانية العائلة.

إن الدخول والاندماج في النظام العالمي الجديد يقتضي إخضاع النظام التعليمي في جميع مراحله ومستوياته وخاصة في مرحلة التعليم الجامعي ، إلى مراجعة مدى نجاعته ومردوديته في المجتمع ، فالتعليم أصبح الآن ميدان خصب للاستثمار في رأس المال البشري ، وعوائده تقاس في نوعية الخريجين ومدى ملاءمتهم لمزاولة مختلف الأنشطة الاقتصادية في المجتمع، بالإضافة إلى ضرورة الحصول على خريجين بأقل تكلفة ممكنة، وهذا يقتضي وضع استراتيجيات لمواجهة ظاهرة الهدر المتمثلة في الرسوب والتسرب، وهذا من خلال القيام بدراسات علمية تقويمية وتشخيصية بمختلف جامعاتنا.

ومهما يكن من أمر فإننا نعتقد بأن التصدي لمشكلة الهدر بشكليه الرسوب والتسرب يقتضي مراجعة نظام التكوين داخل المؤسسة الجامعية نفسها وهذا من حيت التخصصات الموجودة ومدى ملاءمتها لاحتياجات المجتمع ، المناهج والبرامج وعلاقتها بتطورات العصر ورغبات واهتمامات الطالب ، بالإضافة إلى ضرورة تطوير نظام التقويم والامتحانات و توفير الكتب والمراجع العلمية ومختلف الوسائل التعليمية الحديثة ، والاهتمام بتطوير طرق الإعلام والتوجيه نحو مختلف الشعب والفروع الجامعية ، وتكوين الإطار البشري الذي يؤطر عملية التكوين في الجامعة والمتمثل في الأستاذ الكفء. إلى جانب ضرورة ربط الجامعة بمختلف المؤسسات في المجتمع سواء عن طريق التربصات الميدانية التي يقوم بها الطلاب أو بالأبحاث والدراسات العلمية التي تهدف إلى تطوير المجتمع والرقي به.

خاتمــــة

لقد أصبح من المؤكد أن التربية تقوم بوظيفة تربوية تتمثل في تلقين العلوم والمعارف للأفراد والمساهمة في إنتاج ونقل المعرفة، كما تقوم بوظيفة اجتماعية تتمثل في التنشئة الاجتماعية للأفراد والمساهمة في غرس ودعم القيم الدينية والأخلاقية والمحافظة على الهوية الاجتماعية وتقوم أيضا بوظيفة اقتصادية تتمثل في الاستثمار في الرأس مال البشري وإعداد الأفراد للمساهمة في تطوير الاقتصاد الوطني وتلبية احتياجات قطاعات الصناعة والإنتاج والخدمات بالإطارات المؤهلة علميا وتقنيا. وانطلاقا من ذلك فالتربية أصبح ينظر لها على أنها عملية استثمار مربح تخصص لها الدول والحكومات موارد مالية ضخمة، وأن ما تنفقه الدولة على الفرد في مرحلة إعداده وتكوينه من أموال يعود عليها بعشرة أضعاف عند التحاقه بعالم الشغل.

ومن أجل ترشيد النفقات والتكاليف الموجهة لقطاع التربية والتعليم، تعمل جميع الدول على تحسين الكفاءة الداخلية والخارجية لنظامها التعليمي، من خلال وضع برامج واستراتيجيات واضحة لتحديد حجم الهدر المدرسي (الرسوب والتسرب) في مختلف المراحل التعليمية والعمل على التقليل من نسبته قدر الإمكان، من خلال الاهتمام بإعداد المعلم وتكوينه وتطوير البرامج والمناهج الدراسية بما يتماشى والتطورات العالمية، وتطوير واستعمال الوسائل التكنولوجية في ميدان التعليم.

لقد أصبح الاهتمام بتحسين كفاءة النظام التعليمي ومردوديته ومواجهة ظاهرة الهدر المدرسي من أهم المحاور في برامج الدول والحكومات، نظرا للانعكاسات السلبية لظاهرتي الرسوب والتسرب على المستوى الاجتماعي والتربوي والاقتصادي.

الهوامش والإحالات



الجدول من إعداد الباحث انطلاقا من معطيات المديرية الفرعية لبنك المعلومات بوزارة التربية الوطنية –الجزائر.



أحمد شبشوب، علوم التربية، الدار التونسية للنشر. تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر، 1985. ص281.

المرجع السابق، ص287.

Roland Ouellet, éducation et francophonie, volume XXII, numéro 1, avril 1994, p 6.

محمد أحمد العدوي، الكفاية الداخلية للمؤسسات التعليمية المفهوم وطريقة القياس، الكتاب السنوي في التربية وعلم النفس، دار الفكر العربي، القاهرة،1990، ص155.

نفس المرجع السابق، ص 156.

أحمد شبشوب، علوم التربية، مرجع سابق، ص 270.

محمد عمر باناجه وأحمد محمد أحمد مقبل، قياس جودة التعليم الجامعي عبر مدخلي الإنتاجية والكفاءة -" دراسة حالة: كلية الاقتصاد – جامعة عدن، المؤتمر العلمي الرابع لجامعة عدن" جودة التعليم العالي نحو تحقيق التنمية المستدامة "عدن، 11 – 13 أكتوبر2010 عن موقع:

http://uniaden-adc.com/5thConference_papers/banaga.htm

محمود عابدين، الجودة واقتصادياتها في التربية، دراسات تربوية المجلد السابع، الجزء 44، القاهرة، 1992، ص90.

مرسى، محمد منير، تخطيط التعليم واقتصادياته، عالم الكتب، القاهرة ،1998، ص136.

مرسي، محمد منير، الإدارة التعليمية، أصولها وتطبيقاتها، عالم الكتب، القاهرة، مصر العربية ،1993، ص136.

10) محمود عابدين، الجودة واقتصادياتها في التربية، مرجع سابق، ص90.

11) مرسي، محمد منير، الإدارة التعليمية، أصولها وتطبيقاتها، عالم الكتب، القاهرة، مصر العربية ،1993، ص257.

12) النعيمي، احمد بن ناصر، الكفاءة الداخلية لنظام التعليم بجامعة الأمارات رسالة ماجستير كلية التربية، جامعة عين شمس، مصر العربية ،1988، ص119.

13) حجي احمد إسماعيل ـ اقتصاديات التربية والتخطيط التربوي­: التعليم، والأسرة والإعلام، القاهرة: دار الفكر العربي، 2002، ط1، ص211.

14) محمد عمر باناجه وأحمد محمد أحمد مقبل، قياس جودة التعليم الجامعي عبر مدخلي الإنتاجية والكفاءة، مرجع سابق.

15) حمد أحمد العدوي، مرجع سابق، ص 157.  

16) مكتب التربية لدول الخليج العربي، دليل قياس كفاية النظام التعليمي، الرياض، 1983. ص34.

17) سماك أندريه، قياس الكفاية الداخلية الكمية، مجلة التربية الجديدة، السنة الأولى، العدد الثالث، آب-أغسطس، بيروت، 1974.ص91 -92.  

سماك أندريه، الإهدار الكمي للتعليم الابتدائي في البلدان العربية، مجلة التربية الجديدة، السنة الرابعة، العدد الحادي عشر، أبريل بيروت،1977. ص75.

محمد أحمد العدوي عن:

. UNESCO office of statistics. Statistical study of wastage at school. Unesco.ibe.paris.1972.pp25-26.

20) محمد أحمد العدوي، مرجع سابق، ص 160.

21) سماك اندريه، الإهدار الكمي للتعليم الابتدائي في البلدان العربية، مرجع سابق، ص76،77.

22) سماك اندريه، قياس الكفاية الداخلية للتعليم، مرجع سابق، ص 103،104.

23) محمد أحمد العدوي، مرجع سابق، ص162،163.

24) مرسى، محمد منير، تخطيط التعليم واقتصادياته، مرجع سابق، ص 144.

25)UNESCO: The Redaction of Educational wastage، International conference on Education، Paris.1970. P20.

26) عـبد الجـواد، عبد الله السيد،الفـاقد في التعليم الأساسي، عوامله، وطرق قياسه، وكيفية علاجه، مجلة كلية التربية، العدد الأول، جامعة أسيوط ،1985، ص33.

اقتصاديات التعليم                               http://dr-saud-a.com/vb/showthread.php?t=69573

28) محمد أحمد العدوي، مرجع سابق، ص163.

29) محمد أحمد العدوي عن: world bank. Education: sector policy paper.1980. April. p38   -

30) المرجع السابق، ص32.30.    

31) عبد الرزاق طاهر، الإطار النظري لدراسة الكلفة/الفعالية للسياسات التربوية، التربية الجديدة، السنة الرابعة، عدد11، أبريل1977، بيروت، ص61.

32) محمد أحمد العدوى، الكفاية الداخلية للمؤسسات المفهوم وطريقة القياس، مرجع سابق، ص165.

33) محمد أحمد العدوى، الكفاية الداخلية للمؤسسات المفهوم وطريقة القياس، مرجع سابق، ص166.

34) سماك أندريه، قياس الكفاية الداخلية الكمية للتعليم، مرجع سابق، ص106.

35) عامر الشهراني، الهدر التربوي، جريدة الوطن الكويتية، العدد (504) السنة الثانية، 15 فيفري2002.

36) بن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تحقيق عبد الله الكبير، دار المعارف، القاهرة، (د.ت)، ص257.

37) إبراهيم داود الداود، مشكلة الفاقد التربوي وأسبابها وطرق معالجتها. موجود على الموقع: http://www.bab.com

38) سغواني عاشور، نافدة على التربية، نشرة المركز الوطني للوثائق التربوية العدد 23، جوان 2000.

39) الرشدان، عبد الله، في اقتصاديات التعليم، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2001، ص248.

40) عفيفـي، محمـد الهـادي،مفهوم التسرب وأنواعه، حلقة تسرب التلاميذ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إدارة التربية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، ص75.

41) إبراهيم داود الداود، مرجع سابق.

42) مداخلة السيد أبو بكر بن بوزيد وزير التربية الوطنية الأسبق أمام اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية يومي 09/10 جويلية 2000.سلسلة الملفات التربوية (التسرب المدرسي) رقم06/2001.المركز الوطني للوثائق التربوية. الجزائر، ص3.

43) نفس المرجع السابق، ص 3.

44) نفس المرجع السابق، ص 3-4.