مكانة حمل الطفل ضمن العلاقة المبكرة أم-طفلpdf

-المنظور النفسي لحمل الطفل –

أ.مخلوف وردة

الجامعة الافريقية العقيد أحمد دراية(ادرار- الجزائر)

ملخص :

لطالما استخدم حمل الطفل ضمن العلاقة أم –طفل ،من اجل حماية الطفل و اشعاره بالأمان وقد عرف عدة تغيرات من حيث التصور و الاهمية ،ومن حيث اشكاله.، سنتناول في هذا المقال حمل الطفل من منظور نفسي ،بحيث لا يعتبر سلوكا جسديا فحسب ؛بل ايضا نفسيا ،فهو يسهم في بناء العلاقة المبكرة بين الام والطفل،وفي تكوين الأنا لديه و في تحفيز نموه النفسي كما الجسدي.

الكلمات المفتاحية:العلاقة أم- طفل - حمل الطفل –   تكون الانا -النمو النفسي -

Résumé :

Le portage dans la relation mère-enfant, il a toujours pratiquer pour protéger

L’enfant ; et pour le sécuriser.il a connais des. Modifications au niveau de sa représentation, son importance et ses modalités ; on va aborder le portage d’un point de vue psychologique ; dont il est non seulement physique mais aussi psychique, et il participe à l’installation de la relation précoce mère –bébé, laconstruction du moi de l’enfant et de développement psychique et somatique.

Mots –clés : relation mère-enfant- le portage- construction du moi- développement psychique

Abstract:

The port in the mother-child relationship , he always practice to protect

The child ; and for a sécuriser.it know of . Changes in its representation , its importance and its models; we will approach the port from a psychological point of view ; which is not only physical but also mental, and participates in the installation of the early relationship mother -child , construction of childself child and his psychic and somatic development .

key Words : mother - child- relationship - construction of self -psychic development.

.

مقدمة:

يعتبر حمل الطفل" le portageأحدى أهم الممارسات التي تقوم عليها العلاقة بين الأم والطفل منذ بداية حياته، وقد شهدت الثلاثون سنة الاخيرة تزايدا ملحوظا في الاهتمام بدراسة هذا الشكل من الممارسات الامومية بأنواعه المختلفة المنتشرة عبر العالم،وهذا ما ادى الى تشجيع المجتمعات الغربية خاصة على تبني أشكال جديدة لحمل الطفل ،كانت في السابق حكرا على مجتمعات بعينها ،كطريقة الحمل باستخدام الحرام " portage en écharpe" والتي تستخدم بشكل واسع في افريقيا ،كما تشير الدراسات الانتربولوجية حول الموضوع ،الى ان البشرية عرفت طريقة الحمل على الظهر منذ ملايين السنين ،مع ذلك استخدامها و مغزاها، هو مختلف من مجتمع لاخر،ومن حقبة زمنية لأخرى وهذا الاختلاف مرده الى اختلاف التصورات و المكانة التي تحتلها فئة الاطفال ضمن مختلف المجتمعات .

ومن الجدير بالذكر ان حمل الاطفال كممارسة ،وكعلاقة قائمة على التواصل و الاحتكاك الجسدي بين الام وطفلها،دون اللجوء الى اداة للحمل ،عاد للظهور بشكله التقليدي السابق ،في فترة السبعينيات وتحديدا مع الحملة التي دعى اليها بعض المختصين في مجالالطفولة تحت شعار العودة الى الطبيعة « retour à la nature » .

وكان من بين اكثر السيكولوجيين اهتماما بهذه الممارسة الاموميةWINNICOTT. D(1971)اذ اعتبر ان الحمل وجد كسلوك امومي لتوفير الحماية للطفل ،وهو يتم على المستويين الفزيولوجي الجسدي وكذا النفسي الذهني وهذا ما فصل فيه من خلال تنظيره حول مصطلحي handling/holding.،وهذا ما يجعل من الحمل سلوكا تفاعليا يبدأ حتى قبل ولادة الطفل ،ويستمر معه عبر مراحل نموه المتعاقبة ،بل و يحضره ليصبح بدوره حاملا بعد ان كان محمول

وانطلاقا من هذا الطرح ارتأينا ان نصوغ الاشكالية على النحو التالي :

الاشكالية : فيما يتضح حمل الطفل في مستواه النفسي ،ضمن العلاقة بين الام و الطفل ؟وما مدى اهميته في بناء العلاقة المبكرة بينهما ؟وما هي ااثارهعلى تكوين دعائم شخصية الطفل مستقبلا،و على وتيرة نموهالنفسجسدي؟

وكانت الفرضية المقترحة للاجابة عن هذا التساؤل هي الآتي

يعتبر حمل الطفل وسيلة اساسية لبناء العلاقة المبكرة بين الام والطفل، ومن خلاله تقدم الام لطفلها الوعاء الذي يحتويه ،نفسيا وجسديا، يتيح له بناء ركائز شخصيته.

1-مفهوم حمل الطفل: يقصد بالحمل هنا ،حمل شخص من طرف شخص أخر ،في علاقة ثنائية بين حامل ومحمول ،بحيث تتميز هذه العلاقة باللاتوازي ،وبتبعية الطرف المحمول لحامله ،واعتماده عليه في تنقله وفي استكشافه للمحيط الخارجي،كما يمكن أيضا أن نتناول الحمل بوصفه تقديما للمساعدة، توفيرا للراحة و الامان، وايضا كإعطاء للسند. وهنا تحديدا يتمثل الطرفين المعنيان بعملية الحمل الام و طفلها ،بصفتها الشخص الاكثر تفاعلا مع الطفل في أغلب الحالات.

والحمل كما يشيرE.T.Hall(1978)هو علاقة تتم عبر التداخل الجسدي بين شخصين،بحيث أن المسافة المتقاربة و الحميمية التي يحدث فيها هذا التقارب الجسدي ،تتيح المجال للاتصال عن طريق الملامسة ،تبادل النظر ،الحضربة ،وتيرة التنفس.فهي اذن علاقة اندماجية و احتوائية أيضا.وأيا تكن طريقة الحمل المستخدمة من طرف الأم ،فإنها وبلا شك وضعية تقوم بتفعيل مجموعة من العناصر و المتغيرات من بينها نمط التعلق،وظيفة الاحتواء اللاتمايز/الاستقلالية،التحاور الجسدي (الحضربة).

2-طرق حمل الطفل عبر العالم:على امتداد السنوات و القرون ،تغيرت منزلة الأطفال في المجتمعات الانسانية ،وتبعا لهذا التغير تغيرت أيضا طرق التربية و الرعاية المقدمة لهم، فقد نجد الطفل في حقبة ما من الزمن ،يرضع طبيعيا لفترة مطولة، ثم نجده في وقت اخر يتغذى على الرضاعة الاصطناعية و يتم فطامه مبكرا خلال الاشهر الاولى من حياته ،قد نجده يتشارك مع والديه سريرهما و غرفتهما، ثم نجده في وقت لاحق ينام منفردا وبشكل مستقل في غرفته، وبالنسبة لحمله فتستخدم وسائل خاصة لذلك كالسلة الخاصة بهذا الغرض ،ثم نجده في حين اخر يحمل ملتصقا تماما بجسد حامله ،باستخدام قطعة من قماش .هذه التغيرات في التعامل مع الفل تعكس بوضوح مدى تأثر التصورات الجمعية ،والسلوكيات بما تنتجه النظريات و الابحاث في هذا المجال،(ف.قنطار،1992) ولكن مع ذلك من الواضح أن هذه التغيرات الكثيرة التي شهدتها دول المصنعة، يقابلها الكثير الاستمرارية و المحافظة على نفس الوتيرة ،في توريث نفس الانماط السلوكية في التعامل مع الاطفال في المجتمعات الاقل تمدنا كإفريقيا الغربية مثلا.

تختلف طرق المستخدمة في حمل الاطفال والرضع حاصة ،من مجتمع الى أخر فهي مرتبطة بشكل وثيق بالمعتقدات ،والتصورات الجماعية و الخصائص الايكولوجية للمحيط الحيوي الذي تعيش ضمنه الام وطفلها،كما أن معانيه و أبعاده تختلف أيضا.

تشير دراسة للباحثين في مجال الطفولة المبكرة F-Béatrice & C- d’Harcourt (2006)الى أن حمل الطفل في بوركينافاسو مثلا ،هو بمثابة وسيلة لحماية الطفل من التعرض لمس الجن، فتركه على الارض وعدم حمله قد يؤدي الى اختفائه واستبداله بأخر مجنون .....أما في الكاميرون ،فيستخدم حمل الطفل بواسطة الخمار لتسهيل ارضاعه كلما اراد الطفل ذلك،كما يحمل الطفل على الظهر في غينيا الجديدة ،أو حمله "بطريقة الكنغر" في كولومبيا ،والمكسيك من أجل جعل الطفل يعايش من جديد خبرة مماثلة للوضعية الرحمية مما يطمئنه و يشعرهبالأمان.وقد شاع استخدام هذه الطريقة مآخرافي الاوساط الطبية المهتمة برعاية الطفولة ، لا سيما الاطفال " الخدج " المولودين قبل الاوان نظرا لفوائدها الجمة ،بحيث أن إبقاء الطفل في وضعية "الكنغر"ملتصقا بأمه يجعله محميا ومأمننا من طرفها ويحفز وتيرة نموه،وقد أطلقت الطبيبة Cuadalupe Santos(1992) بالمكسيك برنامجها الخاص لحماية الاطفال الخدج تحت اسم "الام الكنغر" « mère kangourou »بحيث تحل الام محل الحاضنة الاصطناعية.(Fontanel , d’Harcourt..2000)

و حسب ابحاث Blandine Bril(2008) يحمل الاطفال في بوليفيا داخل سلة مخصصة لهذا الغرض،كما يحملون في اليمن ،على الكتف بعد ان يوضع الطفل داخل سلة مصنوعة من جلد الماعز أو الضأن ،أو يتم ربطهم بإحكام على ظهر الأم بواسطة قطعة قماش، في مناطق أخرى من العالم كبلدان المغرب العرب. وهذا الاسلوب في حمل الطفل يستخدم عادة لجعل الطفل يشارك في كل الانشطة اليومية للعائلة،وايضا لتهدئته وهدهدته مما يسهل تنويمه،اذ أن حركات الأم وتنقلاتها وهي تحمل طفلها تشعره بالأمان والسكينة.

كما أن الطفل في مجتمع البامبارا بأفريقيا، بعد ان يصبح الطفل قادرا الحفاظ على استقامة رقبته، تربطه الام الى ظهرها بواسطة خمار ،ممما يسمح له بأن يكون في نفس مستوى الارتفاع عن الارض كما الراشدين،وهذا يجعله يشارك عن قرب في مختلف نشاطات الام ،ويلاحظ كل ما يجري حوله ،وتشير الدراسات الى أن حجم الوقت الذي يقضيه الطفل محمولا يتناقص تدريجيا مع تقدمه في النمو من 80بامئة في سن شهرين الى حوالي 20 بالمئة في سن سنة، لتعوض طريقة الحمل هذه بطريقة الحمل على الارداف(على الجانب) (كما أن أسلوب الحمل يتباين ويتغير تبعا لقدرات الطفل الحركية ،ولوضعيته (نائم أو مستيقظ)،فالرضيع النائم ،أو حديث الولادة يربط و يحاط و يسند جيدا خاصة في منطقة الرقبة، في حين الرضيع المستيقظ أو اكبر سنا تترك اطرافه طليقة ليتحرك بحرية.T.Aminata et collab., 2006) ) .

في مدغشقر تستخدم الأمهات أيضا قطعة من قماش قطني غالبا،منأجل حمل الطفل على الظهر ،او على الجانب مما يجعل الطفل في احتكاك جسدي يكاد يكون دائما بينه و بين الام ،وقد لوحظ أنه يسهل عملية الهضم ، وأيضا يسهل التخلص من ~الام المغص المعوي الذي يعاني منه جل الاطفال الرضع في بداية حياتهم،اضافة الى كونه منبها قويا للنمو،بحيث يساهم في تسريع وتيرة اكتساب الوضعيات الجسديةالمختلفة (الجلوس-الحبو- المشي) والنمو الحركي عامة.( Thiam.A et collab. ,2000 p55)).

ان وجود الطفل في مدغشقر لوقت مطول على ظهر الام،يجعله مشاركا في مختلف أعمال امه ،و يمكنه من استكشاف تفاصيل بيئته عن كثب،يسمح له فيما بعد ببناء الفة خاصة مع عناصر هذه البيئة ،والاكتساب و التعلم عن طريق التقليد،وينمي لديه الحس الجماعي كونه في تفاعل دائم مع أفراد عائلته الكبيرة.ان هذا الاسلوب في حمل الطفل في مدغشقر يمثل فرصة مهمة للتيقظ والتحفيز لصالح هذا الطفل.( Thiam.Aet collab. ,2006)

ومن الملاحظ هنا أن هذه الطرق المعتمدة في حمل الطفل تشترك في تركيزها على التداخل و القرب الجسدي ،وايضا عدم ترك الطفل اطلاقا بمفرده بعيدا عن الشخص الراشد. وبالرغم من أنها قد تبدو متشابهة و متقاربة الا أن معناها وأهميتها تختلف من مجتمع لأخر ، فطريقة الحمل باستخدام الخمار ،تندرج ضمن سيرورة التوارث الخاص بنماذج التربية،و الرعاية للطفل في المجتمعات الافريقية،في حين أنها في الدول الغربية ،أضحت وسيلة لبناء العلاقة مع الطفل و التواصل معه بشكل أفضل من ذي قبل.

في السياق ذاته يشير H-Stork الى ان هذه الممارسات تندرج ضمن نمط التفاعل أم-طفل من النوع الاندماجي أو التباعدي (distantial/proximal)،بحيث يستجيب كل نوع منهما لخصوصية بيئات ثقافية متباينة،كما أن هذا النمط التفاعلي يكون له مستقبلا أثر واضح في تحديد معالم شخصية الفرد ،وفي ضمان نمو نفسي و جسمي سوي و متناغم.( Thiam.A et collab. ,2006)

3-سلوك النوم (الهدهدة أو تنويم الطفل): يرتبط سلوك حمل الطفل بسلوك الهدهدة بغرض تنويم الطفل، ويمكن القول أن الهدهدة هي سلوك فطري وعالمي، يوجد ويمارس ضمن كل الثقافات .ويتبنى الاتجاه النفسي منظوره الخاص في تقييم هذا السلوك ،بحيث يعتبر أن الهدهدة تعيد للطفل ما تم انتزاعه منه في لحظة الولادة . "فالوعاء الحاوي ، ونبض الأم، و الأرجحة بشكل لطيف داخل السائل الامنيوسي" كلها احساسات يمكن للطفل معايشتها بشكل اخر خارج الرحم من خلال عملية الهدهدة حسب Bril(2008).

وقد لفت انتباه بعض الباحثين في الانتروبولوجيا أنهم خلال رحلاتهم الى مناطق الهند،مناطق القطب الشمالي (شعب الاوتوشون)

لم يسمعوا بكاء الاطفال نظرا لأنهم كانوا يحملون من طرف أمهاتهم طوال الوقتـ و يتم ارضاعهم حسب الطلب،كما أن الطفل في هذه المجتمعات ينام بجانب أمه الى غاية سن الفطام .

وفي الوقت الذي يلح فيه الاباء في المجتمعات المتمدنة الى اتخاذ غرفة خاصة بالطفل ،وجعله ينام بمفرده في مهده الخاص منذ ايامه الاولى،لأن ذلك يساعد الطفل في النوم بهدوء بعيدا عن ضوضاء المنزل و عن التيارات الهوائية .نجد بالمقابل في مجتمعات أخرى الطفل ينوم في أي مكان تتواجد فيه أمه(في الحقل ،في السوق ،في الشارع) ،وتحت أي ظروف ،بحيث لا أهمية للهدوء أو للمهد أو للاضاءة أو غيرها من العوامل التي قد تشكل عائقا لنوم الطفل في المجتمعات والبيئات الغربية كما أن هذا الطفل لا يمتلك فضاءا خاصا به ،بل يشترك مع بقية افراد العائلة في استخدام فضاء مشترك.ويشير Bril الى أن الطفل في مجتمع "البامبارا" في افريقيا يقضي قرابة 80 % من وقت نومه، مربوطا على ظهر الام.

وفي الهند و المكسيك نجد شكلا اخر للمهد ،وهو في شكل أرجوحة يوضع فيها الطفل ويهز ويهدهد من طرف الام أو فرد اخر من العائلة حتى ينام، نفس الشئ نجده في مدغشقر حيث تتولى الام أو أحد أفراد العائلة مهمة هدهدة الطفل حتى ينام ،و هو لا يترك مطلقا بمفرده ،ويستمر في النوم قرب الام الى غاية أن يصبح بإمكانه النوم رفقة اخوته الاكبر سنا.

في مدغشقر ليس هناك في السكن العائلي،تخصيص أو تقسيم للفضاءات ،وانما يحوز كل فرد من افراد الاسرة ،على مكان صغير للنوم ،والشيء ذاته بالنسبة للطفل ،اذ لا تخصص له غرفة ولا مهد،ووجوده خلال الليل قرب الام يسهل عليها ارضاعه كلما اراد ذلك ،كما أن وجوده قرب والديه يشعره بالأمان ويسهل حدوث الانتظام التدريجي لإيقاع النوم لديه. وقد لوحظ كذلك ان الطفل في مدغشقر ،لا يبدي ارتباطاـ بــــ "موضوع انتقالي" محدد، بحيث يطلبه عند النوم ،وانما يعتمد في نومه على ان يطالب أحد والديه بحمله ،أو أن يأتي للنوم بقربه بحيث يتلهى و يتسلى باللعب بأحد أجزاء جسمه (في الغالب حلمة ثدي الام،أو أذنها ) وهي مواضيع تحل غالبـــــــــــــــــــــــا محل « le doudou » ،وهذا الامر يوضح وجود شكل خاص من التعلق بين الطفل ووالديه كما ان مستوى احتياجاته العاطفية الذي يبدو مرتفعا،وهذا الحد من التعلق لديه الذي قد يبدو مفرطا ،لا يشكل مع ذلك أي مشكلة أو انشغال لوالدي الطفل ،بل ينظران اليه كمرحلة عابرة لا بد للطفل من المرور بها،حتى يكتسب القدرة على الانفصال و الاستقلالية ،تماما كما يكتسب القدرة على التحكم في وظائف الاخراج تدريجيا.وهذا يكون له أثره الواضح على نمو الطفل فيما بعد بحيث لا يتعرض لاضطرابات النوم ،ولا لاضطرابات نفسية اخرى لأنه حصل على السند والدعم الكافي من طرف والديه عندما كان بحاجة ملحة الى ذلك     ( T.Aminata et collab. ,2006 p56)

وحتى نوسع دائرة التفكير حول موضوع حمل الطفل- وتحديدا من حيث بعده النفسي-تجدر الاشارة الى أن الفعل " حمل" والمصدر منه "الحمــــل" ،يستخدمان في الخطابات العامة ،والمحاورات بأشكال مختلفة، تخدم التصور النفسي للكلمة، فيقال مثلا فلان يحمل أفكارا مميزة ،أو فلان يحمل عبأ كذا... .أو هذه المرأة تحمل الحياة.. هذه التعبيرات في الحقيقة هي تعبير صريح عن كون الحمل ليس سلوكا جسديا ظاهريا فحسب، وانما هو ايضا سلوك ذهني ونفسي داخلي يجري على مستوى عقلاني ،أو لنقل رمزي .

بيد أن هذا السلوك ليس حكرا على مرحلة الطفولة، وانما يلازم الفرد طيلة حياته بحيث يستمر كحامل لشخص ما، أو كمحمول من طرف شخص اخر. وانطلاقا من هذا المنظور النفسي يمكن الحديث عن أصناف مختلفة للحمل،تشترك جميعها في كونها علاقة تفاعل تتداخل فيه مجموعة من المتغيرات المتعلقةبالحامل و بالمحمول(الطفل/ الام).

4-سلوك الحــــــمل من المنظور النفسي:

4-1 الرغبة كشكل من اشكال الحمل :يقصد بالرغبة وجود أمنية أو حلم أو احتياج   خاص ،يرغب الفرد في تحقيقه،وتشير ادبيات التحليل النفسي الى أن الرغبة ما هي الا إعادة انتاج -في شكل هلوسي- للادراكات ،نظرا لأن الرغبة لا يمكن أن تتحقق أبدا ، بشكلها المفترض على أرض الواقع.حسب ما يشير له)بونتاليس، لابلانش ).

والرغبة في انجابطفل، قد تقع على قمة هرم رغبات الوالدين ،إذ أن داخل كل منهما صورة لطفل خيالي ، يحلم بالحصول عليه يوما ،والتي تندمج ضمنها صورتين ،صورة الطفل الخيالي الذي كانه الوالد أو الوالدة في طفولتهما الشخصية،وصورة للطفل االمثالي الذي ينبغي لطفلهما ان يكون على منواله .ويشير (1997)Bydlowskiالى أن الرغبة في انجاب الطفل هي الترجمة الطبيعية للرغبة الجنسية ،في وظيفتها الاجتماعية الموجهة نحو ضمان استمرارية الجنس البشري ،ووظيفتها الفردية الموجهة نحو توريث التاريخ الشخصي و العائلي للوالدين ،كما يمكن أن يكون المحرك الاساسي لهذه الرغبة هو شخصي فردي مرده الى رغبة الفرد في نقل اسمه ،وخبرته و سماته الى سليلـه وخلفه. كما ينتظر من هذا الطفل المرغوب فيه، أن يكون تصحيحا للأخطاء ،و الهفوات النرجسية المرتبطة بالتاريخ الطفلي للأبوين.

يمكن اعتبار الرغبة في انجاب طفل ،هي صنف من أصناف الحمل من منطلق كون الابوين يحملان في فكرهما وفي مخيلتهما، طفلهما المستقبلي ،كما يمكن اعتبار الطفل بذاته حاملا لرغبة هذين الوالدين ،ولحلمهما و لحبهما أيضا ثم لإسمهما لاحقا، وتعتبر مرحلة الحمل البيولوجي بالطفل محطة رئيسية تمر بها الثنائية الزوجية و تسمح لها بان تتكون من جديد تبعا لهذه الوضعية الجديدة، وتجعل الوالدين يستعدان لحمل الطفل جسديا بعد أن حملاه نفسيا وذهنيا. الحمل البيولوجي هو ايضا فرصة للاستعداد لعمل مواجهة بين الطفل الخيالي الاستيهامي ،و الطفل الحقيقي .فالحمل البيولوجي هو صنف اخر من أصناف الحمل بحيث ان المرأة الحامل تحمل الجنين فيزيولوجيا ،بحيث تمده بكل ما هو مهم واساسي لنموه(التروية الدموية- الاكسجين – الغذاء...) ،كما أنها تحمله نفسيا فهي تستشعر وجوده منذ الشهور الاولى للحمل،وتوليه اهتمامها، ويتحول اهتمامها هذا خلال الشهر الأخيرة من الحمل الى حالة من الانغلاق على الذات ،و ميل الى النكوص وهذا ما يجعلها تعيش حالة نفسية خاصة أ سماها Winicottبــــــــ"الانشغال الأمومي الاولي" فهي تحضر الأم لأن تكون في وضع مناسب ،ومتكيف مع متطلبات طفلها القادم.

4-2 الحمل من خلال التفاعلات اللفظية و البصرية: بعد ولادة الطفل بكون في حالة تبعية تامة لمحيطه ،فهو يعتمد على أمه في تحقيق كل احتياجاته الاساسية كالحصول على الغذاء ،و العناية بنظافته،و استقرار نومه وشعوره بالأمان والراحة ،وايضا للحصول على الحب والمداعبة و الدعم والحماية من الاستثارة المفرطة،فالطفل يحتاج الى أن يكون معترفا به ،مرغوبا فيه ومحبوبا بما يمتلكه من خصائص و قدرات،و ايضا أن يحظى بالتشجيع عندما يقوم بالمبادرة الى استكشاف محيطه.و الام تتولى مهمة الاستجابة لهذه الاحتياجات عن طريق التحدث الى طفلها و متابعته بالنظر،وهي من خلال ذلك تقدم صنفا اخر من أصناف الحمل عن طريق النظر و الكلام وتأمن احدى أهم وظائف الحملوهي الاحتواء،و هذا الاحتواء المأمن عن طريق النظر والكلام، يسهم في بناء الوعاء النفسي« l’enveloppe psychique »للطفل، واحتوائه نفسيا وسنعود لاحقا للتفصيل في ذلك عن الحديث عن هذه الوظيفة.

الام من خلال صوتها الذي يكون الطفل قد تعود سماعه منذ وجوده في الرحم ،ثم اصبح بعد ولادته مهما في جعله تهدئته وطمأنته ،وتشجيعه و التواصل معه اعبر السجل الانفعالي، يمثل وعاء صوتيا حاويا وساندا لأنا الطفل،كما يمنحه الاحساس بدوام الموضوع

وتبادل النظرات، يسهم بدوره في وظيفة الاحتواء ،فالنظرة الحيوية و المشجعة للطفل ،تقدم له المساندة و تزوده بالثقة اللازمة للمضي في استكشاف بيته المحيطة.فالنظرة لها دورها الداعم و المساند للطفل في كل مراحل نموه،وهو ييدي اهتماما بالتواصل البصري منذ ولادته عن طريق المتبعة البصرية للمواضيع ،و تقاطع النظرات بينه و بين الام ،وهذا يساعده في القيام بتثييت نظره ،واكتساب القدرة على التحكم في حركة الرأس و الرقبة ومختلف الوضعيات الجسمية الاخرى(PEREZ, 2011) .

كما يشيرG.Haggالى أن الام و طفلها عندما يتبادلان النظر،فان ذلك يمثل وصلاتنفسحركية ، لان الطفل هنا يحمل على المستويين النفسي و الجسمي، وهذه الــــــــــــــوصلات النفسحركية،تترك بصمتها و أثرها،و تساهم في تكون الجسم و النفس ،وهنا يتحدث G.Hagg عن" الأنا الجسماني" le moi corporel )(Souchon ,2012,p13

حيث أن الطفل يكون فكرته عن حدود جسمه ،و يبني وحدته النفسجسمية ،انطلاقا من الخبرات الحسية ومختلف المعلومات القادمة من الحواس بما فيها البصر،والخبرة الحسية الثي يكتسبها الطفل من التلامس الحادث بين شفتيه و حلمة الثدي و التفاعل البصري حينذاك ،يعتبر معايشة لأولى خبرات الاحتواء.فالحمل هنا يتجسد في تأمين الام لوظيفة احتواء الطفل، ومساندته اعتمادا على التفاعل الصوتي والبصري.

4-3 الحمل من خلال خبرات التواصل الجسدي: يحدث الاحتكاك و التواصل الجسدي بين الام و طفلها خلال مختلف الممارسات المتعلقة ب(الرضاعة /التغذية ،التنظيف ، التدليك ،المداعبة ،الهدهدة......)،هذه الخبرات قد يتعرض الطفل لها تلقائيا وبشكل طبيعي ،أو عن طريق التخطيط لها من طرف الام كما هو الحال في ورشات التدريب على حمل الطفل بطريقة الكنغر أو باستخدام الخمار المخصص لهذا الغرض.

عند الولادة يفقد الطفل فجأة كل المعالم المكانية التي يكون قد اسسها وتعود عليها خلال مرحلة الحمل،وهذا قد يخلق لديه حالة من القلق و الانزعاج "صــــــــــد مــــــة الميلاد" ،ولكن وجوده من جديد بين ذراعيي الام ،وفي احتكاك مباشر معها ،يعيد اليه من جديد ما فقده ويمنحه احساسات كان قد الفها في السابق (صوت الام-رائحتها نبضها-وتيرة تنفسها)،بحيث تستثار كل حواسه بفعل هذه الخبرة المميزة ،والتي تصبح بمثابة استمرارية للحياة الجنينية ،وحسب(1996)Gaubertiهذه الخبرة تسمح للطفل بأن يستشعر حدود جسمه،و يكون معرفته المبكرة عن الفضاء المكاني،فكل الاثارات الحسية و الادراكات التي يتعرض لها جلد الرضيع تقدم له حقائق ادراكية ،ستدعم بناء الحدود الفاصلة بين الداخل و الخارج « les frontières entre le dedans et le dehors de corps »كما أنها تؤسس "الانا الجسماني" الدي يسبق ميلاد "الأنـــــــــــا النـــــــفسي" ويمهد له الطريق. وهذا ما أشار له Freud(1924)في قوله " االأنا قبل أي شئ هو أنا جسماني"

والطفل بين ذراعيي الام ،يكون بمعزل عن التهديدات و الاخطار الاتية من البيئة الخارجية ،ويكون اكثر قدرة على تحمل الاستثارات و التهديدات الداخلية، و يبني فكرة ايجابية عن محيطه ،كما يحصل على الحماية والأمن بالقدر الكافي ليذهب بعيدا في استكشاف بيئته المحيطة.

على المستوى العلائقي أيضا ،يعتبر حمل الطفل تفاعلا غنيا بالإحساساتوالانفعالات ،فهو يكفل التقارب على المستوى الجسدي وكذلك النفسي ،وهذا يمكن الام من توهم وتخيل استمرارية أشهر الحمل ،أين كان هذا الطفل جزء لا يتجزأ من كيانها ,ووجوده متوقف على وجودها بحيث لا تكون الابه ،ولا يتواجد الا بها.وهذا المعنى الرمزي لحمل الطفل ،يظهر بوضوح لدى بعض القبائل الافريقية التي تسمي طريقة الحمل عن طريق الخمار، بنفس تسميتها للمشيمة.

فحمل الطفل من طرف الام بقدر ما يمنحه السكينة و الهدوء، يمنح الام تقديرا نرجسيا ،واحساسا باكتمال دورها الامومي وبكونها تؤديه بامتياز.

4-4الحمل من خلال وضعيتييholding/Handling: حسب D.winicottالام التي تستطيع الاستجابة لاحتياجات طفلها بشكل مناسب ،تعتبر أما جيدة بالقدر الكافي « une mère suffisamment bon » فالأم تستشعر احتياجات طفلها ،وتقوم بتلبيتها بشكل متكيف، كما أنها ومن خلا ل وظيفتها الأمومية ،تساهم في النمو النفسي و الجسمي لطفلها.

تعرف الوظيفة الامومية Hodlingمجموع خدمات الرعاية المقدمة للطفل، بغية تلبية حاجاته الفيزيولوجية الاساسية على حسب ما يمتلكه من قدرات حسية (بصرية وسمعية ولمسية )، ولهذه الوظيفة أهمية بالغة في الحفاظ على الطفل و مساندته. وبواسطة رخصة حمل الطفل الام تقدم له مساندة نفسية أيضا و تدعم تكون الأنا لديه ،و هذا ما سيساعده على بناء ذاته » « son self. (Souchon ,2012)

ويؤكد أن الام قد تحمل طفلها حتى وهو ليس بين ذراعيها ،فهي تواصل التفكير به و القلق لأجله،وتوضح ذلك من خلال حديثها عنه ،والتعبير عن مشاعرها وعاطفتها اتجاهه.

أما الوظيفة الثانية « Handling » فيقصد بها الملامسة ،والجس وهي الكيفيةالتي يعامل و يداعب ويلامس ،ينظف و يلبس ويطعم بها الطفل من طرف أمه. و الظروف و النتائج المتعلقة بهذه الوظيفة ، تؤثر بشكل خاص على التوظيف العقلي للطفل ،وعلى الروابط المشكلة بين النفس و الجسد.Trombiniet.Baldoni(2005) « l’intégration psychosomatique »

وبفضل هذه الوظيفة يكتسب الطفل   معرفته للحدود الفاصلة بين ذاته والبيئة الخارجية ،ويبنى مخططه الجسمي.كما يكتسب القدرة على الاعتماد على امكانته الخاصة النفسية و الجسدية، والقدرة على التواجد بمفرده دون أن يضطرب أو يدمر بسب ا لقلق.

ويؤكد .winicottعلى اهمية الصيانة والمحافظة على الطفل خلال وضعية الحمل ،ويذهب ابعد من ذلكالى اعتبارحمل الطفل ،مهارة و كفاءة « un savoir –faire » تمتلكها الأم على الصعيديين الجسدي و النفسي،وهو قبل ذلك « un savoir-être »،بحيث يرتبط بشكل وطيد بالسمات و الخصائص النفسية للأم .وهذا يحيلنا الى الحديث عن عنصر هام في وضعية الحمل وهو العوامل والمتغيرات التي تؤثر في الكيفية و الطريقة التي يحمل بها الطفل ،سواءاالمتعلقة منها بالشخص الحامل (الأم) ،أو بالمحمول (الطفل).

5-اشكالية الجانبية في حمل الطفل: (le biais de portage): توصلت الابحاث التي تخص الكيفية التي يحمل بها بنو البشر أطفالهم الى وجود سيطرة الحمل على الشق الايسر من الجسم ،فالدراسات الي أجريت في مناطق (امريكا - اوروبا- اسيا ) الى عدم وجود فرق في استخدام هذه الكيفية بين مختلف البيئات الثقافيةحسبكل من (Harris, Almerigi, Cabary&Fogel,2001 ;Vauclair&Donnot (2005) ،ونفس النتيجة توصلت لها دراسات أخرى في داكار بافريقيا و بجنوب افريقيا و سيريلانكا ،و التي أكدت على وجود الهيمنة الجانب الايسر في الحمل ،وقد ظهر هذا بشكل ملفت للانتباه لدى النساء، دون الرجال ممن يحملون الطفل حسب Bruser(1981), Saling et Cooke(1984).

هناك العديد من الفرضيات،التي اعتمدت في تفسير هذا الشيوع و الانتشار لكيفية الحمل على الجانب الايسر من الجسم ، لدى الامهات عبر العالم ،سنحاولالاشارة الى أبرزها

5- 1تأثير نبضات القلب على الجانبية في الحمل: نتطرق هنا لرأي Salk(1960) ،و الذي ربط بين الحمل اليساري لدى الام ، وتموقع قلبها في الشق الايسر من الجسم، فالجنين الذي ألف الاستماع لنبضات قلب الام خلال المرحلة الجنينية، يصبح هذا الصوت مهدءا ومطمئنا له بعد الولادة ،وبالتالي الام- لا شعوريا – تحمله على الجانب الايسر لان ذلك يشعره بالراحة و الامان،

5-2 تأثير جانبية الاستخدام اليدوي للحامل : جانبية الاستخدام اليدوي للشخص الحامل،تبدو جد مؤثرة في تحديد حمل الطفل على أحد الجانبيين الايمن أو الايسر ،ومن خلال الدراسات الميدانية التي أجريت حول الموضوع من طرف الباحثين (Manning,Matheson &Turnbull,Harris,Donnot ,Vauclair&Scolaكان المبرر الاول لدى كثير ممن سألوا عن سبب استخدامهم للحمل على الجانب الأيسر، هو الحرص على ترك اليد اليمنى (المهيمنة في الاستخدام اليدوي) حرة طليقة لاستخدامها في نشاطات أخرى عند حمل الطفل.

5-3تأثير التخصيص الجانبي لنصف الكرة المخية(spécialisation hémisphérique):، فالأم وهي تحمل طفلها على الشق الايسر من الجسم ،يمكنها ملاحظة و مراقبة التعبيرات الانفعالية لطفلها ،وتغير تعبيراته الوجهية بشكل دقيق ،من خلال المجال البصري الايسر الخاضع طبعا لسيطرة الشق الايمن من المخ،(Bryden&Levy,1983) كما أن   الادراك السمعي للانفعالات ،له دورها يضا فالأم عندما تحمل طفلها تستخدم صوتها في التعبير عن حبها وعاطفتها اتجاهه ،و يكون من السهل عليها ملاحظة انفعالات الطفل ، باستخدام الشق الأكثر كفاءة في معالجة الانفعالات، من الكرة المخية (أي الايمن) وقد دعمت هذه الفرضية بعدة دراسات ميدانية تجريبية.(دراسة Manning et Chamberlain 1990)

والتي خلصت الى أن حمل الطفل على الجانب الايسر من الجسم ،يسهل عملية التواصل الانفعالي بين الام و الطفل،كما أن الطفل يكون وضعية تسمح له برؤية الشق الايسر من وجه أمه (وهو الشق الاكثر تعبيرا لدى أغلب الافراد حسب1978.( Sackiem , Gur  , Saucy) ،ومن تم فان الحمل على الجانب يبدو أكثر ملائمة لاحتياجات الطفل العاطفية.

6-تأثير الحمل على النمو النفسي الحركي للطفل:

6-1استثارة و تحفيز نمو الطفل : ان الاطفال الذين يحملون باستمرار ،تمنح لهم الفرصة لاختبار كم هائل من المثيرات القادمة من البيئة الخارجية، والمشاركة في مختلف الانشطة عن قرب وفي نفس مستوى ارتفاع الراشد عن الارض ،طبعا مع توفر الحماية الكافية لهم خلال ذلك بفضل التواصل الجسدي ،وهذا على خلاف الاطفال الذين يتركون بمفردهم في غرفهم الخاصة ،أو جلسين في مقاعد مخصصة لهم .ومن جهة اخرى تسهم الحركات النمطية المرافقة للحمل (الهدهدة) في استثارة نمو الجهاز العصبي للطفل ،و نمو الحضربة في منطقة الرقبة و الظهر ،و تكسب الطفل القدرة على التكيف مع مختلف الوضعيات الجسدية مما يجعل وتيرة نموههم الحسحركي أسرع و اكثر تناغما من غيرهم .

وتتضح الاثار العميقة للحمل على نمو الاطفال ،بشكل خاص و جلي لدى الاطفال الخدج ،وبالمناسبة فان جل الدراسات في هذا الاطار تمت على عينات منهم ،فبالنسبة لهؤلاء الاطفال الذين وجدوا نفسهم خارج محيط الرحم قبل الاوان ، تقدم لهم خبرة الحمل فرصة لتمديد مدة شعورهم بالوجود داخل الرحم وبالتالي تعوضهم عن ذلك الوسط الامن الذي غادروه عنوة، وقد توصلت الدراسات الى نتائج جد مبهرة بخصوص انتظام نوم الطفل الخديج ،و تزايد نسبة النوم العميق لديه ،وتناقص فترات بكاءه ،كما أن وزنه يتزايد بشكل أسرع وتقل اصابته بالالتهابات. Didierjean-jouveau(1999)

هذه التجربة أصبحت كثيرة الاستخدام حاليا في العديد من العيادات الطبية المتخصصة في رعاية المواليد الجدد في اوروبا ،بحيث يوضع المولود الخديج وهو عاري الجسم بشكل موازي لمحور الجسم ،على جسم الام ليكون في اتصال مباشر- عبر الجلد –معها.

من الملاحظ أن الاشكال البسيطة (الطبيعية ) للحمل ,والمعتمدة على التواصل الجسدي بين الطفل وحامله دونما اللجوء الى أي وسيلة اصطناعية أخرى تستجيب بشكل واضح لمتطلبات الطفل النمائية و، ولخصائصه و قدراته الجسدية و الحركية ،فهو يحمل على الاغلب في وضعية افقية بين الذراعين ،بحيث يحاط وكانه في وضعيته الرحمية ،أ و يحمل شاقوليا على الكتف ،بحيث يسند راسه و رقبته بشكل جيد نظرا حرصا على حمايته من مختلف التشوهات أو الاضرار التي قد تلحق بعموده الفقري الذي لم يكتمل نموه بعد. فالحمل في شكله الطبيعي يسعى الى جعل الطفل مرتاحا و مسترخيا قدر الامكان في وضعية الحمل ،وهذا ما قد لا يتوفر في أغلب وسائل الحمل الاصطناعية التي يتم اختيارها عادة بالنظر لملائمتها لمن سيقوم بحمل الطفل و ليس للطفل نفسه.

6-2المساهمة في بناء رابطة التعلق : ان الرعاية و التغذية ،والحمل هي أساسيات تنسج من خلالها خيوط رابط التعلق بين الام وطفلها، وذلك من خلال حدوث التداخل بينهما على المستوى الجسدي ،كما النفسي وبهذا الصدد يشير Robert-ouvrayالىى أن التعلق يحدث في الاساس عن طريق الملامسات و المداعبة و الحمل أيضا .

« l’attachement se fait principalement par le toucher,le tendresse ,le portage » S. Robert-ouvray cité dans (Souchon ,2012 ,p 27).

كما أشارت دراسة لــــــــــd’Ansfiled et coll(1990) الى أن حمل الطفل لوقت مطول ،يؤدي بشكل مباشر الى الانقاص من فترات البكاء و الصراخ لديه، كذلك يساعد في بناء نمط تعلق مطمئن بين الطفل ووالديه ،فالأطفال الذين يتم حملهم مباشرة بين الذراعين ،أو على الظهر يكونون تعلقا مؤمننا بنسبة تزيد عن 83 بالمئة ،مقابل 38 بالمئة فقط لغيرهم ممن يحملون بواسطة أداة حمل أخرى.(S.Benalla et collab :2010,p16)

6-3 إشعار الطفل بالامن النفسي(الداخلي) sécurité interne

يوظف مصطلح " الأمن النفسي" للدلالة على قدرة الطفل على البقاء منفردا بمعزل عن أمه، وهذه القدرة لدى الطفل على أن يشعر بالأمان ،وهو مستقل عن الام يكتسبها عبر تكوينه لعلاقة مؤمنة ومطمئنة.من خلال تلك التفاعلات المبكرة التي تحدث بينهما

حسب Pinelliتتكون هذه العلاقة من خلال اساليب الرعاية و العناية التي تقدمها الام لطفلها أولا، ثم من خلال التواصل الجسدي و المحادثة ،والاصغاء

اذن شعور الطفل بالأمن الداخلي يرتكز بشكل أساسي،على الصورة التي يكون قد كونها عن جسمه و هي مرتبطة اساسا بنوع العناية الجسدية المبكرة التي تلقاها من طرف الام.

و حسب D-Robinالى ان الشعور بالأمن الداخلي،يتكون لدى الطفل انطلاقا من خبرة الحمل كخبرة مضادة لخطر التعرض للسقوط.

كما يشيرBowlby في كتاباته عن التعلق الى أن هناك علاقة وطيدة بين التعلق ،و الشعور بالأمن النفسي ،اذ يتحدث هذا الباحث عن أهمية العلاقة أم-طفل لبناء ارضية الامن النفسي لدى الطفل ،فالسعي الى التواصل و الاحتكاك بصورة التعلق « figure d’attachement »،يسمح للطفل بإدماج و ادخال ، قاعدة الأمن النفسي الخاصة به.

بدوره Winicottيتحدث عن ما يشابه الامن النفسي ويسميه« la continuité d’existence »فهذا الطفل العاجز و التابع كلية لمحيطه عند الولادة ،بحاجة الى من يهتم به ،و يلبي احتياجاته الاساسية ،والام تقوم بهذه المهمة عن طريق اعارة كامل انتباهها لصغيرها.فهي في البداية تستجيب بشكل متوافق لكل احتياجات طفلها ،وهي بعد ذلك مطالبة بالاستجابة لمطالب –أنا الطفل ،ومطالب سيرورة النمو ؛ بحيث تساعد طفلها على الاستكشاف والابداع ،والتفكير والمبادأة و تدعمهتكوينه النفسي.(Souchon, 2012) .فهو ينفصل و يستقل عنها بعد أن يكون قد قام بإدخال سماتها وخصائصها الامومية ،وتحديدا قدراتها على توفير الامن له و على احتواءه.

6-4 تحقيق وظيفة الاحتواء(la contenance) : تعد الحاجة الى الاحتواء ،أحدى أهم احتياجات الطفل في بداية حياته ـ فهو بحاجة ماسة الى الاحساس بأنه محاط ومحمي من اي مصدر قلق قد يهدده ؛ و وضعية الحمل بفضل ما تتوفر عليه من تفاعلات متنوعة (بصرية- لفظية –لمسية) تزود الطفل بخبرات ثرية تساعده في تجاوز وتخطي مصادر القلق، الداخلية والخارجيةمنها، ولكن لا يكفي وجود هذه الخبرات في متناول الطفل ؛وانما من المهم هو تكرارها بشكل منتظم ،حتى يتمكن الطفل من ادخالها وادماجها ضمن ذاته ليلجأ اليها عند الحاجة.

إن الام الجيدة بالقدر الكافي هي أم قادرة على احتواء قلق و مخاوف طفلها ومشاعره و أحاسيسها السلبية، كما أنها لا تستجيب بشكل فوري لاحتياجات ابنها القاعدية وانما تعمل على تهدئته أولا، وهي بذلك تجعله يدرك قدرتها الخاصة على فهمه ضمن معاناته ،ومشاركتها له دون أن يكون ذلك مصدر إقلاق لها. فالطفل بحاجة الى ان يجد لدى أمه شيئا مشابها لما يحس به ؛ولكن في الوقت ذاته يبحث لديها عن شيء مختلف بإمكانه ادماجه.

وجه اخر من أوجه الاحتواء ،هو تشكل الغلاف او الوعاء الخاص بالطفل ،فالوعاء الجسدي l’envloppecorporelيتشكل من خلال التواصل عبر الجسد وعبر الجلد بين الام وطفلها وهذه الخبرة تعطي الطفل انطباعا عن الحدود الموجودة بين الداخل والخارج، وبالمقابل يتكون الوعاء النفسي l’enveloppe psychique"الذي يحدد الحدود الفاصلة بين المجال النفسي الداخلي ( الأنــــــــــــــا) و المجال النفسي الخارجي (الاخر).

خاتــمة:

ان التصور النظري المطروح في هذا المقال ،حول ممارسة حمل الطفل ضمن العلاقة المبكرة بين الام وطفلها ،يقوم اساسا على اعتبار هذه الممارسة تتم على مستويين نفسي و جسدي ؛كما انها تستمر مع الطفل طيلة مراحل نموه ،بحيث تخدم سيرورة النمو و تكون الأنا لديه ؛كما تمنحه شعورا متواصلا بالأمان و بكونه محمي من اي تهـــــــــديد داخلي او خارجيوعلى المدى البعيد ، تؤهله بدوره ليصبح حاملا لجملة من التصورات و الاحساسات والخبرات النفسجسدية.

قائمة المراجع :

فايز قنطار (1992).الامومة. الكويت عالم المعرفة .

1-Albert Ciccone (2001) .Enveloppe psychique et fonction contendante : modèles et pratiques. Cahiers de psychologie clinique .volume 2(no 17), p. 81

102.

2-Alothdijon .N.(2008) .berceaux,berceuse.d’un soin en groupe « le perceuse au portagede la doula ».bébé et culures.ERES(p121-133)

3 - BenAlla.S ,StrubTraore R, Teffah.S(2010) .les représentations du portage des bébés chez les mères et lesprofessionnels .Heds.Genéve.

4-Boukobza .C (2005) la clinique du HOLDING illustration de D..Winnicott .Filigrane. volume 14 ,n 1 .France.

5-Buyre.Y.(2001) .L’éveil de l’enfant :tendresse,sécurité et stimulation par le massage,le portage et la motricité .Logiques .paris

6-Ficarra.V ,Thiam.A,Vololormirina.D.(2005)Universalisme du lien mère-enfant et construction culturelle des pratique dematernage .cours OIP .Paris.

7-Guedeney.N.(2010)l’attachement un lien vital.FABERT.Bruxelle.

8- LaplancheJ ,-Pontalis .B,(2004)Vocabulaire de la psychanalyse. PUF.Pais

9-Lauras-petit .A.(2009) Champ psychosomatique.n54(p105-126) .France.

10-Ravololamanga .B(1992).Etre femme et mère a Madagascar .l’Harmattan .Paris.

11-Scola.C.(2009).le biais de portage :importance de la relation mére-enfant.Enfancen4(p433-457).

12-Souchon.M.(2012).du bébé bien porté a l’enfant bien portantant.université Claude Bernard.Lyon1.