مفهوم الطبيعة البشرية وأبعادها المادية والسيكولوجية في فكر توماس هوبز السياسي
pdf

 

 

أ‌.      رياض طاهير

جامعة ورقلة ( الجزائر)

أ.د. عريب مختار

جامعة أبو القاسم سعد الله،(الجزائر)

Résumé:

On considère que le phénomène de la naissance des sociétés politique, et la plus importante pour l’étude philosophique, elle préoccupe les philosophes pendant tout les périodes, pour cella en considère cette dernière comme un mélange de deux facteur objectif –psychologique- et subjectif, et dans ce cas la, elle participe a la naissance du Corps politiques ou l’état. Le philosophe Thomas Hobbes tente d’analyser cette étude, il essaye de donner les racines de la nature humaine, ou il a considère comme première cellule qui produise le phénomène social en général, et politique en cas particulier.

Dans cette présente étude, nous essayons de répondre a cette problématique comme suite : quel est la signification de la nature humain ? et quel est ces perspective psychologique chez thomas Hobbes ?

Les mots clés : La nature humain, le corps politique, l’intérêt, psychologie, mouvements, l’état.

الملخص :

تعتبر ظاهرة نشأة المجتمعات السياسية، من أهم الدراسات الفلسفية التي شغلت بال الفلاسفة والمفكرين على مد العصور، وذلك باعتبار هذه الأخيرة مزيج من العناصر الذاتية –النفسية- والموضوعية –العالم الخارجي- ساهمت في بلورة ما يُسمى بالكيان السياسي أو الدولة. ولقد كانت هذه الدراسة محل تحليل الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز، الذي حاول تأصيل مفهوم السياسية من منطلق دراسة الذات البشرية وطبيعتها الأولى، واعتبارها النواة الأولى في إنتاج الظاهرة الاجتماعية بصفة عامة، والسياسية بصفة خاصة، وسنحاول في هذه الدراسة الإجابة على الإشكالية الجوهرية التالية: ما هو مفهوم الطبيعة البشرية؟ وما هي أبعادها السيكولوجية في دراسة الفيزيقا الاجتماعية عند هوبز؟

الكلمات المفتاحية: الطبيعة البشرية، الجسم الصناعي، توماس هوبز، السيكولوجيا، المنفعة، الحركة.

Summary :

Societies emergence phenomenon is considered one of the most important philosophical studies that preoccupies philosophers for centuries considering this latter a mixture of subjective –psychological-objective and outward elements contributed in the formation of what we call state, these studies were a subject of analysis by the English philosopher Thomas Hobbes, who tried to originate the notion of politics, in the human self study and its primitive nature and considering it the prime seed to produce social phenomenon in general and political in particular. In this study, we shall try responding the following question: what is the notion of human nature? Its relation with scientic approach in this study of political phenomenon?

KEY WORDS: human nature, industrial structure, utility, psychology, notion and the state

تمهيد:

في مستهل هذه الورقة البحثية، سنحاول الإشارة إلى أن غاية التفكير الإنساني في الحياة، هي محاولة معالجة أزمة قائمة، سواء ما تعلق منها بالجانب الاجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي أو حتى الديني من جهة، أو محاولة تغيير واقع حياتي معين من جهة ثانية، فالفكر الفلسفي على وجه العموم يسعى إلى تغيير النمط الحياتي وبالتالي فهو مرآة عاكسة لما يعانيه الإنسان من شقاء في حياته الراهنة.

فالفيلسوف هنا وليد لبيئته وما تحمله من أزمات وصراعات وحروب ...الخ، حيث تكون بمثابة الدافع الأساسي قصد بحثه عن الأفضل لبني جنسه، ومن هذه النقطة بالذات، يمكننا القول بأن الفيلسوف الانجليزي توماس هوبزThomas Hobbes(1588-1679)* حاول أن يغير من البنى التحتية للفكر السياسي الذي كان قائمًا آنذاك، وتأسيس أو علمنة السياسة وضرورة تحريرها من بوتقة الفكر السكولائي، إلى محاولة للتأسيس العلمي لفكرة المجتمعات السياسية، ودراسة الظاهرة الإنسانية دراسة علمية خاضعة في أساسها على استقراء الواقع الاجتماعي والسياسي المعاش، وتجاوز التفسيرات التي كانت تبعد الإنسان عن إنسانيته**.

وكل هذا كان نتيجة حتمية لتلك القطيعة التي أحدثها مفكرو وفلاسفة عصر النهضة، وكذا تلك الثورات العلمية، حيث سعى روادها إلى تقويض الموروث الفكري الذي كانت تزخر به أوربا في العصر الوسيط، وضرورة إيجاد البديل الذي يتماشى ومقتضيات الإنسان الحديث.

ومن بين المنظرين الأوائل – بعد مكيافيللي – لفلسفة سياسية جديدة قائمة في ذاتها على استقراء الواقع الإنسان المعاش، نجد الفيلسوف هوبز، الذي نظر وأسس فلسفة سياسية على أسس ومبادئ عقلية علمية من جهة، وواقعية تساير حياته من جهة أخرى، فهوبز في الكثير من المراجع والكتب الأجنبية والعربية، لم يجدوا له تصنيفًا موحدً، إذ نجده في بعض منها يصنفونه أنه فيلسوف عقلاني في منهجه السياسي، وفي وضعه لنظرية سياسية قائمة على التسلسل المنطقي والعقلي لصورة الدولة، في حين أننا نجده في بعض المراجع الأخرى؛ أنه فيلسوف مادي يهتم بالواقع الحياتي الإنساني المعاش، وكذا في كيفية نشأة الدولة، باعتبارها كيان صناعي، أي أن الأفراد هم من أسسوا الدولة وعملوا على تشكيلها.

لكن على الرغم من هذه الاختلافات في المنهج والغاية؛ إلا أننا نلتمس تجديد وتنظير سياسي جديد على خلاف ما كان سائدًا من قبل، محاولا في ذلك القضاء على كل أسباب الاختلاف وضروب الفوضى التي كانت تعاني منها إنجلترا آنذاك، ففلسفته على وجه العموم كانت نتيجة لتلك الصراعات والانقسامات التي كانت تمزق كاهل الدولة الإنجليزية، ويظهر لنا ذلك في الحرب التي قامت بين الملك "شارل الأول" والبرلمان الإنجليزي بزعامة "أوليفر كرامويل"، التي أدت في نهاية المطاف إلى الإطاحة بالملك وإعلان جمهورية "كرومويل"، كل هذا زاد من بؤرة الصراع والخلاف في المجتمع الانجليزي، فموقف هوبز من خلال كل هذا إصلاح لأوضاع إنجلترا المتأزمة، وضرورة البحث عن سبل ومنافذ جديدة، يصنع بها مجتمع سياسي جديد، ويفرض بها النظام والقانون. وعلى هذا الأساس جاء هوبز بمنهج سياسي جديد مغير للموروث الفكري الكلاسيكي، يقوم في أساسه على التحليل والتركيب، أي تحليل المجتمع المدني إلى أجزائه البسيطة، ومن ثمة إعادة تركيب الكل من جديد. وفي هذا التحليل اعتمد هوبز على التعمق في فهم الطبيعة البشرية، وأهم الخصائص المميزة لها، ومن ثمة يرى أننا في علم السياسة، لا يمكننا فهمها إلى بالعودة إلى الإنسان في حد ذاته، والتعمق في فهمه وتحليله.

ومن خلال هذه الورقة البحثية، سنُحاول الإجابة على الإشكالية الجوهرية التالية: ما هو مفهوم الطبيعة البشرية؟ وما علاقتها بتأسيس المجتمعات السياسية؟ وبصيغة أدق: كيف ربط هوبز بين الطبيعة الإنسانية وما تحويه من حالات نفسية في تأسيس الدولة أو الكيان الصناعي؟.

1- في الإنسان الطبيعي

يرى هوبز أن نظريته السياسية عمومًا، ما هي إلا فرض منطقي، المراد منه الوصول إلى حقيقة الإنسان الأولى، وما ينطوي عليه من ميول ورغبات، تُساهم في تكوين شخصيته، وتعكس فيما بعد طبيعة العلاقات التي تربطه مع بقية الأفراد. ففي مستهل بحثه، عكف هوبز على دراسة الإنسان الفطري- الطبيعي-، قصد الوصول في الأخير إلى تفسير علمي لنشأة ظاهرة الدولة.

- التحليل المادي والسيكولوجي للإنسان.

لقد طرح توماس هوبز مجمل أفكاره السياسية في كتابه " اللويثان"*، وخصص فيه جزء كبير للحديث عن الإنسان، وتحليله تحيلاً ماديًا من جهة، وكيفية تأثره بالعوامل الذاتية –النفسية- في بناءه للعلاقات والأطر الاجتماعية، وكان نسقه الفلسفي متكامل ومتسلسل الأطوار، بحيث أي خلل في هذا التسلسل يؤدي إلى الفهم الناقص للطبيعة الإنسانية، وبالتالي خصص في كتبه: اللويثان Léviathan، أو مبادئ القانون الطبيعي والسياسيLes Eléments Des Droits Naturels Et Politique، أو في الإنسان De Homine Ou Traité De L’homme جزء في غاية الأهمية في تحليله السيكولوجي للطبيعة الإنسانية، المبنية في أساسها على المحسوسات من جهة؛ وتأثيرها في بناء الانفعال الإنساني الذي يظهر في علاقاته les Liensمع الآخر، والتي تكون في نهاية المطاف بمثابة السند في تفسير منطق الدولة.

فتفسير الإنسان حسب هوبز خاضع لمبدأ الحركة والديناميكا، أي أنه يتأثر بالموضوعات الخارجية من جهة، والتي تبني تصورات ذهنية وتنعكس في سلوك الأفراد من جهة ثانية. في البداية بدأ هوبز بتصنيف المعرفة إلى قسمين: المعرفة الحسية الناتجة عن العالم الخارجي أو ما يُسمها بالمعرفة التجريبية الخاضعة للخبرة، أما القسم الثاني فيتعلق بالمعرفة العقلية أو الذهنية، " وأعتقد هوبز بأن أفكار الإنسان في البداية يجب النظر إليها بنظرة انفراد، وبعد ذلك مراعاة ترتيبها وتسلسلها، فالفكرة في البداية ما هي إلا نقل لموضوعات خارجة عن أجسامنا، وهو ما يُصطلح عليه بالموضوع، ويكون تأثيره مباشرًا على الحواس، مما ينتج عنها تنوع في المظاهر، فأصل أفكارنا مردها إلى الحس، لأنه لا يوجد تصور في ذهن الإنسان ما لم يوجد قبل في الحس، وكل الأفكار الأخرى ناتجة عن هذا الأصل الأول...فأسباب الإحساسات هو الجسم الخارجي، الذي يؤثر على الحاسة، إما بصفة مباشرة، أو بواسطة معينة"[1]. من هنا نجد أن هوبز يرى المعرفة العقلية ناتجة عن الحس*، وما ينتج عنها من تصورات وتخيلات عن الموضوع من جهة، وتكون في ذهن الإنسان ما يُعرف بالتجربة أو الخبرة عن الأشياء الخارجية، ولكن المقصود من التقسيم الهوبزي للمعرفة الإنسانية، ليس تقبل المعرفة الجزئية الناتجة عن الحواس فقط، بل التعمق في باطن الأشياء قصد الوصول إلى تفسيرات الأشياء وعللها وأسبابها ونتائجها المتوقعة، فهو ينتقل من الأسباب لإدراك النتائج، أي أن المعرفة في حد ذاتها ناتجة عن الجمع بين المنهجين التحليل والتركيبي، فتصوره للمعرفة إذن قائم على الجمع بين الحركة والمادة من جهة – وهي موضوعات العالم الخارجي – والوصول إلى المسلمات الناتجة عنها من جهة ثانية، فهوبز من خلال هذا التقسيم؛ أراد أن يبين مجالات الفلسفة، واستبعاد تلك النظرة السكولائية القاتمة عن الوجود والإنسان على حد سواء، فالفلسفة عنده تنحصر في دراسة كل ما هو موجود، وحصر ماهيته وعلله، دون الأخذ بعين الاعتبار بتلك التفسيرات الميتافيزيقية التي تبعد الإنسان عن إنسانيته وعن معرفة كينونته، فالفلسفة إذن هي البحث في الإنسان في علاقته مع الطبيعة، ويسميها بالفلسفة الطبيعية، ودراسة الإنسان في علاقاته مع بقية جنسه، ويطلق عليها اسم الفلسفة الأخلاقية أو السياسية أو الاجتماعية.

فحسب هوبز؛ أن العالم كله عبارة عن أجسام وجواهر وأعراض، بحيث لا يوجد في تصوره فرق بين الجسم والجوهر، وهذه الأجسام في حركة مستمرة، ولا يمكن تصور جسم –حي أو جامد- خارج عن إطار الحركة، وقدم هوبز نوعين من الحركة: الحركة الحيوية العضوية والحركة الحيوانية، " توجد عند الحيوانات نوعان من الحركة: الحركة العضوية، والتي توجد بالفطرة وتستمر حتى الفناء، ومثل ذلك الدورة الدموية التنفس، والتغذية، في حين أن الحركة الحيوانية أو ما يسمى بالحركة الإرادية الناتجة عن التخيل، وعلى سبيل المثال المشي والكلام، وتحريك أطراف الجسم، فهي ناتجة بالضرورة عن تخيل أولي في الذهن"[2].فهوبز من خلال هذا القول؛ اعتبر أن الحركة تعبير عن الوجود، لأن الوجود في حد ذاته خاضع للحركة المستمرة وغير المنقطعة، وبالتالي فالإنسان حسب تصوره في حركة مستمرة، وحركته تختلف عن حركات الأجسام الأخرى أو الكائنات الأخرى، لوجود العامل الإرادي، والذي يكون كنتيجة حتمية لمجموع الانفعالات والآثار التي ترسمها الموضوعات الخارجية في الذهن، وتترك في ذهنية الإنسان انطباعات وسلوك سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وبالتالي فإن تفسير هوبز للإنسان من هذه الناحية يعتمد على الحركة التي تُنتج أفكارًا وتخيلات، فهو بهذا المنهج –التحليلي والتركيبي – يسعى إلى تفسير الظاهرة الإنسانية بتشابك العاملين: الحركة والنفس، مما ينتج عنها سلوك وأفعال وانفعالات في الوسط الاجتماعي، وحذا بذلك في تفسيره هذا حذوا التفسير الطبيعي للأشياء، فالعالم الطبيعي في نظره آلية وآلة في نفس الوقت، فكذلك نفس الشيء بالنسبة للإنسان فهو ميكانيكي وديناميكي حركي، إذ أن الحركة تولد الأحاسيس: من رغبة واشتهاء أو نفور وتجنب، وهي بمثابة بداية صغيرة لحركة الإنسان، وسعيه باتجاه الأشياء، أو تجنب البعض الآخر منها[3].

فالإنسان حسبه؛ عبارة عن ميكانيزم مغاير لبقية الأجسام الطبيعية الأخرى، وخاضع لقوى فيزيقية طبيعية، وكل أفعاله وانفعالاته ناتجة بالضرورة لتلك العوامل. ففي بداية تشريحه لطبيعة النفس الإنسانية، أدرك بأن هناك علاقة وطيدة الصلة بين العقل من جهة والمنبهات الخارجية من جهة ثانية، فالإحساس حسبه عبارة عن نقل لحركة الأجسام الخارجية والخاضعة للتغير عن طريق الحواس المختلفة وصولا إلى القلب ومنه إلى الدماغ، كل هذا يعكس التداخل بين الإحساس والخيال والذاكرة في إنتاج السلوك البشري، فالإحساس هو نقل لحركة الأجسام المرئية، ثم عندما تغيب هذه الموضوعات الخارجية تصبح خيالاً، وما التخيل إلا نتاج لتدهور الأحاسيس، وما التخيل والذاكرة إلا وجهين لعملة واحدة، "...ولكن عندما نريد أن نعبر عن التدهور باعتبار أن الحس يهرم ويتلاشى ويُصبح من الماضي، فإنه يُسمى الذاكرة، وعليه فإن الخيال والذاكرة ليسا سوى شيء واحد، وله أسماء مختلفة لاعتبارات متعددة، وكثرة الذكريات تصبح خبرة...، وبما أن الأحلام ناتجة عن اختلال بعض أجزاء الجسم، لا بد لهذه الاختلالات أن تسبب أحلامًا مختلفة، فالشعور بالبرد أثناء النوم ينمي أحلام الخوف، ويصور موضوعًا مخيفًا،...، والارتفاع الزائد لحرارة الأجزاء يسبب غضبًا ويطلق في الدماغ تخيلاً للعدو"[4].

فالبناء السياسي الهوبزي يتخذ شكلاً هرميًا، وذلك من منطلق أن الحركة هي القاعدة الأساسية في تفسير الظاهرة الطبيعية، وما السلوك البشري بما فيه من شعور وإحساس وأفكار إلا نتاج لتلك الحركة، والسلوك الاجتماعي الذي يستند فيه إلى الحكم، كل هذا ليس إلا تعبير صريح عن تلك الحالة الخاصة من السلوك البشري، والتي تنشأ عن العلاقة بين الأفراد فيما بينهم، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن علم السياسة قائم على علم النفس من جهة وعلم الميكانيكا من جهة ثانية، كل هذا لا يتم تحليلهما إلا باستخدام ما يُسمى بالمنهج التحليلي التركيبي*[5].

وبتطبيق المنهج التحليلي التركيبي الهوبزي على الظاهرة الإنسانية -التي تعتبر حسبه أكثر من حتمية لتأسيس الفيزيقا الاجتماعية- توصل إلى اعتبار الإنسان آلة، وهو في حركة مستمرة من ردود الأفعال تجاه العوامل الحسية، وهذه الأخيرة خاضعة لمبدأ الحركة، " فمن الواضح أن الخيال هو البداية الأولى لكل حركة إرادية، وعلى الرغم من أن البشر غير المتعلمين، لا يتصورن وجود الحركة على الإطلاق، حيث يكون الشيء الذي يحرك غير مرئي، أو حيث يكون المكان الذي يحرك فيه غير محسوس، إلا أن ذلك لا يمنع وجود مثل هذه الحركات...هذه البدايات الصغير للحركة داخل الجسم الإنساني، قبل أن تظهر في المشي والتحدث والضرب وغير ذلك من أفعال مرئية تسمى بوجه عام الجهد، وحينما يكون هذا الجهد موجهًا نحو ما يسببه، يُسمى شهية أو رغبة ... وهاتان الكلمتان الشهية والتجنب كلاهما يدل على حركات، واحدة للاقتراب والأخرى للتجنب"[6].

وهنا يميز هوبز بين انفعالات البشر الناتجة عن الحركة، وما يصدر عن الإنسان من أفعال وسلوكات ظاهرية، ففي الكثير من الأحيان ما يصطدم الإنسان بمواقف تجعله يرغب في شيء ما، نتيجة الخبرة والتجربة، فتثير فيه انفعال بحب الشيء أو كراهيته، كل هذا بمقياس عامل المؤثر الخارجي والميل والرغبة في الموضوع، وينتج عن كل هذا أن الإنسان يُسمي كل ما هو ممتع بالنسبة إليه خيرًا، وكل ما ينتج عنه آلم شر، وبالتالي فمعيار الخير والشر هنا نسبيان عند هوبز، "فمهما كان اشتهاء الإنسان ورغبته فيه، فهذا ما يُسمى بالخير، وكراهية الموضوع ومحاولة تجنبه، هو ما يُسمى بالشر، وبالتالي فإن مصطلح الخِير والشرير هنا يرتبطان دائمًا بالشخص الذي يستخدمها"[7]. ومن خلال كل هذا؛ يعتبر هوبز أن معيار الخير والشر في حالة غياب الدولة أو السلطة، تكون خاضعة لاعتبارات ذاتية محضة، فليس هناك اتفاق بين البشر على ما هو خير أو شر، وبتعبير آخر، قد يكون ما هو خير للإنسان أ، شرًا للفرد ب، أي أنه ربما يكون هناك إجماع على أن الخير هو ما ينتج عنه متعة، في حين هناك من يرى العكس، على حسب درجات الذكاء الإنساني وسرعة التخيل وما ينتج عنه من أفكار، باعتبار أن درجات الذكاء الإنساني على درجات متفاوتة، فإن سرعة التخيل وإدراك المواقف تبقى نسبية أيضًا.

من هذا العامل النفسي –الرغبة أو النفور- وما ينتج عنه من خير أو شر، متعة أو ألم، يرى هوبز أن هاذين العاملين أساسيان في نشأة الصراعات في المجتمعات الطبيعية، فالإنسان عندما يرغب في شيء، بنفس درجة رغبة الآخر، واستحالة حصولها عليها في الوقت نفسه، فإن كل فرد يسعى بكل ما أوتي من قوة قصد محاولة الحصول عليه باستخدام كل الوسائل، بما في ذلك محاولة تقويض الآخر. فالفرد وما يحمله من انفعالات نفسية، هو ما يُشكل اللبنة الأولى للصراع داخل المجتمع الطبيعي[8].

ويربط هوبز هنا مفهوم السعادة الإنسانية بمدى تحقيقها لرغباتها بنجاح مستمر، وهو ما ينشأ عنها اللذة المستمرة، وهذه الأخيرة لا تكمن في النجاح فقط، وإنما في القدرة على تحقيق ذلك النجاح، والذي لا يتأتى حسب هوبز إلا بشعور الفرد بتفوقه على الآخر، ورغبته الدائمة في الإطاحة به.

فهوبز من خلال كل هذا؛ فسر الطبيعة البشرية تفسيرًا آليًا خاضعًا في ذلك لميكانيزمات تتحكم في سلوكيات الأفراد، وهذه الأخيرة على حسب قوله ما هي إلا نتاج لذلك التسلسل التراتبي للموضوعات الخارجية، التي تترك انطباعًا في نفسية الإنسان، فسلوك الفرد إذا آلي بحت، وكل من العوامل النفسية الناتجة عن الأحلام أو الإحساس والتخيل آليات تتحكم في طبيعته، وكل هذا يمثل بالنسبة لهوبز اللبنة الأولى لظهور المجتمعات السياسية.

فالظاهرة الإنسانية حسب هوبز تستدعي تحليل معمق، لأن السلوك الإنساني تتشابك فيه عدة عوامل، سواء كانت نفسية أو فيزيولوجية خارجة عن الجسم نفسه، ولهذا نجده في تحليله للظاهرة السياسية، وخاصة في كتابه اللويثان، يعمل على تحليل الإنسان والعناصر المشكلة له، بدءًا بالإحساس والتخيل والذاكرة التي اعتبرها في حركة مستمرة، ومنبعها العالم الخارجي، وتكون في الأخير على شكل انفعالات وأفعال ، حب أو كراهية، لذة أو نفور، كل هذا سيكون له تأثير بالغ فيما بعد على طبيعة العلاقة بين الأفراد، سواء في الحالة الطبيعية أو المدنية.

ولقد كان هوبز مخالفاً في نظرته للطبيعة البشرية عن أرسطو، إذ أن هذا الأخير يعتبر أن الإنسان حيوان سياسي، وهو الكائن الوحيد الذي يحب حياة الجماعة، و أنه مفطور على حبه للحياة الاجتماعية، لكن على العكس من هذا يرى توماس هوبز على أن الإنسان كائن يحب العزلة والانطواء، وذلك نتيجة تصوره وتخيله لعامل الخوف من الغير من جهة، ومن جهة أخرى أن طبيعة الإنسان على مر التاريخ؛ أنه يسعى بكل ما أوتي من قوة قصد تحقيق غايته في الوجود المبنية في أصلها على حب البقاء، والتي من خلالها يضمن استمراريته في حلقة الوجود[9].

فطبيعة الإنسان حسب هوبز أنه كائن لين، وأنه سهل الاندماج في الحياة الجماعية، بحيث أنه يتعلم الانضباط والنظام والاحترام، ومن ثمة يتحول إلى مواطن عاد، مع مراعاة الانفعالات القوية الكامنة في نفسيته الطبيعية، ويُصبح مخالفًا لما كان يعانيه من بطش وأنانية وحب للذات، فهو يبني في تصوره للإنسان، نفس التصور الذي اتخذه لوك فيما بعد، أي أن الإنسان يكتسب مختلف الخبرات والمعارف من خلال تجارب الحياة، كذلك يندمج في حياة الجماعة بفعل التعلم والصرامة.

ولقد رسم هوبز المجتمع السياسي على أساس الطبيعة البشرية القائمة في أساسها على الرغبة، التي اعتبرها بمثابة الدافع الأساسي لسلوك الأفراد، فهو بذلك خاضع خضوعًا مطلق لهذا المبدأ، ومختلف أفعاله وسلوكاته؛ ما هي إلا انعكاس لما يختلج في نفسيته، من حب للاعتبارات الذاتية، وبحث دائم عن مصدر القوة، وسعي دءوب وراء تحقيق أمنه واستقراره، فهو بذلك لا يولي أهمية كبيرة لبقية الأفراد، إلا في حدود المؤثرات الخارجية[10].

ومما سبق؛ يتضح لنا أن هوبز فسر ظاهرة المجتمع السياسي على أساس ديناميكي وحركي وآلي، إلا أنه من جهة أخرى يقر على أن الإنسان خاضع لاعتبارات نفسية كالمشاعر والعواطف والميول والرغبات، وهي بمثابة المقومات الأساسية للطبيعة الإنساني.

ولعل من أهم المبادئ التي تقوم عليها الطبيعة الإنسانية، نجد أن الإنسان يسعى دائمًا إلى محاولة الحفاظ على ذاته وبقائه، وهذا بمثابة الدافع الرئيسي عند الإنسان في بحثه عن سبل الوقاية والحفاظ على ذاته، وذلك باستخدامه كل الوسائل المتاحة له، قصد تحقيق هذه الغاية من جهة تفادي الموت العنيف من جهة ثانية. وسيظهر لنا فيما بعد أن هذا العامل سيكون بمثابة الحافز الأول للإنسان في بحثه عن مصدر القوة من جهة، وبحثه الدائم على التفوق على الغير من جهة ثانية، قصد فرض الهيبة في نفوس البشر.

رغبته في العيش في سلام وأمن، وهذا الدافع كان نتيجة للدافع الأول، فبحث الإنسان عن تحقيق هذه الغاية، كان نتيجة خوفه من الموت العنيف الذي كان يهدده في الحالة الطبيعية، فالمجتمع حسب هوبز ما هو إلا غاية يصبو إليها الفرد قصد تحقيق غاياته وأهدافه، فالارتباط بين الأفراد ما هو إلا وسيلة للانتفاع، أو ترجي نفع عاجل أو آجل"[11]، فالإنسان حسب طبيعته يسعى وراء الملذات، وينفر من الآلام، وخوفه الدائم من المجهول، فالإنسان في الحالة الطبيعية في شقاء وآلم مستمر، وفي بحثه عن سبل الوقاية والأمن، واكتسابه لمهارات التأقلم والتعايش، اكتشف أن هناك ظاهرة الموت الملتحمة بالطبيعة، والتي تعني له المجهول، وبمحدودية قدراته العقلية، لم يستطع الوصول إلى تفسير علمي ودقيق لها، وظلت بذلك بمثابة الهاجس الذي يأرق حياته، والمقصود بالموت هنا: الموت العنيف، الذي لا يكون بصفة طبيعية، وإنما يكون نتيجة الخوف المتبادل بين البشر، ومن ثمة يسعى كل طرف إلى تقويض الآخر بشتى الوسائل الممكنة، وبالتالي فالإنسان في هذه الحالة يحب العزلة أكثر من الحياة الجمعية، ويسعى بذلك إلى التشبث بتحصيل القوة والمزيد منها خوفًا من المجهول.

  فتحليل هوبز للطبيعة البشرية؛ كان المراد منها تبيان واقعيتها، بعيدًا عن تلك الفلسفات التي تمجد الإنسان، وتعتبره الكائن الخير والمتعالي عن كل الشرور، من هنا هوبز جرد الإنسان من كل تلك الأقنعة التي كان يتخفى من ورائها، وأعطاه الصورة الحقيقية الكامنة فيه، ويقول في هذا المقام: " أعرف بالتجربة كم سيجري التشهير بي بدلاً من شكري، لأنني قلت للناس الحقيقة حول مفهوم الطبيعة الإنسانية"[12].

وخلاصة القول؛ أن هوبز من خلال تفسيره للطبيعة البشرية على الأساس المادي والسيكولوجي، أراد أن يبني نسق سياسي متكامل، وذلك بتصوير الواقع الإنساني الحقيقي، بعيدًا عن تلك الدراسات التي كانت سائدة في العصور الوسطى الدينية، كما أنه يعتبر أيضا من خلال كل هذا، أنه كان يساير الروح العلمية التي كانت سائدة إبان القرن السابع عشر 17م، ومن ثمة فهو من المفكرين الأوائل المحدثين الذين خرجوا على المنهج الديني، إلى التفسير الواقعي أو الوضعي للطبيعة والإنسان والسياسة.

2-مبدأ الفردانية والأنانية في الإنسان الطبيعي: لقد كان هوبز ماديًا ميكانيكيًا من جهة، وسيكولوجيًا في تحليله للطبيعة البشرية من جهة أخرى، إذ يرى أن الحركة هي البداية الأولى لكل شيء بما في ذلك الإنسان والمادة على حد سواء، وأقر على أن الإنسان في حركة مستمرة، مما يولد فيه مجموعة من الأحاسيس: كالرغبة والشهوة، ويقابلها في المعيار الأخلاقي الخير، والتجنب والنفور والألم يقابلها في الجانب الأخلاقي الشر، فالخير هو الإحساس باللذة، والشر هو الشعور بالألم، والشر الأعظم منه هو الموت. ففي هذه الحالة التي يغيب فيها الحاكم الذي يحدد القواعد الأخلاقية من خير أو شر، تبقى هذه المعايير نسبية، وتخالف من فرد إلى آخر، لكن في الحالة المنظمة التي يكون فيها الحكم مطلق في يد الملك، تصبح هذه القواعد الأخلاقية مطلقة، لأن هذا الأخير هو الذي يقرر ما هو خير وما هو شر، وبالتالي فإنه يصنع قاعدة أخلاقية عامة تتماشى وفق الرغبات والمصالح العامة للأفراد[13].

من خلال هذه الثنائية– الخير والشر – بنا هوبز نظريته الثانية للإنسان الطبيعي*، القائمة على الرغبة والنفور، فالإنسان حسبه يأمل دائمًا في تحقيق السعادة وينفر ويتجنب كل ما يؤدي إلى الإحساس بالألم، واعتبر أن الإرادة الإنسانية تكمن وظيفتها في إدراك غايات الأفعال، بحيث تستوجب عليه القيام بالفعل من عدمه، وتحقيق الرغبات المتجددة و اللامتناهية هي ما يطلق عليها مصطلح السعادة Bonheur، وهذه الأخيرة لا تتحقق إلا بتحصيل القوة والمزيد منها، وهي بمثابة شرط أساسي وملازم لها.

يتبين لنا هوبز من خلال هذا الطرح الجديد للإنسان، أن العامل الرئيسي المحرك للطبيعة البشرية في حالة الفطرة، يكمن في أن الإنسان مدفوع بالغريزة قصد تحصيل السعادة، وهذه الأخيرة تكمن في الحفاظ على ذاته وقوته، ومحاولة تحصيل المزيد منها، من منطلق أن النفس الإنسانية طماعة وأنانية في ذلك، ترغب في تحقيق المنافع الفردية حتى ولو كانت بالتعدي على الآخر، في حين أن الشر هو ما يجب تجنبه، لأنه مهدد للذات الإنسانية ولبقائها. ويرى هوبز أن كل من الرغبة والنفور عبارة عن حركة، وهي بمثابة مرآة السلوك الإنساني، والذي تتحكم فيه هاتين الغريزتين: حب البقاء أو الحياة، ونبذ المجهول أو الموت[14].

فالإنسان في الحالة الفطرية، يخضع لنفس القوانين التي يعتمد عليها العلماء في تفسير مختلف الظواهر الطبيعية، أي أن سلوك الإنسان آلي وميكانيكي بحث، فالفعل وردة الفعل هما مدار الحركة في العالم الطبيعي، فكذلك صراع المصالح والمنافع الذاتية، هي مدار الحركة في عالم السياسية، ومن هنا فالإنسان دائمًا حسب هوبز يبحث عن منافعه الذاتية والثروة والقوة، وأكثر من ذلك أنه يبحث عن مصادر الشهرة والمجد، في حين أنه كان ينفر عن كل ما يتسبب له بالألم وينغص حياته، ويتسبب له في الشقاء، وعلى ضوء هذين العاملين، يمكننا فهم السلوك البشري رغم تعقيداته وغموضه[15]. "فالإنسان الذي انتهت رغباته لا يمكن أن يعيش مثل الذي توقف خياله وحواسه، فالسعادة هي انتقال مستمر للرغبة من موضوع إلى آخر، بحيث لا يكون بلوغ الموضوع الأول سوى طريق نحو الثاني، سبب ذلك أن موضوع رغبة الإنسان ، ليس أن يستمتع مرة واحدة، وللحظة واحدة من الزمن، بل أن يضمن إلى الأبد الطريق نحو رغباته المستقبلية، وبالتالي فإن أفعال كل البشر الإرادية وميولهم لا تتجه فقط نحو امتلاك الحياة السعيدة، بل كذلك نحو ضمانها، وهي لا تختلف إلا في الطريقة، مما ينشأ جزئيًا عن تعدد الأهواء لدى البشر المتعددين"[16]. ويتضح لنا من خلال هذا القول؛ أن هوبز يعتبر الإنسان كائن أناني جامح، رغباته لا تتوقف إلا بالموت، وما تحصيل رغبة إلا بداية لرغباته اللامتناهية، كل هذا كان نتيجة خوف الإنسان من المجهول، وسعيه الدائم في الحفاظ على بقائه.

فالطبيعة الإنسانية في حالة الفطرة الأولى، تمتاز بالطابع الفردي على الرغم من عيشه إلى جانب أفراد آخرين يشاطرونه تلك الحالة، ومن ثمة فكل فرد يكون منافسًا للآخر في بعض من أهدافه أو إن صح القول في معظمها، فيكون بذلك الصراع بينهم قصد تحقيق أطماعهم في طلب القوة لتحقيق غاياتهم، فشرط القوة هنا ضروري لهم، قصد تحقيق السعادة والشعور بالأمن.

فرغبات الإنسان في حالة الطبيعة غير محدودة، وغاياته في حركة وتجدد مستمر، فما يرغب فيه اليوم يتطور وينمو إلى طلب المزيد في باقي الأيام، فما تخضع له الظواهر الطبيعية من حركة وتغير، يعكس صورة السلوك الإنساني وما يحمله من رغبات وشهوات، ومن ثمة تحقيق السعادة، وفي المقابل فإن الإنسان لا يكتفي بهذا القدر فقط، وإنما يعقد مقارنة بين ما حققه هو من نجاحات، وما حصَله غيره من سعادة، " فالنجاح المستمر الذي حققه الإنسان من تلك الأشياء التي يرغب فيها يعني تحقيق التطور والرقي المستمر، والذي ينتهي بتحقيق السعادة، فالسعادة في هذا الكون لا تعني السكون والجمود طالما أننا نعيش في هذه الحياة، لأن هذه الأخيرة في حد ذاتها ما هي إلا حركة مستمرة وغير منقطعة، ويعني أيضًا أن السعادة في حركة مستمرة أيضًا"[17].

  وفي هذا السياق؛ نجد أيضًا ابن خلدون الذي حاول من قبل أن يفسر الطبيعة الإنسانية على أساس المنفعة والمصلحة الذاتية، ويقول في كتابه المقدمة: "والشر أقرب الخلل إليه – أي الإنسان – إذا أُهمل في مرعى عوائده، ولم يهذبه الإقتداء بالدين... ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان، بعض على بعض، فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه، امتدت يده إلى أخذه، إلى أن يصده وازع الدولة "[18]. ومن خلال قول ابن خلدون، يتضح لنا أن تفسيره للطبيعة البشرية مبني على أساس العداوة الطبيعية بين الأفراد، وصراعهم الدائم عن الملكية، وهذا يغيب حسب ابن خلدون بظهور الدولة، وهو نفس الرأي الذي اتخذه هوبز في تفسيره للطبيعة البشرية، باعتبار أن الإنسان في الحالة الطبيعية ذئب للإنسان، ولا تهدئ رغباته العدوانية إلا بالموت، أو انتقاله إلى مرحلة الدولة، أي تكون فيها العدالة مفروضة بقوة السيف.

من خلال ما سبق؛ نستنتج أن المعايير الأخلاقية في حالة الفطرة ذاتية، فهو يُشبه إلى حد كبير تلك المعايير الأخلاقية السفسطائية، باعتبار أن الإنسان مقياس الأشياء كلها، فكذلك عند هوبز تختلف القاعدة الأخلاقية عنده حسب الطبائع البشرية، وحسب ميولهم ورغباتهم، فالخير ما يحقق النفع والشر ما ينفر منه الإنسانأو يلحق به أذى[19]، وبالتالي يمكن القول أن أساس الصراع في الحالة الطبيعية يعود في أساسه إلى اختلاف الطبائع البشرية من جهة، والغايات المرجوة تحقيقها من جهة ثانية، ومن هنا يمكننا القول أن تفسير السلوك الإنساني عند هوبز، بمثابة القاعدة العامة التي يمكن بها إدراك الحقائق السياسية.

فالتاريخ يستقرأنا على أن الإنسان على مر التاريخ، يمتاز بالأنانية وحب الذات، وتفسير هوبز للإنسان على هذا النحو، مستوحى من واقعه المعاش، بعيدًا عن تلك التظليلات التي تمجده وتبعده عن حقيقته، فالإنسان بالفطرة أناني وشرير بالطبع، يسعى إلى ما تمليه أهوائه ورغباته، دون إعطاء أدنى اعتبار للمصلحة العامة للأفراد، ويظهر لنا هوبز من خلال هذا التفسير الواقعي للطبيعة البشرية؛ أنه من المؤيدين الأوائل لمذهب الأنانية والمنفعة الفردية في العصر الحديث.

ويعلق برتراند راسل على الدافع البشري في كتابه "المجتمع البشري، في الأخلاق والسياسة"، "بأن كل تصرفات البشر لا يمكن ردعها إلا إلى نزعة أو رغبة، في حين أن هناك بعض النظريات الوهمية، التي تعمل على تظليل العقول، والقول بأن الإنسان يستطيع أن يقاوم الرغبة الجامحة في سبيل تحقيق المبادئ الأخلاقية، وتأدية الواجب والمبادئ الأخلاقية، واعتبر راسل هذا المبدأ الدافعي وهم، وهذا ليس أنه لم يوجد في وقت من الأوقات رجال يعملون بوحي الواجب، بل أن الواجب لا يؤثر في الرجل إلا إذا رغب هو في أن يفعل ما يمليه عليه، فإذا أردت أن تعرف ماذا سيفعل الناس، فيجب عليك أن تعرف نظام رغباتهم كله"[20].

ويُشْبه توماس هوبز في تفسيره للإنسان في حالته الفطرية، نظرية داروين في تفسيره للصراعات السياسية، والقائمة في أساسها على العامل البيولوجي، أو ما يُسميها بنظرية تنازع البقاء، فالإنسان في مثل هذه الحالة يجب –حسب داروين – أن يتصارع مع بني جنسه، قصد تحقيق مبدأ الاستمرارية وحفظ البقاء، وهذا الأخير يكون للأقوى والأفضل، فالاصطفاء الطبيعي عنده يكفل بقاء ونمو الطبقة الأخيار من الناس، أي أنه في مثل هذه الحالة يكون النزاع بين الأفراد قصد تحقيق الحاجيات الضرورية، وفي ميدان المجتمع المنظم، يتحول فيها الصراع إلى السعي وراء السلطة[21]. فالإنسان حسب داروين، يسعى إلى تحقيق وجوده حتى ولو كان بالقوة والصراع في المجتمعات البدائية أو المتوحشة، في حين أن ميدان الصراع يتحول في المجتمعات المتحضرة إلى بحثه الدائم عن السلطة ومصدر القوة، ويعتبر أن العامل البيولوجي الذي يترجى به الإنسان نفع ما، من أهم العوامل المؤدية إلى الصراع ما بين الأفراد، سواء في حالة الفطرة أو المجتمع المنظم.

إضافة إلى كل هذا؛ يرى هوبز أن مبدأ المنفعة الفردية في الحالة الفطرية الأولى، تقترن بالضرورة بسعي الإنسان وراء تحصيل القوة والمزيد منها، وهي رغبة شديدة وجامحة في الإنسان لا تتوقف إلا عند الموت، فما هي غاية الإنسان من تحصيله لها؟ وهل هي فطرية في الإنسان؟أم أنها مكتسبة بالخبرة؟

3-   الميل الفطري النفسي في الإنسان الطبيعي نحو كسب القوة:

يحمل مصطلح النزوع، عدة دلالات ومعاني، إذ أنه في الكثير من الأحيان، نجده يحمل دلالة الميل inclination، وهذا الأخير هو ما يُطلق على مجموع النزعات النفسية التي يمكن توزيع الفاعلية النفسية فيما بينها، والتي يمكن أن تكون أنانية شخصية فردية، أو على شكل ميل إيثاري، أو ميل لا واقعي، أو ميل لا شخصاني، فالميل إذن مرتبط بالغايات الواجب الوصول إليها، والوسائل الواجب اتخذها، فهو يختلف عن الغريزة التي تتمثل في مشاعر محددة دون ربطها بغايات معينة[22]، كما أنه أيضًا –النزوع- يحمل معنى الاشتهاء Appétition، والتي تحمل الإنسان إلى العمل وترجي غاية منه[23].

كما سبق القول؛ أن الفلسفة الهوبزية مبنية على شكل هرمي، فلا يمكن فهم هرم الحالة السياسية إلا بالعودة إلى الأجزاء البسيطة المكونة لها، ومن ثمة فالإنسان بمثابة نقطة البداية والنهاية في الوقت نفسه في دراستنا للحالة السياسية. اعتبر هوبز أن العالم بأسره في حركة مستمرة بما في ذلك الإنسان، باعتباره جزء لا يتجزأ من الظاهرة الطبيعية، فهو يخضع لنفس شروط وقوانين الظواهر الطبيعية، بدًا من الحركة إلى الانفعالات وصولا إلى السلوك، فالسلوك هو ما يتمظهر به الإنسان في العالم الخارجي، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي، بحيث أن كل أفعاله مردها إلى الحركة والمادة، ومن جهة أخرى يرى هوبز أن الإنسان إضافة إلى الاعتبارات المادية والسيكولوجية، فهو يخضع لما يسمى بالميل الطبيعي أو الفطري نحو حب الذات من جهة، ومن جهة أخرى يسعى بكل ما أوتي من قوة قصد الحفاظ عليها، وهذا لا يتأتى حسبه إلا بتوفر شرط القوة، ولكن تحصيل القوة في سبيل تحقيق السعادة عند هوبز ليس بسيطًا، لأن الأفراد في مثل هذه الحالة يسعون بنفس الجهد وبنفس القدرة في استخدام العقل وفي إدراك الغايات والأهداف، ومن ثمة فالإنسان لا يهدأ بل في سعي مستمر وراء الوسائل الضرورية للوجود.

ويكتسي موضوع القوة في الفلسفة السياسية الهوبزية أهمية بالغة، وجعل منها العمود الأساسي الذي تقوم عليه السياسية، فبالإضافة إلى أن الإنسان يملك نزوع فطري وفردي في حب الحياة والعيش في عزلة، إلا أنه أيضًا يملك ميلاً طبيعيا لكسب القوة. ويعرف هوبز القوة " بأن قوة الإنسان بمعناها العام، هي مجموعة الوسائل التي يمتلكها الفرد قصد ترجي خير مستقبلي ظاهري، ...فالقوة الطبيعية هي بروز ملكات الجسد والفكر، كما في القوة والمظهر والتبصر وفن البلاغة، والقوى الذراعية هي تلك التي نحصل عليها من الأولى، أو بواسطة الحظ، وهي أدوات ووسائل للحصول على المزيد كالثروات والسمعة والأصدقاء"[24]. فهوبز في بحثه عن القوة، توصل إلى اعتبارها نزعة فطرية في الإنسان، مثلها مثل بقية الميول والشهوات التي ينتج عنها الخير والمتعة، فهو يسعى بالغريزة نحو الحفاظ على ذاته، ونحو اكتساب أكبر قدر من القوة على الدوام، فرغبة الإنسان في تحقيق الأمن والاستقرار وحفظ الذات، لا يمكن عزله بحال من الأحوال عن رغبته في طلب القوة والمجد، فالإنسان هنا في حركية دائمة وفي بحثه الدائم عن مصادر القوة، وخاصة إذا تعلق الأمر بالمساس بأمنه واستقراره.

فالإنسان حسب هوبز خاضع لمبدأ الحركة نتيجة الانفعالات الخارجية التي تمس حياته وأمنه، كما أن البشر في حالة الحرب متساوون في القدرات العقلية والبدنية، ويطمحون إلى بلوغ نفس الغايات، ويتخذون في نفس الوقت نفس الوسائل، زد على هذا غياب السلطة المدنية التي توجه سلوك البشر، وتكبح جماحهم، كل هذا ساعد بقسط كبير في ظهور النزاعات والانشقاقات والحروب، أو ما يُسميها هوبز بحالة حرب الكل ضد الكل، ويصبح بذلك الإنسان ذئب للإنسان، فيستعمل في ذلك كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في سبيل تحقيق أمنه وسلامته، وتوفير القوة الكافية قصد التصدي لأي خطر داهم، فالإنسان لا يأتمن الآخر، نتيجة خوفه الدائم من شبح المجهول أو الموت العنيف، ويقول في هذا الصدد: " أنني أضع في المرتبة الأولى كنزوع وميل عام لدى جميع البشر، رغبته الدائمة غير المنتهية في اقتناء السلطة والمزيد منها، وهي رغبة لا تنتهي إلا بالموت، والسبب في ذلك ليس أمل الإنسان في متعة شديدة من تلك التي توصل إليها، وإنما لا يستطيع ضمان القوة ووسائل العيش التي يمتلكها الآن دون البحث عن المزيد منها"[25].

وما يمكن استخلاصه من خلال دراستنا للطبيعة البشرية من منظور هوبز، نصل إلى أن هوبز يعتبر بمنهجه هذا أب التنوير الأوربي قبل كانط، إذ حاول من خلال دراسته للظاهرة الاجتماعية، الخوض في مشكلة الإنسان الحديث، واستقراء واقعه المعاش، ومن ثمة فتحليله هذا كان بمثابة رد فعل ضد الأفكار التي كانت سائدة إبان العصور الوسطى، التي كانت تُمجد الحياة الروحية على حساب حياة الإنسان الزمنية.

وتوصل هوبز من خلال تحليله للطبيعة البشرية؛ أنها خاضعة للعاملين: النفسي والمادي في نفس الوقت، وهو يُعد بذلك أول فيلسوف مزج بين العاملين السالفين في ميدان العلوم السياسية، بعيدًا عن التفسيرات اللاواقعية التي كانت تُبعد الإنسان عن إنسانيته، ففضل هوبز يكمن في أنه اعتبر أن علم دراسة المجتمعات السياسية، يعود إلى دراسة أبسط الأجواء المكونة له وهو الإنسان.

كما أنه اعتبر هوبز في نهاية تحليله للطبيعة البشرية، أن الإنسان كائن منزوٍ محب لحياة العزلة والطبيعة*، ونبذ بذلك تلك النظريات التي تفسر أساس قيام المجتمعات السياسية على عامل الغريزة مثلما كان مع أرسطو، وقوض من النظريات التي تنادي بالتفسير البيولوجي لها، أي القول بأن المجتمع المدني ما هو إلا نتاج لتلبية الحاجات البيولوجية، والطرح الجديد الذي جاء به هوبز؛ هو أنه صاغ نظرية علمية سياسية قائمة في أساسها على الإرادة، أي أن قصور الإنسان عن تحقيق مبدأ الاستمرارية والكينونة بمعزل عن الجماعة، جعلته يبحث عن سبل التعايش مع الغير قصد تحقيق الاستمرارية وتحقيق الأمن الذي كان بمثابة الهاجس الذي يعرقل حياة الإنسان في الحالة الطبيعية، فالإنسان لا يجتمع مع بني جنسه بناءًا على الحتمية الطبيعية، بل من منطلق ضرورة الحاجة إلى الغير أو ترجي منفعة خاصة، فالفرد عاجز عن ضمان تلبية مختلف حاجياته الضرورية، وتحقيق أمنه وسلامه، فالدافع إلى الاجتماع حسب هوبز هو عامل نفسي أكثر من بقية العوامل الأخرى، كالقلق المستمر من المستقبل، وهاجس الخوف الشديد من الموت. فتحليل هوبز للطبيعة البشرية، كان من ورائه إيجاد حلول لما كان يٌعانيه الإنسان الأوربي من شقاء وأزمات في العصر الحديث، ويظهر ذلك في الحروب الأهلية التي كانت سائدة آنذاك.

وخلاصة القول أن هوبز بمزجه بين العاملين النفسي والمادي، جعل من السياسة علم قائم بذاته، ويخضع في تحليله إلى نفس القوانين التي تخضع لها مختلف الظواهر الطبيعية، كل هذا جعل منه أعظم فيلسوف بالنسبة للشعوب المتحدثة باللسان الإنجليزي.

قائمة المراجع والمصادر:

1-  قائمة المصادر باللغة الأجنبية:

1 - Thomas Hobbes, Léviathan, Traité De La Matière , De La Forme Et Du Pouvoir De La République Ecclésiastique et Civile, traduction: François Tricaud, France :édition DALOUZ 1999.

2-Thomas Hobbes, les éléments de droit naturel et politique, traduction : LOUIS Roux, Lyon :          Edition HERMES.

2-  باللغة العربية

3-توماس هوبز، اللفيثان، الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، تر: ديانا حرب، بشرى صعب، مراجعة وتقديم: رضوان السيد، أبو ضبي: هيئة أبو ضبي للثقافة والتراث – كلمة، ط1-، 2011.

4. ابن خلدون، المقدمة، بيروت: مكتبة دار المدرسة، ودار الكتاب اللبناني، 1967.

3-  قائمة المراجع:

أ‌.     باللغة الأجنبية

4- Jean terrel, Hobbes matérialisme et politique, Paris : Librairie philosophique J.Vrain 1994.

ب‌.  باللغة العربية

4-  إمام عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة، دراسة في فلسفة الحكم، مصر: المجلس الأعلى للثقافة، 2001.

5-برتراند رسل، المجتمع البشري، في الأخلاق والسياسة، تر: عبد الكريم أحمد، مراجعة: حسن محمود، القاهرة: ملتزم الطبع والنشر، مكتبة الأنجلومصرية.

6-  بيار فرانسوا مور، هوبز: فلسفة، علم، دين، تر: أسامة الحاج، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1993.

7-  توفيق الطويل، مذهب المنفعة العامة، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953.

8-جان جاك شوفاليه، تاريخ الفكر السياسي، من المدينة الدولة إلى الدولة القومية، تر: محمد عرب صاصيلا، ط4؛ لبنان: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1998.

9-  جورج سباين، تطور الفكر السياسي الغربي، الكتاب الثالث، تر: راشد البراوي، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

10-  سعيد ناصر، المجتمع والسلطة في نظريات العقد الاجتماعي، طرابلس: مكتبة طرابلس العلمية العالمية، ط1، ج1.

11-فرانكلين ل باومر، الفكر الأوربي الحديث،الاتصال والتغير في الأفكار، القرن السابع عشر، تر: أحمد حمدي محمود، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987.

12-  محمد وقيع الله أحمد، مدخل إلى الفلسفة السياسية، رؤية إسلامية، (دمشق: دار الفكر، 2010)،

13-  موريس دوقرجيه، مدخل إلى علم السياسة، تر: جمال الأتاسي، سامي الدروبي، بيروت: المركز الثقافي العربي، ط1، 2009.

14-  نجاح موسى، المنفعة الفردية عند توماس هوبز، الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع، 2000.

15-  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، بيروت: دار القلم

4-قائمة المعاجم والموسوعات

17- أندرييه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب: خليل أحمد خليل، إشراف: أحمد عويدات، باريس، بيروت: منشورات عويدات، ط2، 2001)، المجلد الأول.

18 - إبراهيم مذكور، المعجم الفلسفي، القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1983.



- توماس هوبز: فيلسوف انجليزي، وعالم رياضيات شهير، درس بجامعة "أكسفورد"، وأصبح بعدها معلمًا لابن وليام كفنديش، وكان شديد الاهتمام بالقانون – إضافة إلى اشتغاله بالتاريخ والسياسة والفلسفة والأخلاق – حتى أصبح فقيهًا قانونيًا، ساهم في بلورة العديد من النظريات القانونية والسياسية في نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر، فعمل على تأليف كتابه "عناصر القانون الطبيعي" les éléments de droits naturels عام 1652، وأضخم كتاب جسد في نظريته السياسية كتابه "اللويثان" – الذي تُرجم إلى التنين أو اللفيثان Léviathan وهو بمثابة دستور جديد للدولة الإنجليزية، إضافة إلى كتابه "المواطن" le citoyen ، وكتابه "الحرية والضرورة" De la liberté et de la nécessité ، وفي الأخير كتابه "البهموث" Béhémoth، وكل كتاب خصصه لمرحلة من مراحل تطور الدولة، فكتاب اللويثان خصصه للحديث عن تكوين الدولة و ما تقتضيه من مراحل من الحالة الطبيعية وصولا إلى الحالة المدنية، وما تتصف بها من قوانين و حقوق، في حين أن كتاب البهموث والمواطن وضعها للحديث عن المجتمع المدني.

*- لقد كان هوبز من أعداء الفكر الأرسطي القائل بفكرة أن الإنسان حيوان سياسي بالطبع من جهة، ومن جهة أخرى رفض التفسير اللاهوتي الميتافيزيقي الذي كان ممجدًا في الفكر السكولائي الوسيط، فغاية هوبز من منهجه العلمي في السياسة هو محاولة تقريب صورة عن الواقع الإنساني المعاش، بعيدًا عن تلك التأويلات التي تبعد الإنسان عن إنسانيته.

- اللويثان Léviathan أول كتاب كتبه هوبز للحديث عن المجال السياسي الإنجليزي، وذلك نتيجة تأثره بالحرب الأهلية الإنجليزية أو البريطانية، ، إذ كان يقصد بها هوبز التنين أو الوحش، وهي تسمية عبرية الأصل، وكتب هذا المؤلف قصد الحديث عن الحالة الطبيعية والحالة المدنية، وما تحتويه من قوانين طبيعية ووضعية، فهو يصف بهذه التسمية الوحش الذي لا يُقهر، والذي تخضع له كل الموجودات، ووصف الدولة بهذا التنين؛ دلالة على نية هوبز إعادة إرساء معالم الدولة الحديثة على أسس وقواعد جديدة، تملك نفس القوة التي يمتلكها هذا الوحش، وتقويض كل أشكال العنف والحروب التي كانت سائدة في انجلترا آنذاك، ففي صورة الكتاب نلاحظ أن هناك وحش على شكل إنسان، ويضع على رأسه تاج، وساهم عدد كبير من الأفراد في تكوينه، إضافة إلى ذلك؛ فهو يحمل السيف بيده اليمنى، وهذا دلالة وتلميح إلى أن الدولة يجب أن تمتلك القوة، في حين أنه يحمل في يده اليسرى العصا البابوية، للدلالة على أن الحاكم يتحكم في السلطة الروحية أو الدينية أيضًا، فالملك حسبه يمتلك السطتين الروحية والزمنية في الوقت نفسه.

- Thomas Hobbes, Léviathan, Traité De La Matière , De La Forme Et Du Pouvoir De La République Ecclésiastique et Civile, traduction: François Tricaud, ( France :édition DALOUZ 1999), premier chapitre, p 09.

*- يشبه هوبز في نظرية المعرفة، كل من جون لوك ودافيد هيوم، لكن يظهر لنا أيضًا تأثر هوبز الشديد بالمنهج الديكارتي، والمنهج الإقليدي، المبنيان على المبادئ العقلية، إذ يرى أنه لا خلاص للإنسان من معاقل الجهل التي كانت مفروضة عليه من قبل الفكر السكولائي- الذي كان يؤمن بالمنهج الأرسطي كسبيل وحيد للمعرفة الإنسانية - إلا بالاعتماد على المنهج الرياضي والهندسي، فهما المفضيان إلى الحكمة البشرية من جهة، ومن جهة أخرى إمكانية تطبيقه على الفيزيقا البشرية.

- Ibid, p 46.

- جان جاك شوفاليه، تاريخ الفكر السياسي، من المدينة الدولة إلى الدولة القومية، تر: محمد عرب صاصيلا، لبنان: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط4، 1998، ص324.

- توماس هوبز، اللفيثان، الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، تر: ديانا حرب، بشرى صعب، مراجعة وتقديم: رضوان السيد، (؛ أبو ضبي: هيئة أبو ضبي للثقافة والتراث – كلمة-، ط1، 2011)، ص28.

- اعتمد هوبز في تحليله لنشأة المجتمعات السياسية على المنهج التحليلي التركيبي، والذي استقاه من هندسة أوقليدس وكذا منهج غاليلي غاليليو وتصوره الميكانيكي للكون، إذ يعتمد هذا المنهج على تحليل المجتمع البشري إلى أبسط عناصره الأساسية – الفرد-وعزله لبقية العوامل الخارجية المؤثرة فيه كالقانون والسلطة والحكم، وتفكيكه للعوامل الداخلية المكونة للسلوك الإنساني، وما يحمله من دوافع وانفعالات وأهواء، والمضي في ذلك وصولاً إلى القواعد العقلانية التي بمقتضاها يعيد تركيب المجتمع من جديد.

- جورج سباين، تطور الفكر السياسي الغربي، الكتاب الثالث، تر: راشد البراوي، تقديم: أحمد سويلم العمري، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب،، ص 187.

- توماس هوبز، المصدر السابق، ص 60

- Ibid, p48.

- Jean terrel, Hobbes matérialisme et politique, Paris : Librairie philosophique J.Vrain, 1994, p135.

- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، بيروت: دار القلم ص 53.

- عبد الرضا حسين الطعان، علي عباس مراد وآخرون، موسوعة الفكر السياسي عبر العصور، مرجع سابق، ص 420.

- سعيد ناصر، المجتمع والسلطة في نظريات العقد الاجتماعي، ط1؛ طرابلس: مكتبة طرابلس العلمية العالمية، ج1، ص 61.

- بيار فرانسوا مور، هوبز: فلسفة، علم، دين، تر: أسامة الحاج، (ط1، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)، ص 23.

- توفيق الطويل، مذهب المنفعة العامة، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953)، ص 65.

- يقصد هوبز بالإنسان الطبيعي الإنسان الفطري الغريزي الذي كان قبل تكون المجتمعات السياسية أو الحكومة، ومختلف التنظيمات الاجتماعية والسياسية الأخرى، فالهدف من كل هذا هو تقريب صورة الإنسان في ظل غياب السلطة السياسية القهرية.

- نجاح موسى، المنفعة الفردية عند توماس هوبز، (الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص76.

- محمد وقيع الله أحمد، مدخل إلى الفلسفة السياسية، رؤية إسلامية، (دمشق: دار الفكر، 2010)، ص 151.

- توماس هوبز، المصدر السابق، ص ص 104، 105.

- Thomas Hobbes, Leviathan, opcit, p 50.

- ابن خلدون، المقدمة، (بيروت: مكتبة دار المدرسة، ودار الكتاب اللبناني، 1967)، ص 223.

- Thomas Hobbes, les éléments de droit naturel et politique, traduction : LOUIS Roux, (Lyon : Edition HERMES), P 84.

- برتراند رسل، المجتمع البشري، في الأخلاق والسياسة، تر: عبد الكريم أحمد، مراجعة: حسن محمود، (القاهرة: ملتزم الطبع والنشر، مكتبة الأنجلومصرية، دس)، ص 142.

- موريس دوقرجيه، مدخل إلى علم السياسة، تر: جمال الأتاسي، سامي الدروبي، (ط1؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص 25.

- أندرييه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب: خليل أحمد خليل، إشراف: أحمد عويدات، (ط2؛ باريس، بيروت: منشورات عويدات، 2001)، المجلد الأول، ص 641.

- إبراهيم مذكور، المعجم الفلسفي، (القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1983)، ص 200.

- توماس هوبز المصدر السابق، ص 94.

- Thomas Hobbes, Leviathan, opcit, p96.

- يرى هوبز أن الإنسان شرير بالطبع، في حين أن بليز باسكال؛ يرى أن للإنسان طبيعتين: الطبيعة الخيرة، إذ أن الإنسان خلق خيرًا على صورة الله، في حين ثم بالخطيئة أصبح شريرًا، أي انطلاقًا من الخطيئة التي اقترفها آدم ثم انتقلت إلى الأبناء، وبالتالي فالإنسان في مثل هذا الوضع فقد طبيعته الأولى الخيرة وللمزيد من الإثراء في هذا الموضوع، الرجاء العودة إلى:

- فرانكلين ل باومر، الفكر الأوربي الحديث،الاتصال والتغير في الأفكار، القرن السابع عشر، تر: أحمد حمدي محمود، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987، ص 95.