شبكات التواصل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية: الفرص والتحديات

Les réseaux de communication sociale et les relations sociales : Opportunités et défis
pdf

 

نـور الهدى عبادة

أستاذة بجامعة الجزائر3

ملخص:

نسعى في هذا المقال إلى التعرف أولا على طريقة تشكُل علاقات الأفراد الاجتماعية في ظل شبكات التواصل الاجتماعي بوصفها ظاهرة جديدة لم تكن موجودة من قبل، ثم معرفة أثر هذه الشبكات عليها(العلاقات الاجتماعية) فهل تُعتبر شبكات التواصل الاجتماعي مكسب يُحسب للعلاقات الاجتماعية من حيث توسعها لتشمل عدد كبير من البشر ومن كل أنحاء العالم، أم أنها تُشكل تحدي وتهديدا لها، بالنظر إلى ارتباط الأفراد بالحاسوب وخروجهم من حياتهم اليومية ومن ثم الدخول في عزلة نتائجها سلبية على الفرد والمجتمع؟

الكلمات المفتاحية: الأثر، الاستخدام، شبكات التواصل الاجتماعي، العلاقات الاجتماعية.

 

Résumé :

Nous cherchons dans ce littéraire à identifier tout d'abord la façon dont les relations sociales des individus se forment dans le cadre de réseaux de communication sociale tout en l’identifiant comme un phénomène nouveau inexistant auparavant, puis de déterminer l'impact des réseaux de communication sociaux sur ces relations.

Peut-on considérer les réseaux de communication sociale comme opportunité en faveur des relations sociales qui permettront l’extension de ces relations pour atteindre un grand nombre de personnes dans toutes les régions du monde ?, ou bien l’interpréter comme un défi et une menace, étant donné les liens particuliers des individus avec leurs machines qui les font sortir de leurs vie quotidienne et les faire rentrer dans un isolement qui aura des conséquences négatives sur l'individu et sur la société ?

Mots clés : l'impact, l'utilisation, réseaux de communication sociaux, relations sociales.

 

Summary:

We seek in this article to first identify how the social relations of individuals are formed through social communication networks, while identifying it as a new phenomenon not exist before, and then determine the impact of networks Social communication on these relationships.

Can we consider social communication networks as an opportunity for social relations that will allow extending these relationships to reach large numbers of people in all regions of the world?, Or interpret it as a challenge and a threat given the particular links individuals with their machines that make them out of their daily lives and force them into isolation, which will have negative consequences on the individual and on society

Keywords: impact, use, social communication networks, social relationships


تقديم وطرح الإشكال:

يُعتبر الاتصال حاجة اجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها، حيث أثبتت العديد من الدراسات التي تناولت هذا الموضوع - والذي يعني في جوهره نقل المعلومة وتبادلها بين أكثر من طرف -أن الإنسان اجتماعي بطبعه وبالتالي لا يستطيع العيش دون معرفة ما يحيط به من أحداث، وبذلك فهو يسعى من خلال تواجده ضمن جماعة بشرية معينة إلى إشباع جملة من الحاجات باستخدام العديد من الأساليب الاتصالية التي عرفت بدورها عدة أشكال وتطورت بالموازاة مع تطور المجتمع البشري. فلما تميز هذا الأخير بالضيق والمحدودية لم تكن هناك حاجة إلى وسيط اتصالي بل كان الاتصال الشخصي –وجها لوجه- هو السائد، كما لم تكن هناك حاجة إلى معرفة عدد هائل من البشر واقتصرت علاقات الناس الاجتماعية على الأسرة والقبيلة كحد أقصى، ومع تعقُد الحياة البشرية وتشعبها لم يعد الاتصال الشخصي وحده قادرا على إيصال الرسالة إلى عدد كبير من الناس وفي فترة وجيزة بالنظر إلى تباعد المسافات فظهرت الحاجة إلى وسائل اتصالية قادرة على تحقيق ذلك، وقد بذل الانسان الكثير من الجهود العلمية في سبيل اشباع هذه الحاجة-استمرار الاتصال بغيره- فكانت وسائل الاتصال الجماهيري أهم قفزة اتصالية مكنت المرسل من ايصال رسالته إلى جمهور واسع وغير متجانس وفي عدة مناطق جغرافية، غير أن هذه الوسائل ولئن تمكنت ولعقود من الزمن من خطف انبهار الجمهور إلا أنها اليوم بدأت تفقد مكانتها بالنظر إلى تفطنه –الجمهور- إلى أنها لا تَخرُج عن كونها وسيلة إعلامية أكثر منها اتصالية وبذلك لم تتمكن من إشباع حاجاتة الكاملة للاتصال بالمعنى الحقيقي للكلمة، ذلك أن الاتصال يعني التفاعل بين طرفي العملية الاتصالية، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تقنية اتصالية جديدة تُمكن من تبادل الأدوار بين المرسل والمستقبل وفي ذات الوقت الاتصال بعدد غير محدود من البشر، أي أنها تتصف في ذات الوقت بالصفة الجماهيرية، وتُعتبر شبكات التواصل الاجتماعي ولحد اليوم الخطوة الأكثر تقدما التي بلغها الانسان في سبيل إشباع حاجاته المختلفة(نفسية، اجتماعية واعلامية) كما أنها من أهم الخدمات المتاحة عبر الأنترنت فقد أظهرت إحصائيات 2011 أن العضوية في هذه الشبكات تجاوزت 975 مليون في حين تجاوزت العضوية في موقع الفيسبوك600 مليون مشترك وأكثر من 600 مليون مستخدم([1]).

تظهر من هنا أهمية دراستنا، والتي تناقش العلاقة بين الإقبال المتزايد على شبكات التواصل الاجتماعي وعلاقات الأفراد الاجتماعية، هذه الاخيرة التي كثُر الجدل بشأنها، حيث انقسم الباحثون إلى تيارين أحدهما يعتبر شبكات التواصل الاجتماعي مكسبا كبيرا يُحسب للعلاقات الاجتماعية من حيث تمددها لتشمل عددا غير منتهيا من البشر، والثاني يرى أنها -شبكات التواصل الاجتماعي- تُقلص من تفاعل الأفراد في حياتهم العادية وتجعلهم يدخلون في عزلة عواقبها وخيمة على كل المستويات. وعليه نطرح التساؤل المركزي التالي:

هل يؤثر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي سلبا أم ايجابا على العلاقات الاجتماعية؟

  1. المفاهيم: تكتسي المفاهيم أهمية كبيرة في العلوم الانسانية والاجتماعية وذلك لما تحمله من دلالات ومقاصد نظرية وإمبريقية لها أثرها المباشر على كل بحث، إذ عن طريقها يُمكن إزالة الغموض الذي يكتنف الموضوع بالنسبة للباحث والقارئ معا، لهذا يستوجب على كل باحث التحديد الدقيق لمفاهيم بحثه ومن أهم المفاهيم المتداولة في الدراسة الراهنة والتي تتطلب توضيح وتحديد دلالاتها، المفاهيم التالية:

الأثر: يوحي الأثر بوجود علاقة تفاعلية بين أفراد الجمهور ووسائل الإعلام، حيث تغيًرت العلاقة القديمة التي كانت تهدف في من خلالها وسائل الإعلام إلى التأثير في الجمهور تأثيرا مباشرا، ثم كخطوة ثانية أصبحت تهدف إلى محاولة تكييف رسائلها مع خصائص الجمهور الذي تتوجه إليه بهدف استمالته للتعرض لمحتوياتها وليس بالضرورة التأثير عليه بجعله يغير سلوكاته أو توجهاته أو قناعاته، ليصبح مفهوم الاثر اليوم وفي ظل شبكات التواصل الاجتماعي يدل على التفاعلية وعدم الخطية، وأصبح المستخدمون قادرين على التحكم في الوسيلة الاعلامية من حيث المشاركة في صناعة مضامينها، ومن هنا فالأفراد يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي ويتعرضون لمحتوياتها لأسباب تختلف باختلاف سياقاتهم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية وأيضا انطلاقا من دوافع مختلفة ولإشباع حاجات مختلفة أيضا.

الاستخدام: يُعرف "يافيس فرنسوا لوكوياديك "Yves-François Le Coadic الاستخدام بأنه: " نشاط اجتماعي يتحول إلى نشاط عادي في المجتمع بفضل التكرار والقدم، فحينما يصبح الاستعمال متكرر ويندمج في ممارسات وعادات الفرد يمكن حينئذ الحديث عن الاستخدام ([2]).

كما يُشير الباحث "عبد الوهاب بوخنوفة" إلى أن مفهوم الاستخدام يقتضي أولا الوصول إلى التقنية أو الوسيلة، بمعنى أن تكون متوفرة ماديا ثم تأتي بعد ذلك العوامل الاجتماعية والفردية التي تعمل على تشجيع الاستخدام أو تعمل على إعاقته([3]).

شبكات التواصل الاجتماعي: هي صفحات الويب الموجودة على الأنترنيت، والتي تٌسهل التواصل والتفاعل النشط بين الأعضاء المشتركين فيها عبر مختلف مناطق العالم إضافة إلى العديد من الخدمات الأخرى التي تشمل خدمات المراسلة الفورية مشاهدة وتبادل الفيديوهات، الدردشة، تبادل الملفات، مجموعات النقاش، البريد الالكتروني المدونات... إضافة إلى العديد من الخدمات الأخرى كمشاركة الاهتمامات وتكوين الصداقات وإقامة الصفقات وغيرها من أشكال التفاعل التي تتم داخلها.

العلاقات الاجتماعية: تُعتبر العلاقات الاجتماعية، من بين أهم المفاهيم التي ناقشها عدد من العلماء، فمنهم من عرًفها على أنها إشباع الحاجات النفسية للفرد في نطاق الجماعة، والتي منها الاستمرار الأمن التقدير والنجاح وتقبل الآخرين ومنهم من ينظر إليها كفلسفة اجتماعية تهدف إلى تحسين وتأكيد الصلة المتبادلة بين أفراد المجتمع ومنهم من ينظر إليها على أنها عملية اتصالية تقوم على أساسها الحياة الانسانية.

تعددت التعريفات التي قُدمت لمفهوم العلاقات الاجتماعية وفيما يلي نعرض ونناقش أهمها:

يرى "ماكس فيبر Max Weber" أن مصطلح "العلاقات الاجتماعية" يُستخدم غالبا للإشارة إلى الموقف الذي من خلاله يدخل شخصان أو أكثر في سلوك معين واضعا كل منهم في اعتباره سلوك الآخر بحيث يتوجه سلوكه على هذا الأساس كما يُمكن أن يتحدد محتوى العلاقة على أساس الصراع أو العداوة أو التجاذب الجنسي أو الصداقة أو الشهرة أو الصيت أو تبادل السلع([4]).

يركز تعريف "ماكس فيبر Max Weber" بالأساس على الفعل الذي يدخل من خلاله شخصان أو أكثر في سلوك مع وعي كل طرف بذلك إضافة إلى رغبته في تشكيل علاقة مع الطرف الآخر، إلا أنه أهمل عنصر مهم جدا وهو التفاعل الذي يحدث بعد الفعل والذي يؤدي تكرار حدوثه بالأساس إلى تشكُل العلاقات الاجتماعية فالكثير من الأفعال تحدث ولا تؤدي في الأخير إلى تشكل علاقات اجتماعية بالنظر إلى غياب عنصر التفاعل المستمر.

يُعرف "أحمد زكينبوي" العلاقات الاجتماعية بأنها :"أية صلة بين فردين أو جماعتين أو أكثر، أو بين فرد وجماعة، وقد تقوم هذه الصلة على التعاون أو عدم التعاون وقد تكون مباشرة أو غير مباشرة كما قد تكون فورية أو آجلة[5].

نفهم من التعريف المقدم، أن العلاقات الاجتماعية هي تفاعل فرد معين مع أفراد آخرين متأثر بهم ومؤثرا فيهم، وهذه العلاقة قد تكون واضحة أو خفية، أولية أو ثانوية مباشرة او غير مباشرة.

يَعتبر "أحمد زكي بدوي" العلاقات الاجتماعية:" الأساس الأول لجميع العمليات الاجتماعية، ويُمكن اعتبار الاتصال والعزلة قُطبي المسافة الاجتماعية ولو أن كٌلا منهما يختلف في درجة شدته([6]).

ركز "أحمد زكي بدوي" على مفهوم الاتصال بالنسبة للعلاقات الاجتماعية واعتبره قطب المسافة الاجتماعية إلى جانب العزلة، ويقصد بذلك أنه كلما كان هناك اتصال بين أفراد المجتمع كلما تعمقت وتوسعت العلاقات الاجتماعية، أما العكس فإنه يؤدي لا محالة إلى العزلة، إلا أنه يؤكد على درجة الشدة قبل الحُكم.

يرى "موريس جينزبرج Morris Ginsberg" أن تعريف العلاقات الاجتماعية في غاية البساطة فهي لا تعدو عن كونها:" اتصال أو تفاعل أو تجاوب بين شخصين أو أكثر بغية سد وإشباع حاجات الأفراد الذين يُكونون هذه أو تلك العلاقات الاجتماعية([7]).

يعتبر "موريس جينزبرجMorris. G" أن كل اتصال هو علاقة اجتماعية، في حين يُهمل عامل الاستمرارية والتكرار والواقع يشهد أننا نمارس في اليوم عددا غير منتهي من الاتصالات مع أشخاص لا نعرفهم أبدا- وقد لا تتيح لنا الفرصة الالتقاء بهم مرة أخرى ابدا- ومع ذلك لا يدخلون في نطاق علاقاتنا الاجتماعية.

كتعريف إجرائي لمفهوم العلاقات الاجتماعية يُمكن القول بأنها:" تلك العلاقة التي تنشأ بين طرفين بعد وقوع فعل اجتماعي يُعتبر السبب المُمهد لتشكُلها، إلا أن التفاعل المتبادل والمستمر بين الطرفين بعد وقوع الفعل يجعلها تتحول إلى علاقة اجتماعية، تتبلور بين الأفراد في مجتمع ما بناء علي تفاعلهم مع بعضهم البعض، وقد تكون هذه العلاقات إيجابية فتُعبر بذلك عن التماسك الاجتماعي الناتج عن ولاء واندماج ورضا الأفراد داخل الجماعة وقد تكون سلبية، ومن أشكالها الصراع الناتج عن التنافس وعدم المشاركة وانعدام الثقة والاحترام بين الأطراف.

  1. شبكات التواصل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية: يتشكل عبر شبكات التواصل الاجتماعي فضاء اجتماعي جديد اصطلح على تسميته بالمجتمع الافتراضي. ويقتضي فهم خصوصية العلاقات التي تنشأ فيه رؤية دقيقة للوسيلة، ذلك أن هذه الشبكات ليست مجرد وسيلة تقوم بالنقل والتوصيل والإبلاغ بل تتعداها لتؤسس فضاء متنوع الأبعاد يحتضن أنماطا متعددة من التفاعل (ما بين ذاتية وجمعوية) وأنماطا مختلفة من الاتصال ذات نماذج تقليدية رغم وجودها في الفضاء الافتراضي كالإعلان والتسويق...[8]، فشبكات التواصل الاجتماعي بهذا المعنى ذات طبيعة مركبة تكنولوجية واجتماعية، كما أنها ذات حضور شامل في الحياة الاجتماعية.

دفع التطور التكنولوجي المتسارع في شقه الاتصالي وانتشاره أيضا في مناحي الحياة كافة بشكل غير مسبوق العديد من الباحثين إلى إيلاء هذه الشبكات مزيدا من الاهتمام من حيث إعادة النظر في فهم أبعادها الاجتماعية وتأثيراتها في الاتصال الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، ذلك أن هذه المرحلة تُعد خطوة جديدة من خطوات تطور الاتصال الاجتماعي من حيث ظهور مؤشرات توحي ببوادر تأثيرها على طرائق تفاعل الناس وتواصلهم إلى الحد الذي جعل البعض يصفه بـ"نقطة التحول في تاريخ الاتصال الاجتماعي"([9])، ولم تتوصل الدراسات الغربية إلى نتائج قطعية بشأن طبيعة العلاقة بين شبكات التواصل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية من حيث اعتبارها فرصة أو تحدي. إذ يرى فريق من الباحثين أنها- شبكات التواصل الاجتماعي- عملت على تغيير حياة المجتمعات إلى الأفضل وذلك باختزالها المسافات الجغرافية والثقافية والمعرفية والعرقية والطبقية والسياسية بين المجتمعات وحتى في نفس المجتمع الواحد، ومنهم من يرى عكس ذلك تماما، إذ اعتبروا هذه الشبكات سببا في تفتيت علاقات الأفراد الاجتماعية محولتا حميميتها إلى فتور وبرود ومرسخة في ذات الوقت التباين الثقافي والطبقي والعرقي بين أفراد المجتمع([10])، وفيما يلي نعرض اتجاهان مختلفان الأول: يعتبر شبكات التواصل الاجتماعي مكسبا كبيرا يٌحسب للعلاقات الاجتماعية والثاني يعتبرها تحديا خطيرا لها، بالنظر إلى تداعياتها السلبية عليها.

الاتجاه الأول: شبكات التواصل الاجتماعي تُدعم العلاقات الاجتماعية

يعتَبر هذا الاتجاه شبكات التواصل الاجتماعي أهم دعامة بالنسبة للعلاقات الاجتماعية لذلك يجب الاستفادة من خدماتها التي لا تُعتبر فقط نجاحا تكنولوجيا بل تتعداه لتشكل ظاهرة اجتماعية فريدة من نوعها، ومن أبرز رواد هذا الاتجاه نجد كل من "مانويل كاستلز Man willCastells وفرانسيس كيرنكروس Francis.K.

يُعتبر "مانويل كاستلز" من بين أوائل العلماء في التسعينات ممن شدد على أهمية الاتصال الوسطي في جوانب الحياة الاجتماعية جميعها، واعتبر دورها فاعل في حياة الناس الاجتماعية، كما أرجع لها الفضل في إدخال المجتمعات المعاصرة إلى "عصر المعلومات" وبذلك "فكاستلز" يعتبر هذه التكنولوجيات الجديدة ممثلة في شبكات التواصل الاجتماعي أعظم إنجازات الثورة التكنولوجية في عالم الاتصال الاجتماعي"([11]).

   من جهتها الباحثة "فرانسيس كيرنكروس Francis.K" أكدت على أهمية الاتصال عبر الانترنت بالنسبة للعلاقات الاجتماعية، فبالإضافة إلى تمكُنه -هذا النوع من الاتصال- من إزالة الحدود الجغرافية بين البشر نجد إنجازات أخرى على المستوى الثقافي والاجتماعي تتمثل أساسا في تمكُنها من إنهاء الفروق الثقافية والاجتماعية بينهم وتوحيدهم في ثقافة ذات خصائص جديدة تختلف اختلافا جوهريا عما قبلها من خصائص([12]).

يعتَبر الباحث" رينبورد Renbold" الاتصال وجها لوجه غير ممكن عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن يُمكن من خلالها إجراء محادثات وحوارات مع آخرين لا يعرف بعضهم البعض ولا تمُيزهم سمات خاصة سوى ما يفرضه هذا الواقع الجديد، بدءا من الصداقات الجديدة مع آخرين من ثقافات مختلفة إلى الرغبة في التعرف أكثر على هذه الثقافات والتجول فيها بما يُلبي حاجة الفرد إلى الاتصال بغيره، وفي هذا يسود الاعتقاد بأن الفرد يقوم بتوسيع دائرة علاقاته الاجتماعية في إطار واقع جديد يُشكله الأفراد بأنفسهم.

يؤكد هذا التوجه أيضا على فكرة مفادها، أنه كلما تزايد الاتصال باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي كلما زادت الحاجة إلى الاتصال المباشر-وجها لوجه-مع هؤلاء الأفراد، ذلك أن العلاقات الاجتماعية التي تكون شبكات التواصل الاجتماعي نقطة بدايتها الأولى غالبا ما تتطور لتتحول إلى علاقات اجتماعية حقيقية، ولعل هذا ما جعل المفكر "DanieL.b" يقول: "إن الاتصال عبر شبكات التواصل الاجتماعي ما هو إلا امتدادا للاتصال المباشر وجها لوجه"([13]). ويقصد بذلك أن العلاقات الاجتماعية التي تنشأ عبر شبكات التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تبقى حبيسة الشاشة لأنها ستتحول حتما إلى علاقات حقيقية، وفي واقعنا الی ومي حدث لكثرين أن أقاموا علاقات اجتماعية افتراضية معأشخاص من مختلف أنحاء العالم انتهت في كثير من الأحيان بالالتقاء المباشر أو كخطوة أكثر تقدما تحولت إلى علاقات أسرية(الزواج الالكتروني)، ومن هنايؤكد (ماركج- Marc.J) "أن الاتصال عن بعد يكون في بعض الأحيان أفضل من الاتصال المباشر-وجهالوجه- فرغم غی ابعدة عناصر في سياق هذه الاتصالات كاللغة غیر المنطوقة مثل:إشارات رموز، لباس تلميحات وضعيات الجسد، تعابير الوجه...،إلى غير ذلك من العناصر المُكملة لمعاني اللغة اللفظية إلا أن الاتصال عبر شبكات التواصل الاجتماعي يبقى ذو طابع خاص، فلا يمكن أن ننكر أنه أثًر إيجابيا في النسيج الاجتماعي من حيث كيفية تشكُل الروابط الاجتماعية، كما خلق دوافع جديدة لتشكيلها تختلف عن الدوافع المعروفة سابقا منها الرغبة في إقامة علاقات اجتماعية عابرة للحدود ومع أشخاص من جنسيات مختلفة، وأيضا الحاجة إلى الانتماء لجماعة أوفئة ذات اهتمامات مشتركة([1])، تكون الغلبة فيها "للانا الفردي" على حساب "الانا الاجتماعي" أي عكس ما هو حاصل في العلاقات الاجتماعية الحقيقية التي تكون فيها السيطرة الكلية "للأنا الاجتماعي" على حساب "الانا الشخصي"، الأمر الذي يؤثر سلبا على شعور الأفراد بالحرية والاستقلالية.

لشبكات التواصل الاجتماعي أيضا القدرة على احياء النموذج الأصيل والأصلي للمجال العمومي وتجديده من خلال تيسير نفاذ المشاركين إلى النقاش العام وتعزيز طابع التنوع الفكري، عبر استحداث فضاءات أخرى جديدة للنقاش وتجاوز التنميط الفكري. وفي هذا الاطار فإن شبكات التواصل الاجتماعي تُوسع المجال العمومي لأنها تُتيح فضاءات جديدة للنخب البديلة وتساهم في تجاوز البعد النبوي والتمثيلي لصالح البعد التداولي، كما تُعزز شبكات التواصل الاجتماعي من مشاركة المواطنين في الحياة السياسية عبر أدوات جديدة وبالتالي تساهم في تأسيس الديمقراطية التداولية مما يفسح المجال لتفاعل اجتماعي واسع وعلاقات اجتماعية متجانسة وخالية من كل أشكال الطبقية الاجتماعية([14]).

خلاصةالقولأنهذاالاتجاهینفيتماماكونشبكات التواصل الاجتماعي تٌقلصمنحجمعلاقاتالفرد الاجتماعية وتفاعلاتهمعغيره،بلإنها توسعها وتعمقها ،وذلك بربطه مع أفراد آخرين عبر مختلفأنحاءالعالم، هؤلاء الأشخاصلمیكنلیلتقيبهملولاهذه الشبكات.

الاتجاه الثاني: شبكات التواصل الاجتماعي تشكل تحديا للعلاقات الاجتماعية

يؤيد هذاالاتجاه عددمنالباحثين،منخلالعدةدراساتأُجریتللتعرفعلىالأثرالاجتماعيلاستخدامشبكات التواصل الاجتماعيوالتي تُعتبركغیرهامنوسائلالاتصالالتيإنلمیُحسن الفرداستغلالهافإنها تحول الأفرادإلى:

-      أفراد منعزلين اجتماعيا.

-      أفراد مُحبطینومُدمنین.

-      منفصلين عنمحيطهمالاجتماعي ومندمجينفيجماعاتافتراضیة وهمية لا وجود لها في العالم الحقيقي.

-      متحررينمنرقابةالمجتمعومتنصلينمنالقواعدالتيتُسیرالنظامالاجتماعي.    

وفيدراسةأجراها كل من (Pittsburg - (robert Kantعلى عينة مكونة من 256 شخصلمدةسنتین بأمريكا، تبينأنالانترنتممثلة خاصة في شبكات التواصل الاجتماعي قلصتمندائرةعلاقات الأفرادالاجتماعیةالقريبةوالبعيدةوزادتمنوحدتهم وكذا شعورهمبالإحباط([15])، وهذا ماجعلبعضالمفكرين یصفونالمجتمعاتالجدیدة "بالمجتمعاتالانفرادية" أو "المجتمعاتالكابلية"التيیختليكلفردفيهابوسائلهالاتصالیة وينعزل عن أفراد أسرته وأصدقائه،ویقولفيهذا المضمارالمفكرالفرنسي(فیلیببروتونPhilip Breton)"إنالمجتمعالجدیدیمتازبوجوداتصالدائممنجهةوانفصال فیزیائيبینالأشخاص ونهايةالمقابلةالمباشرةمنجهةأخرى"، وُیسمي (وولتونWelton)هذه الظاهرة "بالوحدةالتفاعلیة"والتيمنمؤشراتهاالارتفاعالكبیرفيحالاتالوحدة مع الجهاز والحرص الدائم على البقاء في حالة اتصال مع الأصدقاء الافتراضيين. كما يرى(وولتون) أن "الأجهزةالتقنيةالحديثةلاتٌسهلبالضرورةإقامةالعلاقات الإنسانيةوالاجتماعية"ولذلكیجبأنلانغًتركثیرابهذه التكنولوجیات،فرغمالایجابیاتوالفوائدالكثیرةالتينتحصلعليهامن خلالاستخدامها،إلاأنهایُمكنأنتُحدثتأثیرات لایمكنالتنبؤبها، ویضیف(وولتون) بأن:" الاتصالعنبعدلایٌمكنأنیَحلمحلالاتصالالإنسانيالمباشرلأنالأشخاصمهما كانتالوسائلالاتصالیةالتي تربطهم يبقونفيحاجةماسةللالتقاءوجها لوجه،وهذه الوسائلفيالحقیقةلاتساھمفيإزالةالشعوربالوحدةكمایظنالكثیرون لأن الاتصالأكبربكثیرمنأن يُختزل في مجرد تبادلكلماتفقط([16]).

يرى كلمن "ثومبسون Tompson وديماجيو DemajioوكرواتQrawatوزابوفZaabof وستولStolle، أن هذا النوع من الاتصال أوجد تغييرات جذرية في حياة الناس ولعل أخطرها تلك التي عملت على تفتيت علاقاتهم الاجتماعية وحولت ما كانت تتمتع به من دفء وحميمية إلى برود وفتور كما غيًرت نمط تفاعلهم الاجتماعي وفتحت أمامهم مسارب سلوكية أضرت بقيمهم وأخلاقهم إضافة إلى تبلد حسهم الاجتماعي والوجداني، اغترابهم النفسي، عزلتهم الاجتماعية وانتشار قيم الاستهلاك كما أوجدت هذه الشبكات نوعا جديدا من الإدمان وهو ما جعل عالم الاجتماع المعاصر "انطوني جيدنز Antoni Jidnez" يصف هذا الفضاء الافتراضي "بالعالم الهارب"، كما اعتبر، أن الاتصال عبر شبكات التواصل الاجتماعي نقلنا إلى العيش في زمن ثقافي "من نوع خاص" وحدد خصائصه الاجتماعية كالتالي([17]):

-   إن التحولات والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي يتصف بها المجتمع المعاصر هي تحولات ذات قوة "نابذة وطاردة" للأفراد وذات خصائص ثقافية مشوشة ومضطربة.

-   الأفراد في المجتمعات التي ينتشر فيها هذا النوع من الاتصالات هم أفراد مقطعو الأوصال، بسبب استغراقهم وذوبانهم في خبرات يومية مجزأة ومبعثرة وتعوزهم الرؤية الشمولية المتماسكة للحياة.

-      يشعر الأفراد في هذا النوع من المجتمعات بالعجز وضعف المقاومة وقلة الحيلة في مواجهة العولمة وطغيانها وجبروتها.

-   تخلو حياة الأفراد اليومية في هذه المجتمعات من أي معنى، بسبب سيادة أنظمة اجتماعية جافة تفتقر إلى الحياة والديناميكية وتعمل على تفريغ حياة الأفراد اليومية من مغزاها ودلالتها الاجتماعية الحميمية.

أما فيما يتعلق بفكرة الاغتراب فقد استنتج الباحث الجزائري "إبراهيم بعزيز" في بحثه الموسوم بـ:"منتديات المحادثة والدردشة الالكترونية: دراسة في دوافع الاستخدام والانعكاسات على الفرد والمجتمع" وجود علاقة مباشرة بين المدة التي يستخدم فيها الأفراد منتديات الدردشة الالكترونية ومدى شعورهم بالوحدة والعزلة عن المحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، وأرجع هذا إلى كونهم يندمجون بصفة شبه كلية في الجماعات الافتراضية ويرتبطون بأفرادها لدرجة تجعلهم يستغنون عن الكثير من الأنشطة والأعمال التي كانوا يقومون بها في حياتهم العادية.

في دراسة أخرى أجراها الباحث حلمي ساري عن "ثقافة الإنترنت: دراسة في التواصل الاجتماعي"، على عينة بلغ حجمها (472) مفردة، توصل إلى وجود علاقة وطيدة بين إدمان الاتصال عبر شبكات التواصل الاجتماعي والعزلة النفسية والاجتماعية الناجمة عنه –الادمان- والتي من أهم أعراضها انتشار القلق، التوتر الإحباط وتذمر أُسر الشباب بسبب انشغال أبنائهم بالشاشة، إضافة إلى خلخلة علاقاتهم الاجتماعية ويظهر ذلك من خلال تذمر الشباب من زيارات الأقارب([18]).

أما بالنسبة لفكرة إحياء المجال العمومي: يرفُض العديد من الباحثين أن تُشكل شبكات التواصل الاجتماعي فضاءا عموميا بالمعنى الهبرماسي للكلمة، ذلك أن الفضاء الافتراضي يُمكن أن يساهم في تشظي المجال العمومي الذي يتحول إلى فضاءات لا تتفاعل مع بعضها البعض، وبذلك تظل النقاشات عبر شبكات التواصل الاجتماعي نقاشات متصلبة وعدائية أحيانا وتتعلق بمواضيع ضيقة لا تتصل دائما بالشأن العام ومنحصرة في جماعات منسجمة فكريا، وبذلك فإن تشظي فضاءات شبكات التواصل الاجتماعي يُهدد النموذج التقليدي للمجال العمومي إذ يقتضي أطرا مكانية وزمانية وإشكاليات مشتركة بل ولغة مشتركة أيضا يتشكل من خلالها النقاش المتنوع والمتعدد، لأن الشرط الأساسي للنقاش الأصيل هو أن يقبل المواطنون بالجدل في موضوع واحد وفي الوقت ذاته وعندما يتفكك هذا الاطار الزماني والمكاني المُشترك إلى أطر متعددة ومتناثرة ومتجانسة وغير متواصلة فإن المواطنين يفقدون إمكانية الاطلاع على الآراء المتنوعة حول الإشكاليات المشتركة لأنهم ينغلقون داخل جماعات ضيقة([19]).

من هنا نجد أن أنصار هذا الاتجاه يؤكدون على التداعيات السلبية التي يُخلفها استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على العلاقات الاجتماعية، فهي ومن وجهة نظرهم لا يُمكن أن تساهم أبدا في توسيعها أو تعميقها بل على العكس تماما، فهي لا تخرج عن كونها وسيلة تعزل الأفراد عن عالمهم الحقيقي ما يؤدي إلى تشتيتهم ومن ثم تضييق دائرة علاقاتهم الاجتماعية.

خلاصة واستنتاجات: تجدر الاشارة إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي وفي علاقتها بالعلاقات الاجتماعية تُعتبر سلاحا ذو حدين، فهي من جهة تُوسع العلاقات الاجتماعية إلى أبعد الحدود كما تختصر الزمان والمكان وانكار دورها في ذلك أمر فيه الكثير من الإجحاف، فالواقع يشهد أن الكثير من علاقاتنا الاجتماعية الافتراضية تحولت إلى علاقات حقيقية بعد الالتقاء المباشر بالأشخاص الذين كنا نتحدث معهم افتراضيا، كما أن العديد من العلاقات الاجتماعية القديمة التي خلناها أصبحت نسيا منسيا أُعيد إحياؤها من جديد عن طريق هذه الشبكات التي أُقيمت أصلا لهذا الغرض.

إلا أننا نجدها ومن جهة أخرى وحسب العديد من الدراسات التي قمنا بعرض بعضها والتي أثبتت أن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي أثًر تأثيرا بالغ الخطورة على علاقات الأفراد الاجتماعية الحقيقية، وأصبح الأفراد في ظلها مرتبطون بالوهم ومتحررون من كل مسؤولياتهم وضوابطهم الاجتماعية، إضافة إلى الإدمان والاغتراب والعزلة، مما تسبب في تقلص وانكماش علاقات الأفراد الاجتماعية .

من أجل هذا لابد من التفكير في بعض السُبل التي تقينا من التداعيات السلبية لشبكات التواصل الاجتماعي على علاقات مستخدميها الاجتماعية، والعمل على تكييفها للاستفادة قدر الإمكان من إيجابياتها وتجنب آثارها السلبية، ومن هذه التدابير الوقائية ما يلي :

-      الرقابة الذاتية، من حيث القدرة على التحكم في وقت الاستخدام .

-      دور الأهل، وخاصة الأولياء، عن طريق مراقبة الأبناء والتوعية الدائمة لمنع الوقوع في الإدمان.

-   الوقاية من خلال المناهج التربوية: أي أن تَهتم المناهج التربوية بتوضيح المفاهيم الجديدة المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والانترنت وتوضيح مدى الفائدة والضرر منها



-Patrick-Oliver. P, La cité numérique, cherche midi éditeur, France,  2001 p.186.



الهوامش:

[1] -Milliard d’inscrits sur Facebook, http://www.pexiweb.be/, (02/01/2011).

-حنان شعبان، التأثير ومقترب الاستخدام و الإشباع، في 14/06/2009 نقلا عن   : http/www.audience-studies.over-blog.com/.

-      - نفس المرجع.

-      - غريب محمد السيد أحمد، علم الاجتماع ودراسة المجتمع، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2003، ص.332.

-      - نفس المرجع.

-      - أحمد زكي بدوي، معجم مصطحات العلوم الاجتماعية-أنظر العلاقات الاجتماعية-1986، ص1986.

-      - إحسان محمد الحسن، المدخل إلى علم الاجتماع الحديث، مطبعة جامعة بغداد، العراق، 1976، ص.46.

-      - الصادق الحمام، "الميديا الجديدة والمجال العموم: الإحياء والانبعاث"، مجلة الإذاعات العربية، (دون عدد دون سنة نشر)، ص.20، نقلا عن مدونته الشخصية على الرابط:

https://soundcloud.com/saddok-hammami

- Mulgan. G, Connexity: Responsibility, Freedom, Business and Power in the new Century 1998, p.22.

- حلمي خضر ساري، "تأثير الاتصال عبر الانترنت في العلاقات الاجتماعية (دراسة ميدانية في المجتمع القطري)"، مجلة جامعة دمشق، المجلد24، العدد الأول والثاني، 2008، ص298.

-[11] نفس المرجع.

- Mulgan. G, Op.cit, p.233.

- Dominique Walton, penser la communication, paris : Flammarion, 1997 p.56.

- صدوق الحمامي، مرجع سابق،ص.20.

- Philipe Breton, Le culte de l’internet: une menace pour le lien social, la découverte, Paris, 2000, p.122-123.

- Dominique W, Internet et après ?une théorie critique des nouveaux medias, Flammarion, France 1999, p.107.

- [17]سلمى خضر ساري، مرجع سابق. ص.308.

-نفس المرجع السابق، ص.128.

-صادق الحمامي، مرجع سابق، ص.21.