دور الأسرة السحنونية بمنطقة آث وغليس في التصدي
pdf

للحملات التبشيرية بالجزائر1920/1954

د. احمد مسعود سيد علي

جامعة المسيلة ( الجزائر )

ملخص:

 لم تكن لدى العسكريين  الفرنسيين  في نظر المدرسة التاريخية الاستعمارية الفرنسية النية البتة حينما قادوا الحملة لاحتلال  الجزائر لتنصير المجتمع الجزائر حينما كان يرافقهم رجال الدين ،فهؤلاء في نظرهم كانوا مكلفين برعاية  المستوطنين الأوربيين  وليس التبشير واستعادة المسيحية القديمة وإثارة مشاعر المسلمين،ثم أن الجمهورية الثالثة كانت علمانية  بحيث أعلنت عداءها للكنيسة و أقرت نظام فصل الدين عن الدولة،لكن بالعودة إلى بدايات الحملة الأولى على الجزائر وما تضمنته وثائقها فان الشواهد تنفي أطروحة الفرنسيين السابقة ،من بورمون إلى راندون مرورا  بكلوزيل وغيرهم فإنهم كانوا يقيمون القداس بعد تحقيق الانتصارات على المقاومات،ويصادرون الأوقاف ويهدمون المساجد ويحولونها إلى كنائس،بداية من دوبوش1838الذي حمل معاول هدم أركان الإسلام ومعالمهإلى لافيجري وشارل دي فوكو.

لقد كانت إدارة الاحتلال تتفادى المجاهرة بدعمها حركة التنصير في الجزائر،لكن كل مشاريعها كانت تصب  في ذات الاتجاه الذي رسمته الكنيسة وهو نشر التأثير الفرنسي واستعادة  الرومنة و المسيحية،وبالتالي تحقيق اندماج  عن طريق اللغة والثقافة والقضاء

وعليه فان التبشير إبان الحقبة الاستعمارية الفرنسية بالجزائر شكل معولا رئيسيا استعان به الغزاة الفرنسيون لبناء صرح الجزائر  الفرنسية، وهم إذ فعلوا ذلك فإنهم لم يكونوا البت يرمون تحقيق عملية تنصير فئة الأهالي من الجزائريين بقدر عملوا على إخراجهم  وإبعادهم من دينهم الأصلي، على اعتبار أن الإسلام  كان يشكل منبعا لا ينبض نهلت منه جل المقاومات الشعبية التي اندلعت طيلة القرن التاسع عشر ميلادي، مقاومات انطلقت  بمباركة الزوايا على اختلاف مشاربها ومقدميها ومريديه على حد سواء،و لما سكت دوي الرصاص عاود الاستعمار الفرنسي  التركيز من جديد على تفعيل سياسة التبشير خاصة خلال فترة القرن العشرين مركزا جهوده هذه المرة على مناطق معينة من الجزائر.

ويبدوا أن الاستعمار كانت له مبرراته الموضوعية لانتهاج هذا السبيل في تركيز جهوده نحو تمسيح جزء من الشعب الجزائري،لكن عمله هذا لا يمكن البت الاعتقاد انه حقق نجاحات كبرى ،بل تصدت له تلك الزوايا التي نكل أو قضى عليها خلال مواجهته للمقاومات  الشعبية الكبرى، زوايا وأسرة ورثت عن الزوايا الكثير من الطقوس والشعائر للحفاظ على هويتها الوطنية ،وهو حال الزوايا السحنونية التي انبلج بريقها في بني وغليس بمنطقة بجاية خلال فترة القرن العشرين،بحيث تصدت هذه الزواية لأساليب جديدة انتهجها الاحتلال في سبيل تحقيق سياسة التبشير بمنطقة القبائل تمهيد لفصل المنطقة عن بقية الشعب الجزائري،تصديا كان في مستوى التحدي الذي فرضته سياسة التبشير حينها وهو ما سنبينه في هاته الدراسة.

الكلمات المفتاحية: التبشير/  الاستعمار الفرنسي/ المقاومات الشعبية/ بني وغليس/بجاية/الاسرة السحنونية/ الاباء البيض/الزوايا

Résumé

  L'école historique Coloniale française a tenté de mettre en évidence le fait qui il ne figurait pas dans l'intention de l'armée française d'évangéliser la société algérienne quand il a mené la campagne pour l'occupation de l'Algérie où elle était accompagnée par les clergés, ils ont été attribués pour les auspices de colons européens et non pour prêcher le christianisme et provoquer les sentiments des musulmans, puis la troisième République était laïque et a déclaré ennemis de l'église et a reconnu la séparation de la religion du système étatique, mais revenons au début de campagne en Algérie, et son contenu et ses documents la preuve elle nie L' ancienne thèse française; Ils font leur masse religieuse après chaque victoire sur les résistants algériens et la destruction des centaines établissement religieuses comme la transformation de nombreuses mosquées en églises

Au début débuche à effectuer en1838 des pelles de démolition des piliers de l'Islam et de ses caractéristiques à Lavigerie et Charles de Foucauld L'administration d'occupation éviter la déclaration de son soutien au mouvement du christianisme en Algérie mais tous les projets sont dans la même direction dans laquelle l'église a planifié pour un déploiement de l'influence française et la restauration de romanisation et le christianisme, et ainsi réaliser l'intégration par la langue, la culture, la justice

En conséquence; l'évangélisation pendant l'ère coloniale française en Algérie forme un moyen de pelle utilisée par les envahisseurs français pour construire un édifice de l'Algérie française Ils n'ont pas comme objectif d'atteindre l'évangélisation des Algériens autant que travaillé pour les faire sortir et de les éloigner de l'islam qui est l'un des facteurs qui ont incité la résistance algérienne

لمحة عن أهمية الزوايا بمنطقة القبائل في محاربة الاستعمار:شكلت الزوايا بمنطقة القبائل شأنها في ذلك شأن بقية الزوايا في الجزائر عشية الاحتلال الفرنسي للجزائر سلطة روحية وسياسية واسعة النطاق، فمقدم الزاوية كان بمثابة مدير الدراسات في الثانوية يساعده شيخ الزاوية في الإشراف التربوي على الطلبة في حين تسند الشؤون المالية والمادية إلى وكيل الزاوية.    

   هذا وقد تعاظم دور الزاوية مع تراجع دور السلطة المركزية حتى صارت تشرف إشرافا تاما على المجتمع من خلال قيامها بمهام التدريس والتعليم و الرعاية  الاجتماعية كحل الخصومات عن طريق الصلح والمصالحة على أساس ثقافة الرحمة و المودة ،كما كانت تعمل على تعبئة الجماهير في إطار نظام تويزة لمجابهة الكوارث الطبيعية التي كانت تحل بالبلاد،والحالة هاتهجعلها تصطدم مباشرة مع قوات الاحتلال خلال عملية التوسع العسكري،كما إن المنطقة برمتها استجابتللنداء الذي وجهه الداي حسين باسم الجهاد بعد أن حقق ديبرمون الإنزال البري في سيدي فرج في جوان 1830،وعلى اثر ذلك وجه مقدم  وشيوخ الطرق الدينية  نداءا إلى أهالي المنطقة يدعوهم فيه إلى ترك خلافاتهم جانبا والاستعداد للجهاد ضد الاحتلال الفرنسي،وقد ذكرت بعض الروايات أن عدد المجندين الذين لبوا نداء الجهاد في المنطقة وصل إلى خمس وعشرين ألف مقاتل،خرجوا من منطقة القبائل وهم يودعون من ذويهم بالدعاء بالنصر واتجهوا تحت إمرة شيوخ الزوايا والأعيان وفق نظام محكم ينطلق فيه المقاتلون تحت راية شيخ الزاوية بمثابة القائد الروحي وقائد العرش بمثابة قائد العسكري.

خرجت بذلك اعراش[1] آث يرثن من قرية ثمازيرت،وعرش آث فرواسن وآث خليل وآث بوشعيب تحت قيادة سي اوسحنون،وعرش آث جناد تحت قيادة امحند اولعربي ناث بابا بإشراف المرابط سي العربي اوشريف من قرية تازورت حاملت راية سيدي منصور،وعرش افليسن لبحار تحت إمرة الشيخ أعراب اقر وجن والمرابط الشيخ عمر امسون،وعرش آث غبري تحت قيادة الشيخ بوحميل وزعامة المرابط الشيخ سي احمد اومالك من قرية تيفريت ناث الحاج،واعراش آث يجر وأسيف الحمام وتيقرين تحت قيادة محند ناث علي والمرابط الشيخ الموهوب،وعرش ازرخفاون وآث افليق تحت قيادة السعيد اوعمر والمرابط الشيخ امحند اوثفرون،وعرش ايلولن وآث زيكي، تحت قيادة اوكزوز والمرابط شيخ زاوية سيدى ابن ادريس،  وعرشا اث يتسوراه واث يليلتن تحت إشراف الشيخ سعيد ناث حملوت والمرابط الشيخ سى سرير ولد سيدى يحى واعمر، وعرش اث قنون تحت قيادة احمدناث يحي والمرابط الشيخ سي سعدي من قرية الشرفة، و اعراش اث يحي واث بويوسف واث منقلات تحت قيادة يحي ناث اوعزوز والمرابط  سي الحاجناث منقلات وسي محمداوشريف من اث بويوسف ،هذه الاعراش كلها لبت نداء الجهاد وحملت لواء المقاومة العسكرية في بدايتها الأولى،ثم أخذت تترى عبر ربوع المنطقة بين الفينة والأخرى إلى اندلاع ثورة المقراني التي وسعت من نطاق حركتها الجهادية بالرغم من فشلها لاحقا.

لقد استمرت الزوايا  إذا في أداء دورها الجهادي بتجنيد المقاتلين في صفوفها عبر الثورات التي اندلعت طيلة القرن التاسع عشر،الأمر الذي حذا بسلطات الاحتلال أن تعمل على مضايقتها- عن طريق مصادرة ممتلكاتها وأراضيها  وترويضها لأجل خدمة المصالح الاستعمارية[2]، فثورة المقراني الشهيرة جلبت إليها جل الطرق الدينية التي كانت تنشط بمنطقة القبائل على الأقل المنطقة الصغرى ،وكان من بين العائلات الكبرى التي شاركت في صنع ملحمة ثورات القرن التاسع عشر عائلة السحنوني  ومقد الطريق الرحمانية بمنطقة بني وغليس محمد علي اوسحنون حيث جند أكثر من 1600مقاتل[3]،هذه الأسر ظلت تواجه في الاستعمار لاحقا بفعل سياسة التبشير المسيحي التي طالت المنطقة برمتها كمشروع استعماري لفصل المنطقة عن بقية أجزاء الوطن،كان من بين الأسرة الكبرى التي واجهة هذا الغزو الأسرة السحنونية،فمن هي إذا هذه الأسرة  أصولها؟ ومجال نفوذها الزماني والمكاني ومواقفها من سياسة التنصير الفرنسي.

أصول سيدي سحنون: لا يزال الجد الأول للأسرة السحنونية  مجهول لدى الكثير من الباحثين في منطقة القبائل،هل كان عالما أم وليا من الأولياء الله الصالحين،وهل كانت زاويته هذه منذ تأسيسها مقام لممارسات الطقوس، الخاصة بالأولياء فقط أم كانت منارة علمية بمثابة مؤسسة علمية يدرس فيها القرآن وعلوم الشرعية.

أم فيما يخص سيدي سحنون فإن الروايات الشفوية تشير إلى ما تبقى في الذاكرة الجمعية لأحفاد الأسرة أن جدهم الأول قدم من المدينة المنورة ومر بالقيروان ثم بمدينة يشير قبل أن يستقر به المقام في بجاية ببلدة جمعة نصهيرج عرش آث فرواسن،ولم تحدد هذه الرواية التاريخ بالضبط لقدوم الجد الأول ،لكنه ثبت أن نزل ضيفا عند أقدم عائلة بالمنطقة وهي عائلة إغمارن،وانشغل هناك بتدريس القرآن والعلوم الشرعية،كما جرت العادة لدى الأسرة الشريفة التي كانت تحط الرحال بأرض زواوة.

 علاقة آث سحنون بالفقيه عبد السلام بن سحنون: بالنظر إلى ارتباط آل سحنون في بلدة جمعة نصهريج بمدينة القيروانحيث حل بها الشيخ الفقيه عبد السلام بن سحنون قادما إليها من حمص، حيث استقر أبوه ابن حبيب التنوخييحق لنا التساؤلعن علاقة آث سحنون بالفقيه عبد السلام بن سحنون.

ولد الفقيه عبد السلام بن سحنون سنة 608م وبعد أن استكمل تحصيله العلمي في الطور الأول بمسقط رأسه شد الرحال إلى القيروان  حيث تولى القضاء في عهد الأمير محمد بن الأغلب سنة648م، وفي سنة677م انتقل إلى الشام ثم الحجاز، ولقب بسحنون لحدة ذكائه وسرعة فهمه تشبيها بالطائر الحاد البصر، واشتهر برفعة مكانته العلمية بين العلماء والدارسين الذي كانوا يقصدونه للاستفتاء ،كما ساهم مساهمة كبرى في نشر المذهب المالكي في أقطار المغرب والأندلس،ومن مؤلفاته المدونة الكبرى في الفقه المالكي،كما عرف عنه تواضعه وعدله وعفته والجرأة في اصدرا الأحكام فاستحق لقب سراج القيروان.

أما عن أحفاد سيدي سحنون الصهريجي فقد تفرعت ذريته بالجمعة نصهريج إلى سبع عائلات وهي آث وأعمر- حاليا يلقبون زيات-  آث الجودي- حاليا نايت جودي-آث الحسين- حاليا بوسليماني- آث واعلي-حاليا الوالي وآثمحند -عتمان- وآث سي حند- بن ناصر وآث سي سعيد- سحنون-[4].

وقد انتقل نجل من العائلة وهو علي بن محمد السحنوني إلى قرية إعبوذن-عرش آث يراثن- لاستخلاف سيدي أعمر وشريف في الإشراف على الزاوية بعد انتقاله إلى بوبراق ناحية دلس عقب قتل سكان القرية لابنه وأسس هناك عائلة خرج من صلبها الشيخ محند وعلي أو سحنون قائد ثورة 1871، بعرش آث يراثن،وبعد إخفاق الثورة نفي إلى سجن كيان الفرنسي بأمريكا اللاتينية حيث فر منه ثم أعيد إليه مرة ثانية وتمكن من الفرار منه مرة أخرى.

زاوية الشيخ سيدي سحنون:زواية سيدي سحنون تقع في بلدة جمعة نصهريج ولاية تيزوزو وهي من الزوايا العتيقة بمنطقة زواوة،وهي لا تزال إلى يوم الناس هذا محج الكثير من المريدين، ويشرف عليها الحاج الشريف اولجودي ومن أعضائها البارزين الحاج امحند اوسحنون،هذا وتشير بعض  الروايات الشفوية إلى إن سيدي سحنون قدم من مدينة القيروان بتونس ومر على بجاية حيث استقر ببلدة نصهريج عرش آث فرواسن،من دون أن تحدد هذه الروايات تاريخ مجيئه إلى بجاية،لقد نزل ضيفا على أقدم عائلة بجمعة نصهريج وهي عائلة اعمارن.ولعله انشغل بتدريس القرآن والعلوم الشرعية، كما جرت العادة لدى الأسر الشريفة النازحة إلى بلاد الزواوة.

وتشير مصادر أخرى إلى  أن  الأسرة السحنونية تنتمي إلى سي محمد اسحنون  وهو من أولاد سحنون  من قبيلة ايراثن[5]، وقد عرف هذا الرجل بجهاده في ثورة المقراني إلى جانب الطريقة الرحمانية،وقد أوكلت له مهمة الذود عن مناطق الأربعاء ناث ايراثن خلال ثورة المقراني،معية مقاديم الطريقة الرحمانية بالمنطقة أمثال سي محند نايت إبراهيم من تاوريت ونايت علي اوناصر وسي محند الحسين .[6]

- السياسة التبشيرية بالمنطقة وتداعياتها:شكل فشل ثورة المقراني ،بداية لبلوغ الحركة التبشيرية الاستعمارية أوجها،فلقد أدرك قادة الحركة الاستعمارية قوة العامل الديني في حركة المقاومة التي خاضها الثوار،بحيث كانت الثورة تنطلق تحت راية قائدين الأول عسكري والثاني زعيم روحي بمثابة مقدم كما اشرنا إلى ذلك سابقا،ومنه كانت الطرق الدينية هي النبع الذي ينهل منه الثوار ويقوي شوكتهم،والحالة هاته توجهت الاسترتيجية الاستعمارية في منطقة القبائل بعد فشل ثورة المقراني وبالتوازي مع سياسة الحديد والنار التي سلطت على الأهالي من تهجير قسري ومصادر للأراضي في إطار حرب إبادة،قامت سلطات الاحتلال بالتوازي مع ذلك بتفعيل سياسة التبشير في المنطقة في إطار ما كان يسمى بالأسطورة القبائلية قصد ضرب الهوية الوطنية وتمزيقها أملا في تمسيح جزء من الشعب الجزائري[7] .

لقد عمل المبشرون إذا في مناطق بني وغليس وغيرها من منطقة القبائل على مضاعفة جهودهم في  إنشاء دور اليتامى والسهر على تربية الأهالي وفق تعاليم الكنسية،ومراكز التكوين المهني لإدماجهم في الحياة المهنية والمدارس لتعليمهم مبادئ اللغة الفرنسية،آملين في سطحية إسلامهم على حسب اعتقادهم ومروجين لنظام الجماعة الذي كان يعيش عليه الأهالي كنظام ديمقراطي كان يشق طريقه من عبق تاريخ روما والوندال،بحيث أسسوا بالمنطقة سبع جمعيات للآباء والأخوات البيض كما تم بناء قريتين نموذجيتين لتربية اليتامى وتنشئتهم تنشئة  مسيحية،[8]

ولم فشلت مساعيهم في سبيل تمسيح  الأهالي استعمل المبشرون أسلوب التدرج عن طريق بناء المدارس والمستوصفات والورشات.[9]

و في 22ماي 1874،أمر الحاكم العام دي قيدون من لافيجري أن يوسع بناء  دور اليتامى لتشمل كل مناطق القبائل،وبحلول سنة 1876،تم تأسيس مركزيين تبشيريين بمنطقة القبائل الكبرى وفي 1879،أنشأ مركزين بمنطقة القبائل الصغرى،و في سنة 1886، دعا لافيجري مناصريه إلى إلقاء الدروس الدينية في شكل قصص تاريخية،أملا في تمسيح الأهالي وإخراجهم من البؤس الذي كانوا يعيشونه[10].

لقد وضع عميد المبشرين الفرنسيين لافجيري استراتيجية واضحة الأهداف بعد فشل ثورة المقراني لاستئصال روح النضال الوطني و تمزيق هوية ووحدة الشعب الجزائري،عن طريق تأسيس فرق الآباء البيض بداية من فيفري1873،بحيث رسم معالم لهاته الفرق أكد على ضرورة انتهاجها تقوم على[11]:

- تركيز الجهود على التنصير الجماعي لقرى بكاملها مستغلا في ذلك ما خلفته سياسة الحديد والنار التي سلطت على الأهالي اثر القضاء على ثورة المقراني،بغية القضاء على روح التعصب وتجفيف منابع التحرير بصدهم عن الزوايا والطرق الدينية ،وتلبية حاجياتهم فيما يخص الإعانات الاجتماعية والرعاية الصحية والتمدرس.

- استيعاب السكان عن طريق تقديم الخدمات الاجتماعية باستمرار-الإحسان، الأعمال الخيرية والطبية وزيارة القرى النائية. ولتحقيق ذلك عمل المبشرون على تأسيس العديد من المراكز تبشيرية،بمنطقة القبائل نذكر منها :

- مركز فور ناسيونال سنة1870، تحول مع مطلع القرن العشرين إلى أسقفية تابعة للأباء البيض سنة1915.

- مركز تاغمونت عزوز في بني يني سنة1873.

- مركز جامع الصهاريج سنة1872،أسسه اليسوعيون ثم  عملت فيه الأخوات البيض بداية من 1887، واستعاده الآباء البيض سنة1920.

ومنه وضع الآباء البيض هذه المراكز تحت سلطتهم أملا في تنصيب أنفسهم أوصياء روحانيين على المنطقة ،للزج بها في غياهيب الكاثوليكية الإفرنجية لمعادة الإسلام وبالتالي القضاء على روح أي مقامة تظهر،وقد اعتمد الآباء البيض وسائل عديدة لتحقيق أهدافهم نذكر منها لا سبيل الحصر:

- الأعمال الخيرية: كانت الوسيلة الأولى لكسب ثقة سكان المنطقة بحيث عمل الآباء البيض معية إدارة الاحتلال على إعانة الفلاحين في مزارعهم وتعليم تقنيات الزراعة الحديثة والطرق الحديثة لعصر ا منتوج ا لزيتون الذي كان يشكل رأسمال المنطقة برمتها.

- وسيلة التطبيب شكلت معول خطير استعمله الآباء البيض لكسب ثقة سكان المنطقة مستغلين حالة الضعف التي يعاني منها المريض وعجز ذويه عن تطبيبه، بحيث أسسوا المراكز الطبية والمستوصفات وكانوا يقومون بتقديم الدواء للمريض ويعملون على التواصل معه وفق زيارات تفقدية داخل منزله ومع ذويه لمعرفة طبائع وأعراف المنطقة وللظهور أمام العائلة الصغيرة والكبرى والجيران بمثابة -ملائكة الرحمة-.

- وسيلة التعليم وكانت تستهدف الأطفال لسهولة تلقينهم مستغلين عنصر البراءة فيهم و ومحدودية النمو العقلي في المراحل الأول لتشكيل شخصيتهم،كما وظفوا جوانب مادية لترغيبهم  للإقبال على مدارسهم بتقديم النقود والحلوة،والألعاب فضلا  عن  الإطعام والإيواء للذين يقطنون في القرى النائية[12].

كما عمل المبشرون  وتشجيع من إدارة الاحتلال في منطقة القبائل على وضع مجموعة من المؤلفات لإحياء اللهجات البربرية البالغة الثلاثين لهجة،نذكر منها [13]:

- بمنطقة بني يني  وضع قاموس مختصر فرنسي -قبائلي يقع في 108ص  سنة1898.

- قاموس فرنسي قبائلي  تأليف الأب هاينغر1896.

- قاموس فرنسي قبائلي  تأليف نفس المؤلف يقع في 354ص باريس1901.

-حياة سيدنا عيسى الأب فورمون 200ص سنة1916.

-دليل الصلاة يقع في 144ص سنة1913

- الأناجيل بن يني سنة1900.

- مختصر  العقيدة المسيحية - فرنسي -قبائلي-سنة1904.

جهود الأخوات البيض قي السياسة التبشيرية بالمنطقة:أما عن نشاط الأخوات البيض فلقد كان مركز في المنطقة على المرأة القبائلية بالنظر إلى الدور الذي كانت تلعبه في الأسرة ضمن المجتمع القبائلي علاوة على أنها كانت تعيش داخل القرية ولا تتنقل إلا في الحالات النادرة مما جعل الأخوات البيض يستغللن حالة البؤس والشقاء الذي كانت تعيشه المرأة من جمع الحطب و الاهتمام بالزراعة المعاشية في غياب الزوج الذي كان في الكثير من الأحيان يهاجر إلى المدن الكبرى أو فرنسا بحثا عن العمل،كانت الأخوات تكسب قلوب الأمهات القبائليات عن طريق المعاملة القائمة على الشفقة والرحمة خلال تطبيبهن أو تقديم الإعانات للمعوزين وهي صفات شكلت مفتاح اشتريت به ذمم الكثيرات اللواتي لازلنا إلا يوم الناس هذا ذكرن الصفات الحميدة التي كانت تتصف بهن الأخوات البيض دون علم خلفيات هذه المعاملة،ففي الكثير من المرات كانت الأخوات البيض خلال عمليات التطبيب خاصة يدعن المريضات إلى حضور القداس الذي كن يقمنه في كنيسة المستشفى قي كل صباح،كما كن يعمدن إلى تقديم الهدايا في أعياد الميلاد إلى الأطفال ممثلة في ملابس ولعب.

  ومن دون شك فإن تضافر هذه الجهود بين إدارة الاحتلال ومنظرو السياسة التبشيرية بالجزائر بصفة عامة ومنطقة القبائل بصفة خاصة انتهت هذه الجهود إلى استيعاب فئة من المجتمع القبائلي أو بعض الأفراد الذين تم تنصيرهم مع مطلع القرن العشرين ،بحيث وصل عدد المنصرين فقد كان يتضاعف  بشكل بطيء بين سنوات 1903الى 1912/ بين 309و487لكن بين سنوات 1912 الى سنة 1925،ارتفع لينتقل من 487سنة1912الى 828سنة [14]1925.

تأسيس الزاوية السحنونية:والحالة هاته لجأ سكان الزواوة في منطقة القبائل الصغرى والكبرى على حدا سواء لجئوا إلى التمسك أكثر بدينهم وانزووا داخل طرقهم الدينية ،كأسلوب دفاع عن هويتهم الدينية وعقيدتهم الإسلامية،بعد أن فشلت المقاومة العسكرية للغازي المحتل،وأمام تتالي الحملات التبشيرية التي كانت تعصف بأصحاب القلوب الضعيفة، ظهرت ردة فعل طبيعية لمجتمع  ظل إلى ذلكم الحين متمسك بقيمه الحضارية والدينية بحيث تصدت الطريقة الرحمانية للغزو التبشيري بمضاعفة إنشاء الزوايا في المنطقة وفروعها في القرى النائية للذود عن القيم الإسلامية كما اعتمدت الطريقة الرحمانية على تفعيل دور الزوايا التي كانت تشرف عليها حينها بالاهتمام أكثر بالتعليم والقضاء على الجهل والأمية اللذان كان يشكلان وسيلة من وسائل التغلغل المسيحي،فكثير ما كان الطلبة حينما يفدون على الزوايا  يوزعون على حلقات حفظ القرآن و تعلم مبادئ الكتابة والقراءة،علاوة على حلقات الفقه التي كانت تخصص لشرح الموطأ  ومختصر الشيخ خليل  .

لقد نجحت الزوايا في صد أبناء المنطقة من التوجه نحو المدارس الفرنسية أو المدارس المختلطة ،على الرغم من تفشي ظاهرة الجهل والأمية لكنها من جانب آخر حافظت على البقية الباقية من الشخصية الإسلامية التي كانت تنتظر ظهور علماء إصلاح ومجددين يجددون لها أمر حياتها دينية ودنيوية،كانت زوايا منطقة القبائل الحصن الذي لجئ إليه الكثيرون بحيث كانت متنوعة مابين زوايا مخصص لحفظ القرآن وتعليم أبجديات اللغة العربية و نحو وصرف على الارجومية والألفية ، وزوايا الفقه المالكي التي كان يدرس فيها الموطأ و ومختصر الشيخ خليل  بن إسحاق وشروحه الرئيسية،كما يدرس فيها التوحيد وعلم الحديث،و علم الحساب على القلصاوي وعلم الفلك على محمد السوسي والإنشاء والعروض والتوثيق كما كان شأن زواية الشيخ الحسين بن أعراب  وزاوية آث سحنون موضوع دراستنا.

كانت منطقة بني وغليس مثالا حيا على تمسك الأهالي بعقيدتهم بحيث فعل دور الطريقة الرحمانية على يد زاوية سيدي سحنون التي أنشأها محمد السعيد بن السعيد السحنوني[15] بعد فشل ثورة المقراني،وقد انشأ زاويتين الأول: بناحية الاربعاء ناث ايراثن والثانية بتاغراست  ببني وغليس ناحية أقبو ولاية بجاية،وقد عرفت هذه الزاوية بكفاءة أساتذتها بحيث كان يقصدها طلاب كثر.[16]

- مدرسو زاوية سيدي سحنون: لقد حفظت لنا الذاكرة  الجمعية لسكان بني وغليس نزرا يسيرا من المعلومات، حول الشخصيات التي تعاقبت على التدريس بزاوية سيدي سحنون، منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ويمكن إجمالها وترتيبها على النحو التالي[17]:

1 الشيخ الصالح بن محمد بن لونيس بن القاضي

2 الشيخ مُحند وَلحَاجْ -كديد.

3 الشيخ العربي ناث بُوعْضه.

4 الشيخ مُحَندْ أُوعُمَرْ لونيس.

5 الشيخ محند أمقران بن محند أُعُمَرْ لونيس.

6 الشيخ لخضر كمال.

  7 الشيخ أرزقي أبو يعلى دحلال.

8 الشيخ محند أمزيان بن أبو يعلى دحلال.

9 الشيخ أحمد آث أفرح.

10 الشيخ العربي أيَنِيوْ من آث يني.

11 الشيخ أحمد أعراب من سطيف.

12 محند بن مسعود ناث بوثشور

13 الشيخ محمد السعيد وزان من ناحية آث وغليس

14 الشيخ الصادق حسين منذ سنة 1791م

تطور زاوية السحنونين ودورها في مواجهة التنصير: لقد تداولت عائلة السحنوني على تسير شأن الزاوية كا الشيخ بلقاسم وأخوه الشيخ إبراهيم ثم الشيخ محمد وأخوه الشيخ الشريف السحنوني ،الذي بلغت الزاوية على  عهد أوج إشراقها ، ففضلا  عن  عملها الاجتماعي بالمنطقة ،عملت الزاوية على مواجهة التنصير بالعمل التربوي  وكثفت من الاهتمام بتعليم القران والعلوم الدينية الأخرى، عملت  أيضا على تطوير تعليمها من حيث الطرق و المناهج، و عملت على تطوير مكتبتها  وقام المشرفون عليها باستقدام العلماء من خارج  وداخل الجزائر إثراء لبرامجها  وتنويعا لمعارفها.

لقد انتصب شيخ الزاوية بنفسه سيدي محمد الشريف السحنونى [18] معلما في الزاويتين بتاغراست،  وبنى وغليس.،مسخرا نفسه للتدريس بنفسه ،ومما يوحي بأهمية هذه الزاوية  على المستوى الخارجي تلك العلاقة المميزة التي كانت تجمع الشيخ الشريف السحنوني مع العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ، شيخ جامعة الزيتونة بحيث كان  مهمتا بأمور الزاوية ،و عارفا لقيمتها[19]،كما جمعت علاقة العلم والأخوة بين الشيخ الشريف السحنوني والعلامة بن باديس الذي كان يحثه على الاهتمام بالإصلاح التربوي في الزاوية بما يخدم القضية الوطنية ويذود بالدفاع عن ثوابت الأمة ضد سياسة التبشير التي كانت متركزة في بلاد القبائل بغية شق وحدة الشعب الجزائري[20].

 والظاهر أن شيوخ الزاوية السحنونية، كانوا قد استفادوا من  علماء ومشايخهم بالمنطقة ذاتها وطوروا مناهج التربية والتعليم في الزاوية السحنونية على يد شيوخهم الذين تعلموا عنهم مثل - أبو القاسم البوجليلي1829/1898 من قرية بوجليل بمنطقة آث عباس بجاية الذي تتلمذ على يديه الشيخ الشريف الوغليسي ،و الشيخ  -محمد السعيد بن زكري  الزواوي الجنادي1851/1914 ،صاحب كتاب- أوضح الدلائل على وجوب الإصلاح في بلاد القبائل- كان إمام في علم التوحيد والفقه على المذهب المالكي ورهن حياته للتعليم والإرشاد ونتيجة لتجاربه هذه ألف كتابه السابق الذكر،الذي ضمنه تجربته في ميدان التعليم ودعا الزوايا بمنطقة القبائل لإتباع مناهجه في التعليم،كما دعا الشيخ- أبو يعلي الزواوي- إلى إصلاح الزوايا بما يخدم القضايا الوطنية ،الأمر الذي جعل منه قطب من أقطاب جمعية العلماء المسلمين لاحقا[21].

  لقد طور الشيخ محمد الشريف السحنونى مناهج الدراسة بالزاوية واستقدم مشايخ من الزيتونة حيث وفد من تونس الشيخ محمد الحبيب و الشيخ المرشيشى  للمساعدة على التدريس وأصبح تعليمه بالزاوية يتماشى وبرنامج التعليم في جامعة الزيتونة أو في مدارس ج ع م ج .

 وعليه فقد زاد  الإقبال على الزاوية وبلغ عدد طلاب الزاويتين 550 طالبا .[22] ، وعلى الرغم من بساطة الوسائل المستعملة في الزوايا لنشر التعليم وكلاسيكية المنهج التربيوي في جانبه البيداغوجي مقارنة ببقية المناهج المتقدمة في المنارات والحواضر الكبرى في المشرق العربي،إلا أن الدور التعليمي للزوايا ظل يقف حجرة عثر في وجه سياسة التنصير التي كان يمارسها الآباء البيض في المدارس ،فحتى أولائك الذين كانوا يدرسون في المدارس العربية الفرنسية،لم يتمكنوا من النهل من الثقافة الفرنسية وظلوا يحنون إلى نبعهم الحضاري  ويرتدون على مدارس الزوايا مما جعلهم على حد تعبير بعض المسئولين الفرنسيين يعتبرون طلاب ومريدين في ذات الوقت[23]،وهي إشارة واضحة كانت تعتبرهم جيل ثوري صاعد سيهز أركان الاستعمار الفرنسي .

لم يكتف شيوخ الزواية السحنونية بالاهتمام بالتربية والتعليم فقط  بل عملوا بالتوازي مع ذلك لانماء معارف المريدين وتعدد معارفهم لأجل ذلك اهتموا بالمكتبة وطورها بإثرائها بالكتب والمحفوظات[24]،و اهتمت الزاوية بتنظيم  إعانات للمعوزين دوريا تحول دون ارتمائهم في مخالب التنصير وحافظت على نظام التويزة لسد رمق الكثيرين خلال فترة الجفاف،  واهتمت أيضا بالشعر الديني كأسلوب للصمود في وجه حركة التبشير.

لقد ركزت الزاوية على التعليم  واعتبرته مشروع اجتماعيا شارك في بنائه المجتمع برمته لتحصين أبناء المنطقة من مخالب التنصير،وهو الأمر الذي ينطبق على الدور التعليمي للزوايا في بلاد القبائل،بحيث كان التعليم يقوم على التربية أولا  ثم تطوير المعارف الثقافية بحفظ القرآن والمعارف المتصل به.

وعليه كانت المواجهة بالتعلم في الزاوية السحنونية ، كانت من أقوى الأسلحة في مواجهة التنصير الذي استفحل أمره بالمنطقة، ولم يتم مواجهة التنصير بالمنطقة فحسب، بل عملت الزاوية بفصله من محو الجهل و  المحافظة على الهوية، وتخريج علماء كان لهم الفضل في بناء الجزائر المستقلة أو قادة ومجاهدين أثناء ثورة التحرير الكبرى،  كما أن ذالك المنحى الذي انتهجه  السحنونيون[25]، بتشجيعهم للعلم لإرسال الطلبة لجامع الزيتونة كما هو الحال بالنسبة لمحمد ارزقي كتاب الذي عاد من جامع الزيتونةسنة1945 [26]، الأمر جعل التقارير الفرنسية تحكم على مريدي الطريقة السحنونية قد أصبحوا منتمين إلى جمعية العلماء المسلمين  الجزائريين وهو ما عزز من أساليب مقاومة الزوايا الرحمانية لمواجهة الهجمة التنصيرية الاستعمارية بالاعتماد على التعليم كأسلوب قوي في مواجهة التنصير.

يروي ارزقي فرادلا يزال تاريخ زاوية سيدي سحنون يلفّه الغموض، بسبب ضياع أرشيفها. وحول  حول هذه النقطة ،أن السيد الحاج أمْحَنْدْ أوسحنون، والسيد الحاج الشريف اُولجُودِي ، اخبراه أن السيد صالح بن ناصر عضو اللجنة المالية في الزاوية قد سلم وثائق الزاوية للكاتب المشهور أعمر بوليفة قصد كتابة تاريخها، لكنه تُوفي قبل تحقيق هذه المهمة، وبذلك ضاع أرشيفها الذي لا يقدر بثمن. ويذكر ارزقي فراد أيضا بناء على روايات شفوية من السيدين المذكورين، أن آث سحنون قد أظهروا للأمير عبد القادر -أثناءزيارته لمنطقة عمراوه في أواخر الثلاثينيات من القرن التاسع عشر - شجرة نسبهم الشريف، فأبدى إعجابه بها قائلا: ''أنا منها''.[27]

لقد أنجبت الزاوية أعلاما لعبوا دور رئيس في الحركة الإصلاحية لاحقا ضمن تيارات الحركة الوطنية عموما وجمعية العلماء المسلمين على الخصوص، ففضلا عن أنهم تصدوا وجابهوا سياسة التبشير المسيحي التي حملتها فرق الأخوات والآباء البيض  بالمنطقة، بحيث عملوا على نشر التعليم وإحياء الثقافة العربية الإسلامية فإنهم حضّروا المنطقة لتكون معقل للثورة التحريرية  وتقديم  التضحيات الجسام  في سبيل استرجاع السيادة المغتصبة، ومن بين أعلام الزاوية الذين حفظتهم الذاكرة الجمعية لأبناء المنطقة نذكر منهم[28]:

عائلة الشيخ مُحَنْدْ اُوعُمَرْ لونيسْ  ينتمي الشيخ مُحَندْ اُوعُمَر إلى فرع إسحنونن آث يراثن، ثم نزح إلى الجمعة نصهريج، وتزوج امرأة من عائلة آث عبد الله، وارتبط ذكره بالعلم والتربية بصفة عامة، وبزاوية سيدي سحنون بصفة خاصة، وترك مكتبة ثرية تزخر بالمخطوطات والوثائق الهامة التي يمكنها - لم تستغل إلى الآن- أن تساعد على إبراز معالم تاريخ المنطقة. ولا تزال المعلومات الخاصة بهذه العائلة شحيحة أيضا.

-  الشيخ محند اُوعُمَرْ لونيس:1896/1944:أخذ مبادئ القراءة والكتابة على يد عائلته، ثم قصد زاوية سيدي منصور في السن العاشرة، حيث قضى هناك شطرا كبيرا من حياته، حوالي سنتين دارسا ومدرّسا، ليعود بعدها إلى زاوية سيدي سحنون، خلف الشيخ محند العربي ناث بوعضه، وهو خليفة الشيخ مُحند وَلحَاجْ في هذه الزاوية بعد مغادرته لها، قصد تأسيس زاوية ثلا مُقرَنْ سنة 1903م. وقضى الشيخ مُحَندْ اُوعُمَرْ بقية عمره فيها منشغلا بالتدريس، وعقْد اجتماعات المصالحة، وفض النزاعات بين الأطراف المتخاصمة، محتفظا بعلاقته الطيبة مع زاوية سيدي منصور، التي كان يتعاون معها في الشؤون التربوية وإصلاح ذات البين، كإرسال بعض الطلبة إليها، والنظر معا في النزاعات بين الناس، وقد واصل جهوده العلمية إلى أن وافته المنية سنة 1944م، حسب شهادة الحاج أمْحَندْ اُوسَحْنُونْ، أو سنة 1946 حسب شهادة السيد محمد صالح لونيس، وكانت جنازته من الأيام المشهودة في عرش آث فراوسن، حيث أبّنه الشيخ أحمد داوي مقدم زاوية سيدي منصور. و لايزال ذكره واردا في الشعر الديني الصوفي، الذي يُنشد في حلقات الذكر بالمنطقة.

- الشيخ محمد السعيد لونيس:  يعتبر من  الأعلام البارزة التي تستحق الذكر في عائلة لونيس، الشيخ محمد السعيد لونيس ابن عم الشيخ مُحَندْ اُعُمَرْ، تولى وظيفة مرشد ديني في مسجد باريس في الثلاثينيات من القرن العشرين،  حسب ما ذكره ارزقي فراد وفقا لوثيقة سلمها له محمد الصالح لونيس

- الشيخ مقران لونيس (1942/2005) : عقّب الشيخ مُحَندْ اُوعُمَر، ولدا صالحا هو الشيخ محند أمقران، درس في زاوية سيدي منصور، ثم تولى المشيخة لبعض الوقت في زاوية سيدي سحنون. وعندما اندلعت الثورة التحريرية الكبرى كلّفته قيادة الولاية الثالثة بالإشراف على شؤون الأوقاف ببلدة الجمعة نصهريج، وكان يعمل تحت إمرة المجاهد سي الصادق ألينيوي مسئول الأوقاف في  الولاية الثالثة التاريخية. وقضى بعد الاستقلال بقية عمره في خدمة وطنه بقطاع التربية والتعليم، والأعمال الخيرية على نهج أسلافه الصالحين.

وعليه فإن سياسة التبشير الممركز بمنطقة القبائل التي انتهجتها إدارة الاحتلال،منذ نهاية ثورة المقراني ،قامت على توظيف كل الأساليب التي من شأنها،ليس فحسب على تمسيح العنصر الامازيغي في المنطقة، وجعله يعيش ويغترف من الحضارة الغربية  ليستمتع بمدنيتها القائمة على احترام الكرامة الإنسانية والعدل والإخاء،بل كانت تهدف إلى استلاب الشخصية الجزائرية وإبعادها عن بعهدها الديني ،باعتباره بعدا كان يحرض على الثورات ويرفض المستعمر ، وإلا كيف نفسر تعاضد جهود المبشرين ما بين فرق الآباء البيض والأخوات البيض،في قرى نائية كانوا يطمحون إلى تمسحيهم بتوظيف وسائل الإغراء والتبليس،فحين كانت تقاريرهم تشير إلى أن جهودهم هاته كانت في الغالب تصطدم لا بالرفض ،بل بالعودة إلى ديانته الأصلية وصعوبة التخلي عنها.

وما من شك فإن دور الزوايا بالمنطقة لعبت دور الرئيس في الحفاظ على الهوية الوطنية والشخصية الوطنية،وهو حال الزاوية التي كانت محل دراستنا ،الزاوية السحنونية بآث وغليس ،بحيث كان شيوخها الأوائل ممن صنعوا ملحمة ثورة 1871،وبعد فشل الثورة وبداية تضاعف جهود المبشرين ضاعف شيوخ الزاوية السحنونية من جهودهم،وواجهوا الحملات التبشيرية بايجاد بدائل قدموها للجماهير ،قامت على إصلاح مناهج التعليم،وتكثيف الأعمال الخيرية بإقامة التويزة،وجمع التبرعات وتقديمها للفقراء وسد رمقهم ،كي لا يكونوا  عرضة لإغراءات فرق الآباء والأخوات البيض.

كما توج دور الزاويا في السحنونية في خضم معركتها ضد سياسة التبشير الاستعماري،بأن ساهمت في حركة الإحياء التي عرفتها الجزائر في مطلع القرن العشرين،وعمقت أواصر التواصل الحضاري بين المنطقة في حد ذاتها بجعلها حاضرة من الحواضر الإسلامية وبينها وبين الحواضر الإسلامية الأخرى في الداخل والخارج ،كما ساهمت الزاوية  السحنونية كبقية الزواية بالمنطقة في إيجاد جيل من المصلحين ساهموا مساهمة كبرى ضمن التيار الإصلاحي- الذي جسدته جمعية العلماء المسلمين - في  صنع ملحمة نوفمبر لاسترجاع السيادة الوطنية،وفي مقارعة  تيارات النظام السياسي القائم  بعد الاستقلال للتأكيد على أن المنطقة ظلت تعلن انتماءها للبعد الحضاري الإسلامي.

الهوامش:



[1] ارزقي فراد: إطلالة على منطقة القبائل،دار الامل للطباعة والنشر والتوزيع الجزائر2006/ص،ص:77/78

 مصطفى الاشرف: الجزائر الامة والمجتمع،ت: حنفي بن عيسى، الجزائر... ص:129[2]

[3] سعيدي مزيان: السياسة الاستعمارية في منطقة القبائل  ومواقف السكان منها 1871/1914،ج1/ط:  دار سيدي الخير وزارة الثقافة  الجزائر 2010،ص:224/هامش رقم:94

[4] وثائق خاصة بزاوية ثاغريست المعهد السحنوني نقلا عن محمود بوكسيبة: الطريقة الرحمانية والاستعمار الفرنسي 1830/1962، اطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر2،2014

[5] الطاهر اوصديق:ثورة 1871،ت:جباح مسعودة،ط:المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر1989، ،ص:27/29

[6] نفسه ص:28/29

[7] للاستزادة  في هذا الباب ينظر مؤلف سعيدي مزيان: السياسة الاستعمارية في منطقة القبائل  ومواقف السكان منها 1871/1914،ج1/ط:  دار سيدي الخير وزارة الثقافة  الجزائر 2010،ص:259

[8] شارل روبير اجيرون: الجزائريون المسلمون وفرنسا،ج2،ص:126

[9]ابو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر تالثقافي،ج6،دار البصائر الجزائر2007،ص:126/127

[10] شارل وربير اجيرون: المجتمع الجزائري في فجر الأيديولوجية الكلونيالية-مقاومة القبائل الإدماج والتفكيك وفشل التنصير والتجنيس- ت: محمد العربي ولد خليفة منشورات تالة الجزائر2002،ص:129

[11]سعيدي مزيان: السياسة الاستعمارية في منطقة القبائل  ومواقف السكان منها 1871/1914،ج2/ط:  دار سيدي الخير وزارة الثقافة  الجزائر 2010،ص،ص:194/195/196

[12]سعيدي مزيان: السياسة الاستعمارية في منطقة القبائل  ومواقف السكان منها 1871/1914،ج2/ط:  دار سيدي الخير وزارة الثقافة  الجزائر 2010،ص،ص:198/199/200

[13] نفسه :ص204/205

[14]سعيدي مزيان: السياسة الاستعمارية في منطقة القبائل  ومواقف السكان منها 1871/1914،ج2،نفس المرجع السابق ،ص،ص:206/207/208/211/212

[15] عن اصول هذه الاسرة وعلاقتها بالفقيه عبد السلام بن سحنون انظر:محمد ارزقي فراد: إطلالة على زاوية سيدي سحنون،الشروق اليومي11-01-2010

[16] محمد الصالح الصديق: أعلام المغرب العربي،ج3،م.و.ف.م،الجزائر2000،ص:1135

ارزقي فراد: إطلالة على تاريخ زاوية سيدي سحنون، جريدة الشروق 11/01/2010[17]

[18] عرف الشيخ محمد السحنوني بتبحره  في العلم وهو زيتوني الدراسة ،عرف عنه سعة علمه وبعلاقته مع الشيخ عبد الحميد بن باديس،انظر:محمد الصالح  الصديق: المصدر السابق:ص1128

[19] محمد الصالح  الصديق: المصدر السابق:ص1128 ص:1136

[20] ارزقي فراد: المرجع السابق،ص:203-204

[21]سعيدي مزيان: السياسة الاستعمارية في منطقة القبائل  ومواقف السكان منها 1871/1914،ج2،ص،ص:255/256

[22] محمود بوكسيبة :الطريقة الرحمانية والاستعمار الفرنسي 1830/1962، اطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر2،2014،ص:262

[23]سعيدي مزيان:  نفس المرجع السابق،ج2،ص218

[24] ابو القاسم سعدالله: تاريخ الجزائر الثقافي ج10،دار  البصائر،2007،ص:605

[25] محمود بوكسيبة المرجع السابق:ص263/264

[26] محمد الحسين فضلاء، من أعلام الإصلاح في الجزائر ج1/ دار هومة الجزائر 2000. ص:45/46

[27] ارزقي فراد: اطلالة على تاريخ زاوية سيدي سحنون، جريدة الشروق 11/01/2010

[28] نفسه