الإنتخابات الرئاسية والتشريعية في الجزائر1999-2007:pdf

استمرارية أم حل للأزمة

د.مصطفى بلعور

جامعة قاصدي مرباح- ورقلة( الجزائر)

الملخص:

يفترض انتقال النظم السياسية من الأحادية نحو التعددية السياسية، إعادة النظر في مجمل القوانين التي تحكم العملية الديمقراطية. في إطار مسعى السلطة في الجزائر الرامي للعودة إلى العملية الانتخابية،أعلنت عن مجموعة من الإصلاحات السياسية بدءا بما تضمنه دستور نوفمبر 1996 ،وما أعقبه من مراجعة لقانون الأحزاب السياسية حيث صدر الأمر رقم 97/09 الذي أخضع العمل الحزبي لمجموعة من المقاييس والضوابط القانونية ،كما صدر الأمر رقم 97/07 المتضمن  القانون العضوي للانتخابات الذي اعتمد على نظام انتخابي قائم على أساس التمثيل النسبي ،و يأخذ بعين الاعتبار الكثافة السكانية في كل منطقة .

انطلاقا من المنظومة القانونية التي صدرت من أجل تنظيم الاستحقاقات، نتطرق في هذه المداخلة إلى أهم التجارب الانتخابية التي شهدتها الجزائر خلال العشرية الأخيرة منذ الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 و إلى غاية الانتخابات التشريعية الأخيرة سنة 2007 في محاولة للإجابة على الإشكالية التالية : 

هل التجارب الانتخابية في الجزائر استمرارية للأزمة ؟ أم تعد مؤشرا من مؤشرات التحوّل الديمقراطي؟

تكون الإجابة على الإشكالية من خلال النقاط التالية:

  - الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 و قانون الوئام المدني:

- الانتخابات الرئاسية لسنة 2004 و قانون المصالحة الوطنية:

- دراسة مقارنة لنتائج الانتخابات التشريعية لسنتي (2002 و 2007 )

   الكلمات الدالة :الانتخابات الرئاسية ، التشريعية في الجزائر، استمرارية للأزمة، أم حل لها

المقدمة :

يفترض انتقال النظم السياسية من الأحادية نحو التعددية السياسية، إعادة النظر في مجمل القوانين التي تحكم العملية الديمقراطية. في إطار مسعى السلطة في الجزائر الرامي للعودة إلى العملية الانتخابية،أعلنت عن مجموعة من الإصلاحات السياسية بدءا بما تضمنه دستور نوفمبر 1996 ،وما أعقبه من مراجعة لقانون الأحزاب السياسية حيث صدر الأمر رقم 97/09 الذي أخضع العمل الحزبي لمجموعة من المقاييس والضوابط القانونية ،كما صدر الأمر رقم 97/07 المتضمن  القانون العضوي للانتخابات الذي اعتمد على نظام انتخابي قائم على أساس التمثيل النسبي ،و يأخذ بعين الاعتبار الكثافة السكانية في كل منطقة .

انطلاقا من المنظومة القانونية التي صدرت من أجل تنظيم الاستحقاقات، نتطرق في هذه المداخلة إلى أهم التجارب الانتخابية التي شهدتها الجزائر خلال العشرية الأخيرة منذ الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 و إلى غاية الانتخابات التشريعية الأخيرة سنة 2007 في محاولة للإجابة على الإشكالية التالية : 

هل التجارب الانتخابية في الجزائر استمرارية للأزمة ؟ أم تعد مؤشرا من مؤشرات التحوّل الديمقراطي؟

تكون الإجابة على الإشكالية من خلال النقاط التالية:

 - الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 و قانون الوئام المدني:

- الانتخابات الرئاسية لسنة 2004 و قانون المصالحة الوطنية:

– دراسة مقارنة لنتائج الانتخابات التشريعية لسنتي (2002 و 2007 )

1- الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 و قانون الوئام المدني:

فتحت استقالة الرئيس اليمين زروال المجال أمام ترشيح عدد من الشخصيات السياسية  لمنصب الرئاسة، وأقرالمجلس الدستوري في 11 مارس 1999 سبعة ترشيحات لكل من: عبد العزيز بوتفليقة، حسين آيت أحمد، مولود حمروش، يوسف الخطيب، عبد الله جاب الله، مقداد سيفي و احمد طالب الإبراهيمي و رفض ثلاثة ترشيحات أخرى لكل من لويزة حنون، سيد احمد غزالي، و نور الدين بوكروح لعدم إيفائها بأحد شروط المادة (159) من القانون الانتخابي التي تقضي بجمع 75000 توقيع عن 25 ولاية. أسفرت نتائج الانتخابات الرئاسية التعددية الثانية التي أجريت يوم 15 أفريل 1999 عن فوز السيد: عبد العزيز بوتفليقة، بنسبة تفوق 73.79 % من أصوات المقترعين المقدر عددهم بـ 10.539.751 ملايين1، و كان قد أعلن ستة مترشحين عن انسحابهم من السباق الرئاسي. و بمجرد إعلان النتائج أدلى بوتفليقة بتصريح قال فيه أن الشعب الجزائري عبر عن نفسه بوضوح و" انتخبني ديمقراطيا لرئاسة الجمهورية" بغض النظر عن مآخذ المنسحبين حول حدوث خروقات و عمليات تزوير و تضخيم نسبة المشاركة.

تقدم الرئيس بوتفليقة على منافسيه بأنه مرشح الإجماع الوطني الذي يحظى بتزكية و تأييد خمسة أحزاب كبرى هي جبهة التحرير الوطني، و التجمع الوطني الديمقراطي و حركة النهضة، و حركة مجتمع السلم، و حزب العمال، بالإضافة إلى عدد كبير من المنظمات كمنظمة المجاهدين و أبناء الشهداء.

يعتبر انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية مؤشرا لبداية حل الأزمة إذا استطاع أن يجري الحوار ويعمل على تحقيق الوئام المدني و هو ما دعا إليه بعد فوزه في الانتخابات، إذ وجه بتاريخ 03 أوت 1999 خطابا بمناسبة استدعاء الهيئة الانتخابية لاستفتاء 16 سبتمبر 1999 حول قانون الوئام المدني و قد تضمن الخطاب برنامجا شاملا حول استتباب السلم و الأمن و إعادة دفع الاقتصاد الوطني و محاربة الفقر و المشاكل الاجتماعية و إعادة صورة و صدقية الجزائر في العالم، و استعادة ثقة الشركاء الأجانب ، حيث كلف الحكومة بتقديم " مشروع استعادة الوئام المدني " للاستفتاء الشعبي بعد أن صادق عليه البرلمان بأغلبية مطلقة2، وقد ارتكز هذا القانون على أربعة محاور هي:3

·    التمسك بالدستور و الحرص على تنفيذ القوانين.

·    إحقاق حق ضحايا العنف و التكفل بهم.

·    العرفان إزاء المؤسسات و جميع المواطنين الذين كان لهم دور في إنقاذ الجزائر.

·    فسح المجال لعودة كل من ضل الطريق لسبب أو آخر.

جاء لمحور الرابع من قانون الوئام المدني كمحاولة لإخراج البلاد من مسلسل العنف الذي يضربها منذ توقيف المسار الانتخابي رغم المحاولات السابقة التي عملت على استتباب الأمن و الاستقرار.

إزاء هذا الوضع المثقل بالجراح و المصاعب عمل الرئيس بوتفليقة على طرح منهج جديد للخروج من الأزمة التي خلفت أكثر من 100 ألف قتيل و خسائر مادية تقديراتها حوالي 20 مليار دولار و تجسد هذا المنهج في قانون الوئام المدني الذي أصر الرئيس المنتخب على إجراء استفتاء بشأنه في 16 سبتمبر 1999 حيث حصل على تزكية 14 مليون ناخب بنسبة 98 %، و شرعت السلطات الجزائرية عقب الاستفتاء لإقناع الجماعات المسلحة بضرورة الامتثال للقانون و بالفعل امتثل 80 % من هؤلاء.4 كما أصدر الرئيس عفوا شاملا لصالح الجماعات التي دخلت في هدنة مع الدولة في 4 أكتوبر 1997، و إزاء هذه الإجراءات هدأت نسبيا موجات العنف و الإرهاب.

في سياق متصل حرص الرئيس الجزائري على إصدار عدد من القوانين لتشجيع المستثمرين و استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية بتخفيض الرسوم و الضرائب المفروضة عليهم مع اتجاه يجعل الاقتصاد الجزائري يندمج في الاقتصاد العالمي5، و قد عكست مؤشرات أداء الاقتصاد الوطني القفزة الحقيقية التي شهدتها البلاد خلال سنوات 1999-2000-2001 حيث تشير الأرقام إلى ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي من 04.4 مليار دولار إلى 14.5 مليار دولار، ثم إلى 18 مليار دولار حسب ترتيب السنوات السابقة الذكر حتى وصل إلى 22.6 مليار دولار في نهاية عام 2002 كما انخفض حجم الديون الخارجية من 28.4 مليار دولار سنة 1999 إلى 22 مليار دولار نهاية عام 2001، و بلغت نسبة النمو 04.6 % خلال عام 2002.6

أعلن الرئيس بعد عامين من حكمه عن بدء برنامج الإنعاش الاقتصادي في الجزائر حيث تم تخصيص 500 بليون دينار له، و ذلك لمعالجة تردي الأوضاع الاجتماعية في الجزائر على مدى أربع سنوات من (2001 إلى2004 ) و اعتماد خطة عاجلة لتنمية ولايات الجنوب7.رغم الإصلاحات الاقتصادية التي مست بنية الاقتصاد الوطني، و الإصلاحات الاجتماعية التي مست قطاع الشباب مثل المنح العائلية لجميع الموظفين و العمال في القطاعين العام و الخاص، وتسوية وضعية الشباب اتجاه الخدمة الوطنية إلا أن آثار الإصلاحات الاقتصادية ظلت محدودة حيث لم تنعكس على تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، و استمرت موجات الإرهاب و العنف في الجزائر.

 2- الانتخابات الرئاسية لسنة 2004 و قانون المصالحة الوطنية:

تنافس في الانتخابات الرئاسية المنظمة يوم 08 أفريل 2004 ستة مرشحين و هم: عبد العزيز بوتفليقة، علي بن فليس، عبد الله جاب الله، سعيد سعدي، لويزة حنون و علي فوزي رباعين في حين قضى المجلس الدستوري بعدم شرعية ترشح كل من أحمد طالب الإبراهيمي، و سيد احمد غزالي، و موسى تواتي. و لم يقدم حسين آيت احمد ترشحه.

أسفرت النتائج الرسمية للاقتراع كما أعلن عنها المجلس الدستوري عن فوز عبد العزيز بوتفليقة بـ10.179 مليون صوت أي بنسبة 85 %.8

حظيت الانتخابات الرئاسية باهتمام واسع على الصعيدين الإقليمي و الدولي حيث حضر 130 مراقبا دوليا وتابعوا عملية الاقتراع وواكبوا التطورات السياسية المصاحبة لها، و يبدو من خلال التعليقات المسايرة للعملية الانتخابية أو تلك التي أعقبت الإعلان عن النتائج  النهائية أن التنافس التعددي على الرئاسة لم يكن عرضة لما يشكك في نزاهته، فالمؤسسة العسكرية التي دأبت على التدخل في صنع النتائج و انتقاء الرؤساء المتمتعين بجاهزية الاشتغال تحت سلطتها، التزمت موقفا أقرب من المراقبة من بعيد، منه إلى الحياد المطلق فاسحة المجال للتنافس التعددي، و لربما دشنت بهذا السلوك سبيل التحول إلى مؤسسة محترفة.9

إن إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة بتلك النسبة الكاسحة جاءت أقرب لما يشبه الاستفتاء الشعبي على سنوات حكمه و التي حقق خلالها انجازات لا يمكن إنكارها سواء على صعيد إعادة الاستقرار نسبيا إلى الجزائر من خلال برنامج الوئام المدني الذي طبقه بعد شهور قليلة من نجاحه في دورته الرئاسية الأولى أو خلال الانجازات الاقتصادية الجزئية التي حققتها حيث يمكن القول أنه على الرغم مما تعانيه الجزائر من أزمات فإن الوضع الاقتصادي أفضل بكثير عما كان عليه قبل توليه الحكم، و يتجلى ذلك في زيادة احتياطي الجزائر من العملة الصعبة من 04 مليارات دولار وقتها إلى 30 مليار حسب بيانات 2002.10 و إن كان الرئيس بوتفليقة لم يستطع تخفيض نسبة البطالة و التضخم بالصورة المطلوبة خلال فترة رئاسته الأولى.

وفرت نتائج الانتخابات - التي فاز بها بوتفليقة - العديد من المقومات لولايته الرئاسية الثانية، فمن جهة تمهد له الطريق لتنفيذ البرامج السياسية و الاقتصادية التي يسعى إلى تنفيذها، و من جهة ثانية أعطته شرعية ضد أية ضغوط يمكن أن يتعرض لها سواء من قبل المؤسسة العسكرية، أو في مواجهة الجماعات الأصولية لا سيما الجبهة الإسلامية للإنقاذ.11 و المؤكد أن نجاح الولاية الثانية للرئيس بوتفليقة مرهون إلى حد بعيد بمدى قدرته على انجاز خطوات عميقة في ملفات المصالحة الوطنية و القضية الأمازيغية، و تخفيف مضاعفات الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية، علاوة على مدى قابليته لأن يعمق حيادية مؤسسة الجيش ،و يبقى في منأى عن كل صور الضغط الصادرة عنها.

لم تكن الاختلالات الاقتصادية و الاجتماعية أقل أهمية من قضية المصالحة الوطنية هذه الأخيرة التي صدر بشأنها المرسوم الرئاسي رقم 05/270 يوم 14 أوت 2005 و الذي دعا الهيئة الناخبة إلى الاستفتاء حول ميثاق السلم و المصالحة في  29 سبتمبر 2005 و قد جاءت نتائج الاستفتاء عليه بنعم بأغلبية ساحقة رغم مقاطعة واسعة في بلاد القبائل، و دخل الأمر الرئاسي حيز التنفيذ في 28/02/2006 و استفاد نحو 07 آلاف سجين من تدابير العفو أو تخفيف العقوبات أو انقضاء المتابعات القضائية في حقهم.12

 ساهمت عائدات النفط الضخمة و غير المتوقعة في توطيد السلم الاجتماعي حيث تم ضخ حوالي 56 مليار دولار في أواخر عام 2005 في مشاريع تنموية عملاقة، كما رصد لها مبلغ 60 مليار دولار في الفترة الواقعة بين عامي 2005 و 2009، ثم رفع المبلغ فيما بعد إلى 150 مليار دولار فانخفض معدل البطالة بمقدار النصف بحدود 15 % من السكان العاملين، مقابل 30 % عام 1999، و زاد دخل الأسر بمعدل الربع و ارتفعت مستويات النمو إلى 06 % و حافظت العملة على قيمتها بعد ضبط التضخم و انخفضت المديونية الخارجية للجزائر.13

3 – دراسة مقارنة لنتائج الانتخابات التشريعية لسنتي (2002 و 2007 ):

جرت ثالث انتخابات تشريعية تعددية في الجزائر يوم 30 ماي من العام 2002 منذ إقرار التعددية الحزبية عام 1989، تنافس في الانتخابات 21 حزبا بالإضافة إلى المرشحين المستقلين، أما نسبة المشاركة فقد بلغت 46.09%  مقابل 65.49 % في انتخابات جوان 1997 في 46 ولاية من إجمالي 48 ولاية، بينما انخفضت نسبة المشاركة في منطقة القبائل إلى حد يقترب من المقاطعة ،حيث تدنت نسبة المشاركة في ولاية  تيزي وزو إلى 01.5 % ووصلت إلى 02.5 %  في ولاية بجاية. أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز حزب جبهة التحرير الوطني بأغلبية المقاعد حيث حصل على 199 مقعدا، و التجمع الوطني الديمقراطي 48 مقعدا و حركة الإصلاح الوطني 43 مقعدا.14

تشير النتائج التي أسفرت عنها صناديق الاقتراع إلى دلالات عميقة بالنسبة للتوازنات الجديدة داخل البرلمان حيث نلاحظ:

·     الفوز الكبير لجبهة التحرير الوطني 199 مقعدا من أصل 389 و تراجع التجمع الوطني الديمقراطي عن موقع الريادة .

·    أكدت النتائج استمرارية حضور القوى السياسية ذات الشرعية التاريخية في المشهد السياسي الوطني على الرغم من مظاهر الضعف التي طالتها جراء أحداث 1988.

·    تراجع تمثيل التيار الإسلامي بشكل عام حيث فقدت حركة مجتمع السلم نصف مقاعدها من 69 مقعد عام 1997 إلى 38 مقعدا بينما حصلت حركة النهضة على مقعد واحد.

·    اتسمت الانتخابات بشكل عام باستمرار ظاهرة انخفاض نسبة المشاركة السياسية و بالطعن في تزويرها لصالح أحزاب السلطة أكثر من مرة.

·    التبدل المستمر في المواقع و الشعبية بين حزب جبهة التحرير الوطني و التجمع الوطني الديمقراطي من ناحية، و الأحزاب الإسلامية المستوعبة في النظام من ناحية أخرى مثل حركة مجتمع السلم.

رغم حصول حزب جبهة التحرير الوطني على الأغلبية المطلقة من مقاعد البرلمان مما يجعله في حل من أي ائتلاف حكومي، فقد أصرت قيادة الحزب على إشراك أحزاب أخرى إلى جانبها في العمل الحكومي.على صعيد آخر شهدت الجزائر عام 2007 سبع عمليات عنف في فترات متقاربة و ضد أهداف إستراتيجية ذات حصانة عالية، الأمر الذي جدد مخاوف الجزائريين من تكرار عنف التسعينات بكل بشاعته، بل بأشد منها أيضا مع ارتباط الدورة الجديدة من العنف باسم " القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"و هو ما أثار الشكوك في جدوى المصالحة الوطنية و جهودها حيث يقول في هذا السياق الأستاذ "علي يحي عبد النور" رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان: « إن الشعب الجزائري يطالب بحق من حقوقه يتعلق بتقييم سنوات بوتفليقة، من اللازم تقييم عهدته الخماسية بدقة، لقد وعد بالسلم و الأمن و الإصلاحات، و لكنه لم ينجز و لا واحد من هذه الوعود ».15 حيث وقعت أعمال عنف خلال شهور فبراير و أفريل و جويلية و سبتمبر من نفس السنة و شملت بالترتيب: تفجير سبع سيارات مفخخة في العاصمة الجزائر، و الاعتداء على موقع عسكري بشاحنة مفخخة شرقي العاصمة، و محاولة استهداف موكب الرئيس بوتفليقة في مدينة باتنة ،ثم الهجوم مجددا على ثكنة عسكرية في شرقي العاصمة، و الإغارة على قافلة عسكرية بسيارة مفخخة في البويرة، و أخيرا الهجوم على المحكمة العليا ومفوضية اللاجئين في العاصمة.16

في ظل هذا المشهد جرت الانتخابات التشريعية في 17 ماي 2007 و كان من المتوقع أن تكون هذه الانتخابات فرصة لتطوير الخريطة السياسية لدمج أكبر عدد ممكن من القوى السياسية في العملية السياسية، لكن مرحلة ما قبل إجراء الانتخابات أكدت أنه سوف يتم تقليص هذه الخريطة و ليس توسيعها حيث قررت قوى أساسية عدم المشاركة و يتعلق الأمر بجبهة القوى الاشتراكية التي أعلن زعيمها حسين آيت أحمد رفض حزبه المشاركة فيها لأنها ستطيل من عمر الإخفاق السياسي الذي تعاني منه الجزائر منذ سنوات، و قد دفع هذا الوضع بالمراقبين إلى التأكيد على أن البرلمان الجديد في 2007 لن يختلف كثيرا عن البرلمان السابق 2002 باستثناء بعض التغييرات الطفيفة.17

حسب النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية يوم 18/05/2007 بلغت نسبة المشاركة حوالي 36 % فقط من أصل 18 مليون ناخب مسجل، حيث شارك 06.687 ملايين ناخب و تصدر حزب جبهة التحرير الوطني في الترتيب الأول حيث حصل على 136 مقعدا من مقاعد المجلس المكون من 389 مقعدا.18 بهذه النتيجة يكون حزب جبهة التحرير الوطني فقد 36 مقعدا مقارنة بانتخابات 2002 التي حصل فيها على 199 مقعدا، و بالتالي لم يحصل على الأغلبية الكافية التي تؤهله لتشكيل الحكومة لوحده. من خلال قراءة نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2007 نستشف ما يلي:

·     تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات إلى 36% مقارنة بانتخابات 2002 التي بلغت نسبة المشاركة فيها 46 % رغم الرقم القياسي من حيث عدد المرشحين الذي تجاوز 12.229 مرشحا يمثلون 24 حزبا و1144 قائمة انتخابية.19

·     الجهود الأمنية المكثفة التي حشدتها السلطات الجزائرية لتأمين سير العملية الانتخابية تحسبا لوقوع أعمال إرهابية خاصة في الجزائر العاصمة و محيطها.

· تقدم أحزاب التحالف الرئاسي ممثلة في حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة مجتمع السلم ، ما أهلها لتشكيل الحكومة بما يعني أن أسلوب الحكم و اتجاهاته و انجازاته ستظل كما هي من دون تغيير كبير.

وسعت نتائج الانتخابات من القاعدة السياسية للرئيس، على اعتبار أنها جاءت بحزب التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية الذي قاطع انتخابات 2002 بما يعني مشاركة الأمازيغ في هذا البرلمان بعد غيابهم عن البرلمان السابق رغم مقاطعة جبهة القوى الاشتراكية لانتخابات 2002 و 2007.

  الخاتمــة

 - كشفت نتائج الانتخابات التعددية أن عملية التحول الديمقراطي التي شهدتها الجزائر تتجه نحو نظام التعددية المقيدة بهدف التحكم في الاستحقاقات السياسية التي سوف تشهدها الجزائر في المستقبل، كما كشفت تلك الانتخابات عن تراجع معدل التصويت في عملية الاقتراع وهو مؤشر هام يعكس سخط الجزائريين و تذمرهم من استمرا حالة عدم الاستقرار السياسي بسبب موجة العنف التي لم تتوقف من جهة، و بسبب تردي أوضاعهم الاقتصادية و الاجتماعية من جهة ثانية.

- دلت التجارب البرلمانية أن المبادرة المستقلة التي يسمح بها النظام للبرلمان المنتخب  محدودة جدا، فأعضاء مجلس الوزراء لا يدينون بتعيينهم للبرلمان، كما أن أعضاء المجلس الشعبي الوطني الذين يكلفون بحقائب وزارية تشغر مقاعدهم في حال تسلمهم لتلك الحقائب ، وهكذا تبقى المبادرة في قضايا  الإصلاح الدستوري حكرا على رئيس الجمهورية كما لاحظنا ذلك مع التعديل الدستوري في نوفمبر 2008 ،والذي جاء للتمديد للرئيس لولاية  رئاسية ثالثة ، لذلك تعد الهيئة التشريعية في الكثير من الحالات منبرا تشن من فوقه الحملات البلاغية على النظام السياسي، وبالتالي تبقى مسألة التداول السلمي للسلطة إشكالية من إشكاليات التحول الديمقراطي بالجزائر.

- تبقى العملية السياسية التي تدار داخل السلطة عاجزة عن التفوق أو إبطال الصراع الحزبي الذي يدار داخل السلطة التنفيذية، و من ثم فإن ضعف السلطة التشريعية نابع من الضعف المزمن للأحزاب السياسية، و هو ما يشكل معوقا لعملية التحول الديمقراطي الحقيقي في الجزائر.

 إجمالا عادت الجزائر إلى احتلال موقعها في الساحة الدولية حيث حضرت بكل ثقلها في المؤتمرات واللقاءات و الندوات مثل القمة العربية المنعقدة بالجزائر عام 2005، كما حققت استقرارا  نسبيا رغم عودة بعض أعمال العنف النوعية التي استهدفت مقر الحكومة، و مقر مفوضية الأمم المتحدة بالجزائر عام 2007، و قد تبنى تلك الأعمال الإرهابية التنظيم الجديد المسمى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي

هوامش الدراسة:

[1]- تفاصيل أكثر حول نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 1999 و ما تحصل عليه كل مترشح أنظر :بيان وزارة الداخلية والجماعات المحلية يوم 16/04/1999.

2- صوت المجلس الشعبي الوطني على القانون بأغلبية 288 صوتا بنعم و امتنع 16 نائبا عن التصويت، و غاب 76 نائبا غالبيتهم من جبهة القوى الاشتراكية و التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية و صوت بلا نائب واحد من مجموع الأعضاء 144 الممثلين في مجلس الأمة على قانون الوئام المدني..

3- حزام والي خميس،إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية . بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية  ،2003، ص 151.

4- إبراهيم عيسى عبد العزيز و جاب الله عمارة محمد، السياسة بين النمذجة والمحاكاة. الإسكندرية:المكتبة الجامعية الحديثة،2004، ص 159.

5- صدر الأمر رقم 01/03 المتعلق بتطوير الاستثمار في الجزائر يوم 20 /08/2001 ونص في المادة (10) منه على الإعفاءات الضريبية على أرباح الشركات لمدة 10 سنوات. تفاصيل أكثر أنظر: الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية العدد (47) الصادرة يوم 22/08/2001 ،ص 06 .

6- أنظر الإحصائيات الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالجزائر(2003/2004).

7- السرجاني ، خالد، « الجزائر انتفاضة البربر و تطورات الأزمة الداخلية ».السياسة الدولية، العدد (145)، جويلية 2001، ص 307.

8- تفاصيل أكثر حول نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2004 ،أنظر: بيان وزارة الداخلية والجماعات المحلية يوم09 /04/2004.

9- التقرير الاستراتيجي العربي( 2004-2005 ).القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية، 2005، ص 291-292.

10- التقرير الاستراتيجي العربي ( 2003-2004 ).القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 2004، ص 414.

11- نفس المرجع، ص 414.

12- المرسوم الرئاسي رقم 05/270 المؤرخ يوم 14 أوت 2005  و المتضمن قانون السلم و المصالحة .

13- تفاصيل أكثر حول تقييم  البرنامج الاقتصادي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أنظر:بجاوي محمد وآخرون، الجزائر آفاق 2010 التنمية والديمقراطية.الجزائر:دار الغرب وهران ،2003 .

14- أنظر: نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2002 في بيان وزارة الداخلية والجماعات المحلية يوم 30/06/2002.

15- بجاوي، محمد و آخرون، الجزائر آفاق 2010: التنمية و الديمقراطية. وهران دار الغرب2003ص 125.

16- تقرير حال الأمة العربية (2007-2008). بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 ، ص 48.

17- التقرير الاستراتيجي العربي ( 2006-2007 ).القاهرة:مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية،2007، ص332.

18- تفاصيل أكثر حول نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2007 أنظر: بيان وزارة الداخلية والجماعات المحلية يوم 17/05/2007.

19- التقرير الاستراتيجي العربي (2006-2007). مرجع سابق، ص 335.